سورة
اية:

فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

تفسير بن كثير

يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، وقد نهى اللّه عزَّ وجلَّ عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال، لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون، وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق‏: قال الإمام أحمد، عن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي رضي اللّه عنه قال: قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول اللّه أرجع إليهم، فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إليّ يا رسول اللّه رسولاً إبَّان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول ولم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من اللّه تعالى ورسوله، فدعا بسروات قومه، فقال لهم: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان وقّت لي وقتاً يرسل إليَّ رسوله، ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه، فانطلقوا بنا نأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق - أي خاف - فرجع حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وبعث البعث إلى الحارث رضي اللّه عنه، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال رضي اللّه عنه: لا والذي بعث محمداً صلى اللّه عليه وسلم بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، خشيت أن يكون كونت سخطة من اللّه تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ - إلى قوله - حكيم} "أخرجه الإمام أحمد وابن أبي حاتم والطبراني". وروى ابن جرير، عن أُم سلمة رضي اللّه عنها قالت: بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلاً في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم، فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون، قالت: فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ باللّه من سخط اللّه وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا بذلك، وقرت به عيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضباً من اللّه تعالى ومن رسوله صلى اللّه عليه وسلم، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال رضي اللّه عنه، فأذن بصلاة العصر، قالت: ونزلت: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} ؟ "أخرجه ابن جرير من حديث أُم سلمة". وقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم، فتلقوه بالصدقة فرجع، فقال: إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك، زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد رضي اللّه عنه إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً. فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالداً رضي اللّه عنه أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد رضي اللّه عنه فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وكذا ذكر غير واحد من السلف، أنها نزلت في الوليد بن عقبة ، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { واعلموا أن فيكم رسول اللّه} أي اعلموا أن بين أظهركم رسول اللّه، فعظّموه ووقّروه وتأدّبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم، { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنّتم} أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال سبحانه: { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { ولكنَّ اللّه حبّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} أي حببه إلى نفوسكم، وحسّنه في قلوبكم، وعن أنَس رضي اللّه عنه قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (الإسلام علانية والإيمان في القلب) ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ثم يقول: (التقوى ههنا، التقوى ههنا) أخرجه الإمام أحمد { وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان} أي وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار، والعصيان وهي جميع المعاصي وهذا تدريج لكمال النعمة، وقوله تعالى: { أولئك هم الراشدون} أي المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم اللّه رشدهم، عن أبي رفاعة الزرقي، عن أبيه قال: لما كان يوم أُحُد وانكفأ المشركون قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (استووا حتى أثني على ربي عزَّ وجلَّ) فصاروا خلفه صفوفاً، فقال صلى اللّه عليه وسلم: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول، اللهم أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذِّبون رسلك، ويصدُّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أُوتوا الكتاب إله الحق) "أخرجه الإمام أحمد والنسائي" وفي الحديث المرفوع: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن) ثم قال: { فضلاً من اللّه ونعمة} أي هذا العطاء الذي منحكموه، هو فضل منه عليكم، ونعمة من لدنه { واللّه عليم حكيم} أي عليم بمن يستحق الهداية، ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.

تفسير الجلالين

{ فضلا من الله } مصدر منصوب بفعله المقدر، أي أفضل { ونعمة } منه { والله عليم } بهم { حكيم } في إنعامه عليهم .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَضْلًا مِنْ اللَّه وَنِعْمَة } يَقُول : وَلَكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَان , وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي عَدَّهَا فَضْلًا مِنْهُ , وَإِحْسَانًا وَنِعْمَة مِنْهُ أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْوَقَوْله : { فَضْلًا مِنْ اللَّه وَنِعْمَة } يَقُول : وَلَكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَان , وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي عَدَّهَا فَضْلًا مِنْهُ , وَإِحْسَانًا وَنِعْمَة مِنْهُ أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ' يَقُول : وَاَللَّه ذُو عِلْم بِالْمُحْسِنِ مِنْكُمْ مِنْ الْمُسِيء , وَمَنْ هُوَ لِنِعَمِ اللَّه وَفَضْله أَهْل , وَمَنْ هُوَ لِذَلِكَ غَيْر أَهْل , وَحِكْمَة فِي تَدْبِيره خَلْقه , وَصَرْفه إِيَّاهُمْ فِيمَا شَاءَ مِنْ قَضَائِهِ .يَقُول : وَاَللَّه ذُو عِلْم بِالْمُحْسِنِ مِنْكُمْ مِنْ الْمُسِيء , وَمَنْ هُوَ لِنِعَمِ اللَّه وَفَضْله أَهْل , وَمَنْ هُوَ لِذَلِكَ غَيْر أَهْل , وَحِكْمَة فِي تَدْبِيره خَلْقه , وَصَرْفه إِيَّاهُمْ فِيمَا شَاءَ مِنْ قَضَائِهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { واعلموا أن فيكم رسول الله } فلا تكذبوا، فإن الله يعلمه أنباءكم فتفتضحون. { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} أي لو تسارع إلى ما أردتم قبل وضوح الأمر لنالكم مشقة وإثم، فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عقبة إليه لكان خطأ، ولعنت من أراد إيقاع الهلاك بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم. ومعنى طاعة الرسول لهم : الإئتمار بما يأمر به فيما يبلغونه عن الناس والسماع منهم. والعنت الإثم، يقال : عنت الرجل. والعنت أيضا الفجور والزني، كما في سورة [النساء]. والعنت أيضا الوقوع في أمر شاق، وقد مضى في آخر [التوبة] القول في { عنتم} [التوبة: 128] بأكثر من هذا. { ولكن الله حبب إليكم الإيمان} هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخبرون بالباطل، أي جعل الإيمان أحب الأديان إليكم. { وزينه في قلوبكم} { وزينه} بتوفيقه. { في قلوبكم} أي حسنه إليكم حتى اخترتموه. وفي هذا رد على القدرية والإمامية وغيرهم، حسب ما تقدم في غير موضع. فهو سبحانه المنفرد بخلق ذوات الخلق وخلق أفعالهم وصفاتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، لا شريك له. { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} قال ابن عباس : يريد به الكذب خاصة. وقاله ابن زيد. وقيل : كل ما خرج عن الطاعة، مشتق من فسقت الرطبة خرجت من قشرها. والفأرة من جحرها. وقد مضى في [البقرة] القول فيه مستوفى. والعصيان جمع المعاصي. ثم انتقل من الخطاب إلى الخبر فقال { أولئك} يعني هم الذين وفقهم الله فحبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر أي قبحه عندهم { الراشدون} كقوله تعالى { وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم:39]. قال النابغة : يا دارَمَيَّةَ بالعلياء فالسند ** أقوَتْ وطال عليها سالف الأمد والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد وهي الصخرة. قال أبو الوازع : كل صخرة رشادة. وأنشد : وغير مقلد وموشمات ** صلين الضوء من صم الرشاد { فضلا من الله ونعمة} أي فعل الله ذلك بكم فضلا، أي الفضل والنعمة، فهو مفعول له. { والله عليم حكيم} { عليم} بما يصلحكم { حكيم} في تدبيركم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحجرات الايات 6 - 13

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الفضل يعني الزيادة، والمراد هنا أن الله تعالى عاملهم بمزيد من نعمه وكرمه.

قالوا لأحد الصالحين: أحكم بيننا، فقال: بالعدل أم بما هو أحسن من العدل؟ قالوا: وهل هناك أحسن من العدل؟ قال: أحسن من العدل الفضل، العدل أنْ تأخذ حقك، والفضل أنْ تتنازل عنه تفضلاً.

كذلك نِعَم الله علينا من باب الفضل، لأن التكليف الذي كلَّفنا الحق به يعود علينا نحن بالمصلحة ولا ينتفع الله منه بشيء، لأنه سبحانه الغني عن خَلْقه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو سبحانه بصفات الكمال فيه خلقنا، إذن: النعم ليستْ مقابلاً للطاعة، إنما هي محْضُ فضل من الله.

أما في مثله قوله تعالى:
{  إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[الزمر: 10] فسمَّى لهم أجراً ليعلموا أن عملهم مقبولٌ، وسيُجزون عليه الجزاء الأوفى.

وقوله سبحانه: { وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [الحجرات: 8] عليم وعلمه محيط لا يخفى عليه شيء من أمرك، والسر عنده علانية
{  يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ }
[غافر: 19].

إذن: إياك أنْ يخالط عملك نفاقٌ أو رياء أو عجب أو كبرياء. وقلنا: إن الله تعالى يريد القلوب لا مجرد عمل الجوارح. ثم هو سبحانه { حَكِيمٌ } [الحجرات: 8] يدبر شئون ملكه بمقتضى حكمته تعالى، والحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.


www.alro7.net