سورة
اية:

يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ

تفسير بن كثير

يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم يأوون إليها، ويستترون بها وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع. وجعل لهم أيضاً من جلود الأنعام بيوتاً، أي من الأدم يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر. ولهذا قال: { تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها} أي الغنم، { وأوبارها} أي الإبل، { وأشعارها} أي المعز، والضمير عائد على الأنعام { أثاثا} أي تتخذون منه أثاثاً، وهو المال وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعم من هذا كله فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالاً وتجارة. وقوله: { إلى حين} أي إلى أجل مسمى ووقت معلوم. وقوله: { والله جعل لكم مما خلق ظلالا} ، قال قتادة يعني الشجر { وجعل لكم من الجبال أكنانا} أي حصوناً ومعاقل كما { جعل لكم سرابيل تقيكم الحر} وهي الثياب من القطن والكتان والصوف { وسرابيل تقيكم بأسكم} كالدروع من الحديث المصفح والزرد وغير ذلك، { كذلك يتم نعمته عليكم} أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه ليكون عوناً لكم على طاعته وعبادته، { لعلكم تسلمون} أي من الإسلام، وقوله: { فإن تولوا} أي بعد هذا البيان وهذا الامتنان فلا عليك منهم، { فإنما عليك البلاغ المبين} وقد أديته إليهم، { يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها} أي يعرفون أن اللّه تعالى هو المسدي إليهم ذلك وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره ويسندون النصر والرزق إلى غيره { وأكثرهم الكافرون} ، عن مجاهد أن أعرابيًّا أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فسأله فقرأ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { واللّه جعل لكم من بيوتكم سكنا} فقال الأعرابي: نعم، قال: { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} . الآية، قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك، يقول الأعرابي: نعم، حتى بلغ: { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} فولَّى الأعرابي، فأنزل اللّه: { يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها} ""أخرجه ابن أبي حاتم"".

تفسير الجلالين

{ يعرفون نعمة الله } أي يقرّون بأنها من عنده { ثم ينكرونها } بإشراكهم { وأكثرهم الكافرون } .

تفسير الطبري

وَأَمَّا قَوْله : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى بِالنِّعْمَةِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَهَا مَعَ مَعْرِفَتهمْ بِهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفُوا نُبُوَّته ثُمَّ جَحَدُوهَا وَكَذَّبُوهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16483 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } قَالَ : مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ مَا عَدَّدَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ النِّعَم مِنْ عِنْد اللَّه , وَأَنَّ اللَّه هُوَ الْمُنْعِم بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ , فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَنْ آبَائِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16484 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } قَالَ : هِيَ الْمَسَاكِن وَالْأَنْعَام وَمَا يُرْزَقُونَ مِنْهَا , وَالسَّرَابِيل مِنْ الْحَدِيد وَالثِّيَاب , تَعْرِف هَذَا كُفَّار قُرَيْش , ثُمَّ تُنْكِرهُ بِأَنْ تَقُول : هَذَا كَانَ لِآبَائِنَا , فَرَوَّحُونَا إِيَّاهُ . 16485 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَوَرَّثُونَا إِيَّاهَا . وَزَادَ فِي الْحَدِيث عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه خَلَقَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ مَا أَعْطَاهُمْ , فَهُوَ مَعْرِفَتهمْ نِعْمَته ثُمَّ إِنْكَارهمْ إِيَّاهَا كُفْرهمْ بَعْد . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 16486 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيّ , عَنْ لَيْث , عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } قَالَ : إِنْكَارهمْ إِيَّاهَا , أَنْ يَقُول الرَّجُل : لَوْلَا فُلَان مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا , وَلَوْلَا فُلَان مَا أَصَبْت كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّار إِذَا قِيلَ لَهُمْ : مَنْ رَزَقَكُمْ ؟ أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي رَزَقَهُمْ , ثُمَّ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : رَزَقَنَا ذَلِكَ بِشَفَاعَةِ آلِهَتنَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَههَا بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي قَوْله { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه } النِّعْمَة عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ دَاعِيًا إِلَى مَا بَعَثَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَيْهِ . وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة بَيْن آيَتَيْنِ كِلْتَاهُمَا خَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّا بُعِثَ بِهِ , فَأَوْلَى مَا بَيْنهمَا أَنْ يَكُون فِي مَعْنَى مَا قَبْله وَمَا بَعْده , إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى يَدُلّ عَلَى اِنْصِرَافه عَمَّا قَبْله وَعَمَّا بَعْده ; فَاَلَّذِي قَبْل هَذِهِ الْآيَة قَوْله : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ الْمُبِين يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } وَمَا بَعْده : { وَيَوْم نَبْعَث مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } وَهُوَ رَسُولهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْنَى الْآيَة : يَعْرِف هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّد بِك , ثُمَّ يُنْكِرُونَك وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتك .وَأَمَّا قَوْله : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى بِالنِّعْمَةِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَهَا مَعَ مَعْرِفَتهمْ بِهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفُوا نُبُوَّته ثُمَّ جَحَدُوهَا وَكَذَّبُوهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16483 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } قَالَ : مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ مَا عَدَّدَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ النِّعَم مِنْ عِنْد اللَّه , وَأَنَّ اللَّه هُوَ الْمُنْعِم بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ , فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ وَرِثُوهُ عَنْ آبَائِهِمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16484 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } قَالَ : هِيَ الْمَسَاكِن وَالْأَنْعَام وَمَا يُرْزَقُونَ مِنْهَا , وَالسَّرَابِيل مِنْ الْحَدِيد وَالثِّيَاب , تَعْرِف هَذَا كُفَّار قُرَيْش , ثُمَّ تُنْكِرهُ بِأَنْ تَقُول : هَذَا كَانَ لِآبَائِنَا , فَرَوَّحُونَا إِيَّاهُ . 16485 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَوَرَّثُونَا إِيَّاهَا . وَزَادَ فِي الْحَدِيث عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير : يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه خَلَقَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ مَا أَعْطَاهُمْ , فَهُوَ مَعْرِفَتهمْ نِعْمَته ثُمَّ إِنْكَارهمْ إِيَّاهَا كُفْرهمْ بَعْد . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 16486 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْفَزَارِيّ , عَنْ لَيْث , عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة : { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } قَالَ : إِنْكَارهمْ إِيَّاهَا , أَنْ يَقُول الرَّجُل : لَوْلَا فُلَان مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا , وَلَوْلَا فُلَان مَا أَصَبْت كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّار إِذَا قِيلَ لَهُمْ : مَنْ رَزَقَكُمْ ؟ أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي رَزَقَهُمْ , ثُمَّ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : رَزَقَنَا ذَلِكَ بِشَفَاعَةِ آلِهَتنَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَههَا بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي قَوْله { يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه } النِّعْمَة عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ دَاعِيًا إِلَى مَا بَعَثَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَيْهِ . وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة بَيْن آيَتَيْنِ كِلْتَاهُمَا خَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّا بُعِثَ بِهِ , فَأَوْلَى مَا بَيْنهمَا أَنْ يَكُون فِي مَعْنَى مَا قَبْله وَمَا بَعْده , إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى يَدُلّ عَلَى اِنْصِرَافه عَمَّا قَبْله وَعَمَّا بَعْده ; فَاَلَّذِي قَبْل هَذِهِ الْآيَة قَوْله : { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ الْمُبِين يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } وَمَا بَعْده : { وَيَوْم نَبْعَث مِنْ كُلّ أُمَّة شَهِيدًا } وَهُوَ رَسُولهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْنَى الْآيَة : يَعْرِف هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّد بِك , ثُمَّ يُنْكِرُونَك وَيَجْحَدُونَ نُبُوَّتك .' { وَأَكْثَرهمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : وَأَكْثَر قَوْمك الْجَاحِدُونَ نُبُوَّتك , لَا الْمُقِرُّونَ بِهَا . { وَأَكْثَرهمْ الْكَافِرُونَ } يَقُول : وَأَكْثَر قَوْمك الْجَاحِدُونَ نُبُوَّتك , لَا الْمُقِرُّونَ بِهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يعرفون نعمة الله} قال السدي : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، أي يعرفون نبوته { ثم ينكرونها} ويكذبونه. وقال مجاهد : يريد ما عدد الله عليهم في هذه السورة من النعم؛ أي يعرفون أنها من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم. وبمثله قال قتادة. وقال عون بن عبدالله : هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان ما أصبت كذا، وهم يعرفون النفع والضر من عند الله. وقال الكلبي : هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرفهم بهذه النعم كلها عرفوها وقالوا : نعم، هي كلها نعم من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقيل : يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها. ويحتمل سادسا : يعرفونها في الشدة وينكرونها في الرخاء. ويحتمل سابعا : يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم. ويحتمل ثامنا : يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم؛ نظيرها { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} [النمل : 14] { وأكثرهم الكافرون} يعني جميعهم؛ حسبما تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 80 - 89

