سورة
اية:

قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

قال لهم، كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} ، قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتهمهم، فظن أنها كفعلتهم بيوسف، قال: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} ، ثم ترجى من اللّه أن يرد عليه أولاده الثلاثة يوسف وأخاه بنيامين وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر اللّه فيه، إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: { عسى اللّه أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم} أي العليم بحالي، { الحكيم} في أفعاله وقضائه وقدره، { وتولى عنهم وقال يا أسفا على يوسف} أي أعرض عن بنيه، وقال متذكراً حزن يوسف القديم الأول { يا أسفا على يوسف} جدد له حزن الابنين الحزن الدفين، قال سعيد بن جبير: لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام: { يا أسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} أي ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره، وقال الضحاك { فهو كظيم} كئيب حزين، فعند ذلك رق له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: { تاللّه تفتأ تذكر يوسف} أي لا تفارق { حتى تكون حرضا} أي ضعيف القوة، { أو تكون من الهالكين} ، يقولون: إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف، { قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله} أي أجابهم عما قالوا بقوله: { إنما أشكوا بثي وحزني} أي همي وما أنا فيه { إلى اللّه} وحده، { وأعلم من اللّه ما لا تعلمون} أي أرجو منه كل خير. وعن ابن عباس في الآية يعني رؤيا يوسف أنها صدق وأن اللّه لا بد أن يظهرها، وقال العوفي عنه: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له.

تفسير الجلالين

{ قال } لهم { إنما أشكو بثي } هو عظيم الحزن الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الناس { وحزني إلى الله } لا إلى غيره فهو الذي تنفع الشكوى إليه { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من أن رؤيا يوسف صدق وهو حي ثم قال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ يَعْقُوب لِلْقَائِلِينَ لَهُ مِنْ وَلَده { تَاللَّهِ تَفْتَأ تَذْكُر يُوسُف حَتَّى تَكُون حَرَضًا أَوْ تَكُون مِنَ الْهَالِكِينَ } : لَسْت إِلَيْكُمْ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي , وَإِنَّمَا أَشْكُو ذَلِكَ إِلَى اللَّه . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي } مَا أَشْكُو هَمِّي { وَحُزْنِي } إِلَّا { إِلَى اللَّه } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15039 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي } قَالَ ابْن عَبَّاس : بَثِّي : هَمِّي 15040 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ يَعْقُوب عَنْ عِلْم بِاللَّهِ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } لِمَا رَأَى مِنْ فَظَاظَتِهِمْ وَغِلْظَتِهِمْ وَسُوء لَفْظهمْ لَهُ : لَمْ أَشْكُ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ , { وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } 15041 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه } قَالَ : حَاجَتِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا هَوْذَة بْن خَلِيفَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنِ الْحَسَن , مِثْله . وَقِيلَ : إِنَّ الْبَثّ أَشَدّ الْحُزْن , وَهُوَ عِنْدِي مِنْ بَثَّ الْحَدِيث , وَإِنَّمَا يُرَاد مِنْهُ : إِنَّمَا أَشْكُو خَبَرِي الَّذِي أَنَا فِيهِ مِنَ الْهَمّ , وَأَبُثُّ حَدِيثِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه . 15042 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي } قَالَ : حُزْنِي 15043 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي } قَالَ : حَاجَتِي وَأَمَّا قَوْله : { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } فَإِنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ مَا : 15044 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول : أَعْلَم أَنَّ رُؤْيَا يُوسُف صَادِق وَأَنِّي سَأَسْجُدُ لَهُ 15045 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِدُعَاءِ الْمَلِك أَحَسَّتْ نَفْس يَعْقُوب , وَقَالَ : مَا يَكُون فِي الْأَرْض صِدِّيقٌ إِلَّا نَبِيّ ! فَطَمِعَ , قَالَ : لَعَلَّهُ يُوسُف 15046 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه } الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه يَعْقُوب لَمْ يَنْزِل بِهِ بَلَاء قَطُّ إِلَّا أَتَى حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ مِنْ وَرَائِهِ 15047 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عِيسَى بْن يَزِيد , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : قِيلَ : مَا بَلَغَ وَجْد يَعْقُوب عَلَى ابْنه ؟ قَالَ : وَجْد سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْر ؟ قَالَ : أَجْر مِائَة شَهِيد . قَالَ : وَمَا سَاءَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ سَاعَةً مِنْ لَيْل وَلَا نَهَار 15048 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد مَرَّة أُخْرَى , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَبِي مُعَاذ , عَنْ يُونُس , عَنِ الْحَسَن , عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . 15049 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ الْمُبَارَك بْن مُجَاهِد , عَنْ رَجُل مِنَ الْأَزْد , عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف الْيَامِيّ , قَالَ : ثَلَاثَة لَا تَذْكُرْهُنَّ وَاجْتَنِبْ ذِكْرَهُنَّ : لَا تَشْكُ مَرَضَك , وَلَا تَشْكُ مُصِيبَتَك , وَلَا تُزَكِّ نَفْسَك . قَالَ : وَأُنْبِئْت أَنَّ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق دَخَلَ عَلَيْهِ جَارٌ لَهُ , فَقَالَ لَهُ : يَا يَعْقُوب مَا لِي أَرَاك قَدْ انْهَشَمْت وَفَنِيت وَلَمْ تَبْلُغ مِنَ السِّنّ مَا بَلَغَ أَبُوك ؟ قَالَ : هَشَّمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّه بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُف وَذِكْره . فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا يَعْقُوب أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي ؟ فَقَالَ : يَا رَبّ خَطِيئَة أَخْطَأْتهَا , فَاغْفِرْهَا لِي ! قَالَ : فَإِنِّي قَدْ غَفَرْت لَك . وَكَانَ بَعْد ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ , قَالَ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } 15050 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثني مُؤَمَّل بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ يَعْقُوب كَبِرَ حَتَّى سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ , فَكَانَ يَرْفَعهُمَا بِخِرْقَةٍ , فَقَالَ لَهُ رَجُل : مَا بَلَغَ بِك مَا أَرَى ؟ قَالَ : طُول الزَّمَان وَكَثْرَة الْأَحْزَان . فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا يَعْقُوب تَشْكُونِي ؟ قَالَ : خَطِيئَة فَاغْفِرْهَا 15051 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا ثَوْر بْن يَزِيد , قَالَ : دَخَلَ يَعْقُوب عَلَى فِرْعَوْن وَقَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ , فَقَالَ : مَا بَلَغَ بِك هَذَا يَا إِبْرَاهِيم ؟ فَقَالُوا : إِنَّهُ يَعْقُوب , فَقَالَ : مَا بَلَغَ بِك هَذَا يَا يَعْقُوب ؟ قَالَ : طُول الزَّمَان وَكَثْرَة الْأَحْزَان . فَقَالَ اللَّه : يَا يَعْقُوب أَتَشْكُونِي ؟ فَقَالَ : يَا رَبّ خَطِيئَة أَخْطَأْتهَا , فَاغْفِرْهَا لِي 15052 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا هِشَام , عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , قَالَ : دَخَلَ جَبْرَائِيل عَلَى يُوسُف السِّجْنَ , فَعَرَفَهُ فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الطَّيِّبَة رِيحه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , أَلَا تُخْبِرنِي عَنْ يَعْقُوب أَحَيٌّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الطَّيِّبَة رِيحه , الْكَرِيم عَلَى رَبِّهِ , فَمَا بَلَغَ مِنْ حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ مُثْكَلَة . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الطَّيِّبَة رِيحه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , فَهَلْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْر ؟ قَالَ : أَجْر مِائَة شَهِيد 15053 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : حُدِّثْت أَنَّ جَبْرَائِيل أَتَى يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمِصْرَ فِي صُورَة رَجُل ; فَلَمَّا رَآهُ يُوسُف عَرَفَهُ , فَقَامَ إِلَيْهِ , فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ لَك بِيَعْقُوب مِنْ عِلْم ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , فَكَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : ذَهَبَ بَصَرُهُ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , وَمَا الَّذِي أَذْهَب بَصَرَهُ ؟ قَالَ : الْحُزْن عَلَيْك . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , فَمَا أُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ شَهِيدًا 15054 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ أَبُو شُرَيْح : سَمِعْت مَنْ يُحَدِّث أَنَّ يُوسُف سَأَلَ جَبْرَائِيل : مَا بَلَغَ مِنْ حُزْن يَعْقُوب ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَا بَلَغَ أَجْره ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ شَهِيدًا 15055 - قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِع بْن زَيْد , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , قَالَ : دَخَلَ جَبْرَائِيل عَلَى يُوسُف فِي الْبِئْر أَوْ فِي السِّجْن , فَقَالَ لَهُ يُوسُف : يَا جَبْرَائِيل , مَا بَلَغَ حُزْن أَبِي ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَا بَلَغَ أَجْره مِنَ اللَّه ؟ قَالَ : أَجْر مِائَة شَهِيد 15056 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , قَالَ : سَمِعْت وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : أَتَى جَبْرَائِيل يُوسُف بِالْبُشْرَى وَهُوَ فِي السِّجْن , فَقَالَ : هَلْ تَعْرِفُنِي أَيّهَا الصِّدِّيق ؟ قَالَ : أَرَى صُورَة طَاهِرَة وَرُوحًا طَيِّبَة لَا تُشْبِهُ أَرْوَاحَ الْخَاطِئِينَ . قَالَ : فَإِنِّي رَسُول رَبّ الْعَالَمِينَ , وَأَنَا الرُّوح الْأَمِين . قَالَ : فَمَا الَّذِي أَدْخَلَك عَلَيَّ مُدْخَل الْمُذْنِبِينَ , وَأَنْتَ أَطْيَب الطَّيِّبِينَ , وَرَأْس الْمُقَرَّبِينَ , وَأَمِين رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَلَمْ تَعْلَم يَا يُوسُف أَنَّ اللَّه يُطَهِّر الْبُيُوت بِطُهْرِ النَّبِيِّينَ , وَأَنَّ الْأَرْض الَّتِي يَدْخُلُونَهَا هِيَ أَطْهَر الْأَرَضِينَ , وَأَنَّ اللَّه قَدْ طَهَّرَ بِك السِّجْن وَمَا حَوْله يَا أَطْهَر الطَّاهِرِينَ وَابْن الْمُطَهَّرِينَ ؟ إِنَّمَا يُتَطَهَّر بِفَضْلِ طُهْرك وَطُهْر آبَائِك الصَّالِحِينَ الْمُخْلَصِينَ . قَالَ : كَيْفَ لِي بِاسْمِ الصِّدِّيقِينَ , وَتَعُدّنِي مِنَ الْمُخْلَصِينَ , وَقَدْ أُدْخِلْت مُدْخَل الْمُذْنِبِينَ , وَسُمِّيت بِالضَّالِّينَ الْمُفْسِدِينَ ؟ قَالَ : لَمْ يُفْتَتَن قَلْبك , وَلَمْ تُطِعْ سَيِّدَتَك فِي مَعْصِيَة رَبّك , وَلِذَلِكَ سَمَّاك اللَّه فِي الصِّدِّيقِينَ , وَعَدَّك مِنَ الْمُخْلَصِينَ , وَأَلْحَقَك بِآبَائِك الصَّالِحِينَ . قَالَ : لَك عِلْم بِيَعْقُوبَ أَيّهَا الرُّوح الْأَمِين ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَهَبَهُ اللَّه الصَّبْر الْجَمِيل , وَابْتَلَاهُ بِالْحُزْنِ عَلَيْك , فَهُوَ كَظِيم . قَالَ : فَمَا قَدْر حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَاذَا لَهُ مِنَ الْأَجْر يَا جَبْرَائِيل ؟ قَالَ : قَدْر مِائَة شَهِيد 15057 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : دَخَلَ جَبْرَائِيل عَلَى يُوسُف فِي السِّجْن , فَعَرَفَهُ يُوسُف , قَالَ : فَآتَاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ لَك مِنْ عِلْم بِيَعْقُوب ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ تَدْرِي مَا فَعَلَ ؟ قَالَ : ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , مِمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : مِنَ الْحُزْن عَلَيْك , قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , وَمَا بَلَغَ مِنْ حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ مُثْكَلَة . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَجْر ؟ قَالَ : نَعَمْ أَجْر مِائَة شَهِيد 15058 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : أَتَى جَبْرَائِيل يُوسُفَ وَهُوَ فِي السِّجْن فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , وَجَاءَ فِي صُورَة رَجُل حَسَن الْوَجْه طَيِّب الرِّيح نَقِيّ الثِّيَاب , فَقَالَ لَهُ يُوسُف : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , الطَّيِّب رِيحه , حَدَّثَنِي كَيْفَ يَعْقُوب ؟ قَالَ : حَزِنَ عَلَيْك حُزْنًا شَدِيدًا . قَالَ : وَمَا بَلَغَ مِنْ حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ مُثْكَلَة . قَالَ : فَمَا بَلَغَ مِنْ أَجْره ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ أَوْ مِائَة شَهِيد . قَالَ يُوسُف : فَإِلَى مَنْ أَوَى بَعْدِي ؟ قَالَ : إِلَى أَخِيك بِنْيَامِين . قَالَ : فَتَرَانِي أَلْقَاهُ أَبَدًا ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَبَكَى يُوسُف لِمَا لَقِيَ أَبُوهُ بَعْده , ثُمَّ قَالَ : مَا أُبَالِي مَا لَقِيت إِنَ اللَّه أَرَانِيهِ 15059 - قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : أَتَى جَبْرَائِيل يُوسُف وَهُوَ فِي السِّجْن , فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ يُوسُف : أَيّهَا الْمَلَك الْكَرِيم عَلَى رَبّه , الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , هَلْ مِنْ عِلْم بِيَعْقُوب ؟ قَالَ : نَعَمْ مَا أَشَدَّ حُزْنَهُ ! قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْكَرِيم عَلَى رَبّه , الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , مَاذَا لَهُ مِنَ الْأَجْر ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ شَهِيدًا . قَالَ : أَفَتَرَانِي لَاقِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَطَابَتْ نَفْس يُوسُف 15060 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا دَخَلَ يَعْقُوب عَلَى الْمَلِك وَحَاجِبَاهُ قَدْ سَقَطَا عَلَى عَيْنَيْهِ , قَالَ الْمَلِك : مَا هَذَا ؟ قَالَ : السُّنُونَ وَالْأَحْزَان أَوْ الْهُمُوم وَالْأَحْزَان , فَقَالَ رَبّه : يَا يَعْقُوب لِمَ تَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي , أَلَمْ أَفْعَلْ بِك وَأَفْعَلْ ؟ 15061 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد , عَنْ مُسْلِم بْن يَسَار يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ بَثَّ لَمْ يَصْبِر " ثُمَّ قَرَأَ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه } . 15062 - حَدَّثَنِي عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد الْآمِلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ هِشَام , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ مُنْذُ خَرَجَ يُوسُف مِنْ عِنْد يَعْقُوب إِلَى يَوْم رَجَعَ ثَمَانُونَ سَنَة , لَمْ يُفَارِق الْحُزْنُ قَلْبَهُ , يَبْكِي حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ . قَالَ الْحَسَن : وَاَللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْض يَوْمَئِذٍ خَلِيقَة أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْ يَعْقُوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ يَعْقُوب لِلْقَائِلِينَ لَهُ مِنْ وَلَده { تَاللَّهِ تَفْتَأ تَذْكُر يُوسُف حَتَّى تَكُون حَرَضًا أَوْ تَكُون مِنَ الْهَالِكِينَ } : لَسْت إِلَيْكُمْ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي , وَإِنَّمَا أَشْكُو ذَلِكَ إِلَى اللَّه . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي } مَا أَشْكُو هَمِّي { وَحُزْنِي } إِلَّا { إِلَى اللَّه } . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15039 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي } قَالَ ابْن عَبَّاس : بَثِّي : هَمِّي 15040 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ يَعْقُوب عَنْ عِلْم بِاللَّهِ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } لِمَا رَأَى مِنْ فَظَاظَتِهِمْ وَغِلْظَتِهِمْ وَسُوء لَفْظهمْ لَهُ : لَمْ أَشْكُ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ , { وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } 15041 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه } قَالَ : حَاجَتِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا هَوْذَة بْن خَلِيفَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنِ الْحَسَن , مِثْله . وَقِيلَ : إِنَّ الْبَثّ أَشَدّ الْحُزْن , وَهُوَ عِنْدِي مِنْ بَثَّ الْحَدِيث , وَإِنَّمَا يُرَاد مِنْهُ : إِنَّمَا أَشْكُو خَبَرِي الَّذِي أَنَا فِيهِ مِنَ الْهَمّ , وَأَبُثُّ حَدِيثِي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه . 15042 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي } قَالَ : حُزْنِي 15043 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي } قَالَ : حَاجَتِي وَأَمَّا قَوْله : { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } فَإِنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ مَا : 15044 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول : أَعْلَم أَنَّ رُؤْيَا يُوسُف صَادِق وَأَنِّي سَأَسْجُدُ لَهُ 15045 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِدُعَاءِ الْمَلِك أَحَسَّتْ نَفْس يَعْقُوب , وَقَالَ : مَا يَكُون فِي الْأَرْض صِدِّيقٌ إِلَّا نَبِيّ ! فَطَمِعَ , قَالَ : لَعَلَّهُ يُوسُف 15046 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه } الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه يَعْقُوب لَمْ يَنْزِل بِهِ بَلَاء قَطُّ إِلَّا أَتَى حُسْنُ ظَنِّهِ بِاللَّهِ مِنْ وَرَائِهِ 15047 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عِيسَى بْن يَزِيد , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : قِيلَ : مَا بَلَغَ وَجْد يَعْقُوب عَلَى ابْنه ؟ قَالَ : وَجْد سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْر ؟ قَالَ : أَجْر مِائَة شَهِيد . قَالَ : وَمَا سَاءَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ سَاعَةً مِنْ لَيْل وَلَا نَهَار 15048 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْد مَرَّة أُخْرَى , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَبِي مُعَاذ , عَنْ يُونُس , عَنِ الْحَسَن , عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . 15049 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ الْمُبَارَك بْن مُجَاهِد , عَنْ رَجُل مِنَ الْأَزْد , عَنْ طَلْحَة بْن مُصَرِّف الْيَامِيّ , قَالَ : ثَلَاثَة لَا تَذْكُرْهُنَّ وَاجْتَنِبْ ذِكْرَهُنَّ : لَا تَشْكُ مَرَضَك , وَلَا تَشْكُ مُصِيبَتَك , وَلَا تُزَكِّ نَفْسَك . قَالَ : وَأُنْبِئْت أَنَّ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق دَخَلَ عَلَيْهِ جَارٌ لَهُ , فَقَالَ لَهُ : يَا يَعْقُوب مَا لِي أَرَاك قَدْ انْهَشَمْت وَفَنِيت وَلَمْ تَبْلُغ مِنَ السِّنّ مَا بَلَغَ أَبُوك ؟ قَالَ : هَشَّمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّه بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُف وَذِكْره . فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا يَعْقُوب أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي ؟ فَقَالَ : يَا رَبّ خَطِيئَة أَخْطَأْتهَا , فَاغْفِرْهَا لِي ! قَالَ : فَإِنِّي قَدْ غَفَرْت لَك . وَكَانَ بَعْد ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ , قَالَ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه وَأَعْلَم مِنَ اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } 15050 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثني مُؤَمَّل بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ يَعْقُوب كَبِرَ حَتَّى سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ , فَكَانَ يَرْفَعهُمَا بِخِرْقَةٍ , فَقَالَ لَهُ رَجُل : مَا بَلَغَ بِك مَا أَرَى ؟ قَالَ : طُول الزَّمَان وَكَثْرَة الْأَحْزَان . فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : يَا يَعْقُوب تَشْكُونِي ؟ قَالَ : خَطِيئَة فَاغْفِرْهَا 15051 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا ثَوْر بْن يَزِيد , قَالَ : دَخَلَ يَعْقُوب عَلَى فِرْعَوْن وَقَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ , فَقَالَ : مَا بَلَغَ بِك هَذَا يَا إِبْرَاهِيم ؟ فَقَالُوا : إِنَّهُ يَعْقُوب , فَقَالَ : مَا بَلَغَ بِك هَذَا يَا يَعْقُوب ؟ قَالَ : طُول الزَّمَان وَكَثْرَة الْأَحْزَان . فَقَالَ اللَّه : يَا يَعْقُوب أَتَشْكُونِي ؟ فَقَالَ : يَا رَبّ خَطِيئَة أَخْطَأْتهَا , فَاغْفِرْهَا لِي 15052 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا هِشَام , عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , قَالَ : دَخَلَ جَبْرَائِيل عَلَى يُوسُف السِّجْنَ , فَعَرَفَهُ فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الطَّيِّبَة رِيحه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , أَلَا تُخْبِرنِي عَنْ يَعْقُوب أَحَيٌّ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الطَّيِّبَة رِيحه , الْكَرِيم عَلَى رَبِّهِ , فَمَا بَلَغَ مِنْ حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ مُثْكَلَة . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الطَّيِّبَة رِيحه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , فَهَلْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْر ؟ قَالَ : أَجْر مِائَة شَهِيد 15053 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : حُدِّثْت أَنَّ جَبْرَائِيل أَتَى يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمِصْرَ فِي صُورَة رَجُل ; فَلَمَّا رَآهُ يُوسُف عَرَفَهُ , فَقَامَ إِلَيْهِ , فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ لَك بِيَعْقُوب مِنْ عِلْم ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , فَكَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : ذَهَبَ بَصَرُهُ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , وَمَا الَّذِي أَذْهَب بَصَرَهُ ؟ قَالَ : الْحُزْن عَلَيْك . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , فَمَا أُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ شَهِيدًا 15054 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ أَبُو شُرَيْح : سَمِعْت مَنْ يُحَدِّث أَنَّ يُوسُف سَأَلَ جَبْرَائِيل : مَا بَلَغَ مِنْ حُزْن يَعْقُوب ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَا بَلَغَ أَجْره ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ شَهِيدًا 15055 - قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِع بْن زَيْد , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , قَالَ : دَخَلَ جَبْرَائِيل عَلَى يُوسُف فِي الْبِئْر أَوْ فِي السِّجْن , فَقَالَ لَهُ يُوسُف : يَا جَبْرَائِيل , مَا بَلَغَ حُزْن أَبِي ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَا بَلَغَ أَجْره مِنَ اللَّه ؟ قَالَ : أَجْر مِائَة شَهِيد 15056 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل , قَالَ : سَمِعْت وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : أَتَى جَبْرَائِيل يُوسُف بِالْبُشْرَى وَهُوَ فِي السِّجْن , فَقَالَ : هَلْ تَعْرِفُنِي أَيّهَا الصِّدِّيق ؟ قَالَ : أَرَى صُورَة طَاهِرَة وَرُوحًا طَيِّبَة لَا تُشْبِهُ أَرْوَاحَ الْخَاطِئِينَ . قَالَ : فَإِنِّي رَسُول رَبّ الْعَالَمِينَ , وَأَنَا الرُّوح الْأَمِين . قَالَ : فَمَا الَّذِي أَدْخَلَك عَلَيَّ مُدْخَل الْمُذْنِبِينَ , وَأَنْتَ أَطْيَب الطَّيِّبِينَ , وَرَأْس الْمُقَرَّبِينَ , وَأَمِين رَبّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ : أَلَمْ تَعْلَم يَا يُوسُف أَنَّ اللَّه يُطَهِّر الْبُيُوت بِطُهْرِ النَّبِيِّينَ , وَأَنَّ الْأَرْض الَّتِي يَدْخُلُونَهَا هِيَ أَطْهَر الْأَرَضِينَ , وَأَنَّ اللَّه قَدْ طَهَّرَ بِك السِّجْن وَمَا حَوْله يَا أَطْهَر الطَّاهِرِينَ وَابْن الْمُطَهَّرِينَ ؟ إِنَّمَا يُتَطَهَّر بِفَضْلِ طُهْرك وَطُهْر آبَائِك الصَّالِحِينَ الْمُخْلَصِينَ . قَالَ : كَيْفَ لِي بِاسْمِ الصِّدِّيقِينَ , وَتَعُدّنِي مِنَ الْمُخْلَصِينَ , وَقَدْ أُدْخِلْت مُدْخَل الْمُذْنِبِينَ , وَسُمِّيت بِالضَّالِّينَ الْمُفْسِدِينَ ؟ قَالَ : لَمْ يُفْتَتَن قَلْبك , وَلَمْ تُطِعْ سَيِّدَتَك فِي مَعْصِيَة رَبّك , وَلِذَلِكَ سَمَّاك اللَّه فِي الصِّدِّيقِينَ , وَعَدَّك مِنَ الْمُخْلَصِينَ , وَأَلْحَقَك بِآبَائِك الصَّالِحِينَ . قَالَ : لَك عِلْم بِيَعْقُوبَ أَيّهَا الرُّوح الْأَمِين ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَهَبَهُ اللَّه الصَّبْر الْجَمِيل , وَابْتَلَاهُ بِالْحُزْنِ عَلَيْك , فَهُوَ كَظِيم . قَالَ : فَمَا قَدْر حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ ثَكْلَى . قَالَ : فَمَاذَا لَهُ مِنَ الْأَجْر يَا جَبْرَائِيل ؟ قَالَ : قَدْر مِائَة شَهِيد 15057 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ , قَالَ : دَخَلَ جَبْرَائِيل عَلَى يُوسُف فِي السِّجْن , فَعَرَفَهُ يُوسُف , قَالَ : فَآتَاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ لَك مِنْ عِلْم بِيَعْقُوب ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ تَدْرِي مَا فَعَلَ ؟ قَالَ : ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , مِمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : مِنَ الْحُزْن عَلَيْك , قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , وَمَا بَلَغَ مِنْ حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ مُثْكَلَة . قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , هَلْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَجْر ؟ قَالَ : نَعَمْ أَجْر مِائَة شَهِيد 15058 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : أَتَى جَبْرَائِيل يُوسُفَ وَهُوَ فِي السِّجْن فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , وَجَاءَ فِي صُورَة رَجُل حَسَن الْوَجْه طَيِّب الرِّيح نَقِيّ الثِّيَاب , فَقَالَ لَهُ يُوسُف : أَيّهَا الْمَلَك الْحَسَن وَجْهه , الْكَرِيم عَلَى رَبّه , الطَّيِّب رِيحه , حَدَّثَنِي كَيْفَ يَعْقُوب ؟ قَالَ : حَزِنَ عَلَيْك حُزْنًا شَدِيدًا . قَالَ : وَمَا بَلَغَ مِنْ حُزْنه ؟ قَالَ : حُزْن سَبْعِينَ مُثْكَلَة . قَالَ : فَمَا بَلَغَ مِنْ أَجْره ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ أَوْ مِائَة شَهِيد . قَالَ يُوسُف : فَإِلَى مَنْ أَوَى بَعْدِي ؟ قَالَ : إِلَى أَخِيك بِنْيَامِين . قَالَ : فَتَرَانِي أَلْقَاهُ أَبَدًا ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَبَكَى يُوسُف لِمَا لَقِيَ أَبُوهُ بَعْده , ثُمَّ قَالَ : مَا أُبَالِي مَا لَقِيت إِنَ اللَّه أَرَانِيهِ 15059 - قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : أَتَى جَبْرَائِيل يُوسُف وَهُوَ فِي السِّجْن , فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , فَقَالَ لَهُ يُوسُف : أَيّهَا الْمَلَك الْكَرِيم عَلَى رَبّه , الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , هَلْ مِنْ عِلْم بِيَعْقُوب ؟ قَالَ : نَعَمْ مَا أَشَدَّ حُزْنَهُ ! قَالَ : أَيّهَا الْمَلَك الْكَرِيم عَلَى رَبّه , الطَّيِّب رِيحه , الطَّاهِر ثِيَابه , مَاذَا لَهُ مِنَ الْأَجْر ؟ قَالَ : أَجْر سَبْعِينَ شَهِيدًا . قَالَ : أَفَتَرَانِي لَاقِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَطَابَتْ نَفْس يُوسُف 15060 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا دَخَلَ يَعْقُوب عَلَى الْمَلِك وَحَاجِبَاهُ قَدْ سَقَطَا عَلَى عَيْنَيْهِ , قَالَ الْمَلِك : مَا هَذَا ؟ قَالَ : السُّنُونَ وَالْأَحْزَان أَوْ الْهُمُوم وَالْأَحْزَان , فَقَالَ رَبّه : يَا يَعْقُوب لِمَ تَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي , أَلَمْ أَفْعَلْ بِك وَأَفْعَلْ ؟ 15061 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد , عَنْ مُسْلِم بْن يَسَار يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ بَثَّ لَمْ يَصْبِر " ثُمَّ قَرَأَ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه } . 15062 - حَدَّثَنِي عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد الْآمِلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ هِشَام , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ مُنْذُ خَرَجَ يُوسُف مِنْ عِنْد يَعْقُوب إِلَى يَوْم رَجَعَ ثَمَانُونَ سَنَة , لَمْ يُفَارِق الْحُزْنُ قَلْبَهُ , يَبْكِي حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ . قَالَ الْحَسَن : وَاَللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْض يَوْمَئِذٍ خَلِيقَة أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْ يَعْقُوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف} أي قال له ولده { تالله تفتأ تذكر يوسف} قال الكسائي : فتأتُ وفتِئت أفعل ذلك أي ما زلت. وزعم الفراء أن [لا] مضمرة؛ أي لا تفتأ، وأنشد : فقلت يمين الله أبرح قاعدا ** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي لا أبرح؛ قال النحاس : والذي قال حسن صحيح. وزعم الخليل وسيبويه أن [لا] تضمر في القسم، لأنه ليس فيه إشكال؛ ولو كان واجبا لكان باللام والنون؛ وإنما قالوا له لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك؛ يقال : ما زال يفعل كذا، وما فتئ وفتأ فهما لغتان، ولا يستعملان إلا مع الجحد قال الشاعر : فما فتئت حتى كأن غبارها ** سرادق يوم ذي رياح ترفَّع أي ما برحت فتفتأ تبرح. وقال ابن عباس : تزال. { حتى تكون حرضا} أي تالفا. وقال ابن عباس ومجاهد : دنفا من المرض، وهو ما دون الموت؛ قال الشاعر : سرى همي فأمرضني ** وقِدما زادني مرضا كذا الحب قبل اليو ** م مما يورث الحرضا وقال قتادة : هرما. الضحاك : باليا دائرا. محمد بن إسحاق : فاسدا