سورة
اية:

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه، فبيّن أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال: { وعلى اللّه قصد السبيل} ، كقوله: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، وقال: { هذا صراط عليَّ مستقيم} ، قال مجاهد في قوله: { وعلى اللّه قصد السبيل} ، قال: طريق الحق على اللّه. وقال السدي: { وعلى اللّه قصد السبيل} الإسلام، وقال ابن عباس: وعلى اللّه البيان أي يبين الهدى والضلالة وكذا قال قتادة والضحّاك . وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق، لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: { ومنها جائر} أي حائد مائل زائل عن الحق. قال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية، وقرأ ابن مسعود: { منكم جائر} ؛ ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته فقال: { ولو شاء لهداكم أجمعين} ، كما قال تعالى: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} ، وقال: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} الآية.

تفسير الجلالين

{ وعلى الله قصد السبيل } أي بيان الطريق المستقيم { ومنها } أي السبيل { جائر } حائد عن الاستقامة { ولو شاء } هدايتكم { لهداكم } إلى قصد السبيل { أجمعين } فتهتدون إليه باختيار منكم.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَعَلَى اللَّه أَيّهَا النَّاس بَيَان طَرِيق الْحَقّ لَكُمْ , فَمَنْ اِهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ , فَإِنَّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا . وَالسَّبِيل : هِيَ الطَّرِيق , وَالْقَصْد مِنْ الطَّرِيق : الْمُسْتَقِيم الَّذِي لَا اِعْوِجَاج فِيهِ , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : فَصَدَّ عَنْ نَهْج الطَّرِيق الْقَاصِد وَقَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ السَّبِيل جَائِر عَنْ الِاسْتِقَامَة مُعْوَجّ , فَالْقَاصِد مِنْ السَّبِيل : الْإِسْلَام , وَالْجَائِر مِنْهَا : الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مِلَل الْكُفْر كُلّهَا جَائِر عَنْ سَوَاء السَّبِيل وَقَصْدهَا , سِوَى الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة . وَقِيلَ : وَمِنْهَا جَائِر , لِأَنَّ السَّبِيل يُؤَنَّث وَيُذَكَّر , فَأُنِّثَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَقُول : وَإِنَّمَا قِيلَ : " وَمِنْهَا " لِأَنَّ السَّبِيل وَإِنْ كَانَ لَفْظهَا لَفْظ وَاحِد فَمَعْنَاهَا الْجَمْع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16227 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : الْبَيَان . 16228 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : عَلَى اللَّه الْبَيَان , أَنْ يُبَيِّن الْهُدَى وَالضَّلَالَة . 16229 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن . قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } قَالَ : طَرِيق الْحَقّ عَلَى اللَّه . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل . 16230 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : عَلَى اللَّه الْبَيَان , بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وَطَاعَته وَمَعْصِيَته . 16231 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } قَالَ : السَّبِيل : طَرِيق الْهُدَى . 16232 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } قَالَ : إِنَارَتهَا . 16233 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : عَلَى اللَّه الْبَيَان , يُبَيِّن الْهُدَى مِنْ الضَّلَالَة , وَيُبَيِّن السَّبِيل الَّتِي تَفَرَّقَتْ عَنْ سُبُله , وَمِنْهَا جَائِر . 16234 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمِنْهَا جَائِر } : أَيْ مِنْ السُّبُل , سُبُل الشَّيْطَان . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " وَمِنْكُمْ جَائِر وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمِنْهَا جَائِر } قَالَ : فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَمِنْكُمْ جَائِر " . 16235 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَعْنِي : السُّبُل الْمُتَفَرِّقَة . 16236 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَقُول : الْأَهْوَاء الْمُخْتَلِفَة . 16237 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يُقَال : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَعْنِي السُّبُل الَّتِي تَفَرَّقَتْ عَنْ سَبِيله . 16238 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَمِنْهَا جَائِر } السُّبُل الْمُتَفَرِّقَة عَنْ سَبِيله . 16239 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } قَالَ : مِنْ السُّبُل جَائِر عَنْ الْحَقّ ; قَالَ : قَالَ اللَّه : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } 6 153 الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل وَمِنْهَا جَائِر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَعَلَى اللَّه أَيّهَا النَّاس بَيَان طَرِيق الْحَقّ لَكُمْ , فَمَنْ اِهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ , فَإِنَّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا . وَالسَّبِيل : هِيَ الطَّرِيق , وَالْقَصْد مِنْ الطَّرِيق : الْمُسْتَقِيم الَّذِي لَا اِعْوِجَاج فِيهِ , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : فَصَدَّ عَنْ نَهْج الطَّرِيق الْقَاصِد وَقَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ السَّبِيل جَائِر عَنْ الِاسْتِقَامَة مُعْوَجّ , فَالْقَاصِد مِنْ السَّبِيل : الْإِسْلَام , وَالْجَائِر مِنْهَا : الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مِلَل الْكُفْر كُلّهَا جَائِر عَنْ سَوَاء السَّبِيل وَقَصْدهَا , سِوَى الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة . وَقِيلَ : وَمِنْهَا جَائِر , لِأَنَّ السَّبِيل يُؤَنَّث وَيُذَكَّر , فَأُنِّثَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَقُول : وَإِنَّمَا قِيلَ : " وَمِنْهَا " لِأَنَّ السَّبِيل وَإِنْ كَانَ لَفْظهَا لَفْظ وَاحِد فَمَعْنَاهَا الْجَمْع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16227 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : الْبَيَان . 