سورة
اية:

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذباً} أي لا أحد أظلم ممن كذب على اللّه فجعل له شركاء أو ولداً، أو ادعى أن اللّه أرسله إلى الناس ولم يرسله، ولهذا قال تعالى: { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} ، قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسليمة الكذاب "" مسليمة: هو أبو ثمامة، ابن حبيب، من بني أثال وهو حنيفة، عرفوا بأمهم وهي بنت كاهل بن أسد بن خزيمة، وكان يزعم مسليمة أن جبريل ينزل عليه، وكان يتسمى بالرحمن، ومثله الأسود بن كعب الذي يعرف بعيهلة، وبذي الخمار، وكان يدعي أن ملكين: اسم أحدهما سحيق، والآخر شريق ، { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه} أي ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند اللّه من الوحي مما يفتريه من القول في اللباب : أخرج ابن جرير نزلت: { ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} في مسليمة، ونزلت: { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه} في عبد اللّه بن سعد، كان يكتب للنبي صلى اللّه عليه وسلم، فيغير فيما يمليه عليه الرسول، وعن السدي: أنه كان يقول: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحي إلي، وإن كان اللّه ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل. قال محمد: سميعاً عليماً، فقلت أنا: عليماً حكيماً ، كقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} الآية. قال اللّه تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} أي في سكراته وغمراته وكرباته، { والملائكة باسطوا أيديهم} أي بالضرب، كقوله: { لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني} الآية، وقوله: { يبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} الآية، وقال الضحاك: { باسطوا أيديهم} أي بالعذاب، كقوله: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} ، ولهذا قال: { والملائكة باسطوا أيديهم} أي بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم: { أخرجوا أنفسكم} ، وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: { أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غير الحق} الآية، أي اليوم تهانون غاية الإهانة كما كنتم تكذبون على اللّه وتستكبرون اتباع آياته والانقياد لرسله، وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر، وهي مقررة عند قوله تعالى: { يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} . وقوله تعالى: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} ، أي يقال لهم يوم معادهم"" في اللباب : أخرج ابن جرير وغيره: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى، فنزلت هذه الآية هذا، كما قال: { وعرضوا على ربك لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} أي كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه فهذا يوم البعث، وقوله: { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} أي من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟ وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس) وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بزج فيقول اللّه عزَّ وجلَّ: أين ما جمعت؟ فيقول: يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول له: يا ابن آدم أين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئاً، وتلا هذه الآية: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} الآية، وقوله: { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد، فإن كان يوم القيامة تقطعت بهم الأسباب وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب جلَّ جلاله على رؤوس الخلائق: { أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟} ويقال لهم: { أين ما كنتم تعبدون من دون اللّه هل ينصرونكم أو ينتصرون؟} ولهذا قال ههنا: { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} أي في العبادة، لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم، ثم قال تعالى: { لقد تقطع بينكم} قرىء بالرفع أي شملكم، وبالنصب أي لقد تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل، { وضل عنكم} أي ذهب عنكم، { ما كنتم تزعمون} من رجاء الأصنام والأنداد، كقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} ، وقال تعالى: { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون} ، وقال تعالى: { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} ، وقال: { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} الآية، والآيات في هذا كثيرة.

