سورة
اية:

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه في الثرى فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعمومها من النوى، ولهذا فسر قوله: { فالق الحب والنوى} ، بقوله: { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} أي يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت كقوله: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون} ، وقوله: { ومخرج الميت من الحي} معطوف على { فالق الحب والنوى} ، وقد عبروا عن هذا وهذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل يخرج الدجاجة من البيضة وعكسه، ومن قائل يخرج الولد الصالح من الفاجر وعكسه، وغير ذلك من العبارات التي تنتظمها الآية وتشملها؛ ثم قال تعالى: { ذلكم اللّه} أي فاعل هذا هو اللّه وحده لا شريك له، { فأنّى تؤفكون} أي كيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون معه غيره؟ وقوله: { فالق الإصباح وجعل الليل سكناً} أي خالق الضياء والظلام كما قال في أول السورة { وجعل الظلمات والنور} أي فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلام رواقه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كقوله: { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً} ، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح، وقابل ذلك بقوله: وجعل الليل سكناً} أي ساجياً مظلماً لتسكن فيه الأشياء كما قال: { والضحى والليل إذا سجى} ، وقال: { والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} ، وقال: { والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها} ، وقال صهيب الرومي رضي اللّه عنه لامرأته وقد عاتبته في كثرة سهره: إن اللّه جعل الليل سكناً، إلا لصهيب، إن صهيباً إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه ""رواه ابن أبي حاتم"". وقوله: { والشمس والقمر حسباناً} أي يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير ولا يضطرب، بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصراً كما قال: { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل} الآية، وكما قال: { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} ، وقال: { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} ، وقوله: { ذلك تقدير العزيز العليم} أي الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شيء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيراً ما إذا ذكر اللّه تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم كما ذكر في هذه الآية، وكما في قوله: { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} ، ولما ذكر خلق السموات الأرض وما فيهن في أول سورة حم السجدة قال: { وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً، ذلك تقدير العزيز العليم} ، وقوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} ، قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على اللّه سبحانه: أن اللّه جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر. وقوله: { قد فصلنا الآيات} أي قد بيناها ووضحناها { لقوم يعلمون} أي يعقلون ويعرفون الحق ويتجنبون الباطل.

