سورة
اية:

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى سبب انجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن اللّه تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يتبوءا، أي يتخذا لقومهما بمصر بيوتاً، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: { واجعلوا بيوتكم قبلة} ، فقال ابن عباس: امروا أن يتخذوها مساجد، وقال الثوري، عن إبراهيم: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة} ، وفي الحديث: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى ""أخرجه أبو داود""، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: { واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} ، أي بالثواب والنصر القريب، وقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال، قالت بنو إسرائيل عليه السلام: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن اللّه تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة.

تفسير الجلالين

{ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوّأا } اتخذا { لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة } مصلًّى تصلون فيه لتأمنوا من الخوف وكان فرعون منعهم من الصلاة { وأقيموا الصلاة } أتموها { وبشّر المؤمنين } بالنصر والجنة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ اِتَّخِذَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا , يُقَال مِنْهُ : تَبَوَّأَ فُلَان لِنَفْسِهِ بَيْتًا : إِذَا اِتَّخَذَهُ . وَكَذَلِكَ تَبَوَّأَ مُصْحَفًا : إِذَا اِتَّخَذَهُ . وَبَوَّأْته أَنَا بَيْتًا : إِذَا اِتَّخَذْته لَهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ اِتَّخِذَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا , يُقَال مِنْهُ : تَبَوَّأَ فُلَان لِنَفْسِهِ بَيْتًا : إِذَا اِتَّخَذَهُ . وَكَذَلِكَ تَبَوَّأَ مُصْحَفًا : إِذَا اِتَّخَذَهُ . وَبَوَّأْته أَنَا بَيْتًا : إِذَا اِتَّخَذْته لَهُ .' يَقُول : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَسَاجِد تُصَلُّونَ فِيهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } فَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13770 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان عَنْ حُمَيْد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : مَسَاجِد . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَتَّخِذُوهَا مَسَاجِد . 13771 - قَالَ : ثَنَا أَبُو غَسَّان مَالِك بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثَنَا زُهَيْر , قَالَ : ثَنَا خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا يَفْرَقُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمه أَنْ يُصَلُّوا , فَقَالَ لَهُمْ : اِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة , يَقُول : اِجْعَلُوهَا مَسْجِدًا حَتَّى تُصَلُّوا فِيهَا . 13772 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَابْن حُمَيْد , قَالَا : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : خَافُوا فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13773 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13774 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْبَيْت , وَكَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . * - قَالَ : ثَنَا جَرِير عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13775 - قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل تَخَاف فِرْعَوْن , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا بُيُوتَهُمْ مَسَاجِد يُصَلُّونَ فِيهَا . 13776 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } يَقُول : مَسَاجِد . * - قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتهمْ يَخَافُونَ . 13777 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ الضَّحَّاك : { أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } قَالَ : مَسَاجِد . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13778 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : قَالَ أَبِي زَيْد : اِجْعَلُوا فِي بُيُوتكُمْ مَسَاجِدَكُمْ تُصَلُّونَ فِيهَا ; تِلْكَ الْقِبْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاجْعَلُوا مَسَاجِدَكُمْ قِبَل الْكَعْبَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13779 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } يَعْنِي الْكَعْبَة . 13780 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيل لِمُوسَى : لَا نَسْتَطِيع أَنْ نُظْهِر صَلَاتَنَا مَعَ الْفَرَاعِنَة . فَأَذِنَ اللَّه لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ , وَأُمِرُوا أَنْ يَحْمِلُوا بُيُوتَهُمْ قِبَل الْقِبْلَة . 13781 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم . قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } يَقُول : وَجِّهُوا بُيُوتَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ نَحْو الْقِبْلَة , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { فِي بُيُوت أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَع } ؟ 24 36 13782 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : قِبَل الْقِبْلَة . 13783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { بُيُوتكُمْ قِبْلَة } قَالَ : نَحْو الْكَعْبَة , حِين خَافَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فِرْعَوْن أَنْ يُصَلُّوا فِي الْكَنَائِس الْجَامِعَة , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا فِي بُيُوتهمْ مَسَاجِد مُسْتَقْبِلَةَ الْكَعْبَةِ يُصَلُّونَ فِيهَا سِرًّا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاء . 13784 - قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } مَسَاجِد . 13785 - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : فِي قَوْله : { أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } قَالَ : مِصْر , الْإِسْكَنْدَرِيَّة . 13786 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : وَذَلِكَ حِينَ مَنَعَهُمْ فِرْعَوْن الصَّلَاةَ , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا مَسَاجِدَهُمْ فِي بُيُوتهمْ وَأَنْ يُوَجِّهُوا نَحْو الْقِبْلَة . 13787 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : نَحْو الْقِبْلَة . 13788 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } قَالَ : مَسَاجِد . { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : قِبَل الْقِبْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ يُقَابِل بَعْضهَا بَعْضًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13789 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عِمْرَان بْن عُيَيْنَةَ , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : يُقَابِل بَعْضُهَا بَعْضًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي قَدَّمْنَا بَيَانَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعَانِي الْبُيُوت وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَاجِد بُيُوتًا , الْبُيُوت الْمَسْكُونَة إِذَا ذُكِرَتْ بِاسْمِهَا الْمُطْلَق دُون الْمَسَاجِد ; لِأَنَّ الْمَسَاجِد لَهَا اِسْم هِيَ بِهِ مَعْرُوفَة خَاصّ لَهَا , وَذَلِكَ الْمَسَاجِد . فَأَمَّا الْبُيُوت الْمُطْلَقَة بِغَيْرِ وَصْلهَا بِشَيْءٍ وَلَا إِضَافَتهَا إِلَى شَيْء , فَالْبُيُوت الْمَسْكُونَة , وَكَذَلِكَ الْقِبْلَة الْأَغْلَب مِنْ اِسْتِعْمَال النَّاس إِيَّاهَا فِي قِبَلِ الْمَسَاجِد وَلِلصَّلَوَاتِ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ غَيْر جَائِز تَوْجِيه مَعَانِي كَلَام اللَّه إِلَّا إِلَى الْأَغْلَب مِنْ وُجُوههَا الْمُسْتَعْمَل بَيْن أَهْل اللِّسَان الَّذِي نَزَلَ بِهِ دُون الْخَفِيّ الْمَجْهُول مَا لَمْ تَأْتِ دَلَالَة تَدُلّ عَلَى غَيْر ذَلِكَ , وَلَمْ يَكُنْ عَلَى قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } دَلَالَة تَقْطَع الْعُذْر بِأَنَّ مَعْنَاهُ غَيْر الظَّاهِر الْمُسْتَعْمَل فِي كَلَام الْعَرَب , لَمْ يَجُزْ لَنَا تَوْجِيهه إِلَى غَيْر الظَّاهِر الَّذِي وَصَفْنَا .يَقُول : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَسَاجِد تُصَلُّونَ فِيهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } فَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13770 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان عَنْ حُمَيْد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : مَسَاجِد . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَتَّخِذُوهَا مَسَاجِد . 13771 - قَالَ : ثَنَا أَبُو غَسَّان مَالِك بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثَنَا زُهَيْر , قَالَ : ثَنَا خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا يَفْرَقُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمه أَنْ يُصَلُّوا , فَقَالَ لَهُمْ : اِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة , يَقُول : اِجْعَلُوهَا مَسْجِدًا حَتَّى تُصَلُّوا فِيهَا . 13772 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَابْن حُمَيْد , قَالَا : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : خَافُوا فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13773 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13774 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَةَ , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْبَيْت , وَكَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . * - قَالَ : ثَنَا جَرِير عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13775 - قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل تَخَاف فِرْعَوْن , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا بُيُوتَهُمْ مَسَاجِد يُصَلُّونَ فِيهَا . 13776 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } يَقُول : مَسَاجِد . * - قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتهمْ يَخَافُونَ . 13777 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن الْحُبَاب , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ الضَّحَّاك : { أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } قَالَ : مَسَاجِد . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : كَانُوا خَائِفِينَ , فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ . 13778 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : قَالَ أَبِي زَيْد : اِجْعَلُوا فِي بُيُوتكُمْ مَسَاجِدَكُمْ تُصَلُّونَ فِيهَا ; تِلْكَ الْقِبْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاجْعَلُوا مَسَاجِدَكُمْ قِبَل الْكَعْبَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13779 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } يَعْنِي الْكَعْبَة . 13780 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } قَالَ : قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيل لِمُوسَى : لَا نَسْتَطِيع أَنْ نُظْهِر صَلَاتَنَا مَعَ الْفَرَاعِنَة . فَأَذِنَ اللَّه لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتهمْ , وَأُمِرُوا أَنْ يَحْمِلُوا بُيُوتَهُمْ قِبَل الْقِبْلَة . 13781 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم . قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } يَقُول : وَجِّهُوا بُيُوتَكُمْ مَسَاجِدَكُمْ نَحْو الْقِبْلَة , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { فِي بُيُوت أَذِنَ اللَّه أَنْ تُرْفَع } ؟ 24 36 13782 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : قِبَل الْقِبْلَة . 13783 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { بُيُوتكُمْ قِبْلَة } قَالَ : نَحْو الْكَعْبَة , حِين خَافَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فِرْعَوْن أَنْ يُصَلُّوا فِي الْكَنَائِس الْجَامِعَة , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا فِي بُيُوتهمْ مَسَاجِد مُسْتَقْبِلَةَ الْكَعْبَةِ يُصَلُّونَ فِيهَا سِرًّا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاء . 13784 - قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } مَسَاجِد . 13785 - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : فِي قَوْله : { أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } قَالَ : مِصْر , الْإِسْكَنْدَرِيَّة . 13786 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : وَذَلِكَ حِينَ مَنَعَهُمْ فِرْعَوْن الصَّلَاةَ , فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا مَسَاجِدَهُمْ فِي بُيُوتهمْ وَأَنْ يُوَجِّهُوا نَحْو الْقِبْلَة . 13787 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : نَحْو الْقِبْلَة . 13788 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ الضَّحَّاك : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } قَالَ : مَسَاجِد . { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : قِبَل الْقِبْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ يُقَابِل بَعْضهَا بَعْضًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13789 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عِمْرَان بْن عُيَيْنَةَ , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } قَالَ : يُقَابِل بَعْضُهَا بَعْضًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي قَدَّمْنَا بَيَانَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعَانِي الْبُيُوت وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَاجِد بُيُوتًا , الْبُيُوت الْمَسْكُونَة إِذَا ذُكِرَتْ بِاسْمِهَا الْمُطْلَق دُون الْمَسَاجِد ; لِأَنَّ الْمَسَاجِد لَهَا اِسْم هِيَ بِهِ مَعْرُوفَة خَاصّ لَهَا , وَذَلِكَ الْمَسَاجِد . فَأَمَّا الْبُيُوت الْمُطْلَقَة بِغَيْرِ وَصْلهَا بِشَيْءٍ وَلَا إِضَافَتهَا إِلَى شَيْء , فَالْبُيُوت الْمَسْكُونَة , وَكَذَلِكَ الْقِبْلَة الْأَغْلَب مِنْ اِسْتِعْمَال النَّاس إِيَّاهَا فِي قِبَلِ الْمَسَاجِد وَلِلصَّلَوَاتِ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ غَيْر جَائِز تَوْجِيه مَعَانِي كَلَام اللَّه إِلَّا إِلَى الْأَغْلَب مِنْ وُجُوههَا الْمُسْتَعْمَل بَيْن أَهْل اللِّسَان الَّذِي نَزَلَ بِهِ دُون الْخَفِيّ الْمَجْهُول مَا لَمْ تَأْتِ دَلَالَة تَدُلّ عَلَى غَيْر ذَلِكَ , وَلَمْ يَكُنْ عَلَى قَوْله : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة } دَلَالَة تَقْطَع الْعُذْر بِأَنَّ مَعْنَاهُ غَيْر الظَّاهِر الْمُسْتَعْمَل فِي كَلَام الْعَرَب , لَمْ يَجُزْ لَنَا تَوْجِيهه إِلَى غَيْر الظَّاهِر الَّذِي وَصَفْنَا .' وَقَوْله : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَدُّوا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَة بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتهَا .وَقَوْله : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَدُّوا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَة بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتهَا .' وَقَوْله : { وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : وَبَشِّرْ مُقِيمِي الصَّلَاة الْمُطِيعِي اللَّه يَا مُحَمَّد الْمُؤْمِنِينَ بِالثَّوَابِ الْجَزِيل مِنْهُ .وَقَوْله : { وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : وَبَشِّرْ مُقِيمِي الصَّلَاة الْمُطِيعِي اللَّه يَا مُحَمَّد الْمُؤْمِنِينَ بِالثَّوَابِ الْجَزِيل مِنْهُ .'