تفسير الجلالين

{ ومن } أي لا أحد { أظلم ممن افترى على الله كذبا } بادعاء النبوة ولم ينبأ { أو قال أُوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء } نزلت في مسيلمة { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } وهم المستهزئون قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا { ولو ترى } يا محمد { إذ الظالمون } المذكورون { في غمرات } سكرات { الموت والملائكةُ باسطوا أيديهم } إليهم بالضرب والتعذيب يقولون لهم تعنيفا { أخرجوا أنفسكم } إلينا لنقبضها { اليوم تجزون عذاب الهون } الهوان { بما كنتم تقولون على الله غير الحق } يدعون النبوة والإيحاء كذب { وكنتم عن آياته تستكبرون } تتكبرون عن الإيمان بها وجواب لو رأيت أمرا فظيعا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذَبَا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ذِكْرهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } : وَمَنْ أَخَطَأ قَوْلًا وَأَجْهَل فِعْلًا مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا , يَعْنِي : مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه كَذِبًا , فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا وَأَرْسَلَهُ نَذِيرًا , وَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِل وَفِي قِيله كَاذِب . وَهَذَا تَسْفِيه مِنْ اللَّه لِمُشْرِكِي الْعَرَب وَتَجْهِيل مِنْهُ لَهُمْ فِي مُعَارَضَة عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح وَالْحَنَفِيّ مُسَيْلَمَة لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَى أَحَدهمَا النُّبُوَّة وَدَعْوَى الْآخَر أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَفَى مِنْهُ عَنْ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتِلَاق الْكَذِب عَلَيْهِ وَدَعْوَى الْبَاطِل . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ فِيهِ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10562 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ جُرَيْج , قَوْله : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة أَخِي بَنِي عَدِيّ بْن حَنِيفَة فِيمَا كَانَ يُسَجِّع وَيَتَكَهَّن بِهِ . { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح , أَخِي بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ , كَانَ يَكْتُب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ فِيمَا يُمْلِي " عَزِيز حَكِيم " , فَيَكْتُب " غَفُور رَحِيم " , فَيُغَيِّرهُ , ثُمَّ يَقْرَأ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا لِمَا حَوَّلَ , فَيَقُول : " نَعَمْ سَوَاء " فَرَجَعَ عَنْ الْإِسْلَام وَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَقَالَ لَهُمْ : لَقَدْ كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ " عَزِيز حَكِيم " , فَأُحَوِّلهُ ثُمَّ أَقُول لِمَا أَكْتُب , فَيَقُول نَعَمْ سَوَاء ! ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام قَبْل فَتْح مَكَّة , إِذْ نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد خَاصَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10563 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } . . . إِلَى قَوْله : { تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح ; أَسْلَمَ , وَكَانَ يَكْتُب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ " سَمِيعًا عَلِيمًا " , كَتَبَ هُوَ : " عَلِيمًا حَكِيمًا " ; وَإِذَا قَالَ : " عَلِيمًا حَكِيمًا " كَتَبَ : " سَمِيعًا عَلِيمًا " . فَشَكَّ وَكَفَرَ , وَقَالَ : إِنْ كَانَ مُحَمَّد يُوحَى إِلَيْهِ فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ , وَإِنْ كَانَ اللَّه يُنْزِلهُ فَقَدْ أَنْزَلْت مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه , قَالَ مُحَمَّد : " سَمِيعًا عَلِيمًا " , فَقُلْت أَنَا : " عَلِيمًا حَكِيمًا " . فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ , وَوَشَى بِعَمَّارٍ وَجُبَيْر عِنْد اِبْن الْحَضْرَمِيّ أَوْ لِبَنِي عَبْد الدَّار , فَأَخَذُوهُمْ فَعُذِّبُوا حَتَّى كَفَرُوا . وَجُدِعَ أُذُن عَمَّار يَوْمئِذٍ , فَانْطَلَقَ عَمَّار إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ وَاَلَّذِي أَعْطَاهُمْ مِنْ الْكُفْر , فَأَبَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَلَّاهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِي شَأْن اِبْن أَبِي سَرْح وَعَمَّار وَأَصْحَابه : { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطَمْئِن بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } فَاَلَّذِي أُكْرِهَ عَمَّار وَأَصْحَابه , وَاَلَّذِي شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَهُوَ اِبْن أَبِي سَرْح . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْقَائِل : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } مُسَيْلَمَة الْكَذَّاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10564 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِم كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب , فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي , فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ اُنْفُخْهُمَا , فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا , فَأَوَّلْتهُمَا فِي مَنَامِي الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنهمَا : كَذَّاب الْيَمَامَة مُسَيْلَمَة , وَكَذَّاب صَنْعَاء الْعَنْسِيّ " وَكَانَ يُقَال لَهُ الْأَسْوَد . 10565 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَزَادَ فِيهِ : وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْت فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب , فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ , فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ اُنْفُخْهُمَا , فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا , فَأَوَّلْت ذَلِكَ كَذَّاب الْيَمَامَة , وَكَذَّاب صَنْعَاء الْعَنْسِيّ " . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه قَالَ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } وَلَا تَمَانُع بَيْن عُلَمَاء الْأُمَّة أَنَّ اِبْن أَبِي سَرْح كَانَ مِمَّنْ قَالَ : إِنِّي قَدْ قُلْت مِثْل مَا قَالَ مُحَمَّد , وَأَنَّهُ اِرْتَدَّ عَنْ إِسْلَامه وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ . فَكَانَ لَا شَكَّ بِذَلِكَ مِنْ قِيله مُفْتَرِيًا كَذِبًا . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف بَيْن الْجَمِيع أَنَّ مُسَيْلَمَة وَالْعَنْسِيّ الْكَذَّابَيْنِ اِدَّعَيَا عَلَى اللَّه كَذِبًا أَنَّهُ بَعَثَهُمَا نَبِيَّيْنِ , وَقَالَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا : إِنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ ; وَهُوَ كَاذِب فِي قِيله . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّ مَنْ كَانَ مُخْتَلِقًا عَلَى اللَّه كَذِبًا وَقَائِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَان وَفِي غَيْره أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , وَهُوَ فِي قِيله كَاذِب لَمْ يُوحِ اللَّه إِلَيْهِ شَيْئًا . فَأَمَّا التَّنْزِيل فَإِنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون نَزَلَ بِسَبَبِ بَعْضهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون نَزَلَ بِسَبَبِ جَمِيعهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون عُنِيَ بِهِ جَمِيع الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَب , إِذْ كَانَ قَائِلُو ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ , فَعَيَّرَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهِمْ نَكِير ذَلِكَ . وَمَعَ تَرْكِهِمْ نَكِيره , هُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّبُونَ , وَلِنُبُوَّتِهِ جَاحِدُونَ , وَلِآيَاتِ كِتَاب اللَّه وَتَنْزِيله دَافِعُونَ , فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِدَّعَى عَلَى النُّبُوَّة كَاذِبًا وَقَالَ : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } وَمَعَ ذَلِكَ يَقُول : { مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء } فَيَنْقُض قَوْله بِقَوْلِهِ , وَيُكَذِّب بِاَلَّذِي تَحَقَّقَهُ , وَيَنْفِي مَا يُثْبِتهُ ! وَذَلِكَ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْعَاقِل الْأَرِيب , عَلِمَ أَنَّ فَاعِله مِنْ عَقْله عَدِيم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } مَا : 10566 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } قَالَ : زَعَمَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَالَ مِثْله - يَعْنِي الشِّعْر - . فَكَانَ اِبْن عَبَّاس فِي تَأْوِيله هَذَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ يُوَجِّه مَعْنَى قَوْل قَائِل : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه , إِلَيَّ : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا قَالَ اللَّه مِنْ الشِّعْر . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ السُّدِّيّ , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْهُ قَبْل فِيمَا مَضَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذَبَا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ذِكْرهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا } : وَمَنْ أَخَطَأ قَوْلًا وَأَجْهَل فِعْلًا مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا , يَعْنِي : مِمَّنْ اِخْتَلَقَ عَلَى اللَّه كَذِبًا , فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعَثَهُ نَبِيًّا وَأَرْسَلَهُ نَذِيرًا , وَهُوَ فِي دَعْوَاهُ مُبْطِل وَفِي قِيله كَاذِب . وَهَذَا تَسْفِيه مِنْ اللَّه لِمُشْرِكِي الْعَرَب وَتَجْهِيل مِنْهُ لَهُمْ فِي مُعَارَضَة عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح وَالْحَنَفِيّ مُسَيْلَمَة لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَعْوَى أَحَدهمَا النُّبُوَّة وَدَعْوَى الْآخَر أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَفَى مِنْهُ عَنْ نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِخْتِلَاق الْكَذِب عَلَيْهِ وَدَعْوَى الْبَاطِل . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ فِيهِ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10562 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ جُرَيْج , قَوْله : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة أَخِي بَنِي عَدِيّ بْن حَنِيفَة فِيمَا كَانَ يُسَجِّع وَيَتَكَهَّن بِهِ . { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح , أَخِي بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ , كَانَ يَكْتُب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ فِيمَا يُمْلِي " عَزِيز حَكِيم " , فَيَكْتُب " غَفُور رَحِيم " , فَيُغَيِّرهُ , ثُمَّ يَقْرَأ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا لِمَا حَوَّلَ , فَيَقُول : " نَعَمْ سَوَاء " فَرَجَعَ عَنْ الْإِسْلَام وَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَقَالَ لَهُمْ : لَقَدْ كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ " عَزِيز حَكِيم " , فَأُحَوِّلهُ ثُمَّ أَقُول لِمَا أَكْتُب , فَيَقُول نَعَمْ سَوَاء ! ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام قَبْل فَتْح مَكَّة , إِذْ نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد خَاصَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10563 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } . . . إِلَى قَوْله : { تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون } قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح ; أَسْلَمَ , وَكَانَ يَكْتُب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَانَ إِذَا أَمْلَى عَلَيْهِ " سَمِيعًا عَلِيمًا " , كَتَبَ هُوَ : " عَلِيمًا حَكِيمًا " ; وَإِذَا قَالَ : " عَلِيمًا حَكِيمًا " كَتَبَ : " سَمِيعًا عَلِيمًا " . فَشَكَّ وَكَفَرَ , وَقَالَ : إِنْ كَانَ مُحَمَّد يُوحَى إِلَيْهِ فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ , وَإِنْ كَانَ اللَّه يُنْزِلهُ فَقَدْ أَنْزَلْت مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه , قَالَ مُحَمَّد : " سَمِيعًا عَلِيمًا " , فَقُلْت أَنَا : " عَلِيمًا حَكِيمًا " . فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ , وَوَشَى بِعَمَّارٍ وَجُبَيْر عِنْد اِبْن الْحَضْرَمِيّ أَوْ لِبَنِي عَبْد الدَّار , فَأَخَذُوهُمْ فَعُذِّبُوا حَتَّى كَفَرُوا . وَجُدِعَ أُذُن عَمَّار يَوْمئِذٍ , فَانْطَلَقَ عَمَّار إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ وَاَلَّذِي أَعْطَاهُمْ مِنْ الْكُفْر , فَأَبَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَلَّاهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه فِي شَأْن اِبْن أَبِي سَرْح وَعَمَّار وَأَصْحَابه : { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْد إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطَمْئِن بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } فَاَلَّذِي أُكْرِهَ عَمَّار وَأَصْحَابه , وَاَلَّذِي شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَهُوَ اِبْن أَبِي سَرْح . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْقَائِل : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } مُسَيْلَمَة الْكَذَّاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10564 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِم كَأَنَّ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب , فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي , فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ اُنْفُخْهُمَا , فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا , فَأَوَّلْتهُمَا فِي مَنَامِي الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنهمَا : كَذَّاب الْيَمَامَة مُسَيْلَمَة , وَكَذَّاب صَنْعَاء الْعَنْسِيّ " وَكَانَ يُقَال لَهُ الْأَسْوَد . 10565 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُسَيْلَمَة . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَزَادَ فِيهِ : وَأَخْبَرَنِي الزُّهْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بَيْنَا أَنَا نَائِم رَأَيْت فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب , فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ , فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ اُنْفُخْهُمَا , فَنَفَخْتهمَا فَطَارَا , فَأَوَّلْت ذَلِكَ كَذَّاب الْيَمَامَة , وَكَذَّاب صَنْعَاء الْعَنْسِيّ " . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه قَالَ : { وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } وَلَا تَمَانُع بَيْن عُلَمَاء الْأُمَّة أَنَّ اِبْن أَبِي سَرْح كَانَ مِمَّنْ قَالَ : إِنِّي قَدْ قُلْت مِثْل مَا قَالَ مُحَمَّد , وَأَنَّهُ اِرْتَدَّ عَنْ إِسْلَامه وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ . فَكَانَ لَا شَكَّ بِذَلِكَ مِنْ قِيله مُفْتَرِيًا كَذِبًا . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف بَيْن الْجَمِيع أَنَّ مُسَيْلَمَة وَالْعَنْسِيّ الْكَذَّابَيْنِ اِدَّعَيَا عَلَى اللَّه كَذِبًا أَنَّهُ بَعَثَهُمَا نَبِيَّيْنِ , وَقَالَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا : إِنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ ; وَهُوَ كَاذِب فِي قِيله . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَة كُلّ مَنْ كَانَ مُخْتَلِقًا عَلَى اللَّه كَذِبًا وَقَائِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَان وَفِي غَيْره أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , وَهُوَ فِي قِيله كَاذِب لَمْ يُوحِ اللَّه إِلَيْهِ شَيْئًا . فَأَمَّا التَّنْزِيل فَإِنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون نَزَلَ بِسَبَبِ بَعْضهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون نَزَلَ بِسَبَبِ جَمِيعهمْ , وَجَائِز أَنْ يَكُون عُنِيَ بِهِ جَمِيع الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَب , إِذْ كَانَ قَائِلُو ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ , فَعَيَّرَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهِمْ نَكِير ذَلِكَ . وَمَعَ تَرْكِهِمْ نَكِيره , هُمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَذِّبُونَ , وَلِنُبُوَّتِهِ جَاحِدُونَ , وَلِآيَاتِ كِتَاب اللَّه وَتَنْزِيله دَافِعُونَ , فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ اِدَّعَى عَلَى النُّبُوَّة كَاذِبًا وَقَالَ : { أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء } وَمَعَ ذَلِكَ يَقُول : { مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء } فَيَنْقُض قَوْله بِقَوْلِهِ , وَيُكَذِّب بِاَلَّذِي تَحَقَّقَهُ , وَيَنْفِي مَا يُثْبِتهُ ! وَذَلِكَ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْعَاقِل الْأَرِيب , عَلِمَ أَنَّ فَاعِله مِنْ عَقْله عَدِيم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي قَوْله : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } مَا : 10566 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه } قَالَ : زَعَمَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَالَ مِثْله - يَعْنِي الشِّعْر - . فَكَانَ اِبْن عَبَّاس فِي تَأْوِيله هَذَا عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ يُوَجِّه مَعْنَى قَوْل قَائِل : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه , إِلَيَّ : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا قَالَ اللَّه مِنْ الشِّعْر . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ السُّدِّيّ , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْهُ قَبْل فِيمَا مَضَى .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّد حِين يَغْمُر الْمَوْت بِسَكَرَاتِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ , الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَالْقَائِلِينَ مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء , وَالْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّه كَذِبًا الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء , وَالْقَائِلِينَ : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه ; فَتُعَايِنهُمْ وَقَدْ غَشِيَتْهُمْ سَكَرَات الْمَوْت , وَنَزَلَ بِهِمْ أَمْر اللَّه , وَحَانَ فَنَاء آجَالِهِمْ , وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُو أَيْدِيهمْ يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَكَيْف إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اِتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّه وَكَرِهُوا رِضْوَانه } يَقُولُونَ لَهُمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ . وَالْغَمَرَات : جَمْع غَمْرَة , وَغَمْرَة كُلّ شَيْء : كَثْرَته وَمُعْظَمه , وَأَصْله : الشَّيْء الَّذِي يَغْمُر الْأَشْيَاء فَيُغَطِّيهَا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَهَلْ يُنْجِي مِنْ الْغَمَرَات إِلَّا بَرَاكَاء الْقِتَال أَوْ الْفِرَار وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , مَا : 10567 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت } قَالَ : سَكَرَات الْمَوْت . 10568 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فِي غَمَرَات الْمَوْت } يَعْنِي : سَكَرَات الْمَوْت . وَأَمَّا بَسْط الْمَلَائِكَة أَيْدِيهمْ فَإِنَّهُ مَدّهَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي سَبَب بَسْطِهَا أَيْدِيهَا عِنْد ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10569 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } قَالَ : هَذَا عِنْد الْمَوْت . وَالْبَسْط : الضَّرْب ; يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ . 10570 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ ثَنِي عَمِّي : قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } يَقُول : الْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ , يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ . وَالظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت , وَمَلَك الْمَوْت يَتَوَفَّاهُمْ . 10571 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } يَضْرِبُونَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ بَسْطهَا أَيْدِيهَا بِالْعَذَابِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10572 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } قَالَ : بِالْعَذَابِ . 10573 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } بِالْعَذَابِ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ يَتَأَوَّل ذَلِكَ بِمَعْنَى : بَاسِطُو أَيْدِيهمْ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : مَا وَجْه قَوْله : { أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ } وَنُفُوس بَنِي آدَم إِنَّمَا يُخْرِجهَا مِنْ أَبَدَانِ أَهْلهَا رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ فَكَيْف خُوطِبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار , وَأُمِرُوا فِي حَال الْمَوْت بِإِخْرَاجِ أَنْفُسهمْ ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُون بَنُو آدَم هُمْ يَقْبِضُونَ أَنْفُس أَجْسَامهمْ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي إِلَيْهِ ذَهَبْت , وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْر مِنْ اللَّه عَلَى أَلْسُن رُسُله الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْقَوْم مِنْ أَجْسَامهمْ , بِأَدَاءِ مَا أَسْكَنَهَا رَبّهَا مِنْ الْأَرْوَاح إِلَيْهِ وَتَسْلِيمهَا إِلَى رُسُله الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّد حِين يَغْمُر الْمَوْت بِسَكَرَاتِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ , الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَالْقَائِلِينَ مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء , وَالْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّه كَذِبًا الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء , وَالْقَائِلِينَ : سَأُنْزِلُ مِثْل مَا أَنْزَلَ اللَّه ; فَتُعَايِنهُمْ وَقَدْ غَشِيَتْهُمْ سَكَرَات الْمَوْت , وَنَزَلَ بِهِمْ أَمْر اللَّه , وَحَانَ فَنَاء آجَالِهِمْ , وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُو أَيْدِيهمْ يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَكَيْف إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اِتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّه وَكَرِهُوا رِضْوَانه } يَقُولُونَ لَهُمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ . وَالْغَمَرَات : جَمْع غَمْرَة , وَغَمْرَة كُلّ شَيْء : كَثْرَته وَمُعْظَمه , وَأَصْله : الشَّيْء الَّذِي يَغْمُر الْأَشْيَاء فَيُغَطِّيهَا , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَهَلْ يُنْجِي مِنْ الْغَمَرَات إِلَّا بَرَاكَاء الْقِتَال أَوْ الْفِرَار وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ , مَا : 10567 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت } قَالَ : سَكَرَات الْمَوْت . 10568 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فِي غَمَرَات الْمَوْت } يَعْنِي : سَكَرَات الْمَوْت . وَأَمَّا بَسْط الْمَلَائِكَة أَيْدِيهمْ فَإِنَّهُ مَدّهَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي سَبَب بَسْطِهَا أَيْدِيهَا عِنْد ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10569 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } قَالَ : هَذَا عِنْد الْمَوْت . وَالْبَسْط : الضَّرْب ; يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ . 10570 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ ثَنِي عَمِّي : قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } يَقُول : الْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ , يَضْرِبُونَ وُجُوههمْ وَأَدْبَارهمْ . وَالظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت , وَمَلَك الْمَوْت يَتَوَفَّاهُمْ . 10571 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } يَضْرِبُونَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ بَسْطهَا أَيْدِيهَا بِالْعَذَابِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 10572 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } قَالَ : بِالْعَذَابِ . 10573 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ أَبِي صَالِح : { وَالْمَلَائِكَة بَاسِطُوا أَيْدِيهمْ } بِالْعَذَابِ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ يَتَأَوَّل ذَلِكَ بِمَعْنَى : بَاسِطُو أَيْدِيهمْ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : مَا وَجْه قَوْله : { أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ } وَنُفُوس بَنِي آدَم إِنَّمَا يُخْرِجهَا مِنْ أَبَدَانِ أَهْلهَا رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ فَكَيْف خُوطِبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار , وَأُمِرُوا فِي حَال الْمَوْت بِإِخْرَاجِ أَنْفُسهمْ ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُون بَنُو آدَم هُمْ يَقْبِضُونَ أَنْفُس أَجْسَامهمْ ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي إِلَيْهِ ذَهَبْت , وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَمْر مِنْ اللَّه عَلَى أَلْسُن رُسُله الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْقَوْم مِنْ أَجْسَامهمْ , بِأَدَاءِ مَا أَسْكَنَهَا رَبّهَا مِنْ الْأَرْوَاح إِلَيْهِ وَتَسْلِيمهَا إِلَى رُسُله الَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه غَيْر الْحَقّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاته تَسْتَكْبِرُونَ } . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا تَقُول رُسُل اللَّه الَّتِي تَقْبِض أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْكُفَّار لَهَا , يُخْبِر عَنْهَا أَنَّهَا تَقُول لِأَجْسَامِهَا وَلِأَصْحَابِهَا : أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ إِلَى سَخَط اللَّه وَلَعْنَتِهِ , فَإِنَّكُمْ الْيَوْم تُثَابُونَ عَلَى كُفْركُمْ بِاَللَّهِ , وَقِيلكُمْ عَلَيْهِ الْبَاطِل , وَزَعْمِكُمْ أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْكُمْ وَلَمْ يُوحِ إِلَيْكُمْ شَيْئًا , وَإِنْذَاركُمْ أَنْ يَكُون اللَّه أَنْزَلَ عَلَى بَشَر شَيْئًا , وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْخُضُوع لِأَمْرِ اللَّه وَأَمْر رَسُوله وَالِانْقِيَاد لِطَاعَتِهِ . { عَذَاب الْهُون } وَهُوَ عَذَاب جَهَنَّم الَّذِي يُهِينهُمْ فَيُذِلّهُمْ , حَتَّى يَعْرِفُوا صَغَار أَنْفُسهمْ وَذِلَّتهَا . كَمَا : 10574 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا { عَذَاب الْهُون } فَاَلَّذِي يُهِينهُمْ . 10575 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون } قَالَ : عَذَاب الْهُون فِي الْآخِرَة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . وَالْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ بِالْهُونِ مَعْنَى الْهَوَان ضَمَّتْ الْهَاء , وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ الرِّفْق وَالدَّعَة وَخِفَّة الْمَئُونَة فَتَحْت الْهَاء , فَقَالُوا : هُوَ قَلِيل هَوْن الْمَئُونَة ; وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْض هَوْنًا } يَعْنِي : بِالرِّفْقِ وَالسَّكِينَة وَالْوَقَار ; وَمِنْهُ قَوْل الْمُثَنَّى اِبْن جَنْدَل الطُّهَوِيّ . وَنَقْض أَيَّام نَقَضْنَ أَسْره هَوْنًا وَأَلْقَى كُلّ شَيْخ فَخْره وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : هَوْنكُمَا لَا يَرُدّ الدَّهْر مَا فَاتَا لَا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْر مَنْ مَاتَا يُرِيد : رَوْدًا . وَقَدْ حُكِيَ فَتْح الْهَاء فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى الْهَوَان وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ عَامِر بْن جُوَيْن : نُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْن النُّفُوس عِنْدَ الْكَرِيهَةِ أَعْلَى لَهَا وَالْمَعْرُوف مِنْ كَلَامهمْ ضَمّ الْهَاء مِنْهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَوَان وَالذُّلّ , كَمَا قَالَ ذُو الْإِصْبَع الْعُدْوَانِيّ : اِذْهَبْ إِلَيْك فَمَا أُمِّيّ بِرَاعِيَةٍ تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلَا أُغْضِي عَلَى الْهُونِ يَعْنِي عَلَى الْهَوَان . وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرِّفْق فَفَتْحهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه غَيْر الْحَقّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاته تَسْتَكْبِرُونَ } . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّا تَقُول رُسُل اللَّه الَّتِي تَقْبِض أَرْوَاح هَؤُلَاءِ الْكُفَّار لَهَا , يُخْبِر عَنْهَا أَنَّهَا تَقُول لِأَجْسَامِهَا وَلِأَصْحَابِهَا : أَخْرِجُوا أَنْفُسكُمْ إِلَى سَخَط اللَّه وَلَعْنَتِهِ , فَإِنَّكُمْ الْيَوْم تُثَابُونَ عَلَى كُفْركُمْ بِاَللَّهِ , وَقِيلكُمْ عَلَيْهِ الْبَاطِل , وَزَعْمِكُمْ أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْكُمْ وَلَمْ يُوحِ إِلَيْكُمْ شَيْئًا , وَإِنْذَاركُمْ أَنْ يَكُون اللَّه أَنْزَلَ عَلَى بَشَر شَيْئًا , وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْخُضُوع لِأَمْرِ اللَّه وَأَمْر رَسُوله وَالِانْقِيَاد لِطَاعَتِهِ . { عَذَاب الْهُون } وَهُوَ عَذَاب جَهَنَّم الَّذِي يُهِينهُمْ فَيُذِلّهُمْ , حَتَّى يَعْرِفُوا صَغَار أَنْفُسهمْ وَذِلَّتهَا . كَمَا : 10574 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا { عَذَاب الْهُون } فَاَلَّذِي يُهِينهُمْ . 