لا عقل لك. الفراء : الحارض الفاسد الجسم والعقل؛ وكذا الحرض. ابن زيد : الحرض الذي قد رد إلى أرذل العمر. الربيع بن أنس : يابس الجلد على العظم. المؤرج : ذائبا من الهم. وقال الأخفش : ذاهبا. ابن الأنباري : هالكا، وكلها متقاربة. وأصل الحرض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، عن أبي عبيدة وغيره؛ وقال العرجي : إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ** حتى بليت وحتى شفني السَّقم قال النحاس : يقال حرض حرضا وحرض حروضا وحروضة إذا بلي وسقم، ورجل حارض وحرض؛ إلا أن حرضا لا يثني ولا يجمع، ومثله قمن وحري لا يثنيان ولا يجمعان. الثعلبي : ومن العرب من يقول حارض للمذكر، والمؤنثة حارضة؛ فإذا وصف بهذا اللفظ ثنى وجمع وأنث. ويقال : حرض يحرض حراضة فهو حريض وحرض. ويقال : رجل محرض، وينشد : طلبته الخيل يوما كاملا ** ولو الفته لأضحى محرضا وقال امرؤ القيس : أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ** كإحراض بكر في الديار مريض قال النحاس : وحكى أهل اللغة أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق. وقرأ أنس { حُرْضا} بضم الحاء وسكون الراء، أي مثل عود الأشنان. وقرأ الحسن بضم الحاء والراء. قال الجوهري : الحَرَض والحُرُض الأشنان. { أو تكون من الهالكين} أي الميتين، وهو قول الجميع؛ وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقة عليه، وإن كانوا السبب في ذلك. قوله تعالى { قال إنما أشكو بثي} حقيقة البث في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها؛ وهو من بثثته أي فرقته، فسميت المصيبة بثا مجازا، قال ذو الرمة : وقفت على ربع لمية ناقتي ** فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه ** تكلمني أحجاره وملاعبه وقال ابن عباس { بثي} همي. الحسن : حاجتي. وقيل : أشد الحزن، وحقيقة ما ذكرناه. { وحزني إلى الله} معطوف عليه، أعاده بغير لفظه. { وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سأسجد له. قاله ابن عباس. إني أعلم من إحسان الله تعالى إليّ ما يوجب حسن ظني به. وقيل : قال يعقوب لملك الموت هل قبضت روح يوسف؟ قال : لا، فأكد هذا رجاءه. وقال السدي : أعلم أن يوسف حي، وذلك أنه لما أخبره ولده بسيرة الملك وعدله خلقه وقوله أحست نفس يعقوب أنه ولده فطمع، وقال : لعله يوسف. وقال : لا يكون في الأرض صديق إلا نبئ. وقيل : أعلم من إجابة دعاء المضطرين ما لا تعلمون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 85 - 100

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وشكاية الأمر إلى الله لَوْن من العبادة لله، والبَثُّ: هي المصيبة التي لا قُدرة لأحد على كتمانها؛ فينشرها، وإذا أصاب الأعلى الأدنى بما يراه الأدنى سوءً، يتفرع الأدنى إلى نوعين: نوع يتودد إلى الأقوى، ويتعطفه ويلين له، ويستغفره ويستميحه، ونوع آخر يتأبى على المُبْتَلى. ويتمرد، ولسان حاله يقول: " فليفعل ما يريد ".

والحق تبارك وتعالى يقول في كتابه:
{  فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ }
[الأنعام: 43].

فساعة يأتي البأْسُ ونتضرع إلى الله؛ يكون البأس قد غسلنا من الذنوب ونسيان الذِّكْر؛ وأعادنا إلى الله الذي لن يزيل البأس إلا هو.

أما الذي يتمرد ويستعلي على الأحداث، فويل له من ذلك التمرد. والحق سبحانه حين يصيب إنساناً بمصيبة، فهو يلطف بِمَنْ يدعوه.

وتساءَل بعضهم: ولماذا لم يَقُلْ يعقوب ما علَّمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم:
{  ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }
[البقرة: 156].

ونقول: إن هذا من النعم التي اختصَّ بها الحق سبحانه أمةَ محمد صلى الله عليه وسلم؛ وحين دخل بعضهم على عليّ بن أبي طالب ـ كرَّم الله وجهه وأرضاه ـ وكان يعاني من وَعْكة، وكان يتأوه، فقالوا له: يا أبا الحسن أتتوجَّع؟ قال: أنا لا أشجع على الله.

وهنا في الآية ـ التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ يعلن يعقوب عليه السلام أنه لا يشكو حُزْنه وهَمَّه إلا إلى الله، فهو القادر على كشف الضُّرِّ؛ لأن يعقوب عليه السلام يعلم من الله ما لا يعلم أبناؤه أو أحفاده.

فقد كان يشعر بوجدانه، وبما كان لديه من شكوك لحظة إبلاغهم له بحكاية الذئب المكذوبة أن يوسف ما زال حياً، وأن الرُّؤيا التي حكى يوسف عنها لأبيه، سوف يأذن الحق بتحقيقها.

ويذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان يعقوب فيقول: { يٰبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ... }.


www.alro7.net