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوأا} أي اتخذا. { لقومكما بمصر بيوتا} يقال : بوأت زيدا مكانا وبوأت لزيد مكانا. والمبوأ المنزل الملزوم؛ ومنه بوأه الله منزلا، أي ألزمه إياه وأسكنه؛ ومنه الحديث : (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) قال الراجز : نحن بنو عدنان ليس شك ** تبوأ المجد بنا والملك ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية؛ في قول مجاهد. وقال الضحاك : إنه البلد المسمى مصر، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر. الثانية: قوله تعالى: { واجعلوا بيوتكم قبلة} قال أكثر المفسرين : كان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في مساجدهم وكنائسهم وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ومنعوا من الصلاة؛ فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذوا لبني إسرائيل بيوتا بمصر، أي مساجد، ولم يرد المنازل المسكونة. هذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وأبي مالك وابن عباس وغيرهم. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن المعنى : واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا. والقول الأول أصح؛ أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة؛ قيل : بيت المقدس، وهي قبلة اليهود إلى اليوم؛ قال ابن بحر. وقيل الكعبة. عن ابن عباس قال : وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، وهذا يدل على أن القبلة في الصلاة كانت شرعا لموسى عليه السلام، ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة؛ فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة. وقيل : المراد صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا؛ وذلك حين أخافهم فرعون فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت، والإقدام على الصلاة، والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله: { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} الآية. وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم. قال ابن العربي : والأول أظهر القولين؛ لأن الثاني دعوى. قلت : قوله: { دعوى} صحيح؛ فإن في الصحيح قوله عليه السلام : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) وهذا مما خص به دون الأنبياء؛ فنحن بحمد الله نصلي في المساجد والبيوت، وحيث أدركتنا الصلاة؛ إلا أن النافلة في المنازل أفضل منها في المساجد، حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها. وقبل الصلوات المفروضات وبعدها؛ إذ النوافل يحصل فيها الرياء، والفرائض لا يحصل فيها ذلك، وكلما خلص العمل من الرياء كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى. روى مسلم عن عبدالله بن شقيق قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تطوعه قالت : (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلى بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين..) الحديث. وعن ابن عمر قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين وبعد المغرب مجدتين؛ فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته. وروى أبو داود عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب؛ فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال : (هذه صلاة البيوت). الثالثة: واختلف العلماء من هذا الباب في قيام رمضان، هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوي عليه، وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ابن عبدالحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي إلى أن حضورها في الجماعة أفضل. وقال الليث : لو قام الناس في بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يخرجوا إليه. والحجة لمالك ومن قال بقوله قوله صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن ثابت : (فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) خرجه البخاري. احتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم فلذلك قال لهم : (فعليكم بالصلاة في بيوتكم). ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعا متفرقين، إلى أن جمعهم عمر على قارئ واحد فاستقر الأمر على ذلك وثبت سنة. الرابعة: وإذا تنزلنا على أنه كان أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة. والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس، أو خوف زيادته، أو خوف جور السلطان في مال أو دون القضاء عليه بحق. والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع، ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرضه؛ وقد فعل ذلك ابن عمر. الخامسة: قوله تعالى: { وبشر المؤمنين} قيل : الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل لموسى عليه السلام، وهو أظهر، أي بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 83 - 87


