سورة
اية:

وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ

تفسير بن كثير

قال الضحاك عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان اسمه تارخ، وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم، قلت: كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم فاللّه أعلم، وقال ابن جرير: هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه معوج، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام، ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، وقد يكون له اسمان كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقباً، وهذا الذي قاله جيد قوي واللّه أعلم. وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله لأبيه، أو عطف بيان وهو أشبه، والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام وزجره عنها فلم ينته كما قال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر تتخذ أصناما آلهة} أي أتتأله لصنم تعبده من دون اللّه { إني أراك وقومك} أي السالكين مسلكك { في ضلال مبين} أي تائهين، لا يهتدون أين يسلكون بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم، وقال تعالى: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا} ، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو اللّه تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} ، وثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم انظر ما ورءاك، فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار، وقوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية اللّه عزَّ وجلَّ في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض} . وقوله تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} ، وقال: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} ، فإنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عياناً، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإمام أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل في حديث المنام: (أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك) وذكر الحديث. وقوله: { وليكون من الموقنين} قيل الواو زائدة تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله: { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} ، وقيل: بل هي على بابها أي نريه ذلك ليكون عالماً وموقناً. وقوله تعالى: { فلما جن عليه الليل} أي تغشاه وستره { رأى كوكبا} أي نجماً قيل: الزهرة، وقيل: المشتري، وهو قول الطبري، وكان قومه يعبدون الكواكب ، { قال هذا ربي فلما أفل} أي غاب. قال محمد بن إسحاق الأفول: الذهاب، وقال ابن جرير: يقال أفل النجم يأفِل ويأفُل أفولاً وأفلاً: إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة: مصابيح ليست باللواتي نقودها ** دياج ولا بالآفلات الزوائل ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا. { قال: لا أحب الآفلين} ، قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول { فلما رأى القمر بازغا} أي طالعاً، { قال هذا ربي فلما أفل قال} لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} أي هذا المنير الطالع ربي { هذا أكبر} أي جرماً من النجم والقمر وأكثر إضاءة، { فلما أفلت} أي غابت { قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} أي خلقهما { حنيفا وما أنا من المشركين} أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي { للذي فطر السموات والأرض} أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق { حنيفا} أي في حال كوني حنيفاً أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: { وما أنا من المشركين} . وقد اختلف المفسرون في هذا المقام: هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلاً بقوله: { لئن لم يهدني ربي} الآية. وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف. والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولاً صلوات اللّه وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تملك لنفسها تصرفاً، بل هي جرم من الأجرام خلقها اللّه منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من الشرق ثم تسير فيما بينه وبين الغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر، فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع { قال يا قوم إني بريء مما تشركون} أي أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعاً ثم لا تنظرون { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء وربه وملكيه وإلهه، كما قال تعالى: { إن ربكم اللّه الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العاليمن} ، وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام وهو الذي قال اللّه في حقه: { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الآيات، وقال تعالى: { إن إبراهيم كان أمة قانتا للّه حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} . وقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} ، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (قال اللّه إني خلقت عبادي حنفاء)، وقال اللّه في كتابه العزيز: { فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه} ، وقال تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى} ، ومعناه على أحد القولين كقوله: { فطرة اللّه التي فطر الناس عليها} ، كما سيأتي بيانه، فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله اللّه أمة قانتاً للّه حنيفاً ولم يك من المشركين ناظراً في هذا المقام، بل هو أولى بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً قوله تعالى:

