سورة
اية:

وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ

تفسير بن كثير

كثيراً ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها، { اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} ، كذلك الأجساد إذا أراد اللّه تعالى بعثها ونشورها أنزل من تحت العرش مطراً يعم الأرض جميعاً، ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض، ولهذا جاء في الصحيح: (كل ابن آدم يبلى إلا عجْبَ الذنب، منه خلق ومنه يركب)، ولهذا قال تعالى: { كذلك النشور} . وتقدم في الحج حديث أبي رزين، قلت: يا رسول اللّه كيف يحيي اللّه الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلاً ثم مررت به يهتز خضراً) قلت: بلى، قال صلى اللّه عليه وسلم: (فكذلك يحيي اللّه الموتى)، وقوله تعالى: { من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً} أي من كان يحب أن يكون عزيزاً في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة اللّه تعالى فإنه يحصل له مقصوده، لأن اللّه تعالى مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعاً، كما قال تعالى: { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة للّه جميعاً} ، وقال عزَّ وجلَّ: { وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} قال مجاهد: { من كان يريد العزة} بعبادة الأوثان { فللّه العزة جميعاً} ، وقال قتادة: { من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً} أي فليتعزز بطاعة اللّه عزَّ وجلَّ، وقوله تبارك وتعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب} يعني الذكر والتلاوة والدعاء؛ روى ابن جرير عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب اللّه تعالى، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان اللّه وبحمده والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر تبارك اللّه، أخذهن ملَك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه اللّه عزَّ وجلَّ، ثم قرأ عبد اللّه رضي اللّه عنه: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وقال كعب الأحبار: إن لسبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، لدويا حول العرش كدوي النحل، يذكرن لصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن. وقوله تعالى: { والعمل الصالح يرفعه} قال ابن عباس: الكلم الطيب ذكر اللّه تعالى يصعد به إلى اللّه عزَّ وجلَّ، والعمل الصالح أداء الفريضة، فمن ذكر اللّه تعالى في أداء فرائضه حمل عمله ذكر اللّه تعالى يصعد به إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ومن ذكر اللّه تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به، وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب، وقال إياس بن معاوية: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام، وقال الحسن وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل، وقوله تعالى: { والذين يمكرون السيئات} قال مجاهد: هم المراءون بأعمالهم، يعني يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة اللّه تعالى وهم بغضاء إلى اللّه عزَّ وجلَّ يراءون بأعمالهم { ولا يذكرون اللّه إلا قليلاً} ، وقال ابن أسلم: هم المشركون، والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: { لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} أي يفسد ويبطل، ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنُّهَى، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه اللّه رداءها إن خيراً فخير، وإن شرا فشر، فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج لهم ذلك عليهم بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية، وقوله تبارك وتعالى: { واللّه خلقكم من تراب ثم من نطفة} أي ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، { ثم جعلكم أزواجاً} أي ذكراً وأنثى لطفاً منه ورحمة أن جعل لكم أزواجاً من جنسكم لتسكنوا إليها، وقوله عزَّ وجلَّ: { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} أي هو عالم بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء بل { ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} ، وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: { اللّه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار} وقوله عزَّ وجلَّ: { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي ما يعطى بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول { وما ينقص من عمره} الضمير عائد على الجنس، لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم اللّه تعالى لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس. قال ابن جرير: وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه، أي ونصف ثوب آخر. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} الآية، يقول: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر، والحياة ببالغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: { ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على اللّه يسير} يقول: كل ذلك في كتاب عنده، وقال زيد بن أسلم { ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} قال: ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد فهذا هذا. وقال قتادة: والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة. وقال مجاهد { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر، فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ، وقال بعضهم: بل معناه { وما يعمر من معمر} أي ما يكتب من الأجل { ولا ينقص من عمره} وهو ذهابه قليلاً قليلاً الجميع معلوم عند اللّه تعالى سنة بعد سنة وشهراً بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، وساعة بعد ساعة الجميع مكتوب عند اللّه تعالى في كتابه، نقله ابن جرير عن أبي مالك، واختار ابن جرير الأول، ويؤيده عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه، قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) ""رواه البخاري ومسلم والنسائي واللفظ له""، عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال: ذكرنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (إن اللّه تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقه العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر)، وقوله عزَّ وجلَّ: { إن ذلك على اللّه يسير} أي سهل عليه يسير لديه، فإن عمله شامل للجميع لا يخفى عليه شيء منها.

تفسير الجلالين

{ والله الذي أرسل الرياح } وفي قراءة الريح { فتثير سحابا } المضارع لحكاية الحال الماضية، أي تزعجه { فسقناه } فيه التفات عن الغيبة { إلى بلد ميت } بالتشديد والتخفيف لا نبات بها { فأحيينا به الأرض } من البلد { بعد موتها } يبسها، أي أنبتنا به الزرع والكلأ { كذلك النشور } أي البعث والإحياء.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِير سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهَا كَذَلِكَ النُّشُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِير السَّحَاب لِلْحَيَا وَالْغَيْث { فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت } يَقُول : فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مُجْدَب الْأَهْل , مَحْل الْأَرْض , دَاثِر لَا نَبْت فِيهِ وَلَا زَرْع { فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا } يَقُول : فَأَخْصَبْنَا بِغَيْثِ ذَلِكَ السَّحَاب الْأَرْض الَّتِي سُقْنَاهُ إِلَيْهَا بَعْدَ جُدُوبهَا , وَأَنْبَتْنَا فِيهَا الزَّرْعَ بَعْدَ الْمَحْل { كَذَلِكَ النُّشُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَكَذَا يَنْشُر اللَّه الْمَوْتَى بَعْد بَلَائِهِمْ فِي قُبُورهمْ , فَيُحْيِيهِمْ بَعْد فَنَائِهِمْ , كَمَا أَحْيَيْنَا هَذِهِ الْأَرْض بِالْغَيْثِ بَعْد مَمَاتهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22119 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , قَالَ : ثنا أَبُو الزَّعْرَاء , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : يَكُون بَيْن النَّفْخَتَيْنِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكُونَ , فَلَيْسَ مِنْ بَنِي آدَم إِلَّا وَفِي الْأَرْض مِنْهُ شَيْء . قَالَ : فَيُرْسِل اللَّه مَاء مِنْ تَحْت الْعَرْش مَنِيًّا كَمَنِيِّ الرَّجُل , فَتَنْبُت أَجْسَادهمْ وَلُحْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ , كَمَا تَنْبُت الْأَرْض مِنْ الثَّرَى , ثُمَّ قَرَأَ : { وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاح فَتُثِير سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت } إِلَى قَوْله : { كَذَلِكَ النُّشُور } قَالَ : ثُمَّ يَقُوم مَلَك بِالصُّوَرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض , فَيَنْفُخ فِيهِ , فَتَنْطَلِق كُلّ نَفْس إِلَى جَسَدهَا , فَتَدْخُل فِيهِ 22120 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِير سَحَابًا } قَالَ : يُرْسِل الرِّيَاحَ فَتَسُوق السَّحَابَ , فَأَحْيَا اللَّه بِهِ هَذِهِ الْأَرْض الْمَيِّتَة بِهَذَا الْمَاء , فَكَذَلِكَ يَبْعَثهُ يَوْمَ الْقِيَامَة الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِير سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتهَا كَذَلِكَ النُّشُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِير السَّحَاب لِلْحَيَا وَالْغَيْث { فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت } يَقُول : فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مُجْدَب الْأَهْل , مَحْل الْأَرْض , دَاثِر لَا نَبْت فِيهِ وَلَا زَرْع { فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا } يَقُول : فَأَخْصَبْنَا بِغَيْثِ ذَلِكَ السَّحَاب الْأَرْض الَّتِي سُقْنَاهُ إِلَيْهَا بَعْدَ جُدُوبهَا , وَأَنْبَتْنَا فِيهَا الزَّرْعَ بَعْدَ الْمَحْل { كَذَلِكَ النُّشُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَكَذَا يَنْشُر اللَّه الْمَوْتَى بَعْد بَلَائِهِمْ فِي قُبُورهمْ , فَيُحْيِيهِمْ بَعْد فَنَائِهِمْ , كَمَا أَحْيَيْنَا هَذِهِ الْأَرْض بِالْغَيْثِ بَعْد مَمَاتهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22119 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , قَالَ : ثنا أَبُو الزَّعْرَاء , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : يَكُون بَيْن النَّفْخَتَيْنِ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكُونَ , فَلَيْسَ مِنْ بَنِي آدَم إِلَّا وَفِي الْأَرْض مِنْهُ شَيْء . قَالَ : فَيُرْسِل اللَّه مَاء مِنْ تَحْت الْعَرْش مَنِيًّا كَمَنِيِّ الرَّجُل , فَتَنْبُت أَجْسَادهمْ وَلُحْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ , كَمَا تَنْبُت الْأَرْض مِنْ الثَّرَى , ثُمَّ قَرَأَ : { وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاح فَتُثِير سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَد مَيِّت } إِلَى قَوْله : { كَذَلِكَ النُّشُور } قَالَ : ثُمَّ يَقُوم مَلَك بِالصُّوَرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض , فَيَنْفُخ فِيهِ , فَتَنْطَلِق كُلّ نَفْس إِلَى جَسَدهَا , فَتَدْخُل فِيهِ 22120 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاللَّه الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِير سَحَابًا } قَالَ : يُرْسِل الرِّيَاحَ فَتَسُوق السَّحَابَ , فَأَحْيَا اللَّه بِهِ هَذِهِ الْأَرْض الْمَيِّتَة بِهَذَا الْمَاء , فَكَذَلِكَ يَبْعَثهُ يَوْمَ الْقِيَامَة '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت} ميّت وميْت واحد، وكذا ميتة وميتة؛ هذا قول الحذاق من النحويين. وقال محمد بن يزيه : هذا قول البصريين، ولم يستثن أحدا، واستدل على ذلك بدلائل قاطعة. وأنشد : ليس من مات فاستراح بميت ** إنما الميْت ميّت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا ** كاسفا باله قليل الرجاء قال : فهل ترى بين ميت وميت فرقا، وأنشد : هينون لينون أيسار بنو يَسَر ** سواس مكرمة أبناء أيسار قال : فقد أجمعوا على أن هينون ولينون واحد، وكذا ميّت وميْت، وسيد وسيد. قال: "فسقناه" بعد أن قال: { والله الذي أرسل الرياح} وهو من باب تلوين الخطاب. وقال ابن عبيدة : سبيله "فتسوقه"، لأنه قال: "فتثير سحابا". الزمخشري : فإن قلت : لم جاء "فتثير" على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت : لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدوة الربانية؛ وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، أو تهم المخاطب أو غير ذلك؛ كما قال تأبط شرا : بأني قد لقيت الغول تهوي ** بسهب كالصحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرت ** صريعا لليدين وللجران لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب. من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: "فسقنا" و"أحيينا" معدولا بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. وقراءة العامة "الرياح". وقرأ ابن محيصن وابن كثير والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي: "الريح" توحيدا. وقد مضى بيان هذه الآية والكلام فيها مستوفى. { كذلك النشور} أي كذلك تحيون بعدما متم؛ من نشر الإنسان نشورا. فالكاف في محل الرفع؛ أي مثل إحياء الأموات نشر الأموات. وعن أبي رزين العقيلي قال : قلت يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى، وما آية ذلك في خلقه؟ قال : (أما مررت بوادي أهلك ممحلا ثم مررت به يهتز خضرا) قلت : نعم يا رسول الله. قال (فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه) وقد ذكرنا هذا الخبر في "الأعراف" وغيرها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فاطر الايات 5 - 11

