سورة
اية:

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ

تفسير بن كثير

هذا مما يأمر اللّه تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة، ولهذا قال: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ، ولا تعارض بين هذا وبين قوله: { ولا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم} الآية، وبين قوله تعالى: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} أي لا تتركوها بلا كفارة، وبين قوله عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إني واللّه - إن شاء اللّه - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها، وفي رواية: وكفرت عن يميني) لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة ههنا وهي قوله: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ، لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع؛ ولهذا قال مجاهد في قوله: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} يعني الحلف، أي حلف الجاهلية. ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيد الإسلام إلا شدة) ""رواه أحمد ومسلم عن جبير بن مطعم مرفوعاً""، ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. وقال ابن جرير، عن بريدة في قوله: { وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم} قال: نزلت في بيعة النبي صلى اللّه عليه وسلم، كان من أسلم بايع النبي صلى اللّه عليه وسلم على الإسلام، فقال: { وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم} هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام، { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وقوله: { إن اللّه يعلم ما تفعلون} تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها. وقوله: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} . قال السدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئاً نقضته بعد إبرامه، وقال مجاهد وقتادة هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده، وهذا القول أرجح وأظهر، سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا، وقوله: { أنكاثا} أي أنقاضاً، { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي خديعة ومكراً { أن تكون أمة هي أربى من أمة} أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم، فنهى اللّه عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى، قال ابن عباس { أن تكون أمة هي أربى من أمة} : أي أكثر، وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك، وقوله: { إنما يبلوكم اللّه به} قال ابن جرير: أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر.