16228 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : عَلَى اللَّه الْبَيَان , أَنْ يُبَيِّن الْهُدَى وَالضَّلَالَة . 16229 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن . قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } قَالَ : طَرِيق الْحَقّ عَلَى اللَّه . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل . 16230 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : عَلَى اللَّه الْبَيَان , بَيَان حَلَاله وَحَرَامه وَطَاعَته وَمَعْصِيَته . 16231 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } قَالَ : السَّبِيل : طَرِيق الْهُدَى . 16232 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } قَالَ : إِنَارَتهَا . 16233 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَعَلَى اللَّه قَصْد السَّبِيل } يَقُول : عَلَى اللَّه الْبَيَان , يُبَيِّن الْهُدَى مِنْ الضَّلَالَة , وَيُبَيِّن السَّبِيل الَّتِي تَفَرَّقَتْ عَنْ سُبُله , وَمِنْهَا جَائِر . 16234 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمِنْهَا جَائِر } : أَيْ مِنْ السُّبُل , سُبُل الشَّيْطَان . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " وَمِنْكُمْ جَائِر وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ " . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمِنْهَا جَائِر } قَالَ : فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : " وَمِنْكُمْ جَائِر " . 16235 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَعْنِي : السُّبُل الْمُتَفَرِّقَة . 16236 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَقُول : الْأَهْوَاء الْمُخْتَلِفَة . 16237 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يُقَال : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } يَعْنِي السُّبُل الَّتِي تَفَرَّقَتْ عَنْ سَبِيله . 16238 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَمِنْهَا جَائِر } السُّبُل الْمُتَفَرِّقَة عَنْ سَبِيله . 16239 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنْهَا جَائِر } قَالَ : مِنْ السُّبُل جَائِر عَنْ الْحَقّ ; قَالَ : قَالَ اللَّه : { وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيله } 6 153 ' وَقَوْله : { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يَقُول : وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَلَطَفَ بِجَمِيعِكُمْ أَيّهَا النَّاس بِتَوْفِيقِهِ , فَكُنْتُمْ تَهْتَدُونَ وَتُلْزَمُونَ قَصْد السَّبِيل وَلَا تَجُورُونَ عَنْهُ فَتَتَفَرَّقُونَ فِي سُبُل عَنْ الْحَقّ جَائِرَة . كَمَا : 16240 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } قَالَ : لَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ لِقَصْدِ السَّبِيل الَّذِي هُوَ الْحَقّ . وَقَرَأَ : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } 10 99 الْآيَة , وَقَرَأَ : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلّ نَفْس هُدَاهَا } 32 13 الْآيَة . .. وَقَوْله : { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يَقُول : وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَلَطَفَ بِجَمِيعِكُمْ أَيّهَا النَّاس بِتَوْفِيقِهِ , فَكُنْتُمْ تَهْتَدُونَ وَتُلْزَمُونَ قَصْد السَّبِيل وَلَا تَجُورُونَ عَنْهُ فَتَتَفَرَّقُونَ فِي سُبُل عَنْ الْحَقّ جَائِرَة . كَمَا : 16240 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } قَالَ : لَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ لِقَصْدِ السَّبِيل الَّذِي هُوَ الْحَقّ . وَقَرَأَ : { وَلَوْ شَاءَ رَبّك لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْض كُلّهمْ جَمِيعًا } 10 99 الْآيَة , وَقَرَأَ : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلّ نَفْس هُدَاهَا } 32 13 الْآيَة . .. '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وعلى الله قصد السبيل} أي على الله بيان قصد السبيل، فحذف المضاف وهو البيان. والسبيل : السلام، أي على الله بيانه بالرسل والحجج والبراهين. وقصد السبيل : استعانة الطريق؛ يقال : طريق قاصد أي يؤدي إلى المطلوب. { ومنها جائر} أي ومن السبيل جائر؛ أي عادل عن الحق فلا يهتدى به؛ ومنه قول امرئ القيس : ومن الطريقة جائر وهدى ** قصد السبيل ومنه ذو دخل وقال طرفة : عدولية أو من سفين ابن يامن ** يجور بها الملاح طورا ويهتدي العدولية: سفينة منسوبة إلى عَدَوْلَي قرية بالبحرين. والعدولي : الملاح؛ قاله في الصحاح. وفي التنزيل { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} [الأنعام : 153]. وقيل : المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق، أي عادل عنه فلا يهتدى إليه. وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أهل الأهواء المختلفة؛ قاله ابن عباس. الثاني : ملل الكفر من اليهودية والمجوسية والنصرانية. وفي مصحف عبدالله { ومنكم جائر} وكذا قرأ علي { ومنكم} بالكاف. وقيل : المعنى وعنها جائر؛ أي عن السبيل. فـ { من} بمعنى عن. وقال ابن عباس : أي من أراد الله أن يهديه سهل له طريق الإيمان، ومن أراد أن يضله ثقل عليه الإيمان وفروعه. وقيل : معنى { قصد السبيل} مسيركم ورجوعكم. والسبيل واحدة بمعنى الجمع، ولذلك أنث الكناية فقال { ومنها} والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز. قوله تعالى { ولو شاء لهداكم أجمعين} بين أن المشيئة لله تعالى، وهو يصحح ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية، ويرد على القدرية ومن وافقها كما تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 8 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والسبيل هو الطريق؛ والقَصْد هو الغاية، وهو مصدر يأخذون منه القول (طريق قاصد) أي: طريق لا دورانَ فيه ولا التفاف. والحق سبحانه يريد لنا أنْ نصلَ إلى الغاية بأقلِّ مجهود.

