سورة
اية:

قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

تفسير بن كثير

لما تعين أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم، شرعوا يترققون له ويعطّفونه عليهم { قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} يعنون وهو يحبه حباً شديداً ويتسلى به عن ولده الذي فقده، { فخذ أحدنا مكانه} أي بدله يكون عندك عوضاً عنه، { إنا نراك من المحسنين} أي العادلين المنصفين القابلين للخير، { قال معاذ اللّه أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} أي كما قلتم واعترفتم، { إنا إذا لظالمون} أي إن أخذنا بريئاً بمذنب.

تفسير الجلالين

{ قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } يحبه أكثر منا ويتسلى به عن ولده الهالك ويحزنه ففراقه { فخذ أحدنا } استبعده { مكانه } بدلا منه { إنا نراك من المحسنين } في أفعالك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { قَالُوا يَا أَيّهَا الْعَزِيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ إِخْوَة يُوسُف لِيُوسُف : { يَا أَيُّهَا الْعَزِيز } يَا أَيّهَا الْمَلِك { إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } كَلِفًا بِحُبِّهِ , يَعْنُونَ يَعْقُوب . { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } يَعْنُونَ فَخُذْ أَحَدًا مِنَّا بَدَلًا مِنْ بِنْيَامِين , وَخَلِّ عَنْهُ . { إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُولُونَ : إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ فِي أَفْعَالِك . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي ذَلِكَ , مَا . 14984 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق : { إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ } إِنَّا نَرَى ذَلِكَ مِنْك إِحْسَانًا إِنْ فَعَلْت الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { قَالُوا يَا أَيّهَا الْعَزِيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ إِخْوَة يُوسُف لِيُوسُف : { يَا أَيُّهَا الْعَزِيز } يَا أَيّهَا الْمَلِك { إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } كَلِفًا بِحُبِّهِ , يَعْنُونَ يَعْقُوب . { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } يَعْنُونَ فَخُذْ أَحَدًا مِنَّا بَدَلًا مِنْ بِنْيَامِين , وَخَلِّ عَنْهُ . { إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ } يَقُولُونَ : إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ فِي أَفْعَالِك . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي ذَلِكَ , مَا . 14984 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق : { إِنَّا نَرَاك مِنَ الْمُحْسِنِينَ } إِنَّا نَرَى ذَلِكَ مِنْك إِحْسَانًا إِنْ فَعَلْت '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} المعنى : أي اقتدى بأخيه، ولو اقتدى بنا ما سرق؛ وإنما قالوا ذلك ليبرءوا من فعله، لأنه ليس من أمهم؛ وأنه إن سرق فقد جذبه عرق أخيه السارق؛ لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق. وقد اختلفوا في السرقة التي نسبوا إلى يوسف؛ فروي عن مجاهد وغيره أن عمة يوسف بنت إسحاق كانت أكبر من يعقوب، وكانت صارت إليها منطقة إسحاق لسنها؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالسن، وهذا مما نسخ حكمه بشرعنا، وكان من سرق استعبد. وكانت عمة يوسف حضنته وأحبته حبا شديدا؛ فلما ترعرع وشب قال لها يعقوب : سلمي يوسف إلي، فلست أقدر أن يغيب عني ساعة؛ فولعت به، وأشفقت من فراقه؛ فقالت له : دعه عندي أياما أنظر إليه فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت : لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من أخذها ومن أصابها؛ فالتمست ثم قالت : اكشفوا أهل البيت فكشفوا؛ فوجدت مع يوسف. فقالت : إنه والله لي سلم أصنع فيه ما شئت؛ ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها : أنت وذلك، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك؛ فأمسكته حتى ماتت؛ فبذلك عيره إخوته في قولهم { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} ومن ههنا تعلم يوسف وضع السقاية في رحل أخيه كما عملت به عمته. وقال سعيد بن جبير : إنما أمرته أن يسرق صنما كان لجده أبي أمه، فسرقه وكسره وألقاه على الطريق، وكان ذلك منهما تغييرا للمنكر؛ فرموه بالسرقة وعيروه بها، وقال قتادة. وفي كتاب الزجاج : أنه كان صنم ذهب. وقال عطية العوفي : إنه كان مع إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه فعيره بذلك. وقيل : إنه كان يسرق من طعام المائدة للمساكين؛ حكاه ابن عيسى وقيل : إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه؛ قاله الحسن. قوله تعالى { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم} أي أسر في نفسه قولهم { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} قاله ابن شجرة وابن عيسى. وقيل : إنه أسر في نفسه قوله { أنتم شر مكانا} ثم جهر فقال { والله أعلم بما تصفون} . قاله ابن عباس، أي أنتم شر مكانا ممن نسبتموه إلى هذه السرقة. ومعنى قوله { والله أعلم بما تصفون} أي الله أعلم أن ما قلتم كذب، وإن كانت لله رضا. وقد قيل : إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء. قوله تعالى‏ { ‏قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه‏} ‏ خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول أو موته‏.‏ وقولهم‏ { ‏إن له أبا شيخا كبيرا‏} ‏ أي كبير القدر، ولم يريدوا كبر السن؛ لأن ذلك معروف من حال الشيء‏.‏ ‏ { ‏فخذ أحدنا مكانه‏} ‏ أي عبدا بدله؛ وقد قيل‏:‏ إن هذا مجاز؛ لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقه؛ وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله‏:‏ اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك مبالغ في استنزاله‏.‏ ويحتمل أن يكون قولهم‏ { ‏فخذ أحدنا مكانه} ‏ حقيقة؛ وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يروا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة؛ أي خذ أحدنا مكانه‏.‏ حتى ينصرف إليك صاحبك؛ ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه؛ ويعرف يعقوب جلية الأمر؛ فمنع يوسف عليه السلام من ذلك، إذ الحمالة في الحدود ونحوها - بمعنى إحضار المضمون فقط - جائزة مع التراضي، غير لازمة إذا أبى الطالب؛ وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، فلا يجوز إجماعا‏.‏ وفي ‏"‏الواضحة‏"‏‏:‏ إن الحمالة في الوجه فقط في جميع الحدود جائزة، إلا في النفس‏.‏ وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس‏.‏ واختلف فيها عن الشافعي؛ فمرة ضعفها، ومرة أجازها‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏إنا نراك من المحسنين‏} ‏ يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم، ويحتمل أن يريدوا‏:‏ إنا نرى لك إحسانه علينا في هذه اليد أن أسديتها إلينا؛ وهذا تأويل ابن إسحاق‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال معاذ الله‏} ‏ مصدر‏.‏ ‏ { ‏أن نأخذ‏} ‏ في موضع نصب؛ أي من أن نأخذ‏.‏ ‏ { ‏إلا من وجدنا‏} ‏ في موضع نصب بـ ‏ { ‏أخذ‏} ‏‏.‏ { ‏متاعنا عنده‏} ‏ أي معاذ الله أن نأخذ البريء بالمجرم ونخالف ما تعاقدنا عليه‏.‏ { ‏إنا إذا لظالمون‏} ‏ أي أن نأخذ غيره‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 76 - 85

