سورة
اية:

ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها، قال زيد بن أسلم: { الذي أحسن كل شيء خلقه} قال: أحسن خلق كل شيء، كأنه جعله من المقدم والمؤخر؛ ثم لما ذكر تعالى خلق السماوات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان، فقال تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني خلق أبا البشر آدم من طين، { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} أي يتناسلون كذلك من نطفة، تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة، { ثم سوّاه} يعني آدم لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيماً، { ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} يعني العقول، { قليلاً ما تشكرون} أي بهذه القوى التي رزقكموها اللّه عزَّ وجلَّ، فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عزَّ وجلَّ.

تفسير الجلالين

{ ثم سوَّاه } أي خلق آدم { ونفخ فيه من روحه } أي جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا { وجعل لكم } أي لذريته { السمع } بمعنى الأسماع { والأبصار والأفئدة } القلوب { قليلا ما تشكرون } ما زائدة مؤكدة للقلة.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا , { وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه } فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } يَقُول : وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس رَبّكُمْ بِأَنْ أَعْطَاكُمْ السَّمْعَ تَسْمَعُونَ بِهِ الْأَصْوَات , وَالْأَبْصَار تُبْصِرُونَ بِهَا الْأَشْخَاص , وَالْأَفْئِدَة تَعْقِلُونَ بِهَا الْخَيْر مِنْ السُّوء ; لِتَشْكُرُوهُ عَلَى مَا وَهَبَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ سَوَّى الْإِنْسَان الَّذِي بَدَأَ خَلْقه مِنْ طِين خَلْقًا سَوِيًّا مُعْتَدِلًا , { وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحه } فَصَارَ حَيًّا نَاطِقًا { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } يَقُول : وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس رَبّكُمْ بِأَنْ أَعْطَاكُمْ السَّمْعَ تَسْمَعُونَ بِهِ الْأَصْوَات , وَالْأَبْصَار تُبْصِرُونَ بِهَا الْأَشْخَاص , وَالْأَفْئِدَة تَعْقِلُونَ بِهَا الْخَيْر مِنْ السُّوء ; لِتَشْكُرُوهُ عَلَى مَا وَهَبَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ .' وَقَوْله : { قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } يَقُول : وَأَنْتُمْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا مِنْ الشُّكْر رَبّكُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ.وَقَوْله : { قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } يَقُول : وَأَنْتُمْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا مِنْ الشُّكْر رَبّكُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر { خلقه} بإسكان اللام. وفتحها الباقون. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم طلبا لسهولتها. وهو فعل ماض في موضع خفض نعت لـ { شيء} . والمعنى على ما روي عن ابن عباس : أحكم كل شيء حلقه، أي جاء به على ما أراد، لم يتغير عن إرادته. وقول آخر - أن كل شيء خلقه حسن؛ لأنه لا يقدر أحد أن يأتي بمثله؛ وهو دال على خالقه. ومن أسكن اللام فهو مصدر عند سيبويه؛ لأن قوله: { أحسن كل شيء خلقه} يدل على : خلق كل شيء خلقا؛ فهو مثل: { صنع الله} النمل : 88] و { كتاب الله عليكم} النساء : 24]. وعند غيره منصوب على البدل من { كل} أي الذي أحسن خلق كل شيء. وهو مفعول ثان عند بعض النحويين، على أن يكون معنى { أحسن} أفهم وأعلم؛ فيتعّدى إلى مفعولين، أي أفهم كل شيء خلقه. وقيل : هو منصوب على التفسير؛ والمعنى : أحسن كل شيء خلقا. وقيل : هو منصوب بإسقاط حرف الجر، والمعنى : أحسن كل شيء في خلقه. وروي معناه عن ابن عباس و { أحسن} أي أتقن وأحكم؛ فهو أحسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها. ومن هذا المعنى قال ابن عباس وعكرمة : ليست است القرد بحسنة، ولكنها متقنة محكمة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد { أحسن كل شيء خلقه} قال : أتقنه. وهو مثل قوله تبارك وتعالى: { الذي أعطى كل شيء خلقه} طه : 50] أي لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة، ولا خلق البهيمة على خلق الإنسان. ويجوز { خلقه} بالرفع؛ على تقدير ذلك خلقه. وقيل : هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى؛ والمعنى : حسن خلق كل شيء حسن. وقيل : هو عموم في اللفظ والمعنى، أي جعل كل شيء خلقه حسنا، حتى جعل الكلب في خلقه حسنا؛ قاله ابن عباس. وقال قتادة : في است القرد حسنة. قوله تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين} يعني آدم. { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} تقّدم في "المؤمنون" وغيرها. وقال الزجاج { من ماء مهين} ضعيف. وقال غيره { مهين} لا خطر له عند الناس. { ثم سواه} رجع إلى آدم، أي سوى خلقه. { ونفخ فيه من روحه} ثم رجع إلى ذريته فقال: { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} وقيل : ثم جعل ذلك الماء المهين خلقا معتدلا، وركب فيه الروح وأضافه إلى نفسه تشريفا. وأيضا فإنه من فعله وخلقه كما أضاف العبد إليه بقوله: { عبدي} . وعبر عنه بالنفخ لأن الروح في جنس الريح. وقد مضى هذا مبينا في "النساء" وغيرها. { قليلا ما تشكرون} أي ثم أنتم لا تشكرون بل تكفرون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة السجدة الايات 7 - 9


سورة السجدة الايات 9 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه التسوية كانت أولاً للإنسان الأول الذي خلقه الله من الطين، كما قال سبحانه:
{  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }
[الحجر: 29] وقد مَرَّ آدم - عليه السلام - في هذه التسوية بالمراحل التي ذكرت، كذلك الأمر في سلالته يُسوِّيها الخالق - عز وجل - وتمر بمثل هذه المراحل: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة..الخ، ثم تُنفخ فيه الروح.

وإذا كان الإنسان لم يشهد كيفية خَلْقه، فإن الله تعالى يجعل من المشَاهد لنا دليلاً على ما غاب عَنَّا، فإنْ كنَّا لم نشهد الخَلْق فقد شاهدنا الموت، والموت تَقْضٌ للحياة وللخَلْق، ومعلوم أن نَقْض الشيء يأتي على عكس بنائه، فإذا أردنا مثلاً هدم عمارة من عدة أدوار فإن آخر الأدوار بناءً هو أول الأدوار هدماً.

كذلك الحال في الموت، أول شيء فيه خروج الروح، وهي آخر شيء في الخَلْق، فإذا خرجت الروح تصلَّب الجسد، أو كما يقولون (شضَّب)، وهذه المرحلة أشبه بمرحلة الصلصالية، ثم يُنتن وتتغير رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون، ثم يتحلل هذا الجسد ويتبخر ما فيه من مائية، وتبقى بعض العناصر التي تتحول إلى تراب ليعود إلى أصله الأول.

إذن: خُذْ من رؤيتك للموت دليلاً على صِدْق ربك - عز وجل - فيما أخبرك به من أمر الخَلْق الذي لم تشهده.

وقوله تعالى: { وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ.. } [السجدة: 9] سبق أن تكلمنا عن هذه الأعضاء، وقد قرر علماء وظائف الأعضاء مهمة كل عضو وجارحة، ومتى تبدأ هذه الجارحة في أداء مهمتها، وأثبتوا أن الأذن هي الجارحة الأولى التي تؤدي مهمتها في الطفل، بدليل أنك إذا وضعتَ أصبعك أمام عين الطفل بعد ولادته لا (يرمش)، في حين يفزع إنْ أحدثت َ بجواره صوتاً: ذلك لأنه يسمع بعد ولادته مباشرة، أما الرؤية فتتأخر من ثلاثة إلى عشرة أيام.

لذلك كانت حاسة السمع هي المصاحبة للإنسان، ولا تنتهي مهمتها حتى في النوم، وبها يتم الاستدعاء، أما العين فلا تعمل أثناء النوم.

وهذه المسألة أوضحها الحق سبحانه في قصة أهل الكهف، فلما أراد الحق سبحانه أنْ يُنيم أهل الكهف هذه المدة الطويلة، والكهف في صحراء بها أصوات الرياح والعواصف والحيوانات المتوحشة؛ لذلك ضرب الله على آذانهم وعطَّل عندهم هذه الحاسة كما قال سبحانه:
{  فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً }
[الكهف: 11].