تفسير الجلالين

{ وكذلك } كما أريناه إضلال أبيه وقومه { نري إبراهيم ملكوت } ملك { السماوات والأرض } ليستدل به على وحدانيتنا { وليكون من الموقنين } بها وجملة وكذلك وما بعدها اعتراض وعطف على قال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { وَكَذَلِكَ } : وَكَمَا أَرَيْنَاهُ الْبَصِيرَة فِي دِينه وَالْحَقّ فِي خِلَاف مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَال , نُرِيه مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , يَعْنِي مُلْكه ; وَزِيدَتْ فِيهِ التَّاء كَمَا زِيدَتْ فِي " الْجَبَرُوت " مِنْ الْجَبْر , وَكَمَا قِيلَ : رَهَبُوت خَيْر مِنْ رَحَمُوت , بِمَعْنَى : رَهْبَة خَيْر مِنْ رَحْمَة . وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : لَهُ مَلَكُوت الْيَمَن وَالْعِرَاق , بِمَعْنَى : لَهُ مُلْك ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : نُرِيه خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10473 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } : أَيْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض . 10474 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } : أَيْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَعْنِي بِمَلَكُوتِ السَّمَوَات وَالْأَرْض : خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْمَلَكُوت : الْمُلْك ; بِنَحْوِ التَّأْوِيل الَّذِي أَوَّلْنَاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10475 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة , وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ قَوْله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : هُوَ الْمُلْك , غَيْر أَنَّهُ بِكَلَامِ النَّبَط " مَلَكُوتًا " . 10476 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ اِبْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : هِيَ بِالنَّبَطِيَّةِ : " مَلَكُوتًا " . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : آيَات السَّمَوَات وَالْأَرْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10477 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : آيَات السَّمَوَات وَالْأَرْض . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : آيَات . 10478 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : تَفَرَّجَتْ لِإِبْرَاهِيم السَّمَوَات السَّبْع . حَتَّى الْعَرْش , فَنَظَرَ فِيهِنَّ . وَتَفَرَّجَتْ لَهُ الْأَرَضُونَ السَّبْع , فَنَظَرَ فِيهِنَّ . 10479 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } قَالَ : أُقِيمَ عَلَى صَخْرَة , وَفُتِحَتْ لَهُ السَّمَوَات , فَنَظَرَ إِلَى مُلْك اللَّه فِيهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَكَانه فِي الْجَنَّة ; وَفُتِحَتْ لَهُ الْأَرَضُونَ حَتَّى نَظَرَ إِلَى أَسْفَل الْأَرْض , فَذَلِكَ قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } يَقُول : آتَيْنَاهُ مَكَانه فِي الْجَنَّة . وَيُقَال : أَجْره : الثَّنَاء الْحَسَن . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بِزَّة , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : فُرِّجَتْ لَهُ السَّمَوَات فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ حَتَّى اِنْتَهَى بَصَره إِلَى الْعَرْش ; وَفُرِّجَتْ لَهُ الْأَرَضُونَ السَّبْع فَنَظَرَ مَا فِيهِنَّ . 10480 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : كُشِفَ لَهُ عَنْ أَدِيم السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى نَظَر إِلَيْهِنَّ عَلَى صَخْرَة , وَالصَّخْرَة عَلَى حُوت , وَالْحُوت عَلَى خَاتَم رَبّ الْعِزَّة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . 10481 - حَدَّثَنَا هَنَّاد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي عُثْمَان , عَنْ سَلْمَان , قَالَ : لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , رَأَى عَبْدًا عَلَى فَاحِشَة , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رَأَى آخَر عَلَى فَاحِشَة , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رَأَى آخَر عَلَى فَاحِشَة , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ , فَقَالَ : أَنْزِلُوا عَبْدِي لَا يُهْلِك عِبَادِي ! 10482 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا قَبِيصَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء , قَالَ : لَمَّا رَفَعَ اللَّه إِبْرَاهِيم فِي الْمَلَكُوت فِي السَّمَوَات , أَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رُفِعَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رُفِعَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي , فَدَعَا عَلَيْهِ , فَنُودِيَ : عَلَى رِسْلك يَا إِبْرَاهِيم فَإِنَّك عَبْد مُسْتَجَاب لَك ! وَإِنِّي مِنْ عَبْدِي عَلَى ثَلَاث : إِمَّا أَنْ يَتُوب إِلَيَّ فَأَتُوب عَلَيْهِ , وَإِمَّا أَنْ أُخْرِجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة طَيِّبَة , وَإِمَّا أَنْ يَتَمَادَى فِيمَا هُوَ فِيهِ , فَأَنَا مِنْ وَرَائِهِ ! 10483 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر , وَعَبْد الْوَهَّاب , عَنْ عَوْف , عَنْ أُسَامَة : أَنَّ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن حَدَّثَ نَفْسه أَنَّهُ أَرْحَم الْخَلْق , وَأَنَّ اللَّه رَفَعَهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى أَهْل الْأَرْض , فَأَبْصَرَ أَعْمَالَهُمْ ; فَلَمَّا رَآهُمْ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي , قَالَ : اللَّهُمَّ دَمِّرْ عَلَيْهِمْ ! فَقَالَ لَهُ رَبّه : أَنَا أَرْحَم بِعِبَادِي مِنْك , اِهْبِطْ فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَتُوبُوا إِلَيَّ وَيَرْجِعُوا ! وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَاهُ مِنْ النُّجُوم وَالْقَمَر وَالشَّمْس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10484 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم . 10485 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر . 10486 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَعْنِي بِهِ : نُرِيه الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم . 10487 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : خُبِّئَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ جَبَّار مِنْ الْجَبَابِرَة , فَجُعِلَ لَهُ رِزْقه فِي أَصَابِعه , فَإِذَا مَصَّ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعه وَجَدَ فِيهَا رِزْقًا . فَلَمَّا خَرَجَ أَرَاهُ اللَّه مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض ; فَكَانَ مَلَكُوت السَّمَوَات : الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم , وَمَلَكُوت الْأَرْض : الْجِبَال وَالشَّجَر وَالْبِحَار . - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فُرَّ بِهِ مِنْ جَبَّار مُتْرَف , فَجُعِلَ فِي سَرَب , وَجُعِلَ رِزْقه فِي أَطْرَافه , فَجَعَلَ لَا يَمُصّ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعه إِلَّا وَجَدَ فِيهَا رِزْقًا ; فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ السَّرَب أَرَاهُ اللَّه مَلَكُوت السَّمَوَات , فَأَرَاهُ شَمْسًا وَقَمَرًا وَنُجُومًا وَسَحَابًا وَخَلْقًا عَظِيمًا ; وَأَرَاهُ مَلَكُوت الْأَرْض , فَأَرَاهُ جِبَالًا وَبُحُورًا وَأَنْهَارًا وَشَجَرًا وَمِنْ كُلّ الدَّوَابّ , وَخَلْقًا عَظِيمًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } أَنَّهُ أَرَاهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَذَلِكَ مَا خَلَقَ فِيهِمَا مِنْ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ عَظِيم سُلْطَانه فِيهِمَا , وَجَلَّى لَهُ بَوَاطِن الْأُمُور وَظَوَاهِرهَا ; لِمَا ذَكَرْنَا قَبْل مِنْ مَعْنَى الْمَلَكُوت فِي كَلَام الْعَرَب فِيمَا مَضَى قَبْل . وَأَمَّا قَوْله : { وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ أَرَاهُ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض لِيَكُونَ مِمَّنْ يَتَوَحَّد بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَيَعْلَم حَقِّيَّة مَا هَدَاهُ لَهُ وَبَصَّرَهُ إِيَّاهُ مِنْ مَعْرِفَة وَحْدَانِيّته وَمَا عَلَيْهِ قَوْمه مِنْ الضَّلَالَة مِنْ عِبَادَتهمْ وَاِتِّخَاذهمْ آلِهَة دُون اللَّه تَعَالَى . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , مَا : 10488 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } أَنَّهُ جَلَّى لَهُ الْأَمْر سِرّه وَعَلَانِيَته , فَلَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَال الْخَلَائِق ; فَلَمَّا جَعَلَ يَلْعَن أَصْحَاب الذُّنُوب , قَالَ اللَّه : إِنَّك لَا تَسْتَطِيع هَذَا , فَرَدَّهُ اللَّه كَمَا كَانَ قَبْل ذَلِكَ . فَتَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل : أَرَيْنَاهُ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , لِيَكُونَ مِمَّنْ يُوقِن عِلْم كُلّ شَيْء حِسًّا لَا خَبَرًا . 10489 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنَا أَبُو جَابِر , قَالَ : وَحَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ أَيْضًا قَالَ : ثَنِي خَالِد بْن اللَّجْلَاج , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن بْن عَيَّاش يَقُول : صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات غَدَاة , فَقَالَ لَهُ قَائِل : مَا رَأَيْت أَسْعَد مِنْك الْغَدَاة ! قَالَ : " وَمَالِي وَقَدْ أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَن صُورَة , فَقَالَ : فَفِيمَ يَخْتَصِم الْمَلَأ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّد ؟ قُلْت : أَنْتَ أَعْلَم ! فَوَضَعَ يَده بَيْن كَتِفِيَّ , فَعَلِمْت مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض " . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { وَكَذَلِكَ } : وَكَمَا أَرَيْنَاهُ الْبَصِيرَة فِي دِينه وَالْحَقّ فِي خِلَاف مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَال , نُرِيه مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , يَعْنِي مُلْكه ; وَزِيدَتْ فِيهِ التَّاء كَمَا زِيدَتْ فِي " الْجَبَرُوت " مِنْ الْجَبْر , وَكَمَا قِيلَ : رَهَبُوت خَيْر مِنْ رَحَمُوت , بِمَعْنَى : رَهْبَة خَيْر مِنْ رَحْمَة . وَحُكِيَ عَنْ الْعَرَب سَمَاعًا : لَهُ مَلَكُوت الْيَمَن وَالْعِرَاق , بِمَعْنَى : لَهُ مُلْك ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : نُرِيه خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10473 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنَا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } : أَيْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض . 10474 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } : أَيْ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَعْنِي بِمَلَكُوتِ السَّمَوَات وَالْأَرْض : خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الْمَلَكُوت : الْمُلْك ; بِنَحْوِ التَّأْوِيل الَّذِي أَوَّلْنَاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10475 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا عُمَر بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة , وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ قَوْله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : هُوَ الْمُلْك , غَيْر أَنَّهُ بِكَلَامِ النَّبَط " مَلَكُوتًا " . 10476 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ اِبْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : هِيَ بِالنَّبَطِيَّةِ : " مَلَكُوتًا " . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : آيَات السَّمَوَات وَالْأَرْض . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10477 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : آيَات السَّمَوَات وَالْأَرْض . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : آيَات . 10478 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : تَفَرَّجَتْ لِإِبْرَاهِيم السَّمَوَات السَّبْع . حَتَّى الْعَرْش , فَنَظَرَ فِيهِنَّ . وَتَفَرَّجَتْ لَهُ الْأَرَضُونَ السَّبْع , فَنَظَرَ فِيهِنَّ . 10479 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } قَالَ : أُقِيمَ عَلَى صَخْرَة , وَفُتِحَتْ لَهُ السَّمَوَات , فَنَظَرَ إِلَى مُلْك اللَّه فِيهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَكَانه فِي الْجَنَّة ; وَفُتِحَتْ لَهُ الْأَرَضُونَ حَتَّى نَظَرَ إِلَى أَسْفَل الْأَرْض , فَذَلِكَ قَوْله : { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } يَقُول : آتَيْنَاهُ مَكَانه فِي الْجَنَّة . وَيُقَال : أَجْره : الثَّنَاء الْحَسَن . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بِزَّة , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : فُرِّجَتْ لَهُ السَّمَوَات فَنَظَرَ إِلَى مَا فِيهِنَّ حَتَّى اِنْتَهَى بَصَره إِلَى الْعَرْش ; وَفُرِّجَتْ لَهُ الْأَرَضُونَ السَّبْع فَنَظَرَ مَا فِيهِنَّ . 10480 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : كُشِفَ لَهُ عَنْ أَدِيم السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى نَظَر إِلَيْهِنَّ عَلَى صَخْرَة , وَالصَّخْرَة عَلَى حُوت , وَالْحُوت عَلَى خَاتَم رَبّ الْعِزَّة لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . 10481 - حَدَّثَنَا هَنَّاد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي عُثْمَان , عَنْ سَلْمَان , قَالَ : لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , رَأَى عَبْدًا عَلَى فَاحِشَة , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رَأَى آخَر عَلَى فَاحِشَة , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رَأَى آخَر عَلَى فَاحِشَة , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ , فَقَالَ : أَنْزِلُوا عَبْدِي لَا يُهْلِك عِبَادِي ! 10482 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا قَبِيصَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ طَلْحَة بْن عَمْرو , عَنْ عَطَاء , قَالَ : لَمَّا رَفَعَ اللَّه إِبْرَاهِيم فِي الْمَلَكُوت فِي السَّمَوَات , أَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رُفِعَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي , فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ ; ثُمَّ رُفِعَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى عَبْدًا يَزْنِي , فَدَعَا عَلَيْهِ , فَنُودِيَ : عَلَى رِسْلك يَا إِبْرَاهِيم فَإِنَّك عَبْد مُسْتَجَاب لَك ! وَإِنِّي مِنْ عَبْدِي عَلَى ثَلَاث : إِمَّا أَنْ يَتُوب إِلَيَّ فَأَتُوب عَلَيْهِ , وَإِمَّا أَنْ أُخْرِجَ مِنْهُ ذُرِّيَّة طَيِّبَة , وَإِمَّا أَنْ يَتَمَادَى فِيمَا هُوَ فِيهِ , فَأَنَا مِنْ وَرَائِهِ ! 10483 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي عَدِيّ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر , وَعَبْد الْوَهَّاب , عَنْ عَوْف , عَنْ أُسَامَة : أَنَّ إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن حَدَّثَ نَفْسه أَنَّهُ أَرْحَم الْخَلْق , وَأَنَّ اللَّه رَفَعَهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى أَهْل الْأَرْض , فَأَبْصَرَ أَعْمَالَهُمْ ; فَلَمَّا رَآهُمْ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي , قَالَ : اللَّهُمَّ دَمِّرْ عَلَيْهِمْ ! فَقَالَ لَهُ رَبّه : أَنَا أَرْحَم بِعِبَادِي مِنْك , اِهْبِطْ فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَتُوبُوا إِلَيَّ وَيَرْجِعُوا ! وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَاهُ مِنْ النُّجُوم وَالْقَمَر وَالشَّمْس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10484 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم . 10485 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر . 10486 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَعْنِي بِهِ : نُرِيه الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم . 10487 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : خُبِّئَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ جَبَّار مِنْ الْجَبَابِرَة , فَجُعِلَ لَهُ رِزْقه فِي أَصَابِعه , فَإِذَا مَصَّ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعه وَجَدَ فِيهَا رِزْقًا . فَلَمَّا خَرَجَ أَرَاهُ اللَّه مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض ; فَكَانَ مَلَكُوت السَّمَوَات : الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم , وَمَلَكُوت الْأَرْض : الْجِبَال وَالشَّجَر وَالْبِحَار . - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فُرَّ بِهِ مِنْ جَبَّار مُتْرَف , فَجُعِلَ فِي سَرَب , وَجُعِلَ رِزْقه فِي أَطْرَافه , فَجَعَلَ لَا يَمُصّ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعه إِلَّا وَجَدَ فِيهَا رِزْقًا ; فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ السَّرَب أَرَاهُ اللَّه مَلَكُوت السَّمَوَات , فَأَرَاهُ شَمْسًا وَقَمَرًا وَنُجُومًا وَسَحَابًا وَخَلْقًا عَظِيمًا ; وَأَرَاهُ مَلَكُوت الْأَرْض , فَأَرَاهُ جِبَالًا وَبُحُورًا وَأَنْهَارًا وَشَجَرًا وَمِنْ كُلّ الدَّوَابّ , وَخَلْقًا عَظِيمًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض } أَنَّهُ أَرَاهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَذَلِكَ مَا خَلَقَ فِيهِمَا مِنْ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ عَظِيم سُلْطَانه فِيهِمَا , وَجَلَّى لَهُ بَوَاطِن الْأُمُور وَظَوَاهِرهَا ; لِمَا ذَكَرْنَا قَبْل مِنْ مَعْنَى الْمَلَكُوت فِي كَلَام الْعَرَب فِيمَا مَضَى قَبْل . وَأَمَّا قَوْله : { وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ أَرَاهُ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض لِيَكُونَ مِمَّنْ يَتَوَحَّد بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَيَعْلَم حَقِّيَّة مَا هَدَاهُ لَهُ وَبَصَّرَهُ إِيَّاهُ مِنْ مَعْرِفَة وَحْدَانِيّته وَمَا عَلَيْهِ قَوْمه مِنْ الضَّلَالَة مِنْ عِبَادَتهمْ وَاِتِّخَاذهمْ آلِهَة دُون اللَّه تَعَالَى . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , مَا : 10488 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } أَنَّهُ جَلَّى لَهُ الْأَمْر سِرّه وَعَلَانِيَته , فَلَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَال الْخَلَائِق ; فَلَمَّا جَعَلَ يَلْعَن أَصْحَاب الذُّنُوب , قَالَ اللَّه : إِنَّك لَا تَسْتَطِيع هَذَا , فَرَدَّهُ اللَّه كَمَا كَانَ قَبْل ذَلِكَ . فَتَأْوِيل ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل : أَرَيْنَاهُ مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض , لِيَكُونَ مِمَّنْ يُوقِن عِلْم كُلّ شَيْء حِسًّا لَا خَبَرًا . 10489 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنَا أَبُو جَابِر , قَالَ : وَحَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ أَيْضًا قَالَ : ثَنِي خَالِد بْن اللَّجْلَاج , قَالَ : سَمِعْت عَبْد الرَّحْمَن بْن عَيَّاش يَقُول : صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات غَدَاة , فَقَالَ لَهُ قَائِل : مَا رَأَيْت أَسْعَد مِنْك الْغَدَاة ! قَالَ : " وَمَالِي وَقَدْ أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَن صُورَة , فَقَالَ : فَفِيمَ يَخْتَصِم الْمَلَأ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّد ؟ قُلْت : أَنْتَ أَعْلَم ! فَوَضَعَ يَده بَيْن كَتِفِيَّ , فَعَلِمْت مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض " . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} أي ملك، وزيدت الواو والتاء للمبالغة في الصفة. ومثله الرغبوت والرهبوت والجبروت. وقرأ أبو السمال العدوي { ملكوت} بإسكان اللام. ولا يجوز عند سيبويه حذف الفتحة لخفتها، ولعلها لغة. و { نري} بمعنى أرينا؛ فهو بمعنى المضي. فقيل : أراد به ما في السماوات من عبادة الملائكة والعجائب وما في الأرض من عصيان بني آدم؛ فكان يدعو على من يراه يعصي فيهلكه الