سورة
اية:

ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: { يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب} ، فبشروهما مع وجوده بنبوته وبأن له نسلاً وعقباً، كما قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} ، وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال: { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهباً إلى عبادة اللّه في الأرض، فعوضه اللّه عزَّ وجلَّ عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون اللّه وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً} ، وقال ههنا: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا} ، وقوله: { ونوحاً هدينا من قبل} أي من قبله هديناه كما هديناه ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح عليه السلام فإن اللّه تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به - وهم الذين صحبوه في السفينة - جعل اللّه ذريته هم الباقين فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يبعث اللّه عزَّ وجلَّ بعده نبياً إلا من ذريته كما قال تعالى: { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} الآية، وقال تعالى: { ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} . وقال تعالى: { أولئك الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا} ، وقوله في هذه الآية الكريمة: { ومن ذريته} أي وهدينا من ذريته { داود وسليمان} الآية، وعود الضمير إلى نوح لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير، وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه هاران بن آزر، اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليباً، كما في قوله: { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون} ، فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليباً، وكما قال في قوله: { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} . فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة، لأنه كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليباً، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور، وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له. روي أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى اللّه عليه وسلم تجده في كتاب اللّه، وقد قرأته من أوله إلى آخره، فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: { ومن ذريته داود وسليمان} حتى بلغ { ويحيى وعيسى} ؟ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت ""رواه ابن أبي حاتم"". فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي: بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ** بنوهن أبناء الرجال الأجانب. وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضاً، لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فسماه ابناً، فدل على دخوله في الأبناء، وقال آخرون: هذا تجوز. وقوله: { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية أو الاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: { واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} ، ثم قال تعالى: { ذلك هدى اللّه يهدي به من يشاء من عباده} أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق اللّه وهدايته إياهم { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته كقوله تعالى: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت لحبطنَّ عملك} الآية، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} ، وكقوله: { لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} ، وكقوله: { لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو اللّه الواحد القهار} . وقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} أي أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم ولطفاً منا بالخليقة، { فإن يكفر بها} أي بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب والحكم والنبوة، { فإن يكفر بها} أي بالنبوة، { هؤلاء} يعني أهل مكة وهو قول ابن عباس والضحّاك وقتادة والسدي وغيرهم ، { فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} أي إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين وكتابيين، فقد وكلنا بها قوماً آخرين، أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، { ليسوا بها بكافرين} أي لا يجحدون منها شيئاً ولا يردون منها حرفاً واحداً بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها، جعلنا اللّه منهم بمنه وكرمه وإحسانه. ثم قال تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم : { أولئك} يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه { الذين هدى اللّه} أي هم أهل الهدى لا غيرهم { فبهداهم اقتده} أي اقتد واتبع، وإذا كان هذا للرسول صلى اللّه عليه وسلم فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به، قال البخاري عند هذه الآية عن سليمان الأحول أن مجاهداً أخبره أنه سأل ابن عباس: أفي ص سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب} إلى قوله: { فبهداهم اقتده} ثم قال: هو منهم، زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهيل بن يوسف عن العوام عن مجاهد قلت لابن عباس، فقال: نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ممن أُمِرَ أن يقتدى بهم، وقوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجراً} أي لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجراً أي أجرة ولا أريد منكم شيئاً، { إن هو إلا ذكرى للعالمين} أي يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.

تفسير الجلالين

{ ذلك } الذين هُدوا إليه { هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا } فرضا { لحبط عنهم ما كانوا يعلمون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ هُدَى اللَّه } هَذَا الْهُدَى الَّذِي هَدَيْت بِهِ مَنْ سَمَّيْت مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل فَوَفَّقْتهمْ بِهِ لِإِصَابَةِ الدِّين الْحَقّ , الَّذِي نَالُوا بِإِصَابَتِهِمْ إِيَّاهُ رِضَا رَبّهمْ وَشَرَف الدُّنْيَا وَكَرَامَة الْآخِرَة , هُوَ هُدَى اللَّه , يَقُول : هُوَ تَوْفِيق اللَّه وَلُطْفه , الَّذِي يُوَفِّق بِهِ مَنْ يَشَاء وَيُلَطِّف بِهِ لِمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقه , حَتَّى يُنِيب إِلَى طَاعَة اللَّه وَإِخْلَاص الْعَمَل لَهُ وَإِقْرَاره بِالتَّوْحِيدِ وَرَفْض الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام . { وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول : وَلَوْ أَشْرَكَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ بِرَبِّهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ , فَعَبَدُوا مَعَهُ غَيْره , { لَحَبِطَ عَنْهُمْ } يَقُول : لَبَطَلَ , فَذَهَبَ عَنْهُمْ أَجْر أَعْمَالهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ , لِأَنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مَعَ الشِّرْك بِهِ عَمَلًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ هُدَى اللَّه } هَذَا الْهُدَى الَّذِي هَدَيْت بِهِ مَنْ سَمَّيْت مِنْ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل فَوَفَّقْتهمْ بِهِ لِإِصَابَةِ الدِّين الْحَقّ , الَّذِي نَالُوا بِإِصَابَتِهِمْ إِيَّاهُ رِضَا رَبّهمْ وَشَرَف الدُّنْيَا وَكَرَامَة الْآخِرَة , هُوَ هُدَى اللَّه , يَقُول : هُوَ تَوْفِيق اللَّه وَلُطْفه , الَّذِي يُوَفِّق بِهِ مَنْ يَشَاء وَيُلَطِّف بِهِ لِمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقه , حَتَّى يُنِيب إِلَى طَاعَة اللَّه وَإِخْلَاص الْعَمَل لَهُ وَإِقْرَاره بِالتَّوْحِيدِ وَرَفْض الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام . { وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول : وَلَوْ أَشْرَكَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ بِرَبِّهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ , فَعَبَدُوا مَعَهُ غَيْره , { لَحَبِطَ عَنْهُمْ } يَقُول : لَبَطَلَ , فَذَهَبَ عَنْهُمْ أَجْر أَعْمَالهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَ , لِأَنَّ اللَّه لَا يَقْبَل مَعَ الشِّرْك بِهِ عَمَلًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا} أي لو عبدوا غيري لحبطت أعمالهم، ولكني عصمتهم. والحبوط البطلان. وقد تقدم في (البقرة).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 82 - 88


