سورة
اية:

مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى: { ولو شاء اللّه لجعلكم} أيها الناس { أمة واحدة} أي لوفق بينكم ولما جعل اختلافاً ولا تباغض ولا شحناء، { ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء} ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير؛ ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلاً: أي خديعة ومكراً لئلا تزل قدم { بعد ثبوتها} مثلٌ لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة، المشتملة على الصد عن سبيل اللّه، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين، فيصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: { وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل اللّه ولكم عذاب عظيم} ، ثم قال تعالى: { ولا تشتروا بعهد اللّه ثمنا قليلا} أي لا تعتاضوا عن الأيمان باللّه عرض الحياة الدنيا وزينتها، فإنها قليلة ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند اللّه هو خير له، أي جزاء اللّه وثوابه خير لمن رجاه وآمن به، وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده، ولهذا قال: { إن كنتم تعلمون.ما عندكم ينفد} أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود، { وما عند اللّه باق} أي وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاذ له، فإنه دائم لا يحول ولا يزول { ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} قسم من الرب تعالى مؤكد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم أي ويتجاوز عن سيئها.

تفسير الجلالين

{ ما عندكم } من الدنيا { يَنفدُ } يفنى { وما عند الله باقي } دائم { وليجزينَّ } بالياء والنون { الذين صبروا } من الوفاء بالعهود { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } أحسن بمعنى حسن .

تفسير الطبري

ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْره فَرْق مَا بَيْن الْعِوَضَيْنِ وَفَضْل مَا بَيْن الثَّوَابَيْنِ , فَقَالَ : مَا عِنْدكُمْ أَيّهَا النَّاس مِمَّا تَتَمَلَّكُونَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَثُرَ فَنَافِد فَانٍ , وَمَا عِنْد اللَّه لِمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَأَطَاعَهُ مِنْ الْخَيْرَات بَاقٍ غَيْر فَانٍ , فَلِمَا عِنْده فَاعْمَلُوا وَعَلَى الْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى فَاحْرِصُوا .ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْره فَرْق مَا بَيْن الْعِوَضَيْنِ وَفَضْل مَا بَيْن الثَّوَابَيْنِ , فَقَالَ : مَا عِنْدكُمْ أَيّهَا النَّاس مِمَّا تَتَمَلَّكُونَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَثُرَ فَنَافِد فَانٍ , وَمَا عِنْد اللَّه لِمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَأَطَاعَهُ مِنْ الْخَيْرَات بَاقٍ غَيْر فَانٍ , فَلِمَا عِنْده فَاعْمَلُوا وَعَلَى الْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى فَاحْرِصُوا .' وَقَوْله : { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرهمْ بِأَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَيُثِيبَن اللَّه الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى طَاعَتهمْ إِيَّاهُ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء , ثَوَابهمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى صَبْرهمْ عَلَيْهَا وَمُسَارَعَتهمْ فِي رِضَاهُ , بِأَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَال دُون أَسْوَئِهَا , وَلَيَغْفِرَن اللَّه لَهُمْ سَيِّئَهَا بِفَضْلِهِ .وَقَوْله : { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرهمْ بِأَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَيُثِيبَن اللَّه الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى طَاعَتهمْ إِيَّاهُ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء , ثَوَابهمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى صَبْرهمْ عَلَيْهَا وَمُسَارَعَتهمْ فِي رِضَاهُ , بِأَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ الْأَعْمَال دُون أَسْوَئِهَا , وَلَيَغْفِرَن اللَّه لَهُمْ سَيِّئَهَا بِفَضْلِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا} نهى عن الرُشا وأخذ الأموال على نقض العهد؛ أي لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدنيا. وإنما كان قليلا وإن كثر لأنه مما يزول، فهو على التحقيق قليل، وهو المراد بقوله { ما عندكم ينفد وما عند الله باق} فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفي بالعهد وثبت على العقد. ولقد أحسن من قال : المال ينفد حله وحرامه ** يوما وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلهه ** حتى يطيب شرابه وطعامه آخر : هب الدنيا تساق إليك عفوا ** أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل فيء ** أظلك ثم آذن بالزوال قوله تعالى { ولنجزين الذين صبروا} أي على الإسلام والطاعات وعن المعاصي. { أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} أي من الطاعات، وجعلها أحسن لأن ما عداها من الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله. وقرأ عاصم وابن كثير { ولنجزين} بالنون على التعظيم. الباقون بالياء. وقيل : إن هذه الآية { ولا تشتروا...} نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي وخصمه ابن أسوع، اختصما في أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف فلما سمع هذه الآية نكل وأقر له بحقه؛ والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 95 - 101

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يُوضِّح الحق تبارك وتعالى أن حظَّ الإنسان من دُنْياه عَرَضٌ زائل، فإمَّا أن تفوته بالموت، أو يفوتك هو بما يجري عليك من أحداث، أما ما عند الله فهو بَاق لا نفاد له.

{ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ.. } [النحل: 96].

كلمة { صَبَرُوۤاْ } تدلُّ على أن الإنسان سيتعرّض لِهزَّاتٍ نفسية نتيجة ما يقع فيه من التردد بين الوفاء بالعهد أو نَقْضه، حينما يلوح له بريق المال وتتحرَّك بين جنباته شهوات النفس، فيقول له الحق تبارك وتعالى: اصبر.. اصبر لا تكُنْ عَجُولاً، وقارن المسائل مقارنة هادئة، وتحمَّل كل مشقة نفسية، وتغلّب على شهوة النفس؛ لتصل إلى النتيجة المحمودة.

فالتلميذ الذي يجتهد ويتعب ويتحمَّل مشقة الدرس والتحصيل يصبر على الشهوات العاجلة لما ينتظره من شهوات باقية آجلة، فوراء الدرس والتحصيل غايةٌ أكبر وهَدَفٌ أَسْمى.

ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

{ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ.. } [النحل: 96].

أي: على مشقَّات الوفاء بالعهود.

{ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 96].

أي: أجراً بالزيادة في الجزاء على أحسن ما يكون؛ فالإنسان حين يعمل مفروضاً أو مندوباً فله الجزاء، أما المباح فالمفروض ألا جزاء له، ولكنّ فضل الله يجزي عليه أيضاً.

ثم يقول الحق سبحانه: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً... }.


www.alro7.net