تفسير الجلالين

{ وأوْفوا بعهد الله } من البيع والأيمان وغيرها { إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } توثيقها { وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً } بالوفاء حيث حلفتم به والجملة حال { إن الله يعلم ما تفعلون } تهديد لهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَوْفُوا بِمِيثَاقِ اللَّه إِذَا وَاثَقْتُمُوهُ , وَعَقْده إِذَا عَاقَدُّتمُوهُ , فَأَوْجَبْتُمْ بِهِ عَلَى أَنْفُسكُمْ حَقًّا لِمَنْ عَاقَدُّتمُوهُ بِهِ وَوَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ . { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } يَقُول : وَلَا تُخَالِفُوا الْأَمْر الَّذِي تَعَاقَدْتُمْ فِيهِ الْأَيْمَان , يَعْنِي بَعْد مَا شَدَدْتُمْ الْأَيْمَان عَلَى أَنْفُسكُمْ , فَتَحْنَثُوا فِي أَيْمَانكُمْ وَتَكْذِبُوا فِيهَا وَتَنْقُضُوهَا بَعْد إِبْرَامهَا , يُقَال مِنْهُ : وَكَّدَ فُلَان يَمِينه يُوَكِّدهَا تَوْكِيدًا : إِذَا شَدَّدَهَا ; وَهِيَ لُغَة أَهْل الْحِجَاز , وَأَمَّا أَهْل نَجِد , فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : أَكَّدْتهَا أُؤَكِّدهَا تَأْكِيدًا . وَقَوْله : { وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } يَقُول : وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه بِالْوَفَاءِ بِمَا تَعَاقَدْتُمْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفُسكُمْ رَاعِيًا يَرْعَى الْمُوفِي مِنْكُمْ بِعَهْدِ اللَّه الَّذِي عَاهَدَ عَلَى الْوَفَاء بِهِ وَالنَّاقِض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى اِخْتِلَاف بَيْنهمْ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة وَفِيمَا أَنْزَلَتْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَام , وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16506 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو لَيْلَى , عَنْ بُرَيْدَة , قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه إِذَا عَاهَدْتُمْ } قَالَ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي بَيْعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بَايَعَ عَلَى الْإِسْلَام , فَقَالُوا : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه إِذَا عَاهَدْتُمْ } هَذِهِ الْبَيْعَة الَّتِي بَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَام , { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } الْبَيْعَة , فَلَا يَحْمِلكُمْ قِلَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَكَثْرَة الْمُشْرِكِينَ أَنْ تَنْقُضُوا الْبَيْعَة الَّتِي بَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَام , وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ قِلَّة وَالْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ كَثْرَة . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ فِي الْحِلْف الَّذِي كَانَ أَهْل الشِّرْك تَحَالَفُوا فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَمَرَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْإِسْلَام أَنْ يُوفُوا بِهِ وَلَا يَنْقُضُوهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16507 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } قَالَ : تَغْلِيظهَا فِي الْحِلْف . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16508 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } يَقُول : بَعْد تَشْدِيدهَا وَتَغْلِيظهَا . 16509 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : هَؤُلَاءِ قَوْم كَانُوا حُلَفَاء لِقَوْمٍ تَحَالَفُوا وَأَعْطَى بَعْضهمْ الْعَهْد , فَجَاءَهُمْ قَوْم , فَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَر وَأَعَزّ وَأَمْنَع , فَانْقُضُوا عَهْد هَؤُلَاءِ وَارْجِعُوا إِلَيْنَا ! فَفَعَلُوا , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } أَنْ تَكُون أُمَّة هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّة , هِيَ أَرْبَى أَكْثَر مِنْ أَجْل أَنْ كَانَ هَؤُلَاءِ أَكْثَر مِنْ أُولَئِكَ , نَقَضْتُمْ الْعَهْد فِيمَا بَيْنكُمْ وَبَيْن هَؤُلَاءِ , فَكَانَ هَذَا فِي هَذَا . 16510 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : سَأَلَتْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ قَوْل اللَّه : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } قَالَ : الْعُهُود . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَة عِبَاده بِالْوَفَاءِ بِعُهُودِهِ الَّتِي يَجْعَلُونَهَا عَلَى أَنْفُسهمْ , وَنَهَاهُمْ عَنْ نَقْضِ الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا عَلَى أَنْفُسهمْ لِآخَرِينَ بِعُقُودٍ تَكُون بَيْنهمْ بِحَقٍّ مِمَّا لَا يَكْرَههُ اللَّه . وَجَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْيِهِمْ عَنْ نَقْضِ بَيْعَتهمْ حَذَرًا مِنْ قِلَّة عَدَد الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَة عَدَد الْمُشْرِكِينَ , وَأَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ أَرَادُوا الِانْتِقَال بِحِلْفِهِمْ عَنْ حُلَفَائِهِمْ لِقِلَّةِ عَدَدهمْ فِي آخَرِينَ لِكَثْرَةِ عَدَدهمْ , وَجَائِز أَنْ تَكُون فِي غَيْر ذَلِكَ . وَلَا خَبَر تُنْبَت بِهِ الْحُجَّة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ دُون شَيْء , وَلَا دَلَالَة فِي كِتَاب وَلَا حُجَّة عَقْل أَيْ ذَلِكَ عُنِيَ بِهَا , وَلَا قَوْل فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِمَّا قُلْنَا لِدَلَالَةِ ظَاهِره عَلَيْهِ , وَأَنَّ الْآيَة كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَاب , وَيَكُون الْحُكْم بِهَا عَامًّا فِي كُلّ مَا كَانَ بِمَعْنَى السَّبَب الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ . 16511 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } قَالَ : وَكِيلًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَوْفُوا بِمِيثَاقِ اللَّه إِذَا وَاثَقْتُمُوهُ , وَعَقْده إِذَا عَاقَدُّتمُوهُ , فَأَوْجَبْتُمْ بِهِ عَلَى أَنْفُسكُمْ حَقًّا لِمَنْ عَاقَدُّتمُوهُ بِهِ وَوَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ . { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } يَقُول : وَلَا تُخَالِفُوا الْأَمْر الَّذِي تَعَاقَدْتُمْ فِيهِ الْأَيْمَان , يَعْنِي بَعْد مَا شَدَدْتُمْ الْأَيْمَان عَلَى أَنْفُسكُمْ , فَتَحْنَثُوا فِي أَيْمَانكُمْ وَتَكْذِبُوا فِيهَا وَتَنْقُضُوهَا بَعْد إِبْرَامهَا , يُقَال مِنْهُ : وَكَّدَ فُلَان يَمِينه يُوَكِّدهَا تَوْكِيدًا : إِذَا شَدَّدَهَا ; وَهِيَ لُغَة أَهْل الْحِجَاز , وَأَمَّا أَهْل نَجِد , فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : أَكَّدْتهَا أُؤَكِّدهَا تَأْكِيدًا . وَقَوْله : { وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } يَقُول : وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه بِالْوَفَاءِ بِمَا تَعَاقَدْتُمْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفُسكُمْ رَاعِيًا يَرْعَى الْمُوفِي مِنْكُمْ بِعَهْدِ اللَّه الَّذِي عَاهَدَ عَلَى الْوَفَاء بِهِ وَالنَّاقِض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى اِخْتِلَاف بَيْنهمْ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة وَفِيمَا أَنْزَلَتْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَام , وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16506 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو لَيْلَى , عَنْ بُرَيْدَة , قَوْله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه إِذَا عَاهَدْتُمْ } قَالَ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي بَيْعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بَايَعَ عَلَى الْإِسْلَام , فَقَالُوا : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه إِذَا عَاهَدْتُمْ } هَذِهِ الْبَيْعَة الَّتِي بَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَام , { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } الْبَيْعَة , فَلَا يَحْمِلكُمْ قِلَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَكَثْرَة الْمُشْرِكِينَ أَنْ تَنْقُضُوا الْبَيْعَة الَّتِي بَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَام , وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ قِلَّة وَالْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ كَثْرَة . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ فِي الْحِلْف الَّذِي كَانَ أَهْل الشِّرْك تَحَالَفُوا فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَمَرَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْإِسْلَام أَنْ يُوفُوا بِهِ وَلَا يَنْقُضُوهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16507 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } قَالَ : تَغْلِيظهَا فِي الْحِلْف . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16508 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } يَقُول : بَعْد تَشْدِيدهَا وَتَغْلِيظهَا . 16509 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : هَؤُلَاءِ قَوْم كَانُوا حُلَفَاء لِقَوْمٍ تَحَالَفُوا وَأَعْطَى بَعْضهمْ الْعَهْد , فَجَاءَهُمْ قَوْم , فَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَر وَأَعَزّ وَأَمْنَع , فَانْقُضُوا عَهْد هَؤُلَاءِ وَارْجِعُوا إِلَيْنَا ! فَفَعَلُوا , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } أَنْ تَكُون أُمَّة هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّة , هِيَ أَرْبَى أَكْثَر مِنْ أَجْل أَنْ كَانَ هَؤُلَاءِ أَكْثَر مِنْ أُولَئِكَ , نَقَضْتُمْ الْعَهْد فِيمَا بَيْنكُمْ وَبَيْن هَؤُلَاءِ , فَكَانَ هَذَا فِي هَذَا . 16510 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا نَافِع بْن يَزِيد , قَالَ : سَأَلَتْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ قَوْل اللَّه : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا } قَالَ : الْعُهُود . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَة عِبَاده بِالْوَفَاءِ بِعُهُودِهِ الَّتِي يَجْعَلُونَهَا عَلَى أَنْفُسهمْ , وَنَهَاهُمْ عَنْ نَقْضِ الْأَيْمَان بَعْد تَوْكِيدهَا عَلَى أَنْفُسهمْ لِآخَرِينَ بِعُقُودٍ تَكُون بَيْنهمْ بِحَقٍّ مِمَّا لَا يَكْرَههُ اللَّه . وَجَائِز أَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْيِهِمْ عَنْ نَقْضِ بَيْعَتهمْ حَذَرًا مِنْ قِلَّة عَدَد الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَة عَدَد الْمُشْرِكِينَ , وَأَنْ تَكُون نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ أَرَادُوا الِانْتِقَال بِحِلْفِهِمْ عَنْ حُلَفَائِهِمْ لِقِلَّةِ عَدَدهمْ فِي آخَرِينَ لِكَثْرَةِ عَدَدهمْ , وَجَائِز أَنْ تَكُون فِي غَيْر ذَلِكَ . وَلَا خَبَر تُنْبَت بِهِ الْحُجَّة أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ دُون شَيْء , وَلَا دَلَالَة فِي كِتَاب وَلَا حُجَّة عَقْل أَيْ ذَلِكَ عُنِيَ بِهَا , وَلَا قَوْل فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِمَّا قُلْنَا لِدَلَالَةِ ظَاهِره عَلَيْهِ , وَأَنَّ الْآيَة كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَاب , وَيَكُون الْحُكْم بِهَا عَامًّا فِي كُلّ مَا كَانَ بِمَعْنَى السَّبَب الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ . 16511 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّه عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } قَالَ : وَكِيلًا . ' وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا تَفْعَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه أَيّهَا النَّاس يَعْلَم مَا تَفْعَلُونَ فِي الْعُهُود الَّتِي تُعَاهِدُونَ اللَّه مِنْ الْوَفَاء بِهَا وَالْأَحْلَاف وَالْأَيْمَان الَّتِي تُؤَكِّدُونَهَا عَلَى أَنْفُسكُمْ , أَتَبَرُّونَ فِيهَا أَمْ تَنْقُضُونَهَا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالكُمْ , مُحْصٍ ذَلِكَ كُلّه عَلَيْكُمْ , وَهُوَ مُسَائِلكُمْ عَنْهَا وَعَمَّا عَمِلْتُمْ فِيهَا , يَقُول : فَاحْذَرُوا اللَّه أَنْ تَلْقَوْهُ وَقَدْ خَالَفْتُمْ فِيهَا أَمْره وَنَهْيه , فَتَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ مِنْهُ مَا لَا قِبَل لَكُمْ بِهِ مِنْ أَلَم عِقَابه .وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه يَعْلَم مَا تَفْعَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه أَيّهَا النَّاس يَعْلَم مَا تَفْعَلُونَ فِي الْعُهُود الَّتِي تُعَاهِدُونَ اللَّه مِنْ الْوَفَاء بِهَا وَالْأَحْلَاف وَالْأَيْمَان الَّتِي تُؤَكِّدُونَهَا عَلَى أَنْفُسكُمْ , أَتَبَرُّونَ فِيهَا أَمْ تَنْقُضُونَهَا وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالكُمْ , مُحْصٍ ذَلِكَ كُلّه عَلَيْكُمْ , وَهُوَ مُسَائِلكُمْ عَنْهَا وَعَمَّا عَمِلْتُمْ فِيهَا , يَقُول : فَاحْذَرُوا اللَّه أَنْ تَلْقَوْهُ وَقَدْ خَالَفْتُمْ فِيهَا أَمْره وَنَهْيه , فَتَسْتَوْجِبُوا بِذَلِكَ مِنْهُ مَا لَا قِبَل لَكُمْ بِهِ مِنْ أَلَم عِقَابه .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { وأوفوا بعهد الله} لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان بالعدل والإحسان لأن المعنى فيها : افعلوا كذا، وانتهوا عن كذا؛ فعطف على ذلك التقدير. وقد قيل : إنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وقيل : نزلت في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء؛ قاله قتادة ومجاهد وابن زيد. والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه. روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) يعني في نصرة الحق والقيام به والمواساة. وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبدالله بن جدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته؛ فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، أي حلف الفضائل. والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس. روى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم لو أدعى به في الإسلام لأجبت). وقال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له، لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على المدينة؛ فقال له حسين بن علي : احلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال عبدالله بن الزبير : وأنا أحلف والله لئن دعانا لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا. وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك. وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه. قال العلماء : فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده الإسلام وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله : (لا حلف في الإسلام). والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من المكلفين، وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم} [الشورى : 42]. وفي الصحيح : (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قالوا : يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال : (تأخذ على يديه : في رواية : تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره). وقد تقدم قوله عليه السلام : (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده). الثانية: قوله تعالى { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} يقول بعد تشديدها وتغليظها؛ يقال : توكيد وتأكيد، ووكد وأكد، وهما لغتان. الثالثة: قوله تعالى { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} يعني شهيدا. ويقال حافظا، ويقال ضامنا. وإنما قال { بعد توكيدها} فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك التوكيد هو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا، يردد فيه الأيمان ثلاثا أو أكثر من ذلك؛ كقوله : والله لا أنقصه من كذا، والله لا أنقصه من كذا، والله لا أنقصه من كذا. قال : فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين. وقال يحيى بن سعيد : هي العهود، والعهد يمين، ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر. قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان). وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة، وحل ما انعقدت عليه اليمين. وقال ابن عمر : التوكيد هو أن يحلف مرتين، فإن حلف واحدة فلا كفارة فيه. وقد تقدم في المائدة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 90 - 95