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى: يرسل الرياح يعني: يحركها، وبتحريك الرياح يتم استيعاب خير الوجود كله، ألاَ ترى أن الريح إذا سكنتْ يتضايق الإنسان ويحاول تحريكها بنفسه بيده أو بالمروحة مثلاً؛ لأن حيِّزَك في التنفس لا يتم إلا بتحريك الهواء، وتغيير ثاني أكسيد الكربون ليحل محلَّه الأكسوجين، ولا تتم هذه العملية إلا بتحريك الهواء؛ لذلك يقولون: إذا لم يمرّ عليك الهواء فمُرّ أنت عليه. يعني: حرِّكه أنت.

ونتيجة حركة الرياح إثارة السحب { فَتُثِيرُ سَحَاباً } [فاطر: 9] يعني: تُهيِّجه وتُحركه من أماكنه، بحيث يذهب بعد تجمُّعه إلى حيث أراد الله أنْ ينزل المطر، إذن: حركة السحاب ليست ذاتية، وإنما تابعة لحركة الرياح، وهذه المسألة تساعدنا في فهم قوله تعالى:
{  وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ }
[النمل: 88].

فالجبال التي نحسبها ثابتة هي في الحقيقة تمر وتتحرك كحركة السحاب، وكما أن السحاب لا يمر بذاته، إنما بحركة الرياح، كذلك الجبال لا تمر بذاتها، إنما بحركة الأرض والجبال ثابتة على الأرض كالأوتاد؛ لذلك تتحرك بحركتها:
{  صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ }
[النمل: 88].