سورة يونس الايات 87 - 89

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وأوضحنا من قبل أن موسى وهارون عليهما السلام رسولان برسالة واحدة، وأن الوَحْي قد جاء للاثنين برسالة واحدة.

فالحق سبحانه ساعة يختار نبيّاً رسولاً، فإنما يختاره بتكوينٍ وفطرةٍ تؤهّله لحَمْل الرسالة النطق بمرادات الله تعالى.

وإذا كان الخَلْق قد صنعوا آلات ذاتية الحركة من مواد جامدة لا فكر لها ولا رَويّة، مثل الساعة التي تُؤذِّن، أو المذياع يذيع في توقيت محدد، إذا كان البشر قد صنعوا ذلك فما بالنا بالله سبحانه الخالق لكل الخلق والكون ومرسل الرسل؟

إنه سبحانه وتعالى يختار رسله بحيث يسمح تكوين الرسول أن يؤدي المهمة الموكولة إليه في أي ظرف من الظروف.

وقول الحق سبحانه هنا:

{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ } [يونس: 87].

يبيِّن لنا أن الوحي شمل كلاً من موسى وهارون عليهما السلام، بحيث إذا جاء موقف من المواقف يقتضي أن يتكلم فيه موسى، فهارون أيضاً يمكن أن يتكلم في نفس الأمر؛ لأن الشحنة الإيمانية واحدة، والمنهج واحد.

وقد حدث ذلك بعد أن أغرق فرعون وقومه، وخلا لهم الجو، فجاء لهم الأمر أن يستقروا في مصر، وأن يكون لهم فيها بيوت.

ولكن لنا أن نسأل:

هل فرعون هذا هو شخص غرق وانتهى؟

لا.. إن فرعون ليس اسماً لشخص، بل هو تصنيف لوظيفة، وكان لقب كل حاكم لمصر قديماً هو " فرعون "؛ لذلك لا داعي أن نشغل أنفسنا: هل هو تحتمس الأول؟ أو رمسيس؟ أو ما إلى ذلك؟ فهب أن فرعون المعنيَّ هنا قد غرق، ألا يعني ذلك مجيء فرعون جديد؟

نحن نعلم من التاريخ أن الأسر الحاكمة توالت، وكانوا فراعنة، وكان منهم من يضطهد المؤمنين، ولا بد أن يكون خليفة الفرعون أشد ضراوةً وأكثر شحنةً ضد هؤلاء القوم.

وقول الحق سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً } [يونس: 87].

نجد فيه كلمة " مصر " وهي إذا أطلقت يُفهم منها أنها " الإقليم ".

ونحن هنا في بلدنا جعلنا كلمة " مصر " علماً على الإقليم الممتد من البحر المتوسط إلى حدود السودان، أي: وادي النيل.

ومرة أخرى جعلنا من " مصر " أسماً لعاصمة وادي النيل.

ونحن نقول أيضاً عن محطة القطارات في القاهرة: " محطة مصر ".

وقول الحق سبحانه هنا:

{ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا } [يونس: 87].

نفهم منه أن التبؤُ هو اتخاذ مكان يعتبر مباءةً؛ أي: مرجعاً يبوء الإنسان إليه.

التبؤُّ ـ إذن ـ هو التوطن في مكان ما، والإنسان إذا اتخذ مكاناً كوطن له فهو يعود إليه إن ذهب إلى أي بلد لفترة.ويعتبر الخروج من الوطن مجرد رحلة تقتضي العودة، وكذلك البيت بالنسبة للإنسان؛ فالواحد منا يطوف طوال النهار في الحقل أو المصنع أو المكتب، وبعد ذلك يعود إلى البيت للبيتوتة.

والبيوت التي أوصى الله سبحانه وتعالى بإقامتها لقوم موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ كان لها شرط هو قول الحق سبحانه:

{ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } [يونس: 87].

والقِبلة هي المتجَه الذي نصلي إليه.

ومثال ذلك: المسجد، وهو قبلة مَنْ هو خارجه، وساعة ينادي المؤذن للصلاة يكون المسجد هو قبلتنا التي نذهب إليها، وحين ندخل المسجد نتجه داخله إلى القلبة، واتجاهنا إلى القبلة هو الذي يتحكم في وضعنا الصفِّي.

والأمر هنا من الحق سبحانه:

{ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } [يونس: 87].

فإقامة البيوت هنا مشروطة بأن يجعلوا بها قبلة لإقامة الصلاة بعيداً عن أعين الخصوم الذين يضطهونهم، شأنهم شأن المسلمين الأوائل حينما كان الإسلام ـ في أوليته ـ ضعيفاً بمكة، وكان المسلمون حين ذاك يصلون في قلب البيوت، وهذا هو سر عدم الجهر بالصلاة نهاراً، وعدم الجهر يفيد في ألا ينتبه الخصوم إلى مكان المصلين.

وأما الجهر بالصلاة ليلاً وفجراً، فقد كان المقصود به أن يعلمهم كيفية قراءة القرآن.

وهنا يقول الحق سبحانه:

{ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } [يونس: 87].

