سورة
اية:

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم حين جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول أنه قال: { أتحاجوني في اللّه وقد هداني} أي أتجادلونني في أمر اللّه وأنه لا إله إلا هو، وقد بصّرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه، فكيف التفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة؟ وقوله: { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً} أي ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئاً وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها كيد فكيدوني بها ولا تنظرون بل عاجلوني بذلك، وقوله تعالى: { إلا أن يشاء ربي شيئاً} ، استثناء منقطع أي لا يضر ولا ينفع إلا اللّه عزَّ وجلَّ { وسع ربي كل شيء علماً} أي أحاط علمه بجميع الأشياء فلا تخفى عليه خافية، { أفلا تتذكرون} أي فيما بينته لكم، أفلا تعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها؟ وهذه الحجة نظير ما احتج بها نبي اللّه هود عليه السلام على قومه عاد فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول: { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد اللّه واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على اللّه ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} الآية، وقوله: { وكيف أخاف ما أشركتم} أي كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها من دون اللّه { ولا تخافون أنكم أشركتم باللّه ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} ، قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي حجة، وهذا كقوله تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه} . وقوله تعالى: { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان} ، وقوله: { فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} أي فأيّ طائفتين أصوب، الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر ولا ينفع بلا دليل؟ أيهما أحق بالأمن من عذاب اللّه يوم القيامة المؤمن أم المشرك؟ قال اللّه تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة للّه وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئاً هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة. عن عبد اللّه بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول اللّه أينا لا يظلم نفسه؟ قال: (إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: { يا بني لا تشرك باللّه إن الشرك لظلم عظيم} إنما هو الشرك) ""رواه أحمد وابن أبي حاتم، وأخرجه البخاري بلفظ: شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم "". وفي رواية لما نزلت: { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ليس كما تظنون إنما هي كما قال العبد الصالح لإبنه: { يا بني لا تشرك باللّه إن الشرك لظلم عظيم} )، وفي لفظ قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (ليس بالذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: { إن الشرك لظلم عظيم} إنما هو الشرك) ولابن أبي حاتم عن عبد اللّه مرفوعاً قال: { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال: (بشرك) ""وروي عن أبي بكر وعمر وأبي بن كعب وحذيفة وابن عمر وعكرمة والضحّاك وقتادة والسدي"". وعن عبد اللّه قال: لما نزلت: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (قيل لي أنت منهم) وقال الإمام أحمد، حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب عن زاذان عن جرير بن عبد اللّه قال: خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (كأن هذا الراكب إياكم يريد ) فانتهى إلينا الرجل، فسلم فرددنا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أين أقبلت؟ قال: من أهلي وولدي وعشيرتي قال: فأين تريد؟ قال: أريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: فقد أصبته قال: يا رسول اللّه علمني ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت قال: قد أقررت، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في جحر جرذان فهوى بعيره، وهوى الرجل فوقع على هامته فمات. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عليَّ بالرجل ، فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول اللّه قبض الرجل، قال: فأعرض عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم قال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعاً ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هذا من الذين قال اللّه عزَّ وجلَّ فيهم: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} الآية، ثم قال: دونكم أخاكم فاحتملناه إلى الماء فغسلناه وحنطناه وكفناه وحملناه إلى القبر، فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى جلس على شفير القبر، فقال: ألحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا)، وفي بعض الروايات هذا ممن عمل قليلاً وأجر كثيراً. وروى ابن مردويه عن عبد اللّه بن سخبرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (من أعطي فشكر ومنع فصبر وظَلَم فاستغفر وظُلِم فغفر) وسكت قال: فقالوا: يا رسول اللّه ما له؟ قال: { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} في اللباب: أخرج ابن أبي حاتم: حمل رجل من العدو على المسلمين، فقتل رجلاً ثم حمل فقتل آخر، ثم حمل فقتل آخر، ثم قال: أينفعني الإسلام بعد هذا؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نعم ، فضرب فرسه، فدخل فيهم، ثم حمل على أصحابه فقتل رجلاً ثم آخر ثم آخر، ثم قُتل. فيرون أن هذه الآية { الذين آمنوا...} نزلت فيه .وقوله: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} أي وجهنا حجته عليهم. قال مجاهد وغيره يعني بذلك قوله: { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم باللّه ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن} الآية. وقد صدقه اللّه وحكم له بالأمن والهداية فقال: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ، ثم قال بعد ذلك كله: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} قرىء بالإضافة وبلا إضافة، وكلاهما قريب في المعنى. وقوله: { إن ربك حكيم عليم} أي حكيم في أقواله وأفعاله، عليم: أي بمن يهديه ومن يضله وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} ، ولهذا قال ههنا: { إن ربك حكيم عليم} .

