سورة
اية:

وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى حال السعداء ثنَّى بذكر الأشقياء، فقال: { إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون . لا يفتر عنهم} أي ساعة واحدة { وهم فيه مبلسون} أي آيسون من كل خير، { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} أي بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم فكذبوا وعصوا فجوزوا بذلك جزاء وفاقاً وما ربك بظلام للعبيد، { ونادوا يا مالك} وهو خازن النار، { ليقض علينا ربك} أي يقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه، فإنهم كما قال تعالى: { لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} ، وقال عزَّ وجلَّ: { ثم لا يموت فيها ولا يحيا} ، فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك { قال إنكم ماكثون} قال ابن عباس: مكث ألف سنة، ثم قال { إنكم ماكثون} أي لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها، ثم ذكر سبب شقوتهم وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال: { لقد جئناكم بالحق} أي بيناه لكم ووضحناه وفسرناه، { ولكنَّ أكثرهم للحق كارهون} أي ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة، ثم قال تبارك وتعالى: { أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون} ، قال مجاهد: أرادوا كيد شر فكدناهم، وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم اللّه تعالى ورد وبال ذلك عليهم، ولهذا قال: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} ، أي سرهم وعلانيتهم { بلى ورسلنا لديهم يكتبون} أي نحن نعلم ما هم عليه، والملائكة أيضاً يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها.

تفسير الجلالين

{ ونادوا يا مالك } هو خازن النار { ليقض علينا ربك } ليمتنا { قال } بعد ألف سنة { إنكم ماكثون } مقيمون في العذاب دائماً .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَادَى هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ بَعْد مَا أَدْخَلَهُمْ اللَّه جَهَنَّم , فَنَالَهُمْ فِيهَا مِنَ الْبَلَاء مَا نَالَهُمْ , مَالِكًا خَازِن جَهَنَّم { يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : لِيُمِتْنَا رَبّك , فَيَفْرُغ مِنْ إِمَاتَتنَا , فَذُكِرَ أَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيبهُمْ فِي وَقْت قِيلهمْ لَهُ ذَلِكَ , وَيَدَعهُمْ أَلْف عَام بَعْد ذَلِكَ , ثُمَّ يُجِيبهُمْ , فَيَقُول لَهُمْ : { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23968 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ أَبِي الْحَسَن , عَنْ ابْن عَبَّاس { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } فَأَجَابَهُمْ بَعْد أَلْف سَنَة { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } . 23969 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ رَجُل مِنْ جِيرَانه يُقَال لَهُ الْحَسَن , عَنْ نَوْف فِي قَوْله : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : يَتْرُكهُمْ مِائَة سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ , ثُمَّ يُنَادِيهِمْ فَيَقُول : يَا أَهْل النَّار إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ . 23970 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : فَخَلَّى عَنْهُمْ أَرْبَعِينَ عَامًا لَا يُجِيبهُمْ , ثُمَّ أَجَابَهُمْ : { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } : { قَالُوا رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } 23 107 فَخَلَّى عَنْهُمْ مِثْلَيْ الدُّنْيَا , ثُمَّ أَجَابَهُمْ : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 108 قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا نَبَسَ الْقَوْم بَعْد الْكَلِمَة , إِنْ كَانَ إِلَّا الزَّفِير وَالشَّهِيق . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَزْدِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : إِنَّ أَهْل جَهَنَّم يَدْعُونَ مَالِكًا أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَا يُجِيبهُمْ , ثُمَّ يَقُول : { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } , ثُمَّ يُنَادُونَ رَبّهمْ { رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } 23 107 فَيَدَعهُمْ أَوْ يُخَلِّي عَنْهُمْ مِثْل الدُّنْيَا , ثُمَّ يَرُدّ عَلَيْهِمْ { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 108 قَالَ : فَمَا نَبَسَ الْقَوْم بَعْد ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ إِنْ كَانَ إِلَّا الزَّفِير وَالشَّهِيق فِي نَار جَهَنَّم. * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنِ الْحَسَن , عَنْ نَوْف { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : يَتْرُكهُمْ مِائَة سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ , ثُمَّ نَادَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ , فَقَالَ : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ . 23971 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : مَالِك خَازِن النَّار , قَالَ : فَمَكَثُوا أَلْف سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ , قَالَ : فَأَجَابَهُمْ بَعْد أَلْف عَام : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ . 23972 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : يُمِيتنَا , الْقَضَاء هَا هُنَا الْمَوْت , فَأَجَابَهُمْ { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَادَى هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ بَعْد مَا أَدْخَلَهُمْ اللَّه جَهَنَّم , فَنَالَهُمْ فِيهَا مِنَ الْبَلَاء مَا نَالَهُمْ , مَالِكًا خَازِن جَهَنَّم { يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : لِيُمِتْنَا رَبّك , فَيَفْرُغ مِنْ إِمَاتَتنَا , فَذُكِرَ أَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيبهُمْ فِي وَقْت قِيلهمْ لَهُ ذَلِكَ , وَيَدَعهُمْ أَلْف عَام بَعْد ذَلِكَ , ثُمَّ يُجِيبهُمْ , فَيَقُول لَهُمْ : { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23968 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ أَبِي الْحَسَن , عَنْ ابْن عَبَّاس { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } فَأَجَابَهُمْ بَعْد أَلْف سَنَة { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } . 23969 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ رَجُل مِنْ جِيرَانه يُقَال لَهُ الْحَسَن , عَنْ نَوْف فِي قَوْله : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : يَتْرُكهُمْ مِائَة سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ , ثُمَّ يُنَادِيهِمْ فَيَقُول : يَا أَهْل النَّار إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ . 23970 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : فَخَلَّى عَنْهُمْ أَرْبَعِينَ عَامًا لَا يُجِيبهُمْ , ثُمَّ أَجَابَهُمْ : { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } : { قَالُوا رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } 23 107 فَخَلَّى عَنْهُمْ مِثْلَيْ الدُّنْيَا , ثُمَّ أَجَابَهُمْ : { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 108 قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا نَبَسَ الْقَوْم بَعْد الْكَلِمَة , إِنْ كَانَ إِلَّا الزَّفِير وَالشَّهِيق . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَزْدِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : إِنَّ أَهْل جَهَنَّم يَدْعُونَ مَالِكًا أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَا يُجِيبهُمْ , ثُمَّ يَقُول : { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } , ثُمَّ يُنَادُونَ رَبّهمْ { رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } 23 107 فَيَدَعهُمْ أَوْ يُخَلِّي عَنْهُمْ مِثْل الدُّنْيَا , ثُمَّ يَرُدّ عَلَيْهِمْ { اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 108 قَالَ : فَمَا نَبَسَ الْقَوْم بَعْد ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ إِنْ كَانَ إِلَّا الزَّفِير وَالشَّهِيق فِي نَار جَهَنَّم. * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنِ الْحَسَن , عَنْ نَوْف { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : يَتْرُكهُمْ مِائَة سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ , ثُمَّ نَادَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ , فَقَالَ : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ . 23971 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : مَالِك خَازِن النَّار , قَالَ : فَمَكَثُوا أَلْف سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ , قَالَ : فَأَجَابَهُمْ بَعْد أَلْف عَام : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ . 23972 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَنَادَوْا يَا مَالِك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبّك } قَالَ : يُمِيتنَا , الْقَضَاء هَا هُنَا الْمَوْت , فَأَجَابَهُمْ { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ونادوا يا مالك} وهو خازن جهنم، خلقه لغضبه؛ إذا زجر النار زجرة أكل بعضها بعضا. وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما { ونادوا يا مالِ} وذلك خلاف المصحف. وقال أبو الدرداء وابن مسعود : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ونادوا يا مال} باللام خاصة؛ يعني رخم الاسم وحذف الكاف. والترخيم الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء، وهو أن يحذف من آخره حرف أوكثر، فتقول في مالك : يا مال، وفي حارث : يا حار، وفي فاطمة : يا فاطم، وفي عائشة يا عائش وفي مروان : يا مرو، وهكذا. قال : يا حار لا أرمين منكم به بداهية ** لم يَلقها سُوقة قبلي ولا مَلِك وقال امرؤ القيس : أحار ترى برقا أريك وميضه ** كلمع اليدين في حَبيٍّ مُكلّل وقال أيضا : أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ** وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي وقال آخر : يا مرو إن مطيتي محبوسة ** ترجو الحِباء وربها لم ييأس وفي صحيح الحديث (أي فل، هلم). ولك في آخر الاسم المرخم وجهان : أحدهما : أن تبقيه على ما كان عليه قبل الحذف. والآخر : أن تبقيه على الضم؛ مثل : يا زيد؛ كأنك أنزلته منزلته ولم تراع المحذوف. وذكر أبو بكر الأنباري قال : حدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد - وهو ابن سعدان - قال حدثنا حجاج عن شعبة عن الحكم بن عيينة عن مجاهد قال : كنا لا ندري ما الزخرف حتى وجدناه في قراءة عبدالله { بيت من ذهب} ، وكنا لا ندري { ونادوا يا مالك} أو يا ملك بفتح اللام وكسرها حتى وجدناه في قراءة عبدالله { ونادوا يا مال} على الترخيم. قال أبو بكر : لا يعمل على هذا الحديث لأنه مقطوع لا يقبل مثله في الرواية عن الرسول عليه السلام؛ وكتاب الله أحق بأن يحتاط له وينفى عنه الباطل. قلت : ""وفي صحيح البخاري عنه صفوان بن يعلى"" عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} بإثبات الكاف. وقال محمد بن كعب القرظي : بلغني - أو ذكر لي - أن أهل النار استغاثوا بالخزنة فقال الله تعالى: { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} [غافر : 49] فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب؛ فردت عليهم { قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر : 50] قال : فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا مالكا؛ وهو عليهم وله مجلس في وسطها، وجسور تمر عليها ملائكة العذاب؛ فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا: { يا مالك ليقض علينا ربك} سألوا الموت، قال : فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال : والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال: { إنكم ماكثون} وذكر الحديث؛ ذكره ابن المبارك. وفي حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [فيقولون ادعوا مالكا فيقولون يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون]. قال الأعمش : نبئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام؛ خرجه الترمذي. وقال ابن عباس : يقولون ذلك فلا يجيبهم ألف سنة، ثم يقول إنكم ماكثون. وقال مجاهد ونوف البكالي : بين ندائهم وإجابته إياهم مائة سنة. وقال عبدالله بن عمرو : أربعون سنة؛ ذكره ابن المبارك.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الكلام هنا عن أهل النار والعياذ بالله ينادون مالك خازن النار { يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ.. } [الزخرف: 77] يعني: بالموت لنستريحَ ممَّا نحن فيه من العذاب الدائم الذي لا ينتهي، لأن الحق سبحانه يقول
{  كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. }
[النساء: 56].

وقلنا: إن العلوم الحديثة أثبتتْ أن الجلد هو موضع الإحساس، بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلاً لا تشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، وقد سبق القرآن كل العلوم في بيان هذه الحقيقة، لذلك يطلب أهل النار الموتَ لينقذهم من هذا العذاب.

لكن نلحظ أن الفعل { لِيَقْضِ.. } [الزخرف: 77] جاء بصيغة الأمر، واقترنَ أيضاً بلام الأمر، فهل الحق سبحانه وتعالى يُؤمر وخاصةً من أهل النار؟ قلنا: إن الطلب إنْ كان من الأعلى للأدنى فهو أمر، وإنْ كان من المساوي لك فهو التماس، وإن كان من الأدنى للأعلى فهو دعاء، فنحن إذن لا نأمر الله إنما ندعوه.

(قال) أي مالك { إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ } [الزخرف: 77] باقون في النار خالدون فيها، لأنه لا عذرَ لكم { لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ.. } [الزخرف: 78] أي: الدين الحق والمنهج الحق { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } [الزخرف: 78] وهذا معنى
{  وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ }
[الزخرف: 76].

ثم يُوجه السياقُ الحديثَ إلى سيدنا رسول الله، وكثيراً ما يخاطبه ربه ليُسلِّيه ويُخفِّف عنه لأنه لاقى من عَنَت قومه وعنادهم الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورَمَوه بالحجارة حتى أدْموا قدميه، وألقوا سقط البغير والقاذورات على ظهره وهو يصلي.

وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق سبحانه يُبيِّن له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أنْ فسدَ الخَلْق وانتشر الشرُّ، ووراء هذا الفساد قومٌ يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي أنْ يصادموك وأنْ يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم وانتفاعهم بهذا الفساد.

وقد وصل كُرْه هؤلاء لرسول الله أنْ بيَّتوا للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى:
{  وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ }
[الأنفال: 30].

وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:

{ أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً.. }


www.alro7.net