سورة
اية:

فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ

تفسير بن كثير

ذكر تعالى قصة السحرة مع موسى عليه السلام، وما أراده فرعون من معارضة الحق المبين، { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون} ، وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى} ، فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم، ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، { فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى} ، فعند ذلك قال موسى لما ألقوا: { ما جئتم به السحر إن اللّه سيبطله إن اللّه لا يصلح عمل المفسدين ويحق اللّه الحق بكلماته ولو كره المجرمون} .

تفسير الجلالين

{ فلما ألقوا } حبالهم وعصيهم { قال موسى ما } استفهامية مبتدأ خبره { جئتم به السحر } بدل وفي قراءة بهمزة واحدة إخبار فما اسم موصول مبتدأ { إن الله سيبطله } أي سيمحقه { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر إِنَّ اللَّه سَيُبْطِلُهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { فَلَمَّا أَلْقَوْا } مَا هُمْ مُلْقُوهُ { قَالَ } لَهُمْ { مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق { مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر } عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنْ مُوسَى عَنْ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ سَحَرَة فِرْعَوْنَ أَنَّهُ سِحْر كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى تَأْوِيلِهِمْ , قَالَ مُوسَى : الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَيّهَا السَّحَرَة هُوَ السِّحْر . وَقَرَأَ ذَلِكَ مُجَاهِد وَبَعْض الْمَدَنِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ : " مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر " عَلَى وَجْه الِاسْتِفْهَام مِنْ مُوسَى إِلَى السَّحَرَة عَمَّا جَاءُوا بِهِ , أَسِحْر هُوَ أَمْ غَيْره ؟ وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْه الْخَبَر لَا عَلَى الِاسْتِفْهَام , لِأَنَّ مُوسَى صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ السَّحَرَة أَنَّهُ سِحْر لَا حَقِيقَة لَهُ فَيَحْتَاج إِلَى اِسْتِخْبَار السَّحَرَة عَنْهُ أَيْ هُوَ , وَأُخْرَى أَنَّهُ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ قَدْ كَانَ عَلَى عِلْم مِنْ السَّحَرَة أَنَّمَا جَاءَ بِهِمْ فِرْعَوْن لِيُغَالِبُوهُ عَلَى مَا كَانَ جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ الَّذِي كَانَ اللَّه آتَاهُ , فَلَمْ يَكُنْ يَذْهَب عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي الْخَبَر عَمَّا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْبَاطِل , فَيَسْتَخْبِرهُمْ أَوْ يَسْتَجِيز اِسْتِخْبَارَهُمْ عَنْهُ ; وَلَكِنَّهُ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ عَالِم بِبُطُولِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَتَاهُ وَمُبْطِل كَيْدَهُمْ بِجَدِّهِ , وَهَذِهِ أَوْلَى بِصِفَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأُخْرَى . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه دُخُول الْأَلِف وَاللَّام فِي السِّحْر إِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت وَأَنْتَ تَعْلَم أَنَّ كَلَام الْعَرَب فِي نَظِير هَذَا أَنْ يَقُولُوا : مَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرو دِرْهَم , وَاَلَّذِي أَعْطَانِي أَخُوك دِينَار , وَلَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا الَّذِي أَعْطَانِي أَخُوك الدِّرْهَم , وَمَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرو الدِّينَار ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى كَلَام الْعَرَب إِدْخَال الْأَلِف وَاللَّام فِي خَبَر مَا وَاَلَّذِي إِذَا كَانَ الْخَبَر عَنْ مَعْهُود قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطَب وَالْمُخَاطَب , بَلْ لَا يَجُوز إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّام , لِأَنَّ الْخَبَرَ حِينَئِذٍ خَبَر عَنْ شَيْء بِعَيْنِهِ مَعْرُوف عِنْد الْفَرِيقَيْنِ ; وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ بِغَيْرِ الْأَلِف إِذَا كَانَ الْخَبَر عَنْ مَجْهُول غَيْر مَعْهُود وَلَا مَقْصُود قَصْد شَيْء بِعَيْنِهِ , فَحِينَئِذٍ لَا تَدْخُل الْأَلِف وَاللَّام فِي الْخَبَر , وَخَبَر مُوسَى كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرُوف عِنْده وَعِنْد السَّحَرَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ نَسَبَتْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ الْآيَات الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقه وَنُبُوَّته إِلَى أَنَّهُ سِحْر , فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : السِّحْر الَّذِي وَصَفْتُمْ بِهِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ الْآيَات أَيّهَا السَّحَرَة , هُوَ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَنْتُمْ لَا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَنَا . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّه سَيُبْطِلُهُ . فَقَالَ : { إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يَقُول : سَيَذْهَبُ بِهِ , فَذَهَبَ بِهِ تَعَالَى ذِكْره بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَصَا مُوسَى قَدْ حَوَّلَهَا ثُعْبَانًا يَتَلَقَّفهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر إِنَّ اللَّه سَيُبْطِلُهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { فَلَمَّا أَلْقَوْا } مَا هُمْ مُلْقُوهُ { قَالَ } لَهُمْ { مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق { مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر } عَلَى وَجْه الْخَبَر مِنْ مُوسَى عَنْ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ سَحَرَة فِرْعَوْنَ أَنَّهُ سِحْر كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى تَأْوِيلِهِمْ , قَالَ مُوسَى : الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَيّهَا السَّحَرَة هُوَ السِّحْر . وَقَرَأَ ذَلِكَ مُجَاهِد وَبَعْض الْمَدَنِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ : " مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر " عَلَى وَجْه الِاسْتِفْهَام مِنْ مُوسَى إِلَى السَّحَرَة عَمَّا جَاءُوا بِهِ , أَسِحْر هُوَ أَمْ غَيْره ؟ وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْه الْخَبَر لَا عَلَى الِاسْتِفْهَام , لِأَنَّ مُوسَى صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ السَّحَرَة أَنَّهُ سِحْر لَا حَقِيقَة لَهُ فَيَحْتَاج إِلَى اِسْتِخْبَار السَّحَرَة عَنْهُ أَيْ هُوَ , وَأُخْرَى أَنَّهُ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ قَدْ كَانَ عَلَى عِلْم مِنْ السَّحَرَة أَنَّمَا جَاءَ بِهِمْ فِرْعَوْن لِيُغَالِبُوهُ عَلَى مَا كَانَ جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ الَّذِي كَانَ اللَّه آتَاهُ , فَلَمْ يَكُنْ يَذْهَب عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي الْخَبَر عَمَّا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْبَاطِل , فَيَسْتَخْبِرهُمْ أَوْ يَسْتَجِيز اِسْتِخْبَارَهُمْ عَنْهُ ; وَلَكِنَّهُ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ عَالِم بِبُطُولِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَتَاهُ وَمُبْطِل كَيْدَهُمْ بِجَدِّهِ , وَهَذِهِ أَوْلَى بِصِفَةِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأُخْرَى . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه دُخُول الْأَلِف وَاللَّام فِي السِّحْر إِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت وَأَنْتَ تَعْلَم أَنَّ كَلَام الْعَرَب فِي نَظِير هَذَا أَنْ يَقُولُوا : مَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرو دِرْهَم , وَاَلَّذِي أَعْطَانِي أَخُوك دِينَار , وَلَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا الَّذِي أَعْطَانِي أَخُوك الدِّرْهَم , وَمَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرو الدِّينَار ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى كَلَام الْعَرَب إِدْخَال الْأَلِف وَاللَّام فِي خَبَر مَا وَاَلَّذِي إِذَا كَانَ الْخَبَر عَنْ مَعْهُود قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطَب وَالْمُخَاطَب , بَلْ لَا يَجُوز إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّام , لِأَنَّ الْخَبَرَ حِينَئِذٍ خَبَر عَنْ شَيْء بِعَيْنِهِ مَعْرُوف عِنْد الْفَرِيقَيْنِ ; وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ بِغَيْرِ الْأَلِف إِذَا كَانَ الْخَبَر عَنْ مَجْهُول غَيْر مَعْهُود وَلَا مَقْصُود قَصْد شَيْء بِعَيْنِهِ , فَحِينَئِذٍ لَا تَدْخُل الْأَلِف وَاللَّام فِي الْخَبَر , وَخَبَر مُوسَى كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرُوف عِنْده وَعِنْد السَّحَرَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ نَسَبَتْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ الْآيَات الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقه وَنُبُوَّته إِلَى أَنَّهُ سِحْر , فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : السِّحْر الَّذِي وَصَفْتُمْ بِهِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ الْآيَات أَيّهَا السَّحَرَة , هُوَ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَنْتُمْ لَا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَنَا . ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّه سَيُبْطِلُهُ . فَقَالَ : { إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يَقُول : سَيَذْهَبُ بِهِ , فَذَهَبَ بِهِ تَعَالَى ذِكْره بِأَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَصَا مُوسَى قَدْ حَوَّلَهَا ثُعْبَانًا يَتَلَقَّفهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْء .' { إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِح عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } يَعْنِي : أَنَّهُ لَا يُصْلِح عَمَلَ مَنْ سَعَى فِي أَرْض اللَّه بِمَا يَكْرَههُ وَعَمِلَ فِيهَا بِمَعَاصِيهِ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب : " مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْر " , وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْر " , وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّد قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ بِنَحْوِ الَّذِي أَخْتَرْنَا مِنْ الْقِرَاءَة فِيهِ . { إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِح عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } يَعْنِي : أَنَّهُ لَا يُصْلِح عَمَلَ مَنْ سَعَى فِي أَرْض اللَّه بِمَا يَكْرَههُ وَعَمِلَ فِيهَا بِمَعَاصِيهِ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب : " مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْر " , وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْر " , وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّد قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ بِنَحْوِ الَّذِي أَخْتَرْنَا مِنْ الْقِرَاءَة فِيهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر} تكون { ما} في موضع رفع بالابتداء، والخبر { جئتم به} والتقدير : أي شيء جئتم به، على التوبيخ والتصغير لما جاءوا به من السحر. وقراءة ضبي عمرو { السحر} على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، التقدير : السحر جئتم به. ولا تكون { ما} على قراءة من استفهم بمعنى الذي، إذ لا خبر لها. وقرأ الباقون { السحر} على الخبر، ودليل هذه القراءة ابن مسعود { ما جئتم به سحر} . وقراءة أبي { ما أتيتم به سحر} ؛ فـ { ما} بمعنى الذي، و { جئتم به} الصلة، وموضع { ما} رفع بالابتداء، والسحر خبر الابتداء. ولا تكون { ما} إذا جعلتها بمعنى الذي نصبا لأن الصلة لا تعمل في الموصول. وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم، وتكون لا للشرط، وجئتم في موضع جزم بما والفاء محذوفة؛ التقدير : فإن الله سيطلبه. ويجوز أن ينصب السحر على المصدر، أي ما جئتم به سحرا، ثم دخلت الألف واللام زائدتين، فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء. واختار هذا القول النحاس، وقال : حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر؛ كما قال : من يفعل الحسنات الله يشكرها بل ربما قال بعضهم : إنه لا يجوز البتة. وسمعت علي بن سليمان يقول : حدثني محمد بن يزيد قال حدثني المازني قال سمعت الأصمعي يقول : غير النحويون هذا البيت، وإنما الرواية : من يفعل الخير فالرحمن يشكره وسمعت علي بن سليمان يقول : حذف الفاء في المجازاة جائز. قال : والدليل على ذلك { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} . { وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم} قراءتان مشهورتان معروفتان. { إن الله لا يصلح عمل المفسدين} يعني السحر. قال ابن عباس : من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية. (ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين) لم يضره كيد ساحر. ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 78 - 83

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونحن نعلم أن الحق سبحانه هنا شاء الإجمال، ولكنه بيَّن بالتفصيل ما حدث، في آية أخرى، قال فيها سبحانه عن السحرة:


{  قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ }
[الأعراف: 115].

ونحن نعلم أن المواجهة تقتضي من كل خصم أن يدخل بالرعب على خصمه؛ ليضعف معنوياته.

وهنا أوضح لهم موسى ـ عليه السلام ـ أن ما أتوا به هو سحر ومجرد تخييل.

وقد أعلم الحق سبحانه نبيه موسى ـ عليه السلام ـ أن عصاه ستصير حية حقيقية، بينما ستكون عصيهم وحبالهم مجرد تخييل للعيون.

وقال لهم موسى ـ عليه السلام ـ حكم الله تعالى في ذلك التخييل:

{ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } [يونس: 81].

وهكذا جاء القول الفصل الذي أنهى الأمر وأصدر الحكم فيما فعل فرعون ومَلَؤُه والسحرة، فكل أعمالهم كانت تفسد في الأرض، ولولا ذلك لما بعث الله سبحانه إليهم رسولاً مؤيَّداً بمعجزة من صنف ما برعوا فيه، فهم كانوا قد برعوا في السحر، فأرسل إليهم الحق سبحانه معجزة حقيقية تلتهم ما صنعوا، فإن كانوا قد برعوا في التخييل، فالله سبحانه خلق الأكوان بكلمة " كُنْ " وهو سبحانه يخلق حقائق لا تخييلات.

ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ }


www.alro7.net