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الوفاء: أنْ تفِيَ بما تعاهدتَ عليه، والعهود لا تكون في المفروض عليك، إنما تكون في المباحات، فأنت حُرٌّ أن تلقاني غداً وأنا كذلك، لكن إذا اتفقنا وتعاهدنا على اللقاء غداً في الساعة كذا ومكان كذا فقد تحوَّل الأمر من المباح إلى المفروض، وأصبح كُلٌ مِنَّا ملزماً بأن يفي بعهده؛ لأن كل واحد مِنّا عطَّل مصالحه ورتَّب أموره على هذا اللقاء، فلا يصح أنْ يفيَ أحدنا ويُخلِف الآخر، لأن ذلك يتسبب في عدم تكافؤ الفُرص، ومعلوم أن مصالح العبادِ في الدنيا قائمة على الوفاء بالعهد.

وقد ينظر البعض إلى الوفاء بالعهد على أنه مُلْزَمٌ به وحده، أو أنه عِبْءٌ عليه دون غيره، لكنه في الحقيقة عليك وعلى غيرك، فكما طلب منك الوفاء طلبه كذلك من الآخرين، فكلّ تكليف لك لا تنظر إليه هذه النظرة، بل تنظر إليه على أنه لصالحك.

فمن أخذ التكليف وأحكام الله من جانبه فقط يتعب، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ كما كلفك لصالح الناس فقد كلَّف الناس جميعاً لصالحك، فحين نهاك عن السرقة مثلاً إياك أنْ تظنَّ أنه قيّد حريتك أمام الآخرين؛ لأنه سبحانه نهى جميع الناس أن يسرقوا منك، فمَنِ الفائز إذن؟ أنا قيَّدت حريتك بالحكم، وأنت فرْد واحد، ولكني قيّدتُ جميع الخلق من أجلك.

كذلك حين أمرك الشرع بغضِّ بصرك على محارم الناس، أمر الناس جميعاً بغضِّ أبصارهم عن محارمك. إذن: لا تأخذ التكليف على أنه عليك، بل هو لك، وفي صالحك أنت.

كثيرون من الأغنياء يتبرّمون من الإنفاق، ويضيقون بالبذْل، ومنهم مَنْ يَعُد ذلك مَغْرماً لأنه لا يدري الحكمة من تكليف الأغنياء بمساعدة الفقراء، لا يدري أننا نُؤمِّن له حياته.

وها نحن نرى الدنيا دُوَلاً وأغياراً، فكم من غنيٍّ صار فقيراً، وكم من قوي صار ضعيفاً.

إذن: فحينما يأخذ منك وأنت غنيّ نُطمئنك: لا تخَفْ إذا ضاقتْ بك الحال، وإذا تبدّل غِنَاك فقراً، فكما أخذنا منك في حال الغنى سنُعطيك في حال الفقر، وهكذا يجب أن تكون نظرتنا إلى الأمور التكليفية.

وقوله تعالى:

{ بِعَهْدِ ٱللَّهِ... } [النحل: 91].

عهد الله: هو الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول عَهْد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالله فانظر إلى ما طلبه منك وما كلّفك به، وإياك أن تُخِلّ بأمر من أموره؛ لأن الاختلال في أي أمر تكليفي من الله يُعَدُّ نَقْصاً في إيمانك؛ لأنك حينما آمنت بالله شهدتَ بما شهد الله به لنفسه سبحانه في قوله تعالى:
{  شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. }
[آل عمران: 18].

فأوّل مَنْ شهد الله سبحانه لنفسه، وهذه شهادة الذات للذات (والملاَئِكة) أي: شهادة المشاهدة (وَأُولُوا العِلْم) أي: بالدليل والحجة.إذن: فأوّل عَهْد بينك وبين الله تعالى أنك آمنتَ به إلهاً حكيماً قادراً خالقاً مُربِّياً، فاستمع إلى ما يطلبه منك، فإنْ لم تستمع وتُنفّذ فاعلم أن العهد الإيماني الأول قد اختلَّ.

ولذلك، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ لم يُكلِّف الكافر، لأنه ليس بينه وبينه عهد، إنما يُكلِّف مَنْ آمن، فتجد كل آية من آيات الأحكام تبدأ بهذا النداء الإيماني:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }
[البقرة: 183].

كما في قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ... }
[البقرة: 183].

فيا مَنْ آمن بي رَباً، ورضيتني إلهاً اسمع مِنِّي؛ لأني سأعطيك قانون الصيانة لحياتك، هذا القانون الذي يُسعدك بالمسبِّب في الآخرة بعد أن أسعدك بالأسباب في الدنيا.

وقوله:

{ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا.. } [النحل: 91].

الأَيْمان: جمع يمين، وهو الحلف الذي نحلفه ونُؤكِّد عليه فنقول: والله، وعهد الله.. الخ. إذن: فلا يليق بك أنْ تنقضَ ما أكَّدته من الأَيْمان، بل يلزمك أنْ تُوفِّي بها؛ لأنك إنْ وفَّيت بها وُفِّي لك بها أيضاً، فلا تأخذ الأمر من جانبك وحدك، ولكن انظر إلى المقابل.

وكذلك العهد بين الناس بعضهم البعض مأخوذ من باطن العهد الإيماني بالله تعالى؛ لأننا حينما نتعاهد نُشهد الله على هذا العهد، فنقول: بيني وبينك عَهْد الله، فنُدخل بيننا الحق سبحانه وتعالى لِنُوثِّق ما تعاهدنا عليه، وربنا سبحانه وتعالى يقول: { وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً... } [النحل: 91].

أي: شاهداً ورقيباً وضامناً.

وقوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [النحل: 91].

أي: اعلم أن الله مُطَّلع عليك، يعلم خفايا الضمائر وما تُكِنّه الصدور، فاحذر حينما تعطي العهد أن تعطيه وأنت تنوي أن تخالفه، إياك أنْ تُعطي العهد خِدَاعاً، فربُّك سبحانه وتعالى يعلم ما تفعل.

ثم يُعقِّب الحق سبحانه: { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي... }.


www.alro7.net