10575 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ عَذَاب الْهُون } قَالَ : عَذَاب الْهُون فِي الْآخِرَة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . وَالْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ بِالْهُونِ مَعْنَى الْهَوَان ضَمَّتْ الْهَاء , وَإِذَا أَرَادَتْ بِهِ الرِّفْق وَالدَّعَة وَخِفَّة الْمَئُونَة فَتَحْت الْهَاء , فَقَالُوا : هُوَ قَلِيل هَوْن الْمَئُونَة ; وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْض هَوْنًا } يَعْنِي : بِالرِّفْقِ وَالسَّكِينَة وَالْوَقَار ; وَمِنْهُ قَوْل الْمُثَنَّى اِبْن جَنْدَل الطُّهَوِيّ . وَنَقْض أَيَّام نَقَضْنَ أَسْره هَوْنًا وَأَلْقَى كُلّ شَيْخ فَخْره وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : هَوْنكُمَا لَا يَرُدّ الدَّهْر مَا فَاتَا لَا تَهْلِكَا أَسَفًا فِي إِثْر مَنْ مَاتَا يُرِيد : رَوْدًا . وَقَدْ حُكِيَ فَتْح الْهَاء فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى الْهَوَان وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ عَامِر بْن جُوَيْن : نُهِينُ النُّفُوسَ وَهَوْن النُّفُوس عِنْدَ الْكَرِيهَةِ أَعْلَى لَهَا وَالْمَعْرُوف مِنْ كَلَامهمْ ضَمّ الْهَاء مِنْهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَوَان وَالذُّلّ , كَمَا قَالَ ذُو الْإِصْبَع الْعُدْوَانِيّ : اِذْهَبْ إِلَيْك فَمَا أُمِّيّ بِرَاعِيَةٍ تَرْعَى الْمَخَاضَ وَلَا أُغْضِي عَلَى الْهُونِ يَعْنِي عَلَى الْهَوَان . وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الرِّفْق فَفَتْحهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومن أظلم} ابتداء وخبر؛ أي لا أحد أظلم. { ممن افترى على الله كذبا} أي اختلق. { أو قال أوحي إلي} فزعم أنه نبي { ولم يوح إليه شيء} نزلت في رحمان اليمامة والأسود العبسي وسجاح زوج مسيلمة؛ كلهم تنبأ وزعم أن الله قد أوحى إليه. قال قتادة : بلغنا أن الله أنزل هذا في مسيلمة؛ وقال ابن عباس. قلت : ومن هذا النمط من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه السلف من السنن يقول : وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا؛ فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوها من الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون : هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون؛ ويستدلون على هذا بالخضر؛ وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. وسيأتي لهذا المعنى في { الكهف} مزيد بيان إن شاء الله تعالى. قوله تعالى { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} { من} في موضع خفض؛ أي ومن أظلم ممن قال سأنزل، والمراد عبدالله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين. وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في { المؤمنون} { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون : 12] دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه؛ فلما انتهى إلى قوله { ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون : 14] عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان فقال { تبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون : 14]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وهكذا أنزلت على) فشك عبدالله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال. فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، فذلك قوله { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} رواه الكلبي عن ابن عباس. وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال : نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} ارتد عن الإسلام، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبدالله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، ففر عبدالله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أمه عثمان، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له؛ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال : (نعم). فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه). فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلى يا رسول الله؟ فقال : (إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين). قال أبو عمر : وأسلم عبدالله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك. وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم. وغزا الصواري من أرض الروم سنة أربع وثلاثين؛ فلما رجع من وفاداته منعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط، فمضى إلى عسقلان، فأقام فيها حتى قتل عثمان رضي الله عنه. وقيل : بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة. ودعا ربه فقال : اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح؛ فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم عن يمينه، ثم ذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره. ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية رضي الله عنهما. وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية. وقيل : إنه توفي بإفريقية. والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين. وقيل : سنة ست وثلاثين. وروى حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث؛ لأنه عارض القرآن فقال : والطاحنات طحنا. والعاجنات عجنا. فالخابزات خبزا. فاللاقمات لقما. قوله تعالى { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} أي شدائده وسكراته. والغمرة الشدة؛ وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها. ومنه غمره الماء. ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره. ومنه غمرات الحرب. قال الجوهري : والغمرة الشدة، والجمع غمر مثل نوبة ونوب. قال القطامي يصف سفينة نوح عليه السلام : وحان لتالك الغمر انحسار وغمرات الموت شدائده. { والملائكة باسطو أيديهم} ابتداء وخبر. والأصل باسطون. قيل : بالعذاب ومطارق الحديد؛ عن الحسن والضحاك. وقيل : لقبض أرواحهم؛ وفي التنزيل { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} الأنفال : 50] فجمعت هذه الآية القولين. يقال : بسط إليه يده بالمكروه. { أخرجوا أنفسكم} أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ. وقيل : أخرجوها كرها؛ لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا، ويقال : أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهو أن؛ كذا جاء في حديث أبي هريرة وغيره. وقد أتينا عليه في كتاب { التذكرة} والحمد لله. وقيل : هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه : لأذيقنك العذاب ولأخرجن نفسك؛ وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك الموت وأعوانه. وقيل : يقال هذا للكفار وهم في النار. والجواب محذوف لعظم الأمر؛ أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذابا عظيما. والهون والهوان سواء. { تستكبرون} أي تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 92 - 95