تفسير الجلالين

{ وتلك } مبتدأ ويبدل منه { حجتنا } التي احتج بها إبراهيم على وحدانية الله من أفول الكوكب وما بعده والخبر { آتيناها إبراهيم } أرشدناه لها حجة { على قومه نرفع درجات من نشاء } بالإضافة والتنوين في العلم والحكمة { إن ربك حكيم } في صنعه { عليم } بخلقه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء إِنَّ رَبَّك حَكِيم عَلِيم } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } قَوْل إِبْرَاهِيم لِمُخَاصِمِيهِ مِنْ قَوْمه الْمُشْرِكِينَ : أَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالْأَمْنِ , أَمَنْ يَعْبُد رَبًّا وَاحِدًا مُخْلِصًا لَهُ الدِّين وَالْعِبَادَة أَمْ مَنْ يَعْبُد أَرْبَابًا كَثِيرَة ؟ وَإِجَابَتهمْ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِمْ : بَلْ مَنْ يَعْبُد رَبًّا وَاحِدًا أَحَقّ بِالْأَمْنِ ; وَقَضَاؤُهُمْ لَهُ عَلَى أَنْفُسهمْ , فَكَانَ فِي ذَلِكَ قَطْع عُذْرهمْ وَانْقِطَاع حُجَّتهمْ وَاسْتِعْلَاء حُجَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمْ , فَهِيَ الْحُجَّة الَّتِي آتَاهَا اللَّه إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه ; كَاَلَّذِي : 10526 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه } قَالَ : هِيَ { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ } . 10527 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيم حِين سَأَلَ : أَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالْأَمْنِ ؟ قَالَ : هِيَ حُجَّة إِبْرَاهِيم . وَقَوْله : { وَآتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه } يَقُول : لَقَّنَّاهَا إِبْرَاهِيم وَبَصَّرْنَاهُ إِيَّاهَا وَعَرَّفْنَاهُ عَلَى قَوْمه . { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } بِإِضَافَةِ الدَّرَجَات إِلَى مَنْ , بِمَعْنَى : نَرْفَع الدَّرَجَات لِمَنْ نَشَاء . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } بِتَنْوِينِ " الدَّرَجَات " , بِمَعْنَى نَرْفَع مَنْ نَشَاء دَرَجَات . وَالدَّرَجَات : جَمْع دَرَجَة وَهِيَ الْمَرْتَبَة , وَأَصْل ذَلِكَ مَرَاقِي السُّلَّم وَدَرَجه , ثُمَّ تُسْتَعْمَل فِي اِرْتِفَاع الْمَنَازِل وَالْمَرَاتِب . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : هُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء مُتَقَارِب مَعْنَاهُمَا ; وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رُفِعَتْ دَرَجَته فَقَدْ رُفِعَ فِي الدَّرَج . وَمَنْ رُفِعَ فِي الدَّرَج فَقَدْ رُفِعَتْ دَرَجَته , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : وَتِلْكَ حُجَّتنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه فَرَفَعْنَا بِهَا دَرَجَته عَلَيْهِمْ وَشَرَّفْنَاهُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَآتَيْنَاهُ فِيهَا أَجْره , وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَهُوَ مِنْ الصَّالِحِينَ , { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } أَيْ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْره . وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّ رَبّك حَكِيم عَلِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِنَّ رَبَّك يَا مُحَمَّد حَكِيم فِي سِيَاسَته خَلْقه وَتَلْقِينهُ أَنْبِيَاءَهُ الْحُجَج عَلَى أُمَمهمْ الْمُكَذِّبَة لَهُمْ الْجَاحِدَة تَوْحِيد رَبّهمْ , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيره , عَلِيم بِمَا يَئُول إِلَيْهِ أَمْر رُسُله , وَالْمُرْسَل إِلَيْهِمْ مِنْ ثَبَات الْأُمَم عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُمْ وَهَلَاكهمْ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَابَتهمْ وَتَوْبَتهمْ مِنْهُ بِتَوْحِيدِ اللَّه تَعَالَى وَتَصْدِيق رُسُله وَالرُّجُوع إِلَى طَاعَته , يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَأَسَّ يَا مُحَمَّد فِي نَفْسك وَقَوْمك الْمُكَذِّبِيكَ وَالْمُشْرِكِينَ بِأَبِيك خَلِيلِي إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَنُوبك مِنْهُمْ صَبْره , فَإِنِّي بِاَلَّذِي يَئُول إِلَيْهِ أَمْرك وَأَمْرهمْ عَالِم التَّدْبِير فِيك وَفِيهِمْ حَكِيم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء إِنَّ رَبَّك حَكِيم عَلِيم } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا } قَوْل إِبْرَاهِيم لِمُخَاصِمِيهِ مِنْ قَوْمه الْمُشْرِكِينَ : أَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالْأَمْنِ , أَمَنْ يَعْبُد رَبًّا وَاحِدًا مُخْلِصًا لَهُ الدِّين وَالْعِبَادَة أَمْ مَنْ يَعْبُد أَرْبَابًا كَثِيرَة ؟ وَإِجَابَتهمْ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِمْ : بَلْ مَنْ يَعْبُد رَبًّا وَاحِدًا أَحَقّ بِالْأَمْنِ ; وَقَضَاؤُهُمْ لَهُ عَلَى أَنْفُسهمْ , فَكَانَ فِي ذَلِكَ قَطْع عُذْرهمْ وَانْقِطَاع حُجَّتهمْ وَاسْتِعْلَاء حُجَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمْ , فَهِيَ الْحُجَّة الَّتِي آتَاهَا اللَّه إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه ; كَاَلَّذِي : 10526 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه } قَالَ : هِيَ { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانهمْ بِظُلْمٍ } . 10527 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيم حِين سَأَلَ : أَيّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقّ بِالْأَمْنِ ؟ قَالَ : هِيَ حُجَّة إِبْرَاهِيم . وَقَوْله : { وَآتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه } يَقُول : لَقَّنَّاهَا إِبْرَاهِيم وَبَصَّرْنَاهُ إِيَّاهَا وَعَرَّفْنَاهُ عَلَى قَوْمه . { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْبَصْرَة : { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } بِإِضَافَةِ الدَّرَجَات إِلَى مَنْ , بِمَعْنَى : نَرْفَع الدَّرَجَات لِمَنْ نَشَاء . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } بِتَنْوِينِ " الدَّرَجَات " , بِمَعْنَى نَرْفَع مَنْ نَشَاء دَرَجَات . وَالدَّرَجَات : جَمْع دَرَجَة وَهِيَ الْمَرْتَبَة , وَأَصْل ذَلِكَ مَرَاقِي السُّلَّم وَدَرَجه , ثُمَّ تُسْتَعْمَل فِي اِرْتِفَاع الْمَنَازِل وَالْمَرَاتِب . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : هُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء مُتَقَارِب مَعْنَاهُمَا ; وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رُفِعَتْ دَرَجَته فَقَدْ رُفِعَ فِي الدَّرَج . وَمَنْ رُفِعَ فِي الدَّرَج فَقَدْ رُفِعَتْ دَرَجَته , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : وَتِلْكَ حُجَّتنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيم عَلَى قَوْمه فَرَفَعْنَا بِهَا دَرَجَته عَلَيْهِمْ وَشَرَّفْنَاهُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ; فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَآتَيْنَاهُ فِيهَا أَجْره , وَأَمَّا فِي الْآخِرَة فَهُوَ مِنْ الصَّالِحِينَ , { نَرْفَع دَرَجَات مَنْ نَشَاء } أَيْ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْره . وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّ رَبّك حَكِيم عَلِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِنَّ رَبَّك يَا مُحَمَّد حَكِيم فِي سِيَاسَته خَلْقه وَتَلْقِينهُ أَنْبِيَاءَهُ الْحُجَج عَلَى أُمَمهمْ الْمُكَذِّبَة لَهُمْ الْجَاحِدَة تَوْحِيد رَبّهمْ , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيره , عَلِيم بِمَا يَئُول إِلَيْهِ أَمْر رُسُله , وَالْمُرْسَل إِلَيْهِمْ مِنْ ثَبَات الْأُمَم عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُمْ وَهَلَاكهمْ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَابَتهمْ وَتَوْبَتهمْ مِنْهُ بِتَوْحِيدِ اللَّه تَعَالَى وَتَصْدِيق رُسُله وَالرُّجُوع إِلَى طَاعَته , يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَأَسَّ يَا مُحَمَّد فِي نَفْسك وَقَوْمك الْمُكَذِّبِيكَ وَالْمُشْرِكِينَ بِأَبِيك خَلِيلِي إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَنُوبك مِنْهُمْ صَبْره , فَإِنِّي بِاَلَّذِي يَئُول إِلَيْهِ أَمْرك وَأَمْرهمْ عَالِم التَّدْبِير فِيك وَفِيهِمْ حَكِيم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم} تلك إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة. وقال مجاهد : هي قوله { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} . وقيل : حجته عليهم أنهم لما قالوا له : أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لسبك إياها؟ قال لهم : أفلا تخافون أنتم منها إذ سويتم بين الصغير والكبير في العبادة والتعظيم؛ فيغضب الكبير فيخبلكم؟. { نرفع درجات من نشاء} أي بالعلم والفهم والإمامة والملك. وقرأ الكوفيون { درجات} بالتنوين. ومثله في { يوسف} أوقعوا الفعل على { من} لأنه المرفوع في الحقيقة، التقدير : ونرفع من نشاء إلى درجات. ثم حذفت إلى. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو بغير تنوين على الإضافة، والفعل واقع على الدرجات، إذا رفعت فقد رفع صاحبها. يقوي هذه القراءة قوله تعالى { رفيع الدرجات} [غافر : 15] وقوله عليه السلام { اللهم ارفع درجته} . فأضاف الرفع إلى الدرجات. وهو لا إله إلا هو الرفيع المتعالي في شرفه وفضله. فالقراءتان متقاربتان؛ لأن من رفعت درجاته فقد رفع، ومن رفع فقد رفعت درجاته، فاعلم. { إن ربك حكيم عليم} يضع كل شيء موضعه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 82 - 88