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقد حكى القرآن عنهم في آيات أخرى:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }
[الزخرف: 87].

وقال عنهم:
{  وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ... }
[النمل: 14].

ذلك لأنهم يعلمون تماماً أن الله خلقهم، وأنه خلق السمٰوات والأرض.. يعلمون كل نِعَم الله عليهم، ومع ذلك يُنكرونها ويجحدونها.. لماذا؟

لأن الإيمان بالله والاعتراف بنعمه مسألة شاقة عليهم، ولو كانت مجرد كلمة تُقال لقالوها.. ما أسهل أنْ يقولوا " لا إله إلا الله " لكنهم يعلمون أن: لا إله إلا الله لها مطلوبات، فما دام لا إله إلا الله، فلا يُشرِّع إلا الله، ولا يأمر إلا الله، ولا يَنْهى إلا الله، ولا يُحِلُّ إلا الله، ولا يُحرِّم إلا الله.

إذن: مطلوبات لا إله إلا الله جعلتهم في قالب من حديد، منضبطين بمنهج يهدم سيادتهم، ويمنع الطغيان والجبروت، منهج يُسوِّي بين السادة والعبيد.

إذن: الدين الحق يُقيِّد حركتهم، وهم لا يريدون ذلك، فتراهم يعرفون الله ولا يؤمنون به؛ لأنهم يعلمون مطلوبات لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإلا لو كانت مجرد كلمة لقالوها.

وقوله:

{ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَافِرُونَ } [النحل: 83].

بعض العلماء يقولون: أكثرهم يعني كلهم.. لا.. بل هذا أسلوب قرآني لصيانة الاحتمال وللاحتياط للقلة التي تفكر في الإسلام ويراودها أمر هذا الدين الجديد من هؤلاء الكفار، لا بُدَّ أنْ نُراعي أمر هذه القلة، ونترك لهم الباب مفتوحاً، فالاحتمال هنا قائم..

فلو قال القرآن: كلهم كافرون لتعارض ذلك مع هؤلاء الذين يفكرون في أنْ يُسلِموا.. وكذلك مراعاة لهؤلاء الذين لم يبلُغوا حَدَّ التكليف من أبناء الكفار.

إذن: قوله { وَأَكْثَرُهُمُ } تعبير دقيق، فيه ما نُسميّه صيانة الاحتمال.

ثم يقول تعالى: { وَيَوْمَ نَبْعَثُ.. }.


www.alro7.net