ونحن في لغتنا العاميّة نسأل جندي المرور " هل هذا الطريق ماشي؟ " رغم أن الطريق لا يمشي، بل أنت الذي تسير فيه، ولكنك تقصد أن يكون الطريق مُوصِّلاً إلى الغاية. وأنت حين تُعجِزك الأسباب تقول " خلِّيها على الله " أي: أنك ترجع بما تعجزك أسبابه إلى المُسبِّب الأعلى.

وهكذا يريد المؤمن الوصول إلى قَصْده، وهو عبادة الله وُصولاً إلى الغاية، وهي الجنة، جزاءً على الإيمان وحُسْن العمل في الدنيا.

وأنت حين تقارن مَجْرى نهر النيل تجد فيه التفافاتٍ وتعرُّجات؛ لأن الماء هو الذي حفر طريقه؛ بينما تنظر إلى الريَّاح التوفيقي مثلاً فتجده مستقيماً؛ ذلك أن البشر هم الذين حفروه إلى مَقْصد معين. وحين يكون قَصْد السبيل على الله؛ فالله لا هَوى له ولا صاحبَ، ولا ولدَ له، ولا يحابي أحداً، وكلُّ الخَلْق بالنسبة له سواء؛ ولذلك فهو حين يضع طريقاً فهو يضعُه مستقيماً لا عِوجَ فيه؛ وهو الحق سبحانه القائل:
{  ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }
[الفاتحة: 6].

