سورة
اية:

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ولو شاء ربك} يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى، كقوله تعالى: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} ، وقال تعالى: { أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا} ، ولهذا قال تعالى: { أفأنت تكره الناس} أي تلزمهم وتلجئهم، { حتى يكونوا مؤمنين} أي ليس ذلك عليك ولا إليك { ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء} ، { إنك لا تهدي من أحببت} ، { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} ، { لست عليهم بمصيطر} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن اللّه تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن اللّه ويجعل الرجس} وهو الخبال والضلال { على الذين لا يعقلون} أي حجج اللّه وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل.

تفسير الجلالين

{ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكره الناس } بما لم يشأه الله منهم { حتى يكونوا مؤمنين } لا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : { وَلَوْ شَاءَ } يَا مُحَمَّد { رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } بِك , فَصَدَّقُوك أَنَّك لِي رَسُول وَأَنَّ مَا جِئْتهمْ بِهِ وَمَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَإِخْلَاص الْعُبُودَة لَهُ حَقّ , وَلَكِنْ لَا يَشَاء ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْ قَضَاء اللَّه قَبْل أَنْ يَبْعَثَك رَسُولًا أَنَّهُ لَا يُؤْمِن بِك وَلَا يَتَّبِعُكَ فَيُصَدِّقُوك بِمَا بَعَثَك اللَّه بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالنُّور إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَة فِي الْكِتَاب الْأَوَّل قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ , وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَجِبُوا مِنْ صِدْق إِيحَائِنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن لِتُنْذِر بِهِ مَنْ أَمَرْتُك بِإِنْذَارِهِ مِمَّنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ عِنْدِي أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِك فِي الْكِتَاب السَّابِق . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13856 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِن إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } 10 100 وَنَحْو هَذَا فِي الْقُرْآن , فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْرِص أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيع النَّاس وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى , فَأَخْبَرَهُ اللَّه أَنَّهُ لَا يُؤْمِن مِنْ قَوْمه إِلَّا مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه السَّعَادَة فِي الذِّكْر الْأَوَّل , وَلَا يَضِلّ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه الشَّقَاء فِي الذِّكْر الْأَوَّل . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قَوْله : { لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } ؟ فَالْكُلّ يَدُلّ عَلَى الْجَمِيع , وَالْجَمِيع عَلَى الْكُلّ , فَمَا وَجْه تَكْرَار ذَلِكَ , وَكُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تُغْنِي عَنْ الْأُخْرَى ؟ قِيلَ : قَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة : جَاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " فِي هَذَا الْمَوْضِع تَوْكِيدًا كَمَا قَالَ : { لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اِثْنَيْنِ } 16 51 فَفِي قَوْله : " إِلَهَيْنِ " دَلِيل عَلَى الِاثْنَيْنِ . وَقَالَ غَيْره : جَاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْد " كُلّهمْ " ; لِأَنَّ " جَمِيعًا " لَا تَقَع إِلَّا تَوْكِيدًا , وَ " كُلّهمْ " يَقَع تَوْكِيدًا وَاسْمًا ; فَلِذَلِكَ جَاءَ بِـ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلّهمْ " . قَالَ : وَلَوْ قِيلَ إِنَّهُ جَمَعَ بَيْنهمَا لِيَعْلَم أَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِد لَجَازَ هَهُنَا . قَالَ : وَكَذَلِكَ : { إِلَهَيْنِ اِثْنَيْنِ } الْعَدَد كُلّه يُفَسَّر بِهِ , فَيُقَال : رَأَيْت قَوْمًا أَرْبَعَة , فَمَا جَاءَ بِاثْنَيْنِ وَقَدْ اِكْتَفَى بِالْعَدَدِ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : عِنْدِي دِرْهَم وَدِرْهَمَانِ , فَيَكْفِي مِنْ قَوْلهمْ : عِنْدِي دِرْهَم وَاحِد وَدِرْهَمَانِ اِثْنَانِ , فَإِذَا قَالُوا دَرَاهِم قَالُوا ثَلَاثَة ; لِأَنَّ الْجَمْع يَلْتَبِس وَالْوَاحِد وَالِاثْنَانِ لَا يَلْتَبِسَانِ , لَمْ يُثَنّ الْوَاحِد وَالتَّثْنِيَة عَلَى تَنَافِي الْجَمْع , لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلّ وَاحِد وَاحِد , لِأَنَّ دِرْهَمًا يَدُلّ عَلَى الْجِنْس الَّذِي هُوَ مِنْهُ , وَوَاحِد يَدُلّ عَلَى كُلّ الْأَجْنَاس , وَكَذَلِكَ اِثْنَانِ يَدُلَّانِ عَلَى كُلّ الْأَجْنَاس , وَدِرْهَمَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنْفُسهمَا , فَلِذَلِكَ جَاءَ بِالْأَعْدَادِ لِأَنَّهُ الْأَصْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : { وَلَوْ شَاءَ } يَا مُحَمَّد { رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } بِك , فَصَدَّقُوك أَنَّك لِي رَسُول وَأَنَّ مَا جِئْتهمْ بِهِ وَمَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه وَإِخْلَاص الْعُبُودَة لَهُ حَقّ , وَلَكِنْ لَا يَشَاء ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْ قَضَاء اللَّه قَبْل أَنْ يَبْعَثَك رَسُولًا أَنَّهُ لَا يُؤْمِن بِك وَلَا يَتَّبِعُكَ فَيُصَدِّقُوك بِمَا بَعَثَك اللَّه بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالنُّور إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَة فِي الْكِتَاب الْأَوَّل قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ , وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَجِبُوا مِنْ صِدْق إِيحَائِنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن لِتُنْذِر بِهِ مَنْ أَمَرْتُك بِإِنْذَارِهِ مِمَّنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ عِنْدِي أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِك فِي الْكِتَاب السَّابِق . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13856 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِن إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه } 10 100 وَنَحْو هَذَا فِي الْقُرْآن , فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْرِص أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيع النَّاس وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى , فَأَخْبَرَهُ اللَّه أَنَّهُ لَا يُؤْمِن مِنْ قَوْمه إِلَّا مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه السَّعَادَة فِي الذِّكْر الْأَوَّل , وَلَا يَضِلّ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه الشَّقَاء فِي الذِّكْر الْأَوَّل . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قَوْله : { لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } ؟ فَالْكُلّ يَدُلّ عَلَى الْجَمِيع , وَالْجَمِيع عَلَى الْكُلّ , فَمَا وَجْه تَكْرَار ذَلِكَ , وَكُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تُغْنِي عَنْ الْأُخْرَى ؟ قِيلَ : قَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة : جَاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " فِي هَذَا الْمَوْضِع تَوْكِيدًا كَمَا قَالَ : { لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اِثْنَيْنِ } 16 51 فَفِي قَوْله : " إِلَهَيْنِ " دَلِيل عَلَى الِاثْنَيْنِ . وَقَالَ غَيْره : جَاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْد " كُلّهمْ " ; لِأَنَّ " جَمِيعًا " لَا تَقَع إِلَّا تَوْكِيدًا , وَ " كُلّهمْ " يَقَع تَوْكِيدًا وَاسْمًا ; فَلِذَلِكَ جَاءَ بِـ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلّهمْ " . قَالَ : وَلَوْ قِيلَ إِنَّهُ جَمَعَ بَيْنهمَا لِيَعْلَم أَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِد لَجَازَ هَهُنَا . قَالَ : وَكَذَلِكَ : { إِلَهَيْنِ اِثْنَيْنِ } الْعَدَد كُلّه يُفَسَّر بِهِ , فَيُقَال : رَأَيْت قَوْمًا أَرْبَعَة , فَمَا جَاءَ بِاثْنَيْنِ وَقَدْ اِكْتَفَى بِالْعَدَدِ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : عِنْدِي دِرْهَم وَدِرْهَمَانِ , فَيَكْفِي مِنْ قَوْلهمْ : عِنْدِي دِرْهَم وَاحِد وَدِرْهَمَانِ اِثْنَانِ , فَإِذَا قَالُوا دَرَاهِم قَالُوا ثَلَاثَة ; لِأَنَّ الْجَمْع يَلْتَبِس وَالْوَاحِد وَالِاثْنَانِ لَا يَلْتَبِسَانِ , لَمْ يُثَنّ الْوَاحِد وَالتَّثْنِيَة عَلَى تَنَافِي الْجَمْع , لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلّ وَاحِد وَاحِد , لِأَنَّ دِرْهَمًا يَدُلّ عَلَى الْجِنْس الَّذِي هُوَ مِنْهُ , وَوَاحِد يَدُلّ عَلَى كُلّ الْأَجْنَاس , وَكَذَلِكَ اِثْنَانِ يَدُلَّانِ عَلَى كُلّ الْأَجْنَاس , وَدِرْهَمَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنْفُسهمَا , فَلِذَلِكَ جَاءَ بِالْأَعْدَادِ لِأَنَّهُ الْأَصْل .' وَقَوْله : { أَفَأَنْت تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَنْ يُصَدِّقَك يَا مُحَمَّد وَلَنْ يَتَّبِعك وَيُقِرّ بِمَا جِئْت بِهِ إِلَّا مَنْ شَاءَ رَبّك أَنْ يُصَدِّقَك , لَا بِإِكْرَاهِك إِيَّاهُ وَلَا بِحِرْصِك عَلَى ذَلِكَ , أَفَأَنْت تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لَك مُصَدِّقِينَ عَلَى مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك ؟ يَقُول لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَاَلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَة رَبّك أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } وَقَوْله : { أَفَأَنْت تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَنْ يُصَدِّقَك يَا مُحَمَّد وَلَنْ يَتَّبِعك وَيُقِرّ بِمَا جِئْت بِهِ إِلَّا مَنْ شَاءَ رَبّك أَنْ يُصَدِّقَك , لَا بِإِكْرَاهِك إِيَّاهُ وَلَا بِحِرْصِك عَلَى ذَلِكَ , أَفَأَنْت تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لَك مُصَدِّقِينَ عَلَى مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّك ؟ يَقُول لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَاَلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَة رَبّك أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} أي لاضطرهم إليه. { كلهم} تأكيد لـ { من} . { جميعا} عند سيبويه نصب على الحال. وقال الأخفش : جاء بقول جميعا بعد كل تأكيدا؛ كقوله: { لا تتخذوا إلهين اثنين} [النحل : 51] قوله تعالى: { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول. وقيل : المراد بالناس هنا أبو طالب؛ وهو عن ابن عباس أيضا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 98 - 100

