سورة
اية:

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ

تفسير بن كثير

اختلف في هذه السجدة الثانية على قولين وقد قدمنا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (فضلت سورة الحج بسجدتين فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)، وقوله: { وجاهدوا في اللّه حق جهاده} أي بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: { اتقوا اللّه حق تقاته} ، وقوله: { هو اجتباكم} أي يا هذه الأمة اللّه اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع، { وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل اللّه لكم فرجاً ومخرجاً، ولهذا قال عليه السلام: (بعثت بالحنيفة السمحة) وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: (بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسّرا)، والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: { وما جعل عليكم في الدين من حرج} يعني من ضيق، وقوله: { ملة أبيكم إبراهيم} قال ابن جرير: نصب على تقدير { ما جعل عليكم في الدين من حرج} أي من ضيق بل وسَّعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم، ويحتمل أنه منصوب على تقدير إلزموا ملة أبيكم إبراهيم. ""قلت"": وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا} الآية، وقوله: { هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} ، قال ابن عباس في قوله: { هو سماكم المسلمين من قبل} قال: اللّه عزَّ وجلَّ. وقال ابن أسلم { هو سماكم المسلمين من قبل} يعني إبراهيم، وذلك لقوله: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} ، وقد قال اللّه تعالى: { هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} قال مجاهد: اللّه سماكم المسلمين في قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر، { وفي هذا} يعني القرآن وكذا قال غيره. قلت وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال: { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} ثم حثهم وأغراهم على ماجاء به الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه بأنه ملة إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة، بما نوه به من ذكرها والثناء عليها، في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: { هو سماكم المسلمين من قبل} أي من قبل هذا القرآن { وفي هذا} ، روى النسائي عن الحارث الأشعري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم)، قال رجل: يا رسول اللّه وإن صام وصلى؟ قال: (نعم وإن صام وصلى) فادعوا بدعوة اللّه التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد اللّه) ""أخرجه النسائي في سننه""، ولهذا قال: { ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطاً، عدولاً خياراً مشهوداً بعدالتكم عند جميع الأمم لتكونوا يوم القيامة { شهداء على الناس} لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلَّغها ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ، وقوله: { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، فأدوا حق اللّه عليكم في أداء ما افترض، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، { واعتصموا باللّه} أي اعتضدوا باللّه واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به، { هو مولاكم} أي حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم، { فنعم المولى ونعم النصير} : يعني نعم الولي، ونعم الناصر من الأعداء.

