سورة
اية:

آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده، فإن بين إسرائيل لما خرجوا من مصر وهم فيما قيل ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، اشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده اللّه تعالى بهم، فلحقوهم وقت شروق الشمس، { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ، أي كيف المخلص مما نحن فيه؟ فقال: { كلا إن معي ربي سيهدين} ، فأمره اللّه تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه، انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، وهو في مائة ألف، فلما رأى ذلك هاله، وأحجم وهاب وهمَّ بالرجوع، وهيهات ولات حين مناص، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، وميكائيل في ساقتهم، لا يترك منهم أحداً إلا ألحقه بهم، فلما استوسقوا فيه وتكاملوا، وهمَّ أولهم بالخروج منه أمر اللّه القدير البحر أن يرتطم عليهم، فارتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت، فقال وهو كذلك: { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين} ، فآمن حيث لا ينفعه الإيمان { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} ، ولهذا قال اللّه تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: { آلآن وقد عصيت قبل} أي أهذا الوقت تقول، وقد عصيت اللّه قبل هذا فيما بينك وبينه؟ { وكنت من المفسدين} أي في الأرض، { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} ، وهذا الذي حكى اللّه تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله، ذلك من أسرار الغيب التي أعلم اللّه بها رسوله صلى اللّه عليه وسلم، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل - قال، قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال -حال البحر: طينه الأسود- البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة) ""ورواه الترمذي وابن أبي حاتم وقال الترمذي: حديث حسن"". وقوله تعالى: { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} ، قال ابن عباس وغيره من السلف: إنَّ بعض بني إسرائيل شكّوا في موت فرعون، فأمر اللّه البحر أن يلقيه بجسده سوياً بلا روح، ليتحققوا من موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى: { فاليوم ننجيك} أي نرفعك على نشز من الأرض { ببدنك} ، قال مجاهد: بجسدك، وقال الحسن: بجسم لا روح فيه، وقوله: { لتكون لمن خلفك آية} أي لتكون لبني إسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك، وأن اللّه هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} أي لا يتعظون بها ولا يعتبرون بها، وقد كان إهلاكهم يوم عاشوراء كما قال ابن عباس: قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه: (وأنتم أحق بموسى منهم فصوموه) ""رواه البخاري عن ابن عباس"".

تفسير الجلالين

{ آلآن } تؤمن { وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } وإضلالك عن الإيمان .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْت قَبْل وَكُنْت مِنْ الْمُفْسِدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُعَرِّفًا فِرْعَوْن قُبْح صَنِيعه أَيَّام حَيَاته وَإِسَاءَته إِلَى نَفْسه أَيَّام صِحَّته , بِتَمَادِيهِ فِي طُغْيَانه وَمَعْصِيَته رَبّه حِين فَزِعَ إِلَيْهِ فِي حَال حُلُول سَخَطه بِهِ وَنُزُول عِقَابه , مُسْتَجِيرًا بِهِ مِنْ عَذَابه الْوَاقِع بِهِ لَمَّا نَادَاهُ وَقَدْ عَلَتْهُ أَمْوَاج الْبَحْر وَغَشِيَتْهُ كُرَب الْمَوْت : { آمَنْت أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ } لَهُ , الْمُنْقَادِينَ بِالذِّلَّةِ لَهُ , الْمُعْتَرِفِينَ بِالْعُبُودِيَّةِ : آلْآنَ تُقِرّ لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَتَسْتَسْلِم لَهُ بِالذِّلَّةِ , وَتُخْلِص لَهُ الْأُلُوهَة , وَقَدْ عَصَيْته قَبْل نُزُول نِقْمَته بِكَ فَأَسْخَطْته عَلَى نَفْسك وَكُنْت مِنْ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْض الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيله ؟ فَهَلَّا وَأَنْتَ فِي مَهَل وَبَاب التَّوْبَة لَك مُنْفَتِح أَقْرَرْت بِمَا أَنْتَ بِهِ الْآن مُقِرّ ! الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْت قَبْل وَكُنْت مِنْ الْمُفْسِدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُعَرِّفًا فِرْعَوْن قُبْح صَنِيعه أَيَّام حَيَاته وَإِسَاءَته إِلَى نَفْسه أَيَّام صِحَّته , بِتَمَادِيهِ فِي طُغْيَانه وَمَعْصِيَته رَبّه حِين فَزِعَ إِلَيْهِ فِي حَال حُلُول سَخَطه بِهِ وَنُزُول عِقَابه , مُسْتَجِيرًا بِهِ مِنْ عَذَابه الْوَاقِع بِهِ لَمَّا نَادَاهُ وَقَدْ عَلَتْهُ أَمْوَاج الْبَحْر وَغَشِيَتْهُ كُرَب الْمَوْت : { آمَنْت أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ } لَهُ , الْمُنْقَادِينَ بِالذِّلَّةِ لَهُ , الْمُعْتَرِفِينَ بِالْعُبُودِيَّةِ : آلْآنَ تُقِرّ لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَتَسْتَسْلِم لَهُ بِالذِّلَّةِ , وَتُخْلِص لَهُ الْأُلُوهَة , وَقَدْ عَصَيْته قَبْل نُزُول نِقْمَته بِكَ فَأَسْخَطْته عَلَى نَفْسك وَكُنْت مِنْ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْض الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيله ؟ فَهَلَّا وَأَنْتَ فِي مَهَل وَبَاب التَّوْبَة لَك مُنْفَتِح أَقْرَرْت بِمَا أَنْتَ بِهِ الْآن مُقِرّ !'

تفسير القرطبي

قيل : هو من قول الله تعالى. وقيل : هو من قول جبريل. وقيل : ميكائيل، صلوات الله عليهما، أو غيرهما من الملائكة له صلوات الله عليهم. وقيل : هو من قول فرعون في نفسه، ولم يكن ثم قول اللسان بل وقع ذلك في قلبه فقال في نفسه ما قال : حيث لم تنفعه الندامة؛ ونظيره. { إنما نطعمكم لوجه الله} [الإنسان : 9] أثنى عليهم الرب بما في ضميرهم لا أنهم قالوا ذلك بلفظهم، والكلام الحقيقي كلام القلب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 89 - 92

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذا يعني: أتقول إنك آمنت الآن وإنك من المسلمين. إن قولك هذا مردود؛ لأنه جاء في غير وقته، فهناك فرق بين إيمان الإجْبار وإيمان الاختيار، أتقول الآن آمنت وأنت قد عصيت من قبل، وكنت تفسد في الأرض.

وكان من الممكن أن يقبل الله سبحانه منه إيمانه وهو في نجوة بعيدة عن الشر الذي حاق به.

فالحق سبحانه لا يقبل إيمان أحد بلغت روحه الحلقوم، فهذا إيمان إجبار، لا إيمان اختيار.

ولو كان المطلوب إيمان الإجبار لأجبر الحق سبحانه الخلق كلهم على أن يؤمنوا، ولما استطاع أحد أن يكفر بالله تعالى، وأمامنا الكون كله خاضع لإمره الله ـ سبحانه وتعالى ـ ولا يتأبى فيه أحد على الله تعالى.

وقدرة الحق ـ عز وجل ـ المطلقة قادرة على إجبار البشر على الإيمان، لكنها تثبت طلاقة القدرة، ولا تثبت المحبوبية للمعبود.

وهذه المحبوبية للمعبود لا تثبت إلا إذا كان لك خيار في أن تؤمن أو لا تؤمن. والله سبحانه يريد إيمان الاختيار.

إذن: فالمردود من فرعون ليس القول، ولكن زمن القول.

ويقال: إنها رُدَّتْ ولم تُقبل ـ رغم أنه قالها ثلاث مرات ـ لأن قوم موسى في ذلك الوقت كانوا قد دخلوا في مرحلة التجسيم لذات الله وادعوا ـ معاذ الله ـ أن الله ـ تعالى عما يقولون ـ جلس على صخرة وأنزل رِجْليه في حوض ماء، وكان يلعب مع الحوت.. إلى آخر الخرافات التي ابتدعها بنو إسرائيل.

وحين أعلن فرعون أنه آمن بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل، فهذا يعني أنه لم يؤمن بالإله الحق سبحانه.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك. { فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ }


www.alro7.net