تفسير الجلالين

{ فالق الإصباح } مصدر بمعنى الصبح أي شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من نور النهار عن ظلمة الليل { وجاعلُ اللَّيْل سكنا } تسكن فيه الخلق من التعب { والشمس والقمر } بالنصب عطفا على محل الليل { حسبانا } للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر أي يجريان بحسبان كما في آية الرحمن { ذلك } المذكور { تقدير العزيز } في ملكه { العليم } بخلقه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَالِق الْإِصْبَاح وَجَعَلَ اللَّيْل سَكَنًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَالِق الْإِصْبَاح } شَاقّ عَمُود الصُّبْح عَنْ ظُلْمَة اللَّيْل وَسَوَاده . وَالْإِصْبَاح : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَصْبَحْنَا إِصْبَاحًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عَامَّة أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10596 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا الْمُثَنَّى , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : إِضَاءَة الصُّبْح . 10597 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : إِضَاءَة الْفَجْر . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10598 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : فَالِق الصُّبْح . 10599 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } يَعْنِي بِالْإِصْبَاحِ : ضَوْء الشَّمْس بِالنَّهَارِ , وَضَوْء الْقَمَر بِاللَّيْلِ . 10600 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , قَالَ : ثَنَا عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بِزَّة , عَنْ مُجَاهِد : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : فَالِق الصُّبْح . * حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن حُمَيْد مَرَّة بِهَذَا الْإِسْنَاد , عَنْ مُجَاهِد , فَقَالَ فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : إِضَاءَة الصُّبْح . 10601 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا بْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : فَلَقَ الْإِصْبَاح عَنْ اللَّيْل . 10602 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } يَقُول : خَالِق النُّور , نُور النَّهَار . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : خَالِق اللَّيْل وَالنَّهَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10603 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " فَالِق الْإِصْبَاح وَجَاعِل اللَّيْل سَكَنًا " يَقُول : خَلَقَ اللَّيْل وَالنَّهَار وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } بِفَتْحِ الْأَلِف كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى جَمْع صُبْح , كَأَنَّهُ أَرَادَ صُبْح كُلّ يَوْم , فَجَعَلَهُ أَصْبَاحًا , وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَد سِوَاهُ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا نَسْتَجِيز غَيْرهَا بِكَسْرِ الْأَلِف { فَالِق الْإِصْبَاح } لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء وَأَهْل التَّأْوِيل عَلَى صِحَّة ذَلِكَ وَرَفْض خِلَافه . وَأَمَّا قَوْله : " وَجَاعِل اللَّيْل سَكَنًا " فَإِنَّ الْقُرَّاء اِخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَته , فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ " بِالْأَلِفِ . عَلَى لَفْظ الِاسْم وَرَفْعه عَطْفًا عَلَى " فَالِق " , وَخَفْض " اللَّيْل " بِإِضَافَةِ " جَاعِل " إِلَيْهِ , وَنَصْب " الشَّمْسَ " وَ " الْقَمَرَ " عَطْفًا عَلَى مَوْضِع " اللَّيْل " ; لِأَنَّ " اللَّيْل " وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا فِي اللَّفْظ فَإِنَّهُ فِي مَوْضِع النَّصْب ; لِأَنَّهُ مَفْعُول " جَاعِل " , وَحَسُنَ عَطْف ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى اللَّيْل لَا عَلَى لَفْظه لِدُخُولِ قَوْله : { سَكَنًا } بَيْنه وَبَيْن اللَّيْل ; قَالَ الشَّاعِر : قُعُودًا لَدَى الْأَبْوَابِ طُلَّابَ حَاجَةٍ عَوَانٍ مِنْ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرَا فَنَصَبَ الْحَاجَة الثَّانِيَة عَطْفًا بِهَا عَلَى مَعْنَى الْحَاجَة الْأُولَى , لَا عَلَى لَفْظهَا ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا النَّصْب وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظ خَفْضًا . وَقَدْ يَجِيء مِثْل هَذَا أَيْضًا مَعْطُوفًا بِالثَّانِي عَلَى مَعْنَى الَّذِي قَبْله لَا عَلَى لَفْظه , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا حَائِل , كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : فَبَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرُهُ أَتَانَا مُعَلَّقَ شَكْوَةٍ وَزِنَادَ رَاعِ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ } عَلَى " فَعَلَ " بِمَعْنَى الْفِعْل الْمَاضِي وَنَصْب " اللَّيْل " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْر مُخْتَلِفَتَيْهِ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَهُوَ مُصِيب فِي الْإِعْرَاب وَالْمَعْنَى . وَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْل سَكَنًا , لِأَنَّهُ يَسْكُن فِيهِ كُلّ مُتَحَرِّك بِالنَّهَارِ وَيَهْدَأ فِيهِ , فَيَسْتَقِرّ فِي مَسْكَنه وَمَأْوَاهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْس وَالْقَمَر يَجْرِيَانِ فِي أَفْلَاكِهِمَا بِحِسَابٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10604 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } يَعْنِي : عَدَد الْأَيَّام وَالشُّهُور وَالسِّنِينَ . 10605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : يَجْرِيَانِ إِلَى أَجَلٍ جُعِلَ لَهُمَا . 