تفسير الجلالين

{ وجاهدوا في الله } لإقامة دينه { حق جهاده } باستفراغ الطاقة فيه ونصب حَقَّ على المصدر { هو اجتباكم } اختاركم لدينه { وما جعل عليكم في الدين من حَرَج } أي ضيق بأن سهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمرض والسفر { مِلة أبيكم } منصوب الخافض الكاف { إبراهيم } عطف بيان { هو } أي الله { سمَّاكم المسلمين من قبل } أي قبل هذا الكتاب { وفي هذا } أي القرآن { ليكون الرسول شهيداً عليكم } يوم القيامة أنه بلَّغكم { وتكونوا } أنتم { شهداء على الناس } أن رسلهم بلَّغوهم { فأقيموا الصلاة } داوموا عليها { وآتوا الزكاة واعتصموا بالله } ثقوا به { هو مولاكم } ناصركم ومتولي أموركم { فنعم المولى } هو { ونعم النصير } الناصر لكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَجَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيل اللَّه حَقّ جِهَاده . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19201 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بْن بِلَال , عَنْ ثَوْر بْن زَيْد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّل مَرَّة فَقَالَ عُمَر : مَنْ أُمِرَ بِالْجِهَادِ ؟ قَالَ : قَبِيلَتَانِ مِنْ قُرَيْش مَخْزُوم وَعَبْد شَمْس , فَقَالَ عُمَر : صَدَقْت ! . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَخَافُوا فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم . قَالُوا : وَذَلِكَ هُوَ حَقّ الْجِهَاد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19202 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } لَا تَخَافُوا فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : اعْمَلُوا بِالْحَقِّ حَقّ عَمَله , وَهَذَا قَوْل ذَكَرَهُ عَنِ الضَّحَّاك بَعْض مَنْ فِي رِوَايَته نَظَر . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه ; لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنَ الْجِهَاد ذَلِكَ , وَهُوَ الْأَغْلَب عَلَى قَوْل الْقَائِل : جَاهَدْت فِي اللَّه. وَحَقّ الْجِهَاد : هُوَ اسْتِفْرَاغ الطَّاقَة فِيهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَجَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيل اللَّه حَقّ جِهَاده . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19201 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بْن بِلَال , عَنْ ثَوْر بْن زَيْد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّل مَرَّة فَقَالَ عُمَر : مَنْ أُمِرَ بِالْجِهَادِ ؟ قَالَ : قَبِيلَتَانِ مِنْ قُرَيْش مَخْزُوم وَعَبْد شَمْس , فَقَالَ عُمَر : صَدَقْت ! . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَخَافُوا فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم . قَالُوا : وَذَلِكَ هُوَ حَقّ الْجِهَاد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19202 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقّ جِهَاده } لَا تَخَافُوا فِي اللَّه لَوْمَة لَائِم . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : اعْمَلُوا بِالْحَقِّ حَقّ عَمَله , وَهَذَا قَوْل ذَكَرَهُ عَنِ الضَّحَّاك بَعْض مَنْ فِي رِوَايَته نَظَر . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ : قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه ; لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنَ الْجِهَاد ذَلِكَ , وَهُوَ الْأَغْلَب عَلَى قَوْل الْقَائِل : جَاهَدْت فِي اللَّه. وَحَقّ الْجِهَاد : هُوَ اسْتِفْرَاغ الطَّاقَة فِيهِ .' وَقَوْله : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } يَقُول : هُوَ اخْتَارَكُمْ لِدِينِهِ , وَاصْطَفَاكُمْ لِحَرْبِ أَعْدَائِهِ وَالْجِهَاد فِي سَبِيله وَقَالَ ابْن زَيْد فِي ذَلِكَ , مَا : 19203 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } قَالَ : هُوَ هَدَاكُمْ . وَقَوْله : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } يَقُول : هُوَ اخْتَارَكُمْ لِدِينِهِ , وَاصْطَفَاكُمْ لِحَرْبِ أَعْدَائِهِ وَالْجِهَاد فِي سَبِيله وَقَالَ ابْن زَيْد فِي ذَلِكَ , مَا : 19203 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } قَالَ : هُوَ هَدَاكُمْ . ' وَقَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ رَبّكُمْ فِي الدِّين الَّذِي تَعَبَّدَكُمْ بِهِ مِنْ ضِيق , لَا مَخْرَج لَكُمْ مِمَّا ابْتُلِيتُمْ بِهِ فِيهِ ; بَلْ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ , فَجَعَلَ التَّوْبَة مِنْ بَعْض مَخْرَجًا , وَالْكَفَّارَة مِنْ بَعْض , وَالْقِصَاص مِنْ بَعْض , فَلَا ذَنْب يُذْنِب الْمُؤْمِن إِلَّا وَلَهُ مِنْهُ فِي دِين الْإِسْلَام مَخْرَج . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19204 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْن زَيْد , عَنِ ابْن شِهَاب , قَالَ : سَأَلَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } فَقَالَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه : الْحَرَج : الضِّيق , فَجَعَلَ اللَّه الْكَفَّارَات مَخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ , سَمِعْت ابْن عَبَّاس يَقُول ذَلِكَ . 19205 -قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثني سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد , قَالَ : سَمِعْت ابْن عَبَّاس يَسْأَل عَنْ : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } , قَالَ : مَا هَا هُنَا مِنْ هُذَيْل أَحَد ؟ فَقَالَ رَجُل : نَعَمْ , قَالَ : مَا تَعُدُّونَ الْحَرَجَة فِيكُمْ ؟ قَالَ : الشَّيْء الضَّيِّق . قَالَ ابْن عَبَّاس : فَهُوَ كَذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنِ ابْن عُيَيْنَة , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد , قَالَ : سَمِعْت ابْن عَبَّاس , وَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ ابْن عَبَّاس : أَهَا هُنَا أَحَد مِنْ هُذَيْل ؟ فَقَالَ رَجُل : أَنَا , فَقَالَ أَيْضًا : مَا تَعُدُّونَ الْحَرَج ؟ وَسَائِر الْحَدِيث مِثْله . 19206 -حَدَّثَنِي عِمْرَان بْن بَكَّار الْكُلَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن صَالِح , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن حَمْزَة , عَنِ الْحَكَم بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : سَمِعْت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد يُحَدِّث , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : " هُوَ الضِّيق " . 19207 -حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا أَبُو خَلْدَة , قَالَ : قَالَ لِي أَبُو الْعَالِيَة : أَتَدْرِي مَا الْحَرَج ؟ قُلْت : لَا أَدْرِي . قَالَ : الضِّيق . وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } . 19208 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن مَسْعَدَة , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : مِنْ ضِيق . 19209 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن بُنْدُق , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ أَبِي خَلْدَة , قَالَ : قَالَ لِي أَبُو الْعَالِيَة : هَلْ تَدْرِي مَا الْحَرَج ؟ قُلْت لَا , قَالَ : الضِّيق , إِنَّ اللَّه لَمْ يُضَيِّق عَلَيْكُمْ , لَمْ يَجْعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج . 19210 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنِ ابْن عَوْن , عَنِ الْقَاسِم أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : تَدْرُونَ مَا الْحَرَج ؟ قَالَ : الضِّيق . 19211 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : إِذَا تَعَاجَمَ شَيْء مِنَ الْقُرْآن , فَانْظُرُوا فِي الشِّعْر , فَإِنَّ الشِّعْر عَرَبِيّ , ثُمَّ دَعَا ابْن عَبَّاس أَعْرَابِيًّا , فَقَالَ : مَا الْحَرَج ؟ قَالَ : الضِّيق . قَالَ : صَدَقْت ! 19212 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : مِنْ ضِيق . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } مِنْ ضِيق فِي أَوْقَات فُرُوضكُمْ إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمْ , وَلَكِنَّهُ قَدْ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَيَقَّنُوا مَحَلّهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19213 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ عُثْمَان بْن بَشَّار , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : هَذَا فِي هِلَال شَهْر رَمَضَان إِذَا شَكَّ فِيهِ النَّاس , وَفِي الْحَجّ إِذَا شَكُّوا فِي الْهِلَال , وَفِي الْفِطْر وَالْأَضْحَى إِذَا الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ , وَأَشْبَاهه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : مَا جَعَلَ فِي الْإِسْلَام مِنْ ضِيق , بَلْ وَسَّعَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19214 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } يَقُول : مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْإِسْلَام مِنْ ضِيق هُوَ وَاسِع , وَهُوَ مِثْل قَوْله فِي الْأَنْعَام : { فَمَنْ يُرِدْ اللَّه أَنْ يَهْدِيه يَشْرَح صَدْره لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَل صَدْره ضَيِّقًا حَرَجًا } 6 125 يَقُول : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضِلّهُ يُضَيِّق عَلَيْهِ صَدْره , حَتَّى يَجْعَل عَلَيْهِ الْإِسْلَام ضَيِّقًا , وَالْإِسْلَام وَاسِع . 19215 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } يَقُول : مِنْ ضِيق , يَقُول : جَعَلَ الدِّين وَاسِعًا وَلَمْ يَجْعَلهُ ضَيِّقًا . وَقَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ رَبّكُمْ فِي الدِّين الَّذِي تَعَبَّدَكُمْ بِهِ مِنْ ضِيق , لَا مَخْرَج لَكُمْ مِمَّا ابْتُلِيتُمْ بِهِ فِيهِ ; بَلْ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ , فَجَعَلَ التَّوْبَة مِنْ بَعْض مَخْرَجًا , وَالْكَفَّارَة مِنْ بَعْض , وَالْقِصَاص مِنْ بَعْض , فَلَا ذَنْب يُذْنِب الْمُؤْمِن إِلَّا وَلَهُ مِنْهُ فِي دِين الْإِسْلَام مَخْرَج . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19204 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْن زَيْد , عَنِ ابْن شِهَاب , قَالَ : سَأَلَ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } فَقَالَ عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه : الْحَرَج : الضِّيق , فَجَعَلَ اللَّه الْكَفَّارَات مَخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ , سَمِعْت ابْن عَبَّاس يَقُول ذَلِكَ . 19205 -قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثني سُفْيَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد , قَالَ : سَمِعْت ابْن عَبَّاس يَسْأَل عَنْ : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } , قَالَ : مَا هَا هُنَا مِنْ هُذَيْل أَحَد ؟ فَقَالَ رَجُل : نَعَمْ , قَالَ : مَا تَعُدُّونَ الْحَرَجَة فِيكُمْ ؟ قَالَ : الشَّيْء الضَّيِّق . قَالَ ابْن عَبَّاس : فَهُوَ كَذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنِ ابْن عُيَيْنَة , عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد , قَالَ : سَمِعْت ابْن عَبَّاس , وَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ ابْن عَبَّاس : أَهَا هُنَا أَحَد مِنْ هُذَيْل ؟ فَقَالَ رَجُل : أَنَا , فَقَالَ أَيْضًا : مَا تَعُدُّونَ الْحَرَج ؟ وَسَائِر الْحَدِيث مِثْله . 19206 -حَدَّثَنِي عِمْرَان بْن بَكَّار الْكُلَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن صَالِح , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن حَمْزَة , عَنِ الْحَكَم بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : سَمِعْت الْقَاسِم بْن مُحَمَّد يُحَدِّث , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : " هُوَ الضِّيق " . 19207 -حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا أَبُو خَلْدَة , قَالَ : قَالَ لِي أَبُو الْعَالِيَة : أَتَدْرِي مَا الْحَرَج ؟ قُلْت : لَا أَدْرِي . قَالَ : الضِّيق . وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } . 19208 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن مَسْعَدَة , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : مِنْ ضِيق . 19209 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن بُنْدُق , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ أَبِي خَلْدَة , قَالَ : قَالَ لِي أَبُو الْعَالِيَة : هَلْ تَدْرِي مَا الْحَرَج ؟ قُلْت لَا , قَالَ : الضِّيق , إِنَّ اللَّه لَمْ يُضَيِّق عَلَيْكُمْ , لَمْ يَجْعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج . 19210 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنِ ابْن عَوْن , عَنِ الْقَاسِم أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : تَدْرُونَ مَا الْحَرَج ؟ قَالَ : الضِّيق . 19211 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : إِذَا تَعَاجَمَ شَيْء مِنَ الْقُرْآن , فَانْظُرُوا فِي الشِّعْر , فَإِنَّ الشِّعْر عَرَبِيّ , ثُمَّ دَعَا ابْن عَبَّاس أَعْرَابِيًّا , فَقَالَ : مَا الْحَرَج ؟ قَالَ : الضِّيق . قَالَ : صَدَقْت ! 19212 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : مِنْ ضِيق . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } مِنْ ضِيق فِي أَوْقَات فُرُوضكُمْ إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمْ , وَلَكِنَّهُ قَدْ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَيَقَّنُوا مَحَلّهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19213 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ عُثْمَان بْن بَشَّار , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : هَذَا فِي هِلَال شَهْر رَمَضَان إِذَا شَكَّ فِيهِ النَّاس , وَفِي الْحَجّ إِذَا شَكُّوا فِي الْهِلَال , وَفِي الْفِطْر وَالْأَضْحَى إِذَا الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ , وَأَشْبَاهه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : مَا جَعَلَ فِي الْإِسْلَام مِنْ ضِيق , بَلْ وَسَّعَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19214 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } يَقُول : مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الْإِسْلَام مِنْ ضِيق هُوَ وَاسِع , وَهُوَ مِثْل قَوْله فِي الْأَنْعَام : { فَمَنْ يُرِدْ اللَّه أَنْ يَهْدِيه يَشْرَح صَدْره لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَل صَدْره ضَيِّقًا حَرَجًا } 6 125 يَقُول : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضِلّهُ يُضَيِّق عَلَيْهِ صَدْره , حَتَّى يَجْعَل عَلَيْهِ الْإِسْلَام ضَيِّقًا , وَالْإِسْلَام وَاسِع . 19215 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } يَقُول : مِنْ ضِيق , يَقُول : جَعَلَ الدِّين وَاسِعًا وَلَمْ يَجْعَلهُ ضَيِّقًا . ' وَقَوْله : { مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم } نَصْب مِلَّة بِمَعْنَى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج , بَلْ وَسَّعَهُ , كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ فَلَمَّا لَمْ يَجْعَل فِيهَا الْكَاف اتَّصَلَتْ بِالْفِعْلِ الَّذِي قَبْلهَا فَنُصِبَتْ , وَقَدْ يَحْتَمِل نَصْبهَا أَنْ تَكُون عَلَى وَجْه الْأَمْر بِهَا ; لِأَنَّ الْكَلَام قَبْله أَمْر , فَكَأَنَّهُ قِيلَ : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَالْزَمُوا مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم .وَقَوْله : { مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم } نَصْب مِلَّة بِمَعْنَى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج , بَلْ وَسَّعَهُ , كَمِلَّةِ أَبِيكُمْ فَلَمَّا لَمْ يَجْعَل فِيهَا الْكَاف اتَّصَلَتْ بِالْفِعْلِ الَّذِي قَبْلهَا فَنُصِبَتْ , وَقَدْ يَحْتَمِل نَصْبهَا أَنْ تَكُون عَلَى وَجْه الْأَمْر بِهَا ; لِأَنَّ الْكَلَام قَبْله أَمْر , فَكَأَنَّهُ قِيلَ : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَالْزَمُوا مِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم .' وَقَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل وَفِي هَذَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : سَمَّاكُمْ يَا مَعْشَر مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19216 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } يَقُول : اللَّه سَمَّاكُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاء بْن ابْن أَبِي رَبَاح , أَنَّهُ سَمِعَ ابْن عَبَّاس يَقُول : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . 19217 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . 19218 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ : اللَّه سَمَّاكُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19219 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل } يَقُول : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : إِبْرَاهِيم سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ; وَقَالُوا هُوَ كِنَايَة مِنْ ذِكْر إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19220 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ : أَلَا تَرَى قَوْل إِبْرَاهِيم { وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَك } 2 128 قَالَ : هَذَا قَوْل إِبْرَاهِيم ; { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } وَلَمْ يَذْكُر اللَّه بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَان غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة , ذُكِرَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَام جَمِيعًا , وَلَمْ نَسْمَع بِأُمَّةٍ ذُكِرَتْ إِلَّا بِالْإِيمَانِ . وَلَا وَجْه لِمَا قَالَ ابْن زَيْد مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يُسَمِّ أُمَّة مُحَمَّد مُسْلِمِينَ فِي الْقُرْآن ; لِأَنَّ الْقُرْآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْده بِدَهْرٍ طَوِيل , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل وَفِي هَذَا } وَلَكِنَّ الَّذِي سَمَّانَا مُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل نُزُول الْقُرْآن وَفِي الْقُرْآن اللَّه الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَال . وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ قَبْل } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْل نُزُول هَذَا الْقُرْآن فِي الْكُتُب الَّتِي نَزَلَتْ قَبْله . { وَفِي هَذَا } يَقُول : وَفِي هَذَا الْكِتَاب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19221 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ . ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل } وَفِي هَذَا الْقُرْآن . 19222 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : { مِنْ قَبْل } قَالَ : فِي الْكُتُب كُلّهَا وَالذِّكْر { وَفِي هَذَا } يَعْنِي الْقُرْآن . وَقَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل وَفِي هَذَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : سَمَّاكُمْ يَا مَعْشَر مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19216 -حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } يَقُول : اللَّه سَمَّاكُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاء بْن ابْن أَبِي رَبَاح , أَنَّهُ سَمِعَ ابْن عَبَّاس يَقُول : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . 19217 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . 19218 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ : اللَّه سَمَّاكُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19219 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل } يَقُول : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : إِبْرَاهِيم سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ; وَقَالُوا هُوَ كِنَايَة مِنْ ذِكْر إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19220 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ : أَلَا تَرَى قَوْل إِبْرَاهِيم { وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَك } 2 128 قَالَ : هَذَا قَوْل إِبْرَاهِيم ; { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ } وَلَمْ يَذْكُر اللَّه بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَان غَيْر هَذِهِ الْأُمَّة , ذُكِرَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَام جَمِيعًا , وَلَمْ نَسْمَع بِأُمَّةٍ ذُكِرَتْ إِلَّا بِالْإِيمَانِ . وَلَا وَجْه لِمَا قَالَ ابْن زَيْد مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يُسَمِّ أُمَّة مُحَمَّد مُسْلِمِينَ فِي الْقُرْآن ; لِأَنَّ الْقُرْآن أُنْزِلَ مِنْ بَعْده بِدَهْرٍ طَوِيل , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل وَفِي هَذَا } وَلَكِنَّ الَّذِي سَمَّانَا مُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل نُزُول الْقُرْآن وَفِي الْقُرْآن اللَّه الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَال . وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ قَبْل } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : مِنْ قَبْل نُزُول هَذَا الْقُرْآن فِي الْكُتُب الَّتِي نَزَلَتْ قَبْله . { وَفِي هَذَا } يَقُول : وَفِي هَذَا الْكِتَاب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19221 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ . ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل } وَفِي هَذَا الْقُرْآن . 19222 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَالَ مُجَاهِد : { مِنْ قَبْل } قَالَ : فِي الْكُتُب كُلّهَا وَالذِّكْر { وَفِي هَذَا } يَعْنِي الْقُرْآن . ' وَقَوْله : { لِيَكُونَ الرَّسُول شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اجْتَبَاكُمُ اللَّه وَسَمَّاكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَآيَاته , مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمِينَ , لِيَكُونَ مُحَمَّد رَسُول اللَّه شَهِيدًا عَلَيْكُمْ يَوْم الْقِيَامَة بِأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ مَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْكُمْ , وَتَكُونُوا أَنْتُمْ شُهَدَاء حِينَئِذٍ عَلَى الرُّسُل أَجْمَعِينَ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا أُمَمهمْ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19223 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل } قَالَ : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . { وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُول شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } بِأَنَّهُ بَلَّغَكُمْ . { وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } أَنَّ رُسُلهمْ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ . 19224 - وَبِهِ عَنْ قَتَادَة , قَالَ : أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة مَا لَمْ يُعْطَهُ إِلَّا نَبِيّ , كَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ : اذْهَبْ فَلَيْسَ عَلَيْك حَرَج ! وَقَالَ اللَّه : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج } , وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ شَهِيد عَلَى قَوْمك ! وَقَالَ اللَّه { لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ تُعْطَهُ ! وَقَالَ اللَّه : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . 40 60 * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة ثَلَاثًا لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا نَبِيّ , كَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ فَلَيْسَ عَلَيْك حَرَج ! فَقَالَ اللَّه : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ شَهِيد عَلَى قَوْمك ! وَقَالَ اللَّه : { لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ تُعْطَهُ ! وَقَالَ اللَّه { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . 40 60 وَقَوْله : { لِيَكُونَ الرَّسُول شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اجْتَبَاكُمُ اللَّه وَسَمَّاكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَآيَاته , مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمِينَ , لِيَكُونَ مُحَمَّد رَسُول اللَّه شَهِيدًا عَلَيْكُمْ يَوْم الْقِيَامَة بِأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ مَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْكُمْ , وَتَكُونُوا أَنْتُمْ شُهَدَاء حِينَئِذٍ عَلَى الرُّسُل أَجْمَعِينَ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا أُمَمهمْ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19223 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل } قَالَ : اللَّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل . { وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُول شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } بِأَنَّهُ بَلَّغَكُمْ . { وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } أَنَّ رُسُلهمْ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ . 19224 - وَبِهِ عَنْ قَتَادَة , قَالَ : أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة مَا لَمْ يُعْطَهُ إِلَّا نَبِيّ , كَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ : اذْهَبْ فَلَيْسَ عَلَيْك حَرَج ! وَقَالَ اللَّه : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج } , وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ شَهِيد عَلَى قَوْمك ! وَقَالَ اللَّه { لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ تُعْطَهُ ! وَقَالَ اللَّه : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . 40 60 * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّة ثَلَاثًا لَمْ يُعْطَهَا إِلَّا نَبِيّ , كَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ فَلَيْسَ عَلَيْك حَرَج ! فَقَالَ اللَّه : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج } قَالَ : وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ شَهِيد عَلَى قَوْمك ! وَقَالَ اللَّه : { لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس } وَكَانَ يُقَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْ تُعْطَهُ ! وَقَالَ اللَّه { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } . 40 60 ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة } يَقُول : فَأَدُّوا الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة لِلَّهِ عَلَيْكُمْ بِحُدُودِهَا , وَآتُوا الزَّكَاة الْوَاجِبَة عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالكُمْ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة } يَقُول : فَأَدُّوا الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة لِلَّهِ عَلَيْكُمْ بِحُدُودِهَا , وَآتُوا الزَّكَاة الْوَاجِبَة عَلَيْكُمْ فِي أَمْوَالكُمْ.' يَقُول : وَثِقُوا بِاللَّهِ , وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي أُمُوركُمْ .يَقُول : وَثِقُوا بِاللَّهِ , وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي أُمُوركُمْ .' يَقُول : فَنِعْمَ الْوَلِيّ اللَّه لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ , فَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة وَجَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه حَقّ جِهَاده وَاعْتَصَمَ بِهِ .يَقُول : فَنِعْمَ الْوَلِيّ اللَّه لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُمْ , فَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة وَجَاهَدَ فِي سَبِيل اللَّه حَقّ جِهَاده وَاعْتَصَمَ بِهِ .' يَقُول : وَنِعْمَ النَّاصِر هُوَ لَهُ عَلَى مَنْ بَغَاهُ بِسُوءٍ .يَقُول : وَنِعْمَ النَّاصِر هُوَ لَهُ عَلَى مَنْ بَغَاهُ بِسُوءٍ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وجاهدوا في الله حق جهاده} قيل : عنى به جهاد الكفار. وقيل : هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه؛ أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. قال ابن عطية : وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن : 16]. وكذا قال هبة الله : إن قول { حق جهاده} وقوله في الآية الأخرى. { حق تقاته} [آل عمران : 102] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر. ولا حاجة إلى تقدير النسخ؛ فإن هذا هو المراد من أول الحكم؛ لأن { حق جهاده} ما ارتفع عنه الحرج. وقد روى سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خير دينكم أيسره). وقال أبو جعفر النحاس. وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ؛ لأنه واجب على الإنسان، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : (المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل). وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أين السائل)؟ فقال : أنا ذا؛ فقال عليه السلام : (كلمة عدل عند سلطان جائر). قوله تعالى { هو اجتباكم} أي اختاركم للذب عن دينه والتزام أمره؛ وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة؛ أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له. قوله تعالى { من حرج} أي من ضيق. وقد تقدم في { الأنعام} . وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام؛ وهي مما خص الله بها هذه الأمة. روى معمر عن قتادة قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي : كان يقال للنبي اذهب فلا حرج عليك، وقيل لهذه الأمة { وما جعل عليكم في الدين من حرج} . والنبي شهيد على أمته، وقيل لهذه الأمة { لتكونوا شهداء على الناس} . ويقال للنبي : سل تعطه، وقيل لهذه الأمة { ادعوني أستجب لكم} . واختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله تعالى؛ فقال عكرمة : هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع، وما ملكت يمينك. وقيل : المراد قصر الصلاة، والإفطار للمسافر، وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره، وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه، والغريم ومن له والدان، وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل. وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء. وروي عن ابن عباس والحسن البصري (أن هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم؛ فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم)، على خلاف فيه بيناه في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس رضي الله عنه. وما ذكرناه هو الصحيح في الباب. وكذلك الفطر والأضحى؛ لما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون). خرجه أبو داود والدارقطني، ولفظه ما ذكرناه. والمعنى : باجتهادكم من غير حرج يلحقكم. وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء، فما يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها : (أفعل ولا حرج). قال العلماء : رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السلابة والسراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجا من إلزام ثبوت رجل لاثنين في سبيل الله تعالى؛ ومع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج. قوله تعالى { ملة أبيكم} قال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم. الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف؛ كأنه قال كملة. وقيل : المعنى وافعلوا الخير فعل أبيكم، فأقام الفعل مقام الملة. وإبراهيم هو أبو العرب قاطبة. وقيل : الخطاب لجميع المسلمين، وإن لم يكن الكل من ولده؛ لأن حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد. { هو سماكم المسلمين من قبل} قال ابن زيد والحسن { هو} راجع إلى إبراهيم؛ والمعنى : هو سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم. { وفي هذا} أي وفي حكمه أن من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو مسلم. قال ابن زيد : وهو معنى قوله { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة : 128]. قال النحاس : وهذا القول مخالف لقول عظماء الأمة. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : (سماكم الله عز وجل المسلمين من قبل، أي في الكتب المتقدمة وفي هذا القرآن)؛ قال مجاهد وغيره. { ليكون الرسول شهيدا عليكم} أي بتبليغه إياكم. { وتكونوا شهداء على الناس} أن رسلهم قد بلغتهم؛ كما تقدم في { البقرة} . { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} تقدم مستوفى والحمد لله.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { حَقَّ جِهَادِهِ.. } [الحج: 78] كالذي قلناه في
{  مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }
[الحج: 74] لأن الجهاد أيضاً يحتاج إلى إخلاص، وأنْ تجعل الله في بالك، فربما خرجتَ لمجرد أن تدفع اللوم عن نفسك وحملتَ السلاح فعلاً ودخلت المعركة، لكن ما في بالك أنها لله وما في بالك إعلاء كلمة الله، كالذي يقاتل للشهرة وليرى الناس مكانته، أو يقاتل طمعاً في الغنائم، أو لأنه مغتاظ من العدو وبينه وبينه ثأر، ويريد أن ينتقم منه ، هذه وغيرها أمور تُخرِج القتال عن هدفه وتُفرغه من محتواه.

