سورة
اية:

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: { يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب} ، فبشروهما مع وجوده بنبوته وبأن له نسلاً وعقباً، كما قال تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين} ، وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال: { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهباً إلى عبادة اللّه في الأرض، فعوضه اللّه عزَّ وجلَّ عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون اللّه وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً} ، وقال ههنا: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا} ، وقوله: { ونوحاً هدينا من قبل} أي من قبله هديناه كما هديناه ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح عليه السلام فإن اللّه تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به - وهم الذين صحبوه في السفينة - جعل اللّه ذريته هم الباقين فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يبعث اللّه عزَّ وجلَّ بعده نبياً إلا من ذريته كما قال تعالى: { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} الآية، وقال تعالى: { ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} . وقال تعالى: { أولئك الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا} ، وقوله في هذه الآية الكريمة: { ومن ذريته} أي وهدينا من ذريته { داود وسليمان} الآية، وعود الضمير إلى نوح لأنه أقرب المذكورين ظاهر لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير، وعوده إلى إبراهيم لأنه الذي سيق الكلام من أجله حسن، لكن يشكل عليه لوط، فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه هاران بن آزر، اللهم إلا أن يقال: إنه دخل في الذرية تغليباً، كما في قوله: { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون} ، فإسماعيل عمه دخل في آبائه تغليباً، وكما قال في قوله: { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} . فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذم على المخالفة، لأنه كان في تشبه بهم فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليباً، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار والملائكة من النور، وفي ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل، لأن عيسى عليه السلام إنما ينسب إلى إبراهيم عليه السلام بأمه مريم عليها السلام فإنه لا أب له. روي أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى اللّه عليه وسلم تجده في كتاب اللّه، وقد قرأته من أوله إلى آخره، فلم أجده؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: { ومن ذريته داود وسليمان} حتى بلغ { ويحيى وعيسى} ؟ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت ""رواه ابن أبي حاتم"". فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربي: بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا ** بنوهن أبناء الرجال الأجانب. وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضاً، لما ثبت في صحيح البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فسماه ابناً، فدل على دخوله في الأبناء، وقال آخرون: هذا تجوز. وقوله: { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم وأن الهداية أو الاجتباء شملهم كلهم، ولهذا قال: { واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} ، ثم قال تعالى: { ذلك هدى اللّه يهدي به من يشاء من عباده} أي إنما حصل لهم ذلك بتوفيق اللّه وهدايته إياهم { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته كقوله تعالى: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت لحبطنَّ عملك} الآية، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع كقوله: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} ، وكقوله: { لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} ، وكقوله: { لو أراد اللّه أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو اللّه الواحد القهار} . وقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} أي أنعمنا عليهم بذلك رحمة للعباد بهم ولطفاً منا بالخليقة، { فإن يكفر بها} أي بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائداً على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب والحكم والنبوة، { فإن يكفر بها} أي بالنبوة، { هؤلاء} يعني أهل مكة وهو قول ابن عباس والضحّاك وقتادة والسدي وغيرهم ، { فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} أي إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض من عرب وعجم ومليين وكتابيين، فقد وكلنا بها قوماً آخرين، أي المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، { ليسوا بها بكافرين} أي لا يجحدون منها شيئاً ولا يردون منها حرفاً واحداً بل يؤمنون بجميعها محكمها ومتشابهها، جعلنا اللّه منهم بمنه وكرمه وإحسانه. ثم قال تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم : { أولئك} يعني الأنبياء المذكورين مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان وهم الأشباه { الذين هدى اللّه} أي هم أهل الهدى لا غيرهم { فبهداهم اقتده} أي اقتد واتبع، وإذا كان هذا للرسول صلى اللّه عليه وسلم فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به، قال البخاري عند هذه الآية عن سليمان الأحول أن مجاهداً أخبره أنه سأل ابن عباس: أفي ص سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب} إلى قوله: { فبهداهم اقتده} ثم قال: هو منهم، زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهيل بن يوسف عن العوام عن مجاهد قلت لابن عباس، فقال: نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ممن أُمِرَ أن يقتدى بهم، وقوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجراً} أي لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن أجراً أي أجرة ولا أريد منكم شيئاً، { إن هو إلا ذكرى للعالمين} أي يتذكرون به فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإيمان.