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا دخلوا مع يوسف في نقاش، وبدأوا في الاستعطاف؛ بقولهم:

{ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً... } [يوسف: 78].

ونلحظ أن كلمة " كبير " تُطلق إطلاقات متعددة، إنْ أردتَ الكِبَر في السنِّ تكون من " كَبرَ يَكْبَر " ، وإنْ أردتَ الكِبَرَ في المقام تقول: " كَبُرَ يَكبُر ".

والحق سبحانه يقول:
{  كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }
[الكهف: 5].

والكِبَر واحد من معاني العظمة، أما الكِبَرُ في السِّنِّ فهو مختلف؛ وهنا قالوا:

{ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً... } [يوسف: 78].

قد تكون ترقيقاً بالعزة، أو ترقيقاً بالضعف.

أي: إن له أباً شيخاً كبيراً عظيماً في قومه؛ وحين يُبلغه أن ابنه قد احتُجز من أجل سرقة، فهذا أمر مؤلم؛ ولك أن تُقدِّر ذلك وأنت عزيز مصر؛ ونرجو أن تحفظ للأب شرفه ومَجْده وعظمته، واسْتُرْ ذلك الأمر من أجل خاطر ومكانة والده.

أو: أن يكون قولهم مقصوداً به، أن الأب شيخ مُهدَّم، لا يحتمل الصدمة، وخصوصاً أن له ابناً قد فُقِد.

ثم يعرضون عَرْضاً آخر، فيقولون:

{ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [يوسف:78].

أي: أنهم سألوه أن يُتمِّمَ إحسانه عليهم، فقد أحسن استقبالهم؛ وسبق أن أنزلهم منزلاً كريماً، وأعطاهم المَيْرة، ولم يأخذ بضائعهم ثمناً لها.

ومَنْ يفعل ذلك؛ لا يضِنُّ عليهم بأن يستجيب لرجائهم، بأن يأخذ واحداً منهم بدلاً من أخيهم الصغير.

كل هذه ترقيقات منهم لقلبه، ولكن القاعدة هي ألاَّ يُؤاخذ بالذنب إلا صاحبه؛ ولذلك لم يَفُتْ هذا الأمر على يوسف، فجاء الحق سبحانه بما يوضح ذلك: { قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ... }.


www.alro7.net