البعض لم يفطن إلى حركة الأرض التي تتبعها حركة الجبال، فقال في قوله تعالى:
{  وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ }
[النمل: 88] أن هذا في الآخرة، لكن أين هي الجبال في الآخرة والله يقول عنها:
{  وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ }
[المعارج: 9] ثم، كيف يمتنُّ الله عليها ويحتج ببديع صُنْعه في حركة الجبال في الآخرة، حيث لا تكليف، ولا موضع لتحنين القلوب وعَطْفها إلى الإيمان.

هذا عن حركة الرياح، أما عن سكونها، فيقول تعالى:
{  إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ }
[الشورى: 33] والمراد: السفن التي تُسيِّرها الرياح، فإنْ قُلْتَ: فهل يظل لهذه الآية هذا المعنى بعد التطور الذي طرأ على السفن، وبعد أن تلاشتْ القلاع وحَلَّ محلها الآلات التي تُسيِّر السفن دون حاجة إلى حركة الهواء؟

نقول: نعم ستظل الآية تحمل هذا المعنى إلى ما شاء الله؛ لأن الاختراعات الحديثة لم تفاجئ خالقها عز وجل، ومَنْ قال: إن الريح هو الهواء؟ الريح هو القوة أياً كانت، واقرأ قوله تعالى:
{  وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }
[الأنفال: 46] يعنى: قوتكم أيّاً كانت قوة هواء، أو قوة كهرباء، أو قوة بخار ومحركات.. الخ.

ونلحظ في أسلوب هذه الآية أن الفعل { أَرْسَلَ } [فاطر: 9] جاء في صيغة الماضي، لكن (تثير) في صيغة المضارع، ولم يقل سبحانه: فأثارت سحاباً، قال: أرسل يعني: أمر أنْ ترسل، فهذه مسألة انتهت وفُرغ منها، أما إثارة السحاب وتحريكه فمسألة مُتجدِّدة مستمرة في كل لحظة، فناسبها المضارع الدال على الحال والاستقبال.

أو: أن المعنى { وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً } [فاطر: 9] جاء في الماضي؛ لأن الكلام عن الغيب، والاسم الظاهر غيب وهو لفظ الجلالة، ثم انتقل من الغيب في { أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ } [فاطر: 9] إلى مقام المتكلم، فقال { فَسُقْنَاهُ } [فاطر: 9] كأن الله يلفتك بالنعمة إلى غيب هو الله تعالى، فحين تستحضر أنه الله الذي فعل أصبحْتَ أهلاً لمكالمة الله لك.ومثال ذلك ما قُلْنا في سورة الفاتحة:
{  بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }
[الفاتحة: 1-4] هذا كله غيب إلى
{  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
[الفاتحة: 5].

ولم يقُلْ: إياه نعبد لينقلك من الغيب إلى الخطاب المباشر معه سبحانه؛ لأنك أصبحتَ أهلاً لأنْ تخاطبه ويخاطبك بعد أن آمنتَ بالحيثيات الأولى في
{  ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }
[الفاتحة: 2-4].

ومعنى { فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ } [فاطر: 9] يعني: سُقْنا السحاب، أو سُقْنا الماء بعد نزوله في جداول وأنهار إلى الأرض التي لا نَبْتَ فيها، والتي يمكن أن تنتفع به، وهذا أدلّ على قدرة الله، وتأمل مثلاً ماء النيل الذي يروي السودان ومصر أين نزل؟ وهذا دليل على أن رزقك سيأتيك مهما بَعُد عنك مصدره.

فإذا ما استقر الماء في الأرض كانت النتيجة { فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } [فاطر: 9] يعني: أحييناها بالنبات، ثم يجعل الحق سبحانه من نِعَم إحياء الأرض الميتة دليلاً على نعمة أخرى موصولة في الآخرة، فيقول سبحانه: { كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ } [فاطر: 9] يعني: البعث يوم القيامة وإحياء الموتى من قبورهم.

فَخُذْ مما تشاهد من إحياء الأرض دليلاً على صدق ما غاب عنك، فكما أن الماء ينزل على الأرض الميتة فيُحييها، كذلك حين تنزل الروح على مادة الإنسان المدفونة في الأرض يحدث لها النشور والبعث، وتدبّ فيها الحياة.

وسبق أن بيَّنا أن العلماء لما حللوا جسم الإنسان وجدوه مُكوِّناً من ستة عشر عنصراً. أولها: الأكسوجين. وآخرها: المنجنيز. وهي نفسها عناصر التربة التي ينمو فيها النبات.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً... }.


www.alro7.net