لذلك لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمَنْ في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " " وهذا هو حق الجهاد، وأنت فيه حكَم على نفسك، لأن ميزان ذلك في يدك

. وقد تسأل: ولماذا الجهاد؟ قالوا: لأنك إذا انتفعتَ بالمنهج تطبيقاً له بعد التحقيق الذي أتى به الرسل تنفع نفسك، لكن ربك - عز وجل - يريد أنْ يُشيع النفع لمن معك أيضاً، وهذا لا يتأتّى إلا بالجهاد بالنفس أو المال أو أي شيء محبوب، وإلا فكيف ستربح الصفقة التي قال الله تعالى عنها:
{  إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ.. }
[التوبة: 111].

وكما أن للجنود في ساحة القتال مهمة، كذلك لمن قعد ولم يخرج مهمة: الجندي حين يقتحم الأهوال والمخاطر ويُعرِّض نفسه للموت، فهذا يعني أنه دخل المعركة وما عرَّض نفسه للموت، فهذا يعني أنه ما دخل المعركة وما عرَّض نفسه للقتل إلا وهو واثق تمام الثقة، أن ما يذهب إليه بالقتل خير مما يناله بالجُبْن، وهذا يشجع الآخرين ويحثّهم على القتال.

لذلك، في غزوة بدر لما سمع الصحابي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهيد وكان في فمه تمرة يمصُّها، فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أُقتل في سبيل الله؟ قال: نعم، فألقى التمرة من فيه وخرج لتوِّه إلى الجهاد لأنه واثق تمام الثقة أن ما سيذهب إليه بالشهادة خير مما ترك.

أما الذين بَقَوْا ولم يخرجوا، فمهمتهم أن يحملوا المنهج، وأنْ يحققوه، وإلا لو خرج الجميع إلى القتال واستشهدوا جميعاً، فمَنْ يحمل منهج الله وينشره؟

وجاءءت كلمة الجهاد عامة لتشمل كل أنواع الجهاد، فإذا ما أثمر الجهاد ثمرته وتعلبنا على الكفر فلم يَعُدْ هناك كفار، أو خَلَّوْا طريق دعوتنا وتركونا، وأحبوا أنْ يعيشوا في بلادنا أهل ذمة، فلا داعي - إذن - للقتال، ويتحول الجهاد إلى ميدان آخر هو جهاد النفس.لذلك قال تعالى بعدها: { هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ.. } [الحج: 78] يعني: اختاركم واصطفاكم لتكونوا خير أمة أُخرجت للناس، وثمن هذا الاجتباء أن نكون أهلاً له، وعلى مستوى مسئوليته، وأنْ نحقق ما أراده الله منّا.

كما ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها، نقول لهم: لقد اختاركم الله، فكونوا أَهْلاً لهذا الاختيار، واجعلوا كلامه تعالى في محلّه.

ثم يقول سبحانه: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.. } [الحج: 78] يعني: ما اجتباكم ليُعنتكم، أو ليُضيِّق عليكم، أو ليُعسِّر عليكم الأمور، إنما جعَل الأمر كله يُسْر، وشرعه على قَدْر الاستطاعة، ورخَّص لكم ما يُخفِّف عنكم، ويُذهِب عنكم الحرج والضيق، فمَنْ لم يستطع القيام صلى قاعداً، ومَنْ كان مريضاً أفطر، والفقير لا زكاة عليه ولا حج.. الخ.

كما قال سبحانه في موضع آخر:
{  وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ.. }
[البقرة: 220] لكنه سبحانه ما أعنتكم ولا ضَيَّق عليكم، وما كلَّفكم إلا ما تستطيعون القيام به.

وقوله تعالى: { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } [الحج: 78] كلمة (ملة) جاءت هكذا بالنصب، لأنها مفعول به لفعل تقديره: (الزموا) مِلة أبيكم إبراهيم؛ لأنكم دعوته حين قال:
{  رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ.. }
[البقرة: 128]

ومن دعوة إبراهيم عليه السلام:
{  رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ.. }
[البقرة: 129] لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشْرى عيسى ".

يعني: من ذريته وذرية ولده إسماعيل
{  وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا.. }
[البقرة: 128] أعطنا التكاليف، وكأنه مُتشوِّق إلى تكاليف الله، وهل يشتاق الإنسان للتكليف إنْ كان فيه ضيق أو مشقة؟

وكذلك كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يعشقون تكاليف الإسلام، ويسألون عنها رسول الله رغم قوله لهم: " ذروني ما تركتكم " إلا أنهم كانوا يسألون عن أمور الدين ليبنوا حياتهم الجديدة، لا على ما كانت الجاهلية تفعله، بل على ما أمر به الإسلام.

ولنا مَلْحظ في قوله تعالى: { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ.. } [الحج: 78].

نقول: الإسلام انقياد عَقَديٌّ للجميع، وفي أمة الإسلام مَنْ ليس من ذرية إبراهيم، لكن إبراهيم عليه السلام أبٌ لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، والرسول أب لكل مَنْ آمن به؛ لأن أبوة الرسول أبوة عمل واتباع، كما جاء في قول الله تعالى في قصة نوح عن ابنه:
{  إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ.. }
[هود: 46].

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أباً لكل مَنْ آمن به سَمَّى الله زوجاته أمهات للمؤمنين، فقال سبحانه:
{  ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ.. }
[الأحزاب: 6].

وما دامت الأزواج أمهات، فالزوج أب، وبناءً على هذه الصلة يكون إبراهيم عليه السلام أباً لأمة الإسلام، وإنْ كان فيهم مَنْ ليس من سلالته.