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحجة هي البرهان القائم لإثبات القضية المطلوب إثباتها. وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد منا حين نحاجج أن تكون لنا غاية في الحجاج، ونحن نعلم أن الغاية في الحجاج إن تعدت موضوع الحجاج نفياً أو إثباتاً فهي تهريج، وينحصر الأمر في أنك تريد الانتصار على خصمك وأن يحاول خصمك الانتصار عليك، لكن عليك إذا ما دخلت الحجاج أن تجعل الغاية الأصلية هي الأساس، وكما يقولون تحديد وبيان محل النزاع؛ لأن الحق لا بد أن يكون أعزّ منك ومن خصمك عندك، ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى يوضح: إياكم أن تتناظروا في قضية تناظراً جماهيرياً، لماذا؟ لأن الصوت الجماهيري يلتبس فيه الحق مع الباطل، والله سبحانه وتعالى يريد من كل صوت أن يكون محسوباً على صاحبه، ومثال ذلك عندما يقوم تظاهر كبير ويهتف فيه بسقوط أحد لا يتعرف أحد على من بدأ الهتاف.

والذي جعل العرب يخسرون أنهم حين استقبلوا الدعوة كانوا يعقدون اجتماعات جماهيرية، ينقدون فيها أقوال رسول الله فتاهت منهم القدرة على الحكم الموضوعي.

ولذلك يقول ربنا:
{  قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ }
[سبأ: 46].

أي أن تجتمعوا وفي وجهتكم الله، ومن عنده قوة فليناقش بالحجة أقوال رسول الله موضوعاً، وتاريخاً، ومنطقاً. ولا يمكن أن يجتمع اثنان ليبحثا مسألة وفي بالهما الله فقط - إلا وينتهيان فيها إلى رأي موحد. ولذلك جاء التفاوض السري في العصر الحديث مستمداً من تلك القاعدة الإيمانية.

{ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } [الأنعام: 83].