10606 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } يَقُول : بِحِسَابٍ . 10607 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر فِي حِسَاب , فَإِذَا خَلَتْ أَيَّامهمَا فَذَاكَ آخِر الدَّهْر وَأَوَّل الْفَزَع الْأَكْبَر ; { ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم } . 10608 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : يَدُورَانِ فِي حِسَاب . 10609 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : هُوَ مِثْل قَوْله : { كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } 36 40 وَمِثْل قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر بِحُسْبَانٍ } 55 5 . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْس وَالْقَمَر ضِيَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10610 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } أَيْ ضِيَاء . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَهُ : وَجَعَلَ الشَّمْس وَالْقَمَر يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَعَدَد لِبُلُوغِ أَمْرِهِمَا وَنِهَايَة آجَالِهِمَا , وَيَدُورَانِ لِمَصَالِح الْخَلْق الَّتِي جُعِلَا لَهَا . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ قَبْله أَيَادِيَهُ عِنْد خَلْقه وَعِظَم سُلْطَانه , بِفَلْقِهِ الْإِصْبَاح لَهُمْ وَإِخْرَاج النَّبَات وَالْغِرَاس مِنْ الْحَبّ وَالنَّوَى , وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ خَلْق النُّجُوم لِهِدَايَتِهِمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر , فَكَانَ وَصْفُهُ إِجْرَاء الشَّمْس وَالْقَمَر لِمَنَافِعِهِمْ أَشْبَهَ بِهَذَا الْمَوْضِع مِنْ ذِكْر إِضَاءَتهمَا ; لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَ ذَلِكَ قَبْل قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِهِ مَرَّة أُخْرَى فِي آيَة وَاحِدَة لِغَيْرِ مَعْنًى . وَالْحُسْبَان فِي كَلَام الْعَرَب : جَمْع حِسَاب , كَمَا الشُّهْبَان جَمْع شِهَاب ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحُسْبَان فِي هَذَا الْمَوْضِع مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : حَسِبْت الْحِسَاب أَحْسِبهُ حِسَابًا وَحُسْبَانًا . وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب عَلَى اللَّه حُسْبَان فُلَان وَحِسْبَته : أَيْ حِسَابه . وَأَحْسَب أَنَّ قَتَادَة فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِمَعْنَى الضِّيَاء , ذَهَبَ إِلَى شَيْء يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَوْ يُرْسِل عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاء } 18 40 قَالَ : نَارًا , فَوَجَّهَ تَأْوِيل قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيل . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي شَيْء . وَأَمَّا " الْحِسْبَان " بِكَسْرِ الْحَاء : فَإِنَّهُ جَمَعَ الْحِسْبَانَة : وَهِيَ الْوِسَادَة الصَّغِيرَة , وَلَيْسَتْ مِنْ الْأُولَيَيْنِ أَيْضًا فِي شَيْء , يُقَال : حَسِبْته : أَجْلَسْته عَلَيْهَا , وَنُصِبَ قَوْله : { حُسْبَانًا } بِقَوْلِهِ : { وَجَعَلَ } . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَقُول : مَعْنَاهُ : و { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } أَيْ بِحِسَابٍ , فَحَذَفَ الْبَاء كَمَا حَذَفَهَا مِنْ قَوْله : { هُوَ أَعْلَم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيله } 6 117 : أَيْ أَعْلَم بِمَنْ يَضِلّ عَنْ سَبِيله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَالِق الْإِصْبَاح وَجَعَلَ اللَّيْل سَكَنًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَالِق الْإِصْبَاح } شَاقّ عَمُود الصُّبْح عَنْ ظُلْمَة اللَّيْل وَسَوَاده . وَالْإِصْبَاح : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَصْبَحْنَا إِصْبَاحًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عَامَّة أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10596 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا الْمُثَنَّى , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : إِضَاءَة الصُّبْح . 10597 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : إِضَاءَة الْفَجْر . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10598 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : فَالِق الصُّبْح . 10599 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } يَعْنِي بِالْإِصْبَاحِ : ضَوْء الشَّمْس بِالنَّهَارِ , وَضَوْء الْقَمَر بِاللَّيْلِ . 10600 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , قَالَ : ثَنَا عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بِزَّة , عَنْ مُجَاهِد : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : فَالِق الصُّبْح . * حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن حُمَيْد مَرَّة بِهَذَا الْإِسْنَاد , عَنْ مُجَاهِد , فَقَالَ فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : إِضَاءَة الصُّبْح . 10601 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا بْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } قَالَ : فَلَقَ الْإِصْبَاح عَنْ اللَّيْل . 10602 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } يَقُول : خَالِق النُّور , نُور النَّهَار . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : خَالِق اللَّيْل وَالنَّهَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10603 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : " فَالِق الْإِصْبَاح وَجَاعِل اللَّيْل سَكَنًا " يَقُول : خَلَقَ اللَّيْل وَالنَّهَار وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ فِي قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } بِفَتْحِ الْأَلِف كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى جَمْع صُبْح , كَأَنَّهُ أَرَادَ صُبْح كُلّ يَوْم , فَجَعَلَهُ أَصْبَاحًا , وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَد سِوَاهُ أَنَّهُ قَرَأَ كَذَلِكَ . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا نَسْتَجِيز غَيْرهَا بِكَسْرِ الْأَلِف { فَالِق الْإِصْبَاح } لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء وَأَهْل التَّأْوِيل عَلَى صِحَّة ذَلِكَ وَرَفْض خِلَافه . وَأَمَّا قَوْله : " وَجَاعِل اللَّيْل سَكَنًا " فَإِنَّ الْقُرَّاء اِخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَته , فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْمَدِينَة وَبَعْض الْبَصْرِيِّينَ : " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ " بِالْأَلِفِ . عَلَى لَفْظ الِاسْم وَرَفْعه عَطْفًا عَلَى " فَالِق " , وَخَفْض " اللَّيْل " بِإِضَافَةِ " جَاعِل " إِلَيْهِ , وَنَصْب " الشَّمْسَ " وَ " الْقَمَرَ " عَطْفًا عَلَى مَوْضِع " اللَّيْل " ; لِأَنَّ " اللَّيْل " وَإِنْ كَانَ مَخْفُوضًا فِي اللَّفْظ فَإِنَّهُ فِي مَوْضِع النَّصْب ; لِأَنَّهُ مَفْعُول " جَاعِل " , وَحَسُنَ عَطْف ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى اللَّيْل لَا عَلَى لَفْظه لِدُخُولِ قَوْله : { سَكَنًا } بَيْنه وَبَيْن اللَّيْل ; قَالَ الشَّاعِر : قُعُودًا لَدَى الْأَبْوَابِ طُلَّابَ حَاجَةٍ عَوَانٍ مِنْ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرَا فَنَصَبَ الْحَاجَة الثَّانِيَة عَطْفًا بِهَا عَلَى مَعْنَى الْحَاجَة الْأُولَى , لَا عَلَى لَفْظهَا ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا النَّصْب وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظ خَفْضًا . وَقَدْ يَجِيء مِثْل هَذَا أَيْضًا مَعْطُوفًا بِالثَّانِي عَلَى مَعْنَى الَّذِي قَبْله لَا عَلَى لَفْظه , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا حَائِل , كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : فَبَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرُهُ أَتَانَا مُعَلَّقَ شَكْوَةٍ وَزِنَادَ رَاعِ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ } عَلَى " فَعَلَ " بِمَعْنَى الْفِعْل الْمَاضِي وَنَصْب " اللَّيْل " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْر مُخْتَلِفَتَيْهِ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَهُوَ مُصِيب فِي الْإِعْرَاب وَالْمَعْنَى . وَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ جَعَلَ اللَّيْل سَكَنًا , لِأَنَّهُ يَسْكُن فِيهِ كُلّ مُتَحَرِّك بِالنَّهَارِ وَيَهْدَأ فِيهِ , فَيَسْتَقِرّ فِي مَسْكَنه وَمَأْوَاهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْس وَالْقَمَر يَجْرِيَانِ فِي أَفْلَاكِهِمَا بِحِسَابٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10604 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } يَعْنِي : عَدَد الْأَيَّام وَالشُّهُور وَالسِّنِينَ . 10605 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : يَجْرِيَانِ إِلَى أَجَلٍ جُعِلَ لَهُمَا . 10606 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } يَقُول : بِحِسَابٍ . 10607 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر فِي حِسَاب , فَإِذَا خَلَتْ أَيَّامهمَا فَذَاكَ آخِر الدَّهْر وَأَوَّل الْفَزَع الْأَكْبَر ; { ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم } . 10608 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : يَدُورَانِ فِي حِسَاب . 10609 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } قَالَ : هُوَ مِثْل قَوْله : { كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } 36 40 وَمِثْل قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر بِحُسْبَانٍ } 55 5 . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَجَعَلَ الشَّمْس وَالْقَمَر ضِيَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10610 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } أَيْ ضِيَاء . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَهُ : وَجَعَلَ الشَّمْس وَالْقَمَر يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَعَدَد لِبُلُوغِ أَمْرِهِمَا وَنِهَايَة آجَالِهِمَا , وَيَدُورَانِ لِمَصَالِح الْخَلْق الَّتِي جُعِلَا لَهَا . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ قَبْله أَيَادِيَهُ عِنْد خَلْقه وَعِظَم سُلْطَانه , بِفَلْقِهِ الْإِصْبَاح لَهُمْ وَإِخْرَاج النَّبَات وَالْغِرَاس مِنْ الْحَبّ وَالنَّوَى , وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ خَلْق النُّجُوم لِهِدَايَتِهِمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر , فَكَانَ وَصْفُهُ إِجْرَاء الشَّمْس وَالْقَمَر لِمَنَافِعِهِمْ أَشْبَهَ بِهَذَا الْمَوْضِع مِنْ ذِكْر إِضَاءَتهمَا ; لِأَنَّهُ قَدْ وَصَفَ ذَلِكَ قَبْل قَوْله : { فَالِق الْإِصْبَاح } فَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِهِ مَرَّة أُخْرَى فِي آيَة وَاحِدَة لِغَيْرِ مَعْنًى . وَالْحُسْبَان فِي كَلَام الْعَرَب : جَمْع حِسَاب , كَمَا الشُّهْبَان جَمْع شِهَاب ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحُسْبَان فِي هَذَا الْمَوْضِع مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : حَسِبْت الْحِسَاب أَحْسِبهُ حِسَابًا وَحُسْبَانًا . وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب عَلَى اللَّه حُسْبَان فُلَان وَحِسْبَته : أَيْ حِسَابه . وَأَحْسَب أَنَّ قَتَادَة فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِمَعْنَى الضِّيَاء , ذَهَبَ إِلَى شَيْء يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { أَوْ يُرْسِل عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاء } 18 40 قَالَ : نَارًا , فَوَجَّهَ تَأْوِيل قَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيل . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي شَيْء . وَأَمَّا " الْحِسْبَان " بِكَسْرِ الْحَاء : فَإِنَّهُ جَمَعَ الْحِسْبَانَة : وَهِيَ الْوِسَادَة الصَّغِيرَة , وَلَيْسَتْ مِنْ الْأُولَيَيْنِ أَيْضًا فِي شَيْء , يُقَال : حَسِبْته : أَجْلَسْته عَلَيْهَا , وَنُصِبَ قَوْله : { حُسْبَانًا } بِقَوْلِهِ : { وَجَعَلَ } . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَقُول : مَعْنَاهُ : و { وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا } أَيْ بِحِسَابٍ , فَحَذَفَ الْبَاء كَمَا حَذَفَهَا مِنْ قَوْله : { هُوَ أَعْلَم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيله } 6 117 : أَيْ أَعْلَم بِمَنْ يَضِلّ عَنْ سَبِيله .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا الْفِعْل الَّذِي وَصَفَهُ أَنَّهُ فِعْلُهُ , وَهُوَ فَلْقُهُ الْإِصْبَاح وَجَعْلُهُ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا , تَقْدِير الَّذِي عَزَّ سُلْطَانه , فَلَا يَقْدِر أَحَد أَرَادَهُ بِسُوءٍ وَعِقَاب أَوْ اِنْتِقَام مِنْ الِامْتِنَاع مِنْهُ , الْعَلِيم بِمَصَالِح خَلْقه وَتَدْبِيرهمْ ; لَا تَقْدِير الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان الَّتِي لَا تَسْمَع وَلَا تُبْصِر وَلَا تَفْقَه شَيْئًا وَلَا تَعْقِلهُ وَلَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , وَإِنْ أُرِيدَتْ بِسُوءٍ لَمْ تَقْدِر عَلَى الِامْتِنَاع مِنْهُ مِمَّنْ أَرَادَهَا بِهِ . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَخْلِصُوا أَيّهَا الْجَهَلَة عِبَادَتكُمْ لِفَاعِلِ هَذِهِ الْأَشْيَاء , وَلَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَته شَيْئًا غَيْره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَذَا الْفِعْل الَّذِي وَصَفَهُ أَنَّهُ فِعْلُهُ , وَهُوَ فَلْقُهُ الْإِصْبَاح وَجَعْلُهُ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حُسْبَانًا , تَقْدِير الَّذِي عَزَّ سُلْطَانه , فَلَا يَقْدِر أَحَد أَرَادَهُ بِسُوءٍ وَعِقَاب أَوْ اِنْتِقَام مِنْ الِامْتِنَاع مِنْهُ , الْعَلِيم بِمَصَالِح خَلْقه وَتَدْبِيرهمْ ; لَا تَقْدِير الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان الَّتِي لَا تَسْمَع وَلَا تُبْصِر وَلَا تَفْقَه شَيْئًا وَلَا تَعْقِلهُ وَلَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , وَإِنْ أُرِيدَتْ بِسُوءٍ لَمْ تَقْدِر عَلَى الِامْتِنَاع مِنْهُ مِمَّنْ أَرَادَهَا بِهِ . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَخْلِصُوا أَيّهَا الْجَهَلَة عِبَادَتكُمْ لِفَاعِلِ هَذِهِ الْأَشْيَاء , وَلَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَته شَيْئًا غَيْره .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فالق الإصباح} نعت لاسم الله تعالى، أي ذلكم الله ربكم فالق الإصباح. وقيل : المعنى إن الله فالق الإصباح. والصبح والصباح أول النهار، وكذلك الإصباح؛ أي فالق الصبح كل يوم، يريد الفجر. والإصباح مصدر أصبح. والمعنى : شاق الضياء عن الظلام وكاشفه. وقال الضحاك : فالق الإصباح خالق النهار. وهو معرفة لا يجوز فيه التنوين عند أحد من النحويين. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر { فالق الإصباح} بفتح الهمزة، وهو جمع صبح. وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قرأ { فلق الإصباح} على فعل، والهمزة مكسورة والحاء منصوبة. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وحمزة والكسائي { وجعل الليل سكنا} بغير ألف. ونصب { الليل} حملا على معنى { فالق} في الموضعين؛ لأنه بمعنى فلق، لأنه أمر قد كان فحمل على المعنى. وأيضا فإن بعده أفعالا ماضية وهو قوله { جعل لكم النجوم} [الأنعام : 97]. { أنزل من السماء ماء} [الرعد : 17]. فحمل أول الكلام على آخره. يقوي ذلك إجماعهم على نصب الشمس والقمر على إضمار فعل، ولم يحملوه على فاعل فيخفضوه؛ قال مكي رحمه الله. وقال النحاس : وقد قرأ يزيد بن قطيب السكوني { جاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا} بالخفض عطفا على اللفظ. قلت : فيريد مكي والمهدوي وغيرهما إجماع القراء السبعة. والله أعلم. وقرأ يعقوب في رواية رويس عنه { وجاعل الليل ساكنا} . وأهل المدينة { وجاعل الليل سكنا} أي محلا للسكون. وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول { اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عني الدين وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك). فإن قيل : كيف قال (وأمتعني بسمعي وبصري) وفي كتاب النسائي والترمذي وغيرهما (واجعله الوارث مني) وذلك يفنى مع البدن؟ قيل له : في الكلام تجوز، والمعنى اللهم لا تعدمه قبلي. وقد قيل : إن المراد بالسمع والبصر هنا أبو بكر وعمر؛ لقوله عليه السلام فيهما : (هما السمع والبصر). وهذا تأويل بعيد، إنما المراد بهما الجارحتان. ومعنى { حسبانا} أي بحساب يتعلق به مصالح العباد. وقال ابن عباس في قول جل وعز { والشمس والقمر حسبانا} أي بحساب. الأخفش : حسبان جمع حساب؛ مثل شهاب وشهبان. وقال يعقوب : حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حسبانا وحسابا وحسبة، والحساب الاسم. وقال غيره : جعل الله تعالى سير الشمس والقمر بحساب لا يزيد ولا ينقص؛ فدلهم الله عز وجل بذلك على قدرته ووحدانيته. وقيل { حسبانا} أي ضياء. والحسبان : النار في لغة؛ وقد قال الله تعالى { ويرسل عليها حسبانا من السماء} [الكهف : 40]. قال ابن عباس : نارا. والحسبانة : الوسادة الصغيرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 95 - 97

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وسبحانه يأتي بآية أخرى من الآيات المعجزة كما جاء بالآية الأولى في أنه هو الذي خلق لنا ما يقيم حياتنا.

{ فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً }. ومعنى " فالق " أي جعل الشيء شقين، وهما نعمتان متقابلتان لا تكفي واحدة عن الأخرى، إذ لا بد أن يوجد إصباح ويوجد الليل سكناً؛ لأن الإصباح هو زمان وضوح الأشياء أمام رؤية العين؛ لأننا نعلم أن الظلمة تجعل الإنسان يضطرب مع الإشياء، فإن كنت أقوى من هذه الأشياء حطمتها، وإن كانت أقوى منك حطمتك. إن السير في الظلمات التي لا يوجد فيها نور يهدي الإنسان إلى مرائيه قد يؤدي إلى خسارة الأشياء.

إننّا في الصباح نعمل ونسعى في الأرض، ونملأ الدنيا حركة. فإذا ما أصابنا الكد والتعب والنَّصب من الحركة فالمنطق الطبيعي للكائن الحي أن يستريح ويهدأ ويسكن لا بحركته فقط ولكن بسكون كل شيء حوله؛ لأنك إن كنت ساكناً ويأتي لك ضوء فهو يؤثر في تكوينك، ولذلك يقولون الآن: إن " الأشعة " التي يكتشفون بها أسرار ما في داخل جسد الإنسان تترك آثاراً.

إذن فالإشعاع الصادر عن الشمس يمنعه عنك الله ليلاً حتى يستريح الجسم من كل شيء، من كل حركة ناشئة فيه، ومن حركة وافدة عليه، وهكذا تكون نعمة سكون الليل وظلمته مثل نعمة الصباح، وكلاهما تتمم الأخرى، ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى في أول السورة قدّم الظلمات على النور:
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ }
[الأنعام: 1].