سورة الانعام الايات 88 - 91

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

" ذلك " إشارة إلى شيء تقدم، والمقصود به الهدى الذي هدينا به القوم، وهو هدى الله. ونجد كلمة " هدى " تدل على الغاية المرسوم لها طريق قصير يوصل إليها، وربنا هو الذي خلق، وهو الذي يضع الغاية، ويضع ويوضح ويبيِّن الطريق إلى الغاية، وحين يضاف الهدى إلى الله فهو دلالة على المنبع والمصدر أي هدى من الله. وكلمة " هدى " مرة تضاف إلى الواهب وهو الحق، وتضاف إلى الأنبياء. يقول الحق: { فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }.

وذلك إشارة إلى المنهج الذي أنزله الله على الرسل.

إذن فالحق سبحانه وتعالى يهدي الناس جميعاً بدلالتهم على الخير، والذي يقبل على هذه الدلالة احتراماً لإيمانه يعينه الله، ويزيده هدى، وسبحانه يريد أن يثبت للإنسان أنه جعله مختاراً، فإن اخترت أي شيء فأنت لم تختره غصباً عن ربنا، إنما اخترته بمن خلقك مختاراً. ولا يوجد فعل في الكون يحدث على غير مراد الله، ولو أراد الله الناس جميعاً مهديين لما استطاع واحد أن يعصي، إنما أرادهم مختارين، وكل فعل يفعله أي واحد منهم، فهو مراد من الله لكنّه قد يكون مرادًا غير محبوب، ولذلك قال العلماء: إن هناك مراداً كوناً، ومراداً شرعاً. وما دام الشيء في ملك الله فهو مراد الله، والمراد الشرعي هو المأمور به، وما يختلف عن ذلك فهو مراد كوني، جاء من باب أنه خلقك مختاراً.

ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - أنت تعطي ابنك جنيهاً، والجنية قوة شرائية. فأخذ الجنيه ونزل السوق وهو حر ليتصرف به، وتقول له: اسمع. إن اشتريت به مصحفاً أو كتاباً جميلاً أو بعضاً من الحلوى وأكلتها أنت وإخوتك فسأكون مسروراً منك وسأكافئك مكافأة طيبة، وإن اشتريت " كوتشينة " ، أو صرفت الجنيه فيما لا أرضى عنه فسوف أغضب منك ولن أعطيك نقوداً.

أنت بهذا القول أعطيت ابنك الحرية. وساعة ينزل السوق ويشتري " كوتشينة " فهو لم يفعل ذلك قهراً عنك لأنك أنت الذي أعطيته الاختيار، لكنك قلت له: إنك تطلب منه أن يحسن الاختيار، وسبحانه وتعالى قد جعل الإنسان مختاراً، فإن اختار الهداية أجزل له العطاء، وإن اختار الضلال عاقبه عليه.

وبالنسبة للأنبياء جاءت لهم الهداية من الله دلالة لهم وأقبلوا على مرادات الحق فأعطاهم هداية أخرى؛ وذلك بأن يعشّقهم في العمل ويحبب إليهم فعل الخير، وبعد ذلك يوضح سبحانه: إياكم أن تظنوا أن هناك من يفلت مني؛ لأنهم لو أشركوا لأحبطت أعمالهم.

إذن فالحق لم يخلق الخلق مرغمين على عمل الطاعة بل خلقهم مختارين في التكاليف، حتى ينالوا لذة اختيار منهج الله ولو أشركوا لحبط عملهم و " لو " حرف امتناع لامتناع، وهذا دليل على أنهم لم يشركوا ولذلك لم يحبط عملهم، و " الحبط " هو الإبطال للعمل.

ويقول الحق بعد ذلك: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ... }


www.alro7.net