تفسير الجلالين

{ وزكريا ويحيى } ابنه { وعيسى } ابن مريم يفيد أن الذرية تتناول أولاد البنت { وإلياس } ابن أخي هارون أخي موسى { كل } منهم { من الصالحين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاس كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَدَيْنَا أَيْضًا لِمِثْلِ الَّذِي هَدَيْنَا لَهُ نُوحًا مِنْ الْهُدَى وَالرَّشَاد مِنْ ذُرِّيَّته زَكَرِيَّا بْن أزن بْن بركيا وَيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان بْن أشيم بْن أُمُور بْن حزقيا , وَإِلْيَاس . وَاخْتَلَفُوا فِي إِلْيَاس , فَكَانَ اِبْن إِسْحَاق يَقُول : هُوَ إِلْيَاس بْن يسى بْن فنحاص بْن العيزار بْن هَارُون بْن عِمْرَان اِبْن أَخِي مُوسَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ غَيْره يَقُول : هُوَ إِدْرِيس ; وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود . 10528 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عُبَيْدَة بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : إِدْرِيس : هُوَ إِلْيَاس , وَإِسْرَائِيل : هُوَ يَعْقُوب . وَأَمَّا أَهْل الْأَنْسَاب فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِدْرِيس جَدّ نُوح بْن لمك بْن متوشلخ بْن أخنوخ ; وأخنوخ : هُوَ إِدْرِيس بْن يرد بْن مهلائيل . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه . وَاَلَّذِي يَقُول أَهْل الْأَنْسَاب أَشْبَه بِالصَّوَابِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى نَسَبَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَة إِلَى نُوح وَجَعَلَهُ مِنْ ذُرِّيَّته ; وَنُوح : اِبْن إِدْرِيس عِنْد أَهْل الْعِلْم , فَمُحَال أَنْ يَكُون جَدّ أَبِيهِ مَنْسُوبًا إِلَى أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّته . وَقَوْله : { كُلّ مِنْ الصَّالِحِينَ } يَقُول : مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّالِحِينَ , يَعْنِي : زَكَرِيَّا , وَيَحْيَى , وَعِيسَى , وَإِلْيَاس صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاس كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهَدَيْنَا أَيْضًا لِمِثْلِ الَّذِي هَدَيْنَا لَهُ نُوحًا مِنْ الْهُدَى وَالرَّشَاد مِنْ ذُرِّيَّته زَكَرِيَّا بْن أزن بْن بركيا وَيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم اِبْنَة عِمْرَان بْن أشيم بْن أُمُور بْن حزقيا , وَإِلْيَاس . وَاخْتَلَفُوا فِي إِلْيَاس , فَكَانَ اِبْن إِسْحَاق يَقُول : هُوَ إِلْيَاس بْن يسى بْن فنحاص بْن العيزار بْن هَارُون بْن عِمْرَان اِبْن أَخِي مُوسَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ غَيْره يَقُول : هُوَ إِدْرِيس ; وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود . 10528 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عُبَيْدَة بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : إِدْرِيس : هُوَ إِلْيَاس , وَإِسْرَائِيل : هُوَ يَعْقُوب . وَأَمَّا أَهْل الْأَنْسَاب فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِدْرِيس جَدّ نُوح بْن لمك بْن متوشلخ بْن أخنوخ ; وأخنوخ : هُوَ إِدْرِيس بْن يرد بْن مهلائيل . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه . وَاَلَّذِي يَقُول أَهْل الْأَنْسَاب أَشْبَه بِالصَّوَابِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى نَسَبَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَة إِلَى نُوح وَجَعَلَهُ مِنْ ذُرِّيَّته ; وَنُوح : اِبْن إِدْرِيس عِنْد أَهْل الْعِلْم , فَمُحَال أَنْ يَكُون جَدّ أَبِيهِ مَنْسُوبًا إِلَى أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّته . وَقَوْله : { كُلّ مِنْ الصَّالِحِينَ } يَقُول : مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّالِحِينَ , يَعْنِي : زَكَرِيَّا , وَيَحْيَى , وَعِيسَى , وَإِلْيَاس صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { ووهبنا له إسحاق ويعقوب} أي جزاء له على الاحتجاج في الذين وبذل النفس فيه. { كلا هدينا} أي كل واحد منهم مهتد. و { كلا} نصب بـ { هدينا} { ونوحا} نصب بـ { هدينا} الثاني. { ومن ذريته} أي ذرية إبراهيم. وقيل : من ذرية نوح؛ قاله الفراء واختاره الطبري وغير واحد من المفسرين كالقشيري وابن عطية وغيرهما. والأول قاله الزجاج، واعترض بأنه عد من هذه الذرية يونس ولوط وما كانا من ذرية إبراهيم. وكان لوط ابن