لأنك لا تستطيع أن تنتفع بحركتك في النور إلا إذا كنت نشيطاً ومرتاحاً أثناء الليل. فإن لم ترتح كنت مرهقاً ولن تستطيع العمل بدقة في حركة النهار. إذن فالظلمة مقصودة في الوجود. ولذلك فالحضارة الراقية هي التي تنظم حياة الإنسان ليعمل نهارا ويستريح ليلاً، حتى لا يستأنف عمله في الصباح مكدوداً. ومن يزور ريف مصر هذه الأيام يفاجأ بأن أهل الريف قد سهروا طوال الليل مع أجهزة الترفيه، ويقومون إلى العمل في الصباح وهم مكدودون مرهقون.

ونقول: لنأخذ الحضارة من قمتها، ولا نأخذ الحضارة من أسفلها؛ فحين تذهب إلى أوروبا تجد الناس تخلد وتسكن ليلاً، ومن يسير في الشارع لا يسمع صوتاً ولا يجد من يخرج من بيته، ولا تسمع صوت ميكروفون في الشارع؛ حتى ينال كل إنسان قسطه من الهدوء، ويختلف الأمر في بلادنا: فالشوارع تمتلئ بالضجيج، والمريض لا يستطيع أن يرتاح، ومن يذاكر لا يجد الهدوء اللازم، ومن يتعبد تخرجه الضوضاء من جوّ العبادة، ونجد من يصف ذلك بأنه نقلة حضارية!!

ونقول: لتأخذ كل نعمة من نعم الله على قدر معطياتها في الوجود النافع لك، وحين يأتي الليل عليك أن تطفئ المصباح حتى تهجع ولا تتشاغب فيك جزئياتك وتكوينك.وسبحانه يقول: { فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } و { فَالِقُ } - كما قلنا - تعني شاقق، فهل الإصباح ينفلق؟. وبماذا؟. ونقول: إن { فَالِقُ } هي اسم فاعل، مثلما نقول: " قاتل الضربة " أي أن الضربة من يده قاتلة.

و { فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } معناها أن الصباح ينفلق عن الظلمة؛ لأن الظلمة متراكمة وحين يأتي الإصباح فكأنه فلق الظلمة وشقها ليخرج النور، وتعني { فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ } أيضاً أن الفلق واقع على الإصباح فيأتي من بعده الظلام، وهذه من دقة الأداء البياني في القرآن؛ لأن الذي يتكلم إله.

وامرؤ القيس قال:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي   بصبح وما الإصباح منك بأمثل
والصبح والإصباح معناهما واحد.

هل الصبح من طلوع الشمس؟ أو الصبح من ظهور الضوء قبل أن تشرق الشمس؟ يأتي الإصباح أولا وهو النور الهادئ، ونجد أطباء العيون بعد إجراء جراحة ما لإنسان في عينيه يقومون بفك الأربطة التي تساعد الجرح على الالتئام، يفكونها بالتدريج حتى لا يخطف الضوء البصر فوراً، ومن رحمة الله أن خلق فترة الصبح بضوئها الهادئ قبل أن تطلع الشمس بضوئها كله دفعة واحدة. فكأن الصبح جاء ليفلق ظلمة الليل فلقاً هادئاً، ثم جاءت الشمس ففلقت الصبح.

إذن الإصباح فالق مرة لأنه شقّ الظلمة وفلقها ومفلوق مرة أخرى؛ لأن الظلمة جاءت بعده. إذن فاسم الفاعل قد أدى مهمتين.. المهمة الأولى: فالق الإصباح. أي دخل بضوء الشمس. وإن قلنا: إصباحه فالق، أي ظلمة الليل الأوى انفلقت. إذن فالإصباح فالق مرة، ومفلوق مرة أخرى. وسبحانه حين يقول: { فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً } يريد أن يعطي شقين اثنين؛ لأنه هو في ذاته فالق الإصباح. فيأتي بالاسم ليعطي لها صفة الثبوت، ثم جاء بـ { وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً } صفة الحدوث بعد وجود المتعلّق. فإذا أراد الصفة اللازمة له قبل أن يوجد المتعلق يأتي بالاسم. وإن أراد الصفة بعد أن وجد المتعلّق يأتي بالفعل.

ولذلك نجد القرآن الكريم يصور الثبات في قوله الحق:
{  وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ }
[الكهف: 18].

الكلب هنا على هذه الصورة الثابتة، وحين يريد القرآن أن يأتي بالصفة التي تتغير، يأتي بالفعل:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً }
[الحج: 63].

وكان القياس أن يقول: فأصبحت الأرض مخضرة؛ لأنه قال: " أنزل " لكنه يأتي بالتجدد الذي يحدث { فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً }.