وأول قوم إبراهيم أبوه آزر، إنه حاجّهم في الكواكب والقمر والشمس والتماثيل، وبعد ذلك انتصر بالحجة على كبيرهم وهو الملك أو السلطان، وهو النمروذ حين أراد أن يناظره في قوة الإحياء والإماتة.

ويريد الحق أن نتعلم من حكمة سيدنا إبراهيم، إنك إذا رأيت خصمك يدخل فيما لا يمكن أن ينتهي فيه الجدل فانقله إلى المستوى الذي لا يستطيع منه خلاصا ولا فكاكا، فلا يغلبك؛ فالملك النمروذ قال له:
{  أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ }
[البقرة: 258].

وكان باستطاعة سيدنا إبراهيم أن يقول: أنت لا تميت بل تقتل، والقتل غير الموت؛ لأنك تنقض البنية، لكنه لم يرد أن يطيل الجدل، وأراد أن يكون الجدل مقتضباً، ويسقطه على الحجة ويلزمه بها من أقصر طريق، فقال الله:
{  قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ }
[البقرة: 258].

فماذا كانت نتيجة الجدل؟ يقول الله سبحانه:
{  فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ }
[البقرة: 258].

وكل هذه حجج يوضحها قول الله سبحانه: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } [الأنعام: 83]

لقد أعطى الله سبحانه إبراهيم الحجة على قومه، أي كانت له عليهم درجات وسمو وارتفاع؛ لأن إقامة الحجة على الغير انتصار، والانتصار رفع لدرجة موضوعك، ورفع أيضا لموضوع عملك.وسبحانه لا يشاء إلا عن حكمة، ولا يشاء إلا عن علم؛ لأنه إن أطلقنا المشيئة لواحد من البشر فقد يفعل الفعل بدون حكمة وبدون علم، أما الحق فينبئنا بأن مشيئته هي عن حكمة وعلم لصالح الخلق؛ لأن مشيئته مبنية لا على هوى، ولا على نفع من أحد، فالله سبحانه له كل صفات الكمال والجلال والجمال قبل أن يخلق الخلق.

إن خَلْق الخلق وإيمانهم لا يزيد في ملك الله، وإن عصوا لا ينقص من ملك الله شيء، ولكن الحكمة قد تفوت عن بعض الخلق فلا يهتدون إليها، وسبحانه حين يجري أمراً على خلقه ثم يقبلونه وإن لم يعلموا علته يريهم جل وعلا الحكمة في الفعل الذي كان غير مقبول لهم؛ لأنه سبحانه خلق الخلق ويعلم أزلاً أن للخلق أهواء ومرادات، ولو أعطى كل مخلوق مراده لأعطاء على حساب غيره، والحق سبحانه عادل فلا ينفع واحداً ويتعب الآخر.

والحق بحكمته يعلم ما يصلح أمر خلقه، فلا يستجيب لدعوة حمقاء من عبد، فبسحانه يعلم أنه ليس في صالح العبد أن يلبي له هذا الطلب. ولذلك يقول الحق:
{  وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }
[الإسراء: 11].

إن العبد يقول: يا رب اصنع لي كذا، يسّر لي هذا الأمر، وهو خير في عرفه، وقد يكون هو الشر؛ لأن الإنسان عجول. لذلك يقول سبحانه:
{  سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ }
[الأنبياء: 37].

إن الحق جل وعلا يضبط مرادات الخلق؛ فالصالح يجريه عليهم.

{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } وكلمة " رب " حينما ترد لا بد أن نفهم منها معنى الخلق والتربية، وساعة تأتي كلمة " الألوهية " فلنعلم أنها للتكليف؛ لأن الله هو المعبود المطاع إن أمر أو نهى، ولكن الرب هو من خلق وربَّى، وتعهد، وأعطاك مقومات حياتك. إذن عطاء الربوبية شيء، وعطاء الألوهية شيء آخر، وعطاء الربوبية يأخذه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي؛ لأن الله هو الذي استدعاهم للوجود، وجعل الكون مسخراً لهم، لكن عطاء الألوهية يتمثل في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، وهذا يدخل في منطقة الاختيار. فالذي يكفر بالله ويحسن الأخذ بالأسباب يأخذ نتائجها، ومن يؤمن بالله ولا يحسن الأخذ بالأسباب لا يأخذ النتائج؛ لأن الاستنباط في الكون من عطاء الربوبية.

ويقول الحق: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ... }


www.alro7.net