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ساعة يأتي الحق بأسلوب استفهامي فليس الهدف أن يستفهم. إنه - سبحانه - لا يريد ان يأتي الخبر من عنده، وهو يقدر أن يقول: الذي يفتري ظالم، لكنه هنا يأتي بالاستفهام الذي يؤكد أنه لا يوجد أظلم من الذي يفتري على الله كذباً، ويعرض الله القضية على المؤمنين وكأنه يسأل ليعوض كل مؤمن القضية على ذهنه ويستنبط الجواب. إن الذي يفتري على زميله والمثيل له كذباً نُوقِع به العقاب، فما بالك بمن يفتري على الله؟ وحين تسمع أنت هذا الكلام: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً }. وتستعرض الأمر فلا تجد أظلم منه، وهكذا يستخرج الله الحكم من فَم المقابل.

وكيف يفتري إنسان الكذب على الله؟ كأن يبلغ الناس ويدَّعي ويقول: أنا نبي وهو ليس كذلك. هنا تكون الفرية على الله، وإياك ان تظن أنه يكذب على الناس، لا، إنه يكذب على الله؛ لأنه أبلغ أن الله قد بعثه وهو لم يبعثه.

و " الافتراء ": كذب مُتعمَّد مقصود، وينطبق ذلك على النبوات التي ادعيت؛ من مثل مسيلمة الكذاب، سجاح، طليحة الأسدي، الأسود العنسي؛ كل هؤلاء ادعوا النبوة، ومع ذلك لم يسألهم أحد عن المعجزة الدالة على نُبوّتهم؛ لأن كل واحد منهم عندما أعلن نبوته جاء بما يُخفّف عن الناس أحكام الدين.

فواحد قال: أنا أخفف الصلاة، والزكاة لا داعي لها. لذلك تبعهم كل من أراد أن يتخفف من أوامر الدين ونواهيه، موهما نفسه بأنه مُتدين، دون أن يلتزم بالتزامات التدين، وهذا هو السبب في أن أصحاب النبوات الكاذبة، والادعاءات الباطلة يجدون لهم أنصاراً من المنافقين؛ فالواحد من هؤلاء الأتباع قد يكون مثقفاً ثم يصدق نبياً دجالاً، وتسأل التابع للدجال وتقول له: أسألت مدَّعي النبوة هذا ما معجزتك؟ - وهذا أول شرط في النُبوَّة - ولم نجد أحداً سأل هذا السؤال قط، لماذا؟

لأن التدّين فطرة في النفس، ولكن الذي يصعِّب التدين هو الالتزامات التي يفرضها التدين، وعندما يرى التابع الضعيف النفس أن هناك من يُريحع من الالتزامات الدينية، ويفهمه أنه على دين، ويقلل الالتزامات عليه، لذلك يتبعه ضعاف النفوس، وتصبح المسألة فوضى.

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ } [الأنعام: 93]

هناك من ادعى وقال: أنا نبي، وقال: سأنزل مثل هذا القرآن، فماذا قال هذا المدَّعي وهو " النضر بن الحارث " يقول - في أمة أذنها أذن بلاغية، تتأثر بموسيقى اللفظ -: " والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا "!! ولماذا لم يأت بالمسألة من أولها ويقول: " والزارعات زرعا والحارثات حرثا " ثم يقول مَن ادعى أنه أوحي إليه: " والعاجنات عجنا والخابزات خبزا " ، وكان عليه أن يتبعها أيضاً: " والآكلات أكلا والهاضمات هضما ".وطبعاً كان هذا الكلام لوناً من هراء فارغ؛ لأن الحق إنما أنزل كلامه موزونا جاذباً لمعانٍ لها قيمتها في الخبر، ولذلك نزل القول الحق: { أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } ، " وقد جاء واحد هو عبدالله بن سعد بن أي سرح القرشي وكان أخا لسيدنا عثمان من الرضاعة وكان كاتباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقعد في حضرة النبي. فنزلت الآية: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ } [المؤمنون: 12-14].