ويتابع الحق: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً } ونحن نعرف الشمس والقمر وجاء بعد ذلك بكلمة { حُسْبَاناً } ، على وزن فُعْلان، وهذا ما يدل عادة على المبالغة مثلما تقول: فلان والعياذ بالله كفر كفراناً. ومثلما تدعو: غفر الله لك غفراناً. فحين تحب أن تبالغ تأتي بصيغة فُعْلان. وجاء القرآن بكلمة " حسبان " في موضعين اثنين فيما يتصل بالشمس والقمر جاء بها هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً } ، وفي سورة الرحمن يقول الحق سبحانه:
{  ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }
[الرحمن: 5].

وما الفرق بين التعبيرين؟ " حسبان " هنا تعني أن تحسب الأشياء، فنحن نحسب السنة بدورة الشمس بـ 365 يوماً وربع اليوم وهي تمر بالبروج فيها خلال هذه المدة، والقمر يبدأ بروجه كل شهر في ثمانية وعشرين يوماً وبعض اليوم، ونحن نحسب بالشمس اليوم، ونحسب بها العام، ولكنا نحسب الشهر بالقمر، وأنت لا تقدر أن تحسب الشهر بالشمس، بل تحسب الشهر بالقمر لأنه يظهر صغيراً ثم بكبر ويكبر ويكبر. ولذلك يثبت رمضان عندنا بالقمر لا بالشمس. واليوم نثبته بالشمس.

وهكذا عرفنا أن الشمس والقمر ويعملان في حسابنا للأيام والشهور، والاثنان حسبان: الشمس لها حساب، والقمر له حساب وإذا ما نظرت إلى كلمة " حسبان " تفهم أن الشمس والقمر، كليهما مخلوق ليحسب به شيء آخر؛ لأنهما خلقتا بحسبان، أي أنهما قد أريد بهما الحساب الدقيق، لأن الشمس مخلوقة بحساب، وكذلك القمر.

وتعال إلى الساعة التي نستعملها، ألا يوجد بها عقرب للساعات، وآخر للدقائق، وثالث للثواني؟. وهذا أقل ما قدرنا عليه، وإن كان من الممكن أننا نقسم الثانية إلى أجزاء مثلما عملنا في المساحات؛ فهناك المتر، والسنتيمتر، والملليمتر، ثم بعد ذلك قلنا الميكروملليمتر. إذن، كلما نرتقي في التقدم العلمي نحسب الحساب الأدق. ولم تكن الشمس والقمر حساباً لنا نحسب بهما الأشياء إلا إذا كانت مخلوقة بحساب.

إنك حين تنظر إلى ساعتك تدرك قفزة عقرب الثواني ولكنك لا تدرك حركة عقرب الدقائق، وكذلك لا تدرك حكة عقرب الساعات، وكل من العقارب الثلاثة يدور " بزمبلك " وترس معين. إن اختلت الحركة في زمبلك أو ترس، ينعكس هذا الخلل على بقية العقارب، والثانية محسوبة على الدقيقة، والدقيقة محسوبة على الساعة.

وهكذا فإن لم تكن الساعة مصنوعة بهذا الحساب الدقيق فهي لن تعمل جيداً. وهكذا لا نعتبر الساعة معيارا لحساب أزماننا إلا أنها في ذاتها خلقت بحساب. والحق سبحانه يقول: { ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } أي لنحسب بهما لأنهما مخلوقتان بحسبان. أي بحساب دقيق، ولماذا لم يقل الحق حساباً وجاء بحسبان هنا، وحسبان في آية سورة الرحمن؟. ذلك لأن الأمر يقتضي مبالغة في الدقة. فهذا ليس مجرد حساب، لكنه حسبان.

ويذيل الحق الآية بقوله: { ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } ، وكلمة " العزيز " تفيد الغلبة والقهر فلا يستطيع أحد أن يعلو عليه؛ فهذه الأجرام التي تراها أقوى منك ولا تتداولها يدك، إنّها تؤدي لك مهمة بدون أن تقرب منها؛ فأنت لا تقترب من الشمس لتضبطها، مثلما تفعل في الساعة التي اخترعها إنسان مثلك، والشمس لها قوة قد أمدها الله خالقها بها ولا شيء في صنعته ولا في خلقه يتأبّى عليه. فهذا هو تقدير العزيز العليم، وهو سبحانه يعطينا حيثيات الثقة في كونها حسبانا لنحسب عليها. فهو جل وعلا خالقها بتقدير عزيز لا يغلب، وهو عزيز يعلم علما مطلقا لا نهاية له ولا حدود. ويقول الحق من بعد ذلك: { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ... }


www.alro7.net