أخيه. وقيل : ابن أخته. وقال ابن عباس : هؤلاء الأنبياء جميعا مضافون إلى ذرية إبراهيم، وإن كان فيهم من لم تلحقه ولادة من جهته من جهة أب ولا أم؛ لأن لوطا ابن أخي إبراهيم. والعرب تجعل العم أبا كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا { نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة : 133]. وإسماعيل عم يعقوب. وعد عيسى من ذرية إبراهيم وإنما هو ابن البنت. فأولاد فاطمة رضي الله عنها ذرية النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا تمسك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد وهي: الثانية: قال أبو حنيفة والشافعي : من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنات. والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم. ويسقط عنده ابن العم والعمة وابن الخال والخالة؛ لأنهم ليسوا بمحرمين. وقال الشافعي : القرابة كل ذي رحم محرم وغيره. فلم يسقط عنده ابن العم ولا غيره. وقال مالك : لا يدخل في ذلك ولد البنات. وقول : لقرابتي وعقبي كقول : لولدي وولد ولدي. يدخل في ذلك ولد البنين ومن يرجع إلى عصبة الأب وصلبه، ولا يدخل في ذلك ولد البنات. وقد تقدم نحو هذا عن الشافعي في { آل عمران} . والحجة لهما قول سبحانه { يوصيكم الله في أولادكم} [النساء : 11] فلم يعقل المسلمون من ظاهر الآية إلا ولد الصلب وولد الابن خاصة. وقال تعالى { وللرسول ولذي القربى} [الأنفال : 41] فأعطى عليه السلام القرابة منهم من أعمامه دون بني أخواله. فكذلك ولد البنات لا ينتمون إليه بالنسب، ولا يلتقون معه في أب. قال ابن القصار : وحجة من أدخل البنات في الأقارب قوله عليه السلام للحسن بن علي (إن ابني هذا سيد). ولا نعلم أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات إنهم ولد لأبي أمهم. والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن الولد مشتق من التولد وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة؛ والتولد من جهة الأم كالتولد من جهة الأب. وقد دل القرآن على ذلك، قال الله تعالى { ومن ذريته داود} إلى قوله { من الصالحين} فجعل عيسى من ذريته وهو ابن ابنته. الثالثة: قد تقدم في سورة (النساء) بيان ما لا ينصرف من هذه الأسماء. ولم ينصرف داود لأنه اسم أعجمي، ولما كان على فاعول لا يحسن فيه الألف واللام لم ينصرف. وإلياس أعجمي. قال الضحاك : كان إلياس من ولد إسماعيل. وذكر القتبي قال : كان من سبط يوشع بن نون. وقرأ الأعرج والحسن وقتادة { والياس} بوصل الألف. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم { واليسع} بلام مخففة. وقرأ الكوفيون إلا عاصما { والليسع} . وكذا قرأ الكسائي، ورد قراءة من قرأ { واليسع} قال : لأنه لا يقال اليفعل مثل اليحيى. قال النحاس : وهذا الرد لا يلزم، والعرب تقول : اليعمل واليحمد، ولو نكرت يحيى لقلت اليحيى. ورد أبو حاتم على من قرأ { الليسع} وقال : لا يوجد ليسع. وقال النحاس : وهذا الرد لا يلزم، فقد جاء في كلام العرب حيدر وزينب، والحق في هذا أنه اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس إنما تؤخذ سماعا والعرب تغيرها كثيرا، فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين. قال مكي : من قرأ بلامين فأصل الاسم ليسع، ثم دخلت الألف واللام للتعريف. ولو كان أصله يسع ما دخلته الألف واللام؛ إذ لا يدخلان على يزيد ويشكر : اسمين لرجلين؛ لأنهما معرفتان علمان. فأما { ليسع} نكرة فتدخله الألف واللام للتعريف، والقراءة بلام واحدة أحب إلي؛ لأن أكثر القراء عليه. وقال المهدوي : من قرأ { اليسع} بلام واحدة فالاسم يسع، ودخلت الألف واللام زائدتين، كزيادتهما في نحو الخمسة عشر، وفي نحو قوله : وجدنا اليزيد بن الوليد مباركا ** شديدا بأعباء الخلافة كأهله وقد زادوها في الفعل المضارع نحو قوله : فيستخرج اليربوع من نافقائه ** ومن بيته بالشيخة اليتقصع يريد الذي يتقصع. قال القشيري : قرئ بتخفيف اللام والتشديد. والمعنى واحد في أنه اسم لنبي معروف؛ مثل إسماعيل إبراهيم، ولكن خرج عما عليه الأسماء الأعجمية بإدخال الألف واللام. وتوهم قوم أن اليسع هو إلياس، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر. وقال وهب : اليسع هو صاحب إلياس، وكانا قبل زكريا ويحيى وعيسى. وقيل : إلياس هو إدريس وهذا غير صحيح لأن إدريس جد نوج وإلياس من ذريته. وقيل : إلياس هو الخضر. وقيل : لا، بل اليسع هو الخضر. و { لوطا} اسم أعجمي انصرف لخفته. وسيأتي اشتقاقه في { الأعراف} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 82 - 88

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }

ولم يأت الحق بالثمانية عشر نبياً متتابعين بل قسمهم بحكمة، فيقول:

{ وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ }

ولا يقتصر الأمر على هؤلاء بل يقول سبحانه:

{ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }

وأنت إن نظرت إلى هؤلاء الثمانية عشر نبياً المذكورين هنا، ستجد أنهم من الخمسة والعشرين رسولاً الذين أمرنا بالإيمان بهم تفصيلا. وقد جمعوا في قول الناظم:
في تلك حجتنا منهم ثمانية   من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود شعيب صالح وكذا   ذو الكفل آدم بالمختار وقد ختموا
والحق سبحانه وتعالى لم يجعل من الأنبياء ملوكا إلا اثنين: داود وسليمان حتى يعطينا فكرة أن الله إذا أراد أن يقهر خلقاً على شيء لا يقدر عليه أحد يبعث مَلِكاً رسولاً؛ لأن المَلِك لا يقدر عليه عبد لأنَّ القدرة معه، والمجتمع آنذاك كان في حاجة إلى ملك يدير أمره ويضبط شأنه، وسبحانه لا يريد الإيمان بالقوة والخوف والرهبوت إنما يريده بالاختيار، ولذلك جعل أغلب الأنبياء ليسوا ملوكاً.

وفي الحديث " أفملكا نبيا يجعلك أو عبداً رسولاً " فاختار أن يكون عبدا رسولا؛ لأن الملك يأتي بسلطانه وبماله، وقد يطغى.

وأراد الحق أن يكون سليمان وداود من الأنبياء وهما ملكان، وتتمثل فيهما القدرة وسعة الملك والسلطان. أمّا أيوب فقد أخذ زاوية أخرى من الزوايا وهي الابتلاء والصبر مع النبوة، وكل نبي فيه قدر مشترك من النبوة، وفيه تميّز شخصي. وكذلك يوسف أخذ الابتلاء أولاً، ثم أخذ الملك والسلطان في النهاية. وموسى وهارون أخذ شهرة الاتْبَاع، ونكاد لا نعرف من الأديان إلا اليهودية والنصرانية، أما زكريا ويحيى وعيسى وإلياس فقد أخذوا ملكة الزهد.

وأما إسماعيل واليسع ويونس ولوطاً فقد أخذوا ما زخرت به حياتهم من عظيم الفعال وكريم الخصال والسلوك القويم والقدوة الطيبة وبقي لهم الذكر الحسن.

إذن فهناك زوايا متعددة للأنبياء.

وعندما وقف العلماء عند " عيسى " هل يدخل في ذريتهم، وجدوا من يستنبط ويقول: من ذريتهم من ناحية الأم.
وإنما أمهات القوم أوعية   مستحدثات وللأحساب آباء.
والعنصر البشري في عيسى هو الأم. وبمثل هذا احتج أبو جعفر محمد الباقر أمام الحجاج حين قال له: أنتم تدعون أنكم من آل رسول الله ومن نسله، مع أن رسول الله ليس له ذرية!

قال له الإمام الباقر رضي الله عنه: كأنك لم تقرأ القرآن.

قال له: وأي شيء في القرآن؟

قال اقرأ: " ومن ذريته..... " إلى أن تقرأ: " وعيسى " فعيسى من ذرية نوح، من أب أَم من أُمّ؟.

قال له: من أُمّ. فقال له: نحن كذلك من ذرية محمد صلى الله عليه وسلم.

ويقول الحق من بعد ذلك: { ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ... }


www.alro7.net