وانبهر بالأطوار التي خلق فيها الحق الإنسان فقال: { تبارك الله أحسن الخالقين }. فقال له رسول الله: اكتبها فقد نزلت. واغْترّ الرجل وقال: إن كان محمدٌ صادقاً لقد أوحى إليّ كما أوحي إليه؛ وإن كاذباً لقد قلت كما قال: فأهدر رسول الله دمه. وقال لصحابته: من رآه فليقتله. وفي عام الفتح جاء به عثمان رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، اعف عن عبدالله، فسكت رسول الله. قال عثمان رضي الله عنه: اعف عنه. فسكت رسول الله. وكررها ثالثا: اعف عنه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.

وكان لسيدنا عثمان منزلة خاصة عند رسول الله، وأشار الرسول لسيدنا عثمان بن عفان، فأخذ الرجل وانصرف، فلما انصرف قال الرسول لصحابته: ألم أقل لكم من رآه فليقتله؟ قال سيدنا عباد بن بشر: يا رسول الله لقد جعلتُ إليك بصري - أي وجَّهت عيني لك - لتشير عليّ بقتله، فقال رسول الله لعباد بن بشر: " ما ينبغي لرسول أن تكون له خائنة الأعين " وأسلم ابن أبي سرح وحسن إسلامه ".

ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، ما هي عقوبات هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب، ويحاولون التغرير بالناس مدّعين أن الله أنزل عليهم وحياً؟

يقول الحق سبحانه: { وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } [الأنعام: 93].

وساعة تسمع " لو " هذه تعرف أنها شرطية، وأنت تقول - مثلا - لو جاءني فلان لأكرمته. وحين تقرأ القرآن نجد كثيراً من " لو " ليس لها جواب، لماذا؟ لأن الإتيان بالجواب يعني حصر الجواب الذي لا يمكن للفظ أن يحصره فأنت تتركه للسامع مثلما تجد شاباً يلعب دور الفتوة في الحارة ويتعب سكانها، ثم وقع في أيدي الشرطة وأخذوه ليعاقبوه، فيقول واحد ممن رأوه من قبل وهو يرهق أهل الحارة: آه لو رأيتم الولد الفتوة وهو في يد الشرطة!

أين جواب الشرط هنا؟ إنه لا يأتي؛ لأنه يتسع لأمر عجيب يضيق الأسلوب عن أدائه.والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: { وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ } ولم يقل لي: ماذا ترى؟ لأنك سترى عجباً لا يؤديه اللفظ. و " الغمرات " هي الشدة التي لا يستطيع الإنسان منها فكاكاً ولا تخلصاً.

ويتابع الحق: { وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ } فهل هم ملائكة الموت الذين يقبضون الروح؟ أو الكلام في ملائكة العذاب؟ إنها تشمل النوعين: ملائكة قبض الروح وملائكة العذاب.

{ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ } كأن ملائكة قبض الروح تقول لهم: إن كنتم متأبّين على الله في كثير من الأحكام لقد تأبّيتم على الله إيماناً، وتأبّيتم على الله أحكاماً، وتأبّيتم على الله في تصديق الرسول، فهاهو ذا الحق قد أمرنا أن نقبض أرواحكم، فهل أنتم قادرون على التمرد على مرادات الحق؟ إن كنتم كذلك فليظهر كل منكم مهارته في التأبّي على قبض روحه، أو أن الملائكة يبالغون في النكاية بهم كأن نقول لواحد: اخنق نفسك وأخرج روحك بيديك أو: أخرجوا أنفسكم من العذاب الذي يحيق بكم.

" وعذاب الهون " هو العذاب المؤلم وفيه ذلة. وأساليب العذاب في القرآن متعددة، فيقول مرة: " من العذاب المهين " أو وأعد لهم " عذاباً مهيناً " أو ولهم " عذاب أليم " فمرة يكون العذاب مؤلماً لكن لا ذلة فيه، ومرة يكون العذاب مؤلماً وفيه ذلة. وكما أن النعمة فيها تعظيم فالنقمة فيها ذلة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى، فالله سبحانه منزّه عن أي تشبيه -: قد نجد حاكماً يعتقل إنساناً ويأمر بأن يجلس المعتقل في قصر فخم وله حديقة، لكن حين يأتيه الطعام، يقول له الحارس: خذ اتسمم، وفي ذلك إهانة كبيرة.

ولماذا يذيقهم الحق العذاب المهين؟ تأتي الإجابة من الله: { بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }. كأن يقول واحد: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء. وهم أيضاً يستكبرون على الآيات التي يؤمن بها العقل الطبيعي، ويقول الحق:
{  وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }
[النمل: 14].

ويقول الحق بعد ذلك: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ...} الآية. [93].
نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، كان يسجع ويتكهن، ويدعي النبوة، ويزعم أن الله أوحى إليه.
قوله تعالى: { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ...} الآية. [93].
نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، كان قد تكلم بالإسلام، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يكتب له شيئاً، فلما نزلت الآية التي في المؤمنين [12-14] { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ} أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} عجِب عبدُ الله من تفصيل خلق الإنسان فقال { فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أُنزلت عليّ، فشك عبد الله حينئذ، وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إِليّ كما أُوحِيَ إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال: وذلك قوله: { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ} وارتد عن الإسلام. وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي.
أخبرنا عبد الرحمن بن عبدان، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله [بن نعيم]، قال: حدَّثني محمد بن يعقوب الأموي، قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال حدَّثني شرحبيل بن سعد، قال:
نزلت في عبد الله بن سعد بن سَرْح، قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، وارتد عن الإسلام، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكة [فر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه عنده، حتى إذا اطمأن أهل مكة] أتى به عثمان رسول الله عليه السلام، فاستأمن له.


www.alro7.net