ونجد البعض ممَّنْ يحبون الاعتراض على كلام الله يقولون في مسألة أبوة الرسول لأمته: لكن القرآن قال غير ذلك، قال في قصة زيد بن حارثة:
{  مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ.. }
[الأحزاب: 40] فنفى أن يكون محمد أباً لأحد، وفي هذا ما يناقض كلامكم.

نقول: لو فهمتم عن الله ما اعترضتُم على كلامه، فالله يقول: ما كان محمد أباً لأحدكم، بل هو أب للجميع، فالمنفيّ أن يكون رسول الله أباً لواحد، لا أن يكون أباً لجميع أمته. وقال بعدها:
{  وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ.. }
[الأحزاب: 40] وما دام رسول الله، فهو أب للكل.

ثم يقول تعالى عن إبراهيم عليه السلام: { هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ.. } [الحج: 78] يعني: إبراهيم عليه السلام سماكم المسلمين، فكأن هذه مسألة واضحة وأمْر معروف أنكم مسلمون منذ إبراهيم عليه السلام: { وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ.. } [الحج: 78].

وفي موضع آخر يحدث تقديم وتأخير، فيقول سبحانه:
{  لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }
[البقرة: 143].

لماذا؟ قالوا: لأن رسول الله بلَّغ رسالة الله، وأشهد الله على ذلك حين قال: " اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد " أشهد أنِّي بلغتُ، وهو صلى الله عليه وسلم يريد من أمته أن يكون كل شخص فيها حاملاً لهذه الرسالة، مُبلِّغاً لها حتى يسمع كلام الرسول مَنْ لم يحضره ولم يَرَهُ، وهكذا يكون الرسول شهيداً على مَنْ آمن به، ومَنْ آمن شهيداً على مَنْْ بلّغه.

لذلك من شرف أمة محمد أولاً أنه لا يأتي بعده رسول؛ لأنهم مأمونون على منهج الله، وكأن الخير لا ينطفيء فيهم أبداً. وقلنا: إن الرسل لا يأتون إلا بعد أنْ يعُمَّ الفساد، ويفقد الناس المناعة الطبيعية التي تحجزهم عن الشر، وكذلك يفقدها المجتمع كله فلا ينهى أحد أحداً عن شر؛ عندها يتدخل الحق سبحانه برسول ومعجزة جديدة ليُصلح ما فسد.

فختام الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم شهادة أن الخير لا ينقطع من أمته أبداً، ومهما انحرف الناس سيبقى جماعة على الجادة يحملون المنهج ويتمسكون به ويكونون قدوة لغيرهم. لذلك حدَّد رسول الله هذه المسألة فقال: " الخير فيَّ حصراً، وفي أمتي نثراً " فالخير كله والكمال كله في شخص رسول الله، ومنثور في أمته.

ثم يعود السياق إلى الأمر بالصلاة: { فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ.. } [الحج: 78] لأنها الفريضة الملازمة للمؤمن، وفيها إعلاء الولاء المكرر في اليوم خمس مرات، وبها يستمر ذِكْر الله على مدى الزمن كله لا ينقطع أبداً في لحظة من لحظات الزمن حين تنظر إلى العالم كله، وتضم بعضه إلى بعض.

والمتأمل في الزمن بالنسبة للحق - تبارك وتعالى - يجده دائماً لا ينقطع، فاليوم مثلاً عندنا أربع وعشرون ساعة، واليوم عند الله ألف سنة مما تعدُّون، واليوم في القيامة خمسون ألف سنة، وهناك يوم اسمه يوم الآن أي: اللحظة التي نحن فيها، وهو يوم الله الذي قال عنه:
{  كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }
[الرحمن: 29] لذلك يقول: ما شغل ربك الآن وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ قال: " أمور يبديها ولا يبتديها، يرفع أقواماً، ويضع آخرين ".

فيوم الآن يوم عام، لا هو يوم مصر، ولا يوم سوريا، ولا يوم اليابان إذن: في كل لحظة يبدأ لله يوم ينتهي يوم، فيومه تعالى مستمر لا ينقطع.

ونقرأ في الحديث النبوي الشريف: " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسِيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل ".

نهار مَنْ؟ وليل مَنْ؟ فالنهار والليل في الزمن دائم لا ينقطع، وفي كل لحظة من لحظات الزمن ينتهي يوم ويبدأ يوم، وينتهي ليل ويبدأ ليل. إذن: فالله تعالى يده مبسوطة دائماً لا يقبضها أبداً، كما قال سبحانه:
{  بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ.. }
[المائدة: 64]

ثم يقول سبحانه: { وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ } [الحج: 78] الجئوا إليه في الشدائد، وهذا يعني أنكم ستُواجهون وتُضطهدون، فما من حامل منهج لله إلا اضُطهد، فلا يؤثر فيكم هذا ولا يفُتُّ في عَضُدكم، واجعلوا الله ملجأكم ومعتصمكم في كل شدة تداهمكم، كما قال سبحانه:
{  لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ }
[هود: 43].

واعتصامكم بالله أمر لا تأتون إليه بأنفسكم إنما { هُوَ مَوْلاَكُمْ } [الحج: 78] يعني: المتولّي لشأنكم، وما دام هو سبحانه مولاكم { فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ }

.


www.alro7.net