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحق سبحانه وتعالى يبيِّن لنا أنه إن قامت معركة بين نبي مرسل ومعه المؤمنون به، وبين من كفروا به، فلا بد أن يُنزِل الحق سبحانه العذاب بمن كفروا.

وإياك أن تفهم أن الحق سبحانه إلى يحتاج عبادة الناس؛ لان الله عَزَّ وجل قديم أزليٌّ بكل صفات الكمال فيه قبل أن يخلق الخلق، وبكماله خلق الخلق، وقوته سبحانه وتعالى في ذاته، وهو خالق من قبل أن يخلق لخلق، ورازق قبل أن يخلق الزرق والمرزوق، والخلق من آثار صفات الكمال فيه، وهو الذي أوجد كل شيء من عدم.

ولذلك يُسمّون صفاته سبحانه وتعالى صفات الذات؛ لأنها موجودة فيه من قبل أن يوجد متعلقها.

فحين تقول: حيٌّ، ومُحْيٍ، فليس معنى ذلك أن الله تعالى موصوف بـ " مُحْيٍ " بعد أن وجد مَنْ يحييه، لا، إنه مُحيٍ، وبهذه الصفة أحيا.

ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه مُنزَّه عن كل تشبيه: قد نرى المصوِّر أو الرسام الذي صنع لوحة جميلة، هنا نرى أثر موهبة الرسم التي مارسها، واللوحة ليست إلا أثراً لهذه الموهبمة.

الحق سبحانه وتعالى ـ إذن ـ له كل صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق، وبصفات الكمال خَلَق الخَلْق.