أي: الطريق الذي لا التواءَ فيه لأيِّ غَرَض، بل الغرض منه هو الغاية بأيسرَ طريق.

وقول الحق سبحانه هنا:

{ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ... } [النحل: 9].

يجعلنا نعود بالذاكرة إلى ما قاله الشيطان في حواره مع الله قال:
{  فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }
[ص: 82-83].

وردَّ الحق سبحانه:
{  قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ }
[الحجر: 41].

والحق أيضاً هو القائل:
{  إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ }
[الليل: 12].

أي: أنه حين خلق الإنسان أوضح له طريق الهداية، وكذلك يقول سبحانه:
{  وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ }
[البلد: 10].

أي: أن الحق سبحانه أوضح للإنسان طُرق الحق من الباطل، وهكذا يكون قوله هنا:

{ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } [النحل: 9].

يدلُّ على أن الطريق المرسوم غايتُه موضوعة من الله سبحانه، والطريق إلى تلك الغاية موزونٌ من الحق الذي لا هَوى له، والخَلْق كلهم سواء أمامه.

وهكذا.. فعلى المُفكِّرين ألاَّ يُرهِقوا أنفسهم بمحاولة وَضْع تقنين من عندهم لحركة الحياة، لأن واجدَ الحياة قد وضع لها قانون صيانتها، وليس أدلّ على عَجْز المفكرين عن وضع قوانين تنظيم حياة البشر إلا أنهم يُغيِّرون من القوانين كل فَتْرة، أما قانون الله فخالد باقٍ أبداً، ولا استدراكَ عليه.

ولذلك فمِنَ المُرِيح للبشر أنْ يسيروا على منهج الله والذي قال فيه الحق سبحانه حكماً عليهم أنْ يُطبِّقوه؛ وما تركه الله لنا نجتهد فيه نحن.

وقوله الحق:

{ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ... } [النحل: 9].

أي: أنه هو الذي جعل سبيلَ الإيمان قاصداً للغاية التي وضعها سبحانه، ذلك أن من السُّبل ما هو جائر؛ ولذلك قال:

{ وَمِنْهَا جَآئِرٌ... } [النحل: 9].

ولكي يمنع الجَوْر جعل سبيلَ الإيمان قاصداً، فهو القائل:
{  وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ... }
[المؤمنون: 71].

بينما السبيل العادلة المستقيمة هي السبيل المُتكفّل بها سبحانه، وهي سبيل الإيمان، ذلك أن من السُّبل ما هو جائر أي: يُطِيل المسافة عليك، أو يُعرِّضك للمخاطر، أو توجد بها مُنْحنيات تُضِل الإنسانَ، فلا يسيرُ إلى الطريق المستقيم.

ونعلم أن السبيل تُوصِّل بين طرفين (من وإلى) وكل نقطة تصل إليها لها أيضاً (من وإلى) وقد شاء الحق سبحانه ألاَّ يقهرَ الإنسانَ على سبيل واحد، بل أراد له أنْ يختار، ذلك أن التسخير قد أراده الله لغير الإنسان مِمَّا يخدم الإنسان.

أما الإنسان فقد خلق له قدرة الاختيار، ليعلم مَنْ يأتيه طائعاً ومَنْ يعصي أوامره، وكل البشر مَجْموعون إلى حساب، ومَن اختار طريق الطاعة فهو مَنْ يذهب إلى الله مُحباً، ويُثبِت له المحبوبية التي هي مراد الحق من خَلْق الاختيار، لكن لو شاء أنْ يُثبِتَ لنفسه طلاقة القَهْر لخَلقَ البشر مقهورين على الطاعة كما سخَّر الكائنات الأخرى.

والحق سبحانه يريد قلوباً لا قوالب؛ ولذلك يقول في آخر الآية:

{ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [النحل: 9].

وكل أجناس الوجود كما نعلم تسجد لله:
{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }
[الإسراء: 44].

وفي آية أخرى يقول:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ }
[النور: 41].

إذن: لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي: الإنس والجن، كما هدى كُلَّ الكائنات الأخرى، ولكنه يريد قلوباً لا قوالبَ.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ... }.


www.alro7.net