وقد يكون المقصود بذلك أن تكون البيوت متقابلة.

وإلى يومنا هذا أن نظرت إلى ساحات اليهود في أي بلد من بلاد الدنيا تجد أنهم يقطنون حيّاً واحداً، ويرفضون أن يذوبوا في الأحياء الأخرى.

ففي كل بلد لهم حي يسكنون فيه، ويسمى باسم " حي اليهود ". وكانت لهم في مصر " حارات " كل منها تسمى باسم " حارة اليهود ".

وقد شاء الحق ـ سبحانه وتعالى ـ ذلك وقال في كتابه العزيز:


{  وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ }
[البقرة: 61].

وهم يحتمون بتواجهم معاً، فإن حدث أمر من الأمور يفزعهم؛ يصبح من السهل عليهم أن يلتقوا:

أو { وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } [يونس: 87].

أي: أن يكون تخطيط الأماكن والشوارع التي تُبنى عليها البيوت في اتجاه القبلة.

وأي خطأ معماري مثل الذي يوجد في تربيعة بناء مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، هذا الخطأ يوجب الاتجاه إلى اليمين قليلاً مما يسبب بعض الارتباك للمصلين؛ لأن الانحراف قليلاً إلى اليمين في أثناء الصلاة يقتضي أن يقصر كل صف خلف الصف الآخر.

وحين نصلي في المسجد الحرام بمكة، نجد بعضاً من المصلين يريدون مساواة الصفوف، وأن تكون الصفوف مستقيمة، فنجد من ينبه إلى أن الصف يعتدل بمقدار أطول أضلاع الكعبة، ثم ينحي الصف.

وكذلك في الأدوار العليا التي أقيمت بالمسجد الحرام نجد الصفوف منحنية متجهة إلى الكعبة.

ولذلك أقول دائماً حين أصلي بالمسجد الحرام: إن معنى قول الإمام: " سووا صفوفكم " أي: اجعلا مناكبكم في مناكب بعضكم بعض، أما خارج الكعبة فيكفي أن نتجه إلى الجهة التي فيها الكعبة، ونحن خارج الكعبة لا نصلي لعين الكعبة، ولكننا نصلي تجاه الكعبة؛ لأننا لو كنا نصلي إلى عين الكعبة لما زاد طول الصف في أي مسجد عن اثني عشر متراً وربع المتر، وهو أطول أضلاع الكعبة.وقول الحق سبحانه هنا:

{ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } [يونس: 87].

أي: خططوا في إقامة البيوت أن تكون على القبلة، وبعض الناس يحاولون ذلك، لكن تخطيط الشوارع والأحياء لا يساعد على ذلك.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } [يونس: 87].

وهذا الأمر نفهم منه أن الصلاة فيها استدامة الولاء لله تعالى، فنحن نشهد ألا إله إلا الله مرة واحدة في العمر، ونُزكِّي ـ إن كان عندنا مال ـ مرة واحدة في السنة، ونصوم ـ إن لم نكن مرضى ـ شهراً واحداً هو شهر رمضان، ونحج ـ إن استطعنا ـ مرة واحدة في العمر.

ويبقى ركن الصلاة، وهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وإن شاء الإنسان فَلْيُزِد، وكأن الحق سبحانه وتعالى هنا ينبه إلى عماد الدين وهي الصلاة.

ولكن مَن الذي اختار المكان في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؟ هل هو موسى وأخوه هارون؟ أم أن الخطاب لكل القوم.

نلحظ هنا أن الأمر بالتبوّء هو لموسى وهارون ـ عليهما السلام ـ أما الأمر بالجعل فهو مطلوب من موسى وهارون والأتباع؛ لذلك جاء الجعل هنا بصيغة الجمع.

ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:

{ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [يونس: 87].

وفي هذا تنبيه وإشارة إلى أن موسى هو الأصل في الرسالة؛ لذلك جاء له الأمر بأن يحمل البشارة للمؤمنين.

ونلحظ هنا في هذه الآية أن الحق سبحانه جاء بالتثنية في التبوء، وجاء بالجمع في جعل البيوت، ثم جاء بالمفرد في نهاية الآية لينبهنا إلى أن موسى ـ عليه السلام ـ هو الأصل في الرسالة إلى بني إسرائيل.

والبشرى على الأعمال الصالحة تعني: التبشير بالجنة.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ }


www.alro7.net