فإياك أن تفهم أن هناك أمراً قد جَدَّ على الله تعالى، فلا شيء يجِدُّ علىالحق سبحانه، وهو سبحانه لا ينتفع من خلقه بل هو الذي ينفعهم.

ونحن نعلم أن الإيمان مطلوب من الإنسان، وهو الجنس الظاهر لنا ونحن منه، ومطلوب من جنس آخر أخبرنا عنه الله ـ تبارك وتعالى ـ وهو الجن.

وأما بقية الكون فمُسبِّح مؤمن بالله تعالى، والكون عوالم لا حصر لها، ولكلٍّ نظام لا يحيد عنه.

ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يُدخِل الثقلين ـ الإنس والجن ـ في نظام التسخير ما عَزَّ عليه ذلك؛ لكن هذا التسخير يثبت له القدرة ولا يثبت له المحبوبية.

ولذلك ترك الحق سبحانه الإنسان مختاراً ليؤمن أو لا يؤمن، وهذا ما يثبت له المحبوبية إن جئته مؤمناً، وهذا يختلف عن إيمان القَسْر والقهر، فالإيمان المطلوب من الإنسان أو الجن هو إيمان الاختيار.

وأما إيمان القسر والقهر، فكل ما في الكون من عوالم مؤمن بالحق سبحانه، مُسبِّح له.

والحق سبحانه وتعالى يقول:


{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
[الإسراء: 44].

وهذا ليس تسبيح دلالة ورمز، بل هو تسبيح حقيقي، بدليل قوله سبحانه وتعالى:
{  وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
[الإسراء: 44].

فإن فقَّهك الله تعالى في لغاتهم لعلمت تسبيح الكائنات، بدليل أنه عَلَّم سليمان عليه السلام منطق الطير، وسمع النملة تقول:


{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
[النمل: 18].

والهدهد قال لسليمان عليه السلام ما رآه عن بلقيس ملكة سبأ:


{  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ }
[النمل: 24].

إذن: فكل ما في الكون مُسبِّح لله تعالى، يسير على منهجه سبحانه ما عدا المختار من الثقلين: الإنسان والجان؛ لأن كلاً منهما فيه عقلٌ، وله مَيْزة الاختيار بين البدائل.

ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن خلق للإنسان الاختيار حتى يذهب المؤمن إليه اختياراً، ولو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجبر الإنسان على الإيمان لَفعلَ.

أقول ذلك حتى لا يقولن أحد: ولماذا كل هذه المسائل من خَلْق وإرسال رُسل، وتكذيب أناس، ثم إهلاك المكذِّبين؟

ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:

{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [يونس: 99].

إذن: فالحق سبحانه خلق الإنسان وسخَّر له كل الأجناس، ولم يجبره على الإيمان، بل يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:


{  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }
[الشعراء: 3].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحبّاً مخلصاً لقومه وعشيرته، وذاق حلاوة الإيمان، وحزن لأنهم لم يؤمنوا، فينبهه الحق سبحانه وتعالى أن عليه مهمة البلاغ فقط، فلا يكلّف نفسه شَططاً.

والحق سبحانه وتعالى شاء أن يجعل للإنسان حقَّ الاختيار وسخَّر له الكون، ومن الناس من يؤمن، ومن الناس من يكفر، بل ومن المؤمنين من يطيع مرة، ويعصي أخرى، وهذه هي مشيئة الحق ليتوازن الكون، فكل صفة خيِّرة إنْ وجد من يعارض فيها فهذا ما شاءه الله سبحانه وتعالى للإنسان، فلا تحزن يا رسول الله؛ فالحق سبحانه وتعالى شاء ذلك.

وإنْ غضب واحد من أن الآخرين لم يعترفوا بصفاته الطيبة نقول له: إن الحق سبحانه هو خالق الكون وهو الرازق، قد كفروا به وألحدوا، وجعلوا له شركاء، فتَخلَّقوا بأخلاق الله؟

ولذلك قال الحق سبحانه:

{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [يونس: 99].

إنه سبحانه وتعالى يريد إيمان المحبة وإيمان الاختيار.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }


www.alro7.net