إذن: الأذن هي أول الأعضاء أداءً لمهمتها، ثم العين، ثم باقي الأعضاء، وآخرها عملاً الأعصاب، بدليل أن الطفل تصل حرارته مثلاً إلى الأربعين درجة، ونراه يجري ويلعب دون أن يشعر بشيء، لماذا؟ لأن جهازه العصبي لم ينضج بَعْد، فلا يشعر بهذه الحرارة.لذلك نجد دائماً القرآن يُقدِّم السمع على البصر، ويتقدم البصرَ إلا في آية واحدة هي قوله تعالى:
{  أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا... }
[السجدة: 12] لأنها تصور مشهداً من مشاهد القيامة وفيه يفاجأ الكفار بأهوال القيامة، ويأخذهم المنظر قبل أنْ يسمعوا الصوت حين ينادي المنادي.

ومن عجائب الأداء البياني في القرآن أن كلمة أسماع يقابلها أبصار، لكن المذكور هنا: { ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ.. } [السجدة: 9] فالسمع مفرد، والأبصار جمع، فلماذا أفرد السمع وجمع البصر؟

قالوا: لأن الأذن ليس لها غطاء يحجب عنها الأصوات، كما أن للعين غطاءً يُسْدل عليه ويمنع عنها المرئيات، فإن فهو سمع واحد لي ولك وللجميع، الكل يسمع صوتاً واحداً، أما المرئيات فمتعددة، فما تراه أنت قد لا أراه أنا.

ولم يأْتِ البصر مفرداً - في هذا السياق - إلا في موضع واحد هو قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }
[الإسراء: 36] ذلك لأن الآية تتكلم عن المسئولية، والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى، فلا بُدَّ أنْ يكون واحداً.

ومن المناسب أن يذكر الحق سبحانه السمع والأبصار والأفئدة بعد الحديث عن مسألة الخَلْق؛ لأن الإنسان يُولَد من بطن أمه لا يعلم شيئاً، وبهذه الأعضاء والحواس يتعلّم ويكتسب المعلومات والخبرات كما قال سبحانه:
{  وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[الإسراء: 78]

إذن: فهذه الأعضاء ضرورية لوجود الإنسان الخليفة في الأرض، وبها يتعايش مع غيره، ولا بُدَّ له من اكتساب المعلومات، وإلاَّ فكيف سيتعايش مع بيئته؟

وقلنا: إن الإنسان لكي يتعلم لا بُدَّ له من استعمال هذه الحواس المدركة، كل منها في مناطه، فاللسان في الكلام، والعين في الرؤية، والأذن في السمع، والأنف في الشم، والأنامل في اللمس.

وقلنا: إن هذه الحواس هي أمهات الحواس المعروفة، حيث عرفنا فيما بعد حواسَّ أخرى؛ لذلك احتاط العلماء لهذا التطور، فأطلقوا على هذه الحواس المعروفة اسم " الحواس الظاهرة " ، وبعد ذلك عرفنا حاسة البَيْن التي نعرف بها رقَّة القماش وسُمْكه، وحاسة العضل التي نعرف بها الثقل.

إذن: حينما يُولَد الإنسان يحتاج إلى هذه الحواس ليتعايش بها ويدرك ويتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولو أن الإنسان يعيش وحده ما احتاج مثلاً لأنْ يتكلم، لكنه يعيش بطبيعته مع الجماعة، فلا بُدَّ له أن يتكلم ليتفاهم معهم، وقبل ذلك لا بُدَّ له أنْ يسمع ليتعلم الكلام.

وعرفنا سابقاً أن اللغة وليدة السماع، فالطفل الذي يُولَد في بيئة عربية ينطق بالعربية، والذي يعيش في بيئة إنجليزية ينطق الإنجليزية وهكذا، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن لا ينطق اللسان.

لذلك سبق أن قلنا في سورة البقرة في قول الله تعالى:
{  صُمٌّ بُكْمٌ... }
[البقرة: 18] أن البَكَم وهو عدم الكلام نتيجة الصمم، وهو عدم السماع، فالسمع - إذن - هو أول مهمة في الإنسان، وهو الذي يعطيني الأرضية الأولى في حياتي مع المجتمع من حولي.ومعلوم أن تعلُّم القراءة مثلاً يحتاج إلى معلم أسمع منه النطق، فهذه ألف، وهذه باء، هذه فتحة، وهذه ضمة..الخ، فإذا لم أسمع لا أستطيع النطق الصحيح، ولا أستطيع الكتابة.

وبالسماع يتم البلاغ عن الله من السماء إلى الأرض؛ لذلك تقدَّم ذِكْر السمع على ذِكْر البصر.

والحق سبحانه لما تكلَّم عن السمع بهذه الصورة قال: أنا سأُسْمع أسماء الأشياء، فهذه أرض، وهذه سماء..الخ، لذلك حينما نُعلِّم التلميذ نقول له: هذه عين، وهذه أذن.

وبعد أنْ يتعلم التلميذ من مُعلِّمه القراءة يستطيع بعد ذلك أنْ يقرأ بذاته، فيحتاج إلى حاسّة البصر في مهمة القراءة، فإذا أتم تعليمه واستطاع أن يصحح قراءته بنفسه، واختمرت عنده المعلومات التي اكتسبها بسمعه وبصره استطاع أنْ يقرأ أشياء أخرى غير التي قرأها له معلمه، واستطاع أن يربي نفسه ويُعلِّمها حتى تتكون عنده خلية علمية يستحدث من خلالها أشياء جديدة، ربما لا يعرفها معلمه، وهذه مهمة الفؤاد { وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ.. } [السجدة: 9]

فالمعاني تتجمع بهذه الحواس، حتى يصير الإنسان سَوياً لديه الملَكة التي يتعلم بها، ثم يُعلِّم هو غيره.

واللغة المنطوقة لا تُتعلَّم إلابالسماع، فأنا سمعت من أبي، وأبي سمع من أبيه، وتستطيع أنْ تسلسل هذه المسألة لتصل إلى آدم عليه السلام أبي البشر جميعاً، فإنْ قلتَ: فممَّنْ سمع آدم؟ نقول: سمع الله حينما علَّمه الأسماء كلها:
{  وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ }
[البقرة: 31]

وهذا أمر منطقي؛ لأن اللغة المسموعة بالأذن لا يمكن لأحد اختراعها، ومع ذلك يوجد مَنْ يعترض على هذه المسألة، يقول: هذا يعني أن اللغة توقيفية، لا دخْلَ لنا فيها. بمعنى: أننا لا نستحدث فيها جديداً.

ونقول: نعم، اللغة أمر توقيفي، لكن أعطى الله آدم الأسماء وعلَّمه إياها، وبهذه الأسماء يستطيع أنْ يتفاهم على وضع غيرها من الأسماء في المعلومات التي تستجد في حياته.

وإلا، فكيف سمَّينْا (الراديو والتليفزيون..الخ) وهذه كلها مُستجدات لا بُدَّ لها من أسماء، والاسم لا يوجد إلا بعد أنْ يوجد مُسمَّاة، وهذه مهمة المجامع اللغوية التي تقرر هذه الأسماء، وتوافق على استخدامها، وقد اصطلح المَجْمع على تسمية الهاتف: مسرة. والتليفزيون: تلفاز..الخ.

إذن: أتينا بهذه الألفاظ واتفقنا عليها؛ لأنها تعبر عن المعاني التي نريدها، وهذه الألفاظ وليدة الأسماء التي تعلمها آدم عليه السلام، فاللغة بدأت توقيفية، وانتهت وضعية.

وقوله تعالى بعد هذه النعم: { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } [السجدة: 9] دليل على أن هذه النعم تستوجب الشكر، لكن قليل منَّا مَنْ يشكر، وكان ينبغي أن نشكر المنعم كلما سمعنا، وكلما أبصرنا، وكلما عملتْ عقولنا وتوصلتْ إلى جديد.لذلك، كان شكر المؤمن لربه لا ينتهي، كما أن أعياده وفرحته لا تنتهي، فنحن مثلاً نفرح يوم عيد الفطر بفطرنا وبأدائنا للعبادة التي فرضها الله علينا، وفي عيد الأضحى نفرح؛ لأن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - تحمَّل عنَّا الفداء بولده، لكي يعفينا جميعاً من أنْ يفدي كل منَّا، ويتقرب إلى الله بذبح ولده، وإلا لكانت المسألة شاقة علينا؛ لذلك نفرح في عيد الأضحى، ونذبح الأضاحي، ونؤدي النُّسُك في الحج.

وما دام المؤمن ينبغي له أن يفرح بأداء الفرائض وعمل الطاعات، فلماذا لا نفرح كلما صلَّينا أو صُمْنا أو زكَّيْنا؟ لماذا لا نفرح عندما نطيع الله بعمل المأمورات، وترْك المنهيات؟ لماذا لا نفرح في الدنيا حتى يأتي يوم الفرح الأكبر، يوم تتجمع حصيلة هذه الأعمال، وننال ثوابها الجنة ونعيمها؟

واقرأ إن شئت قول ربك:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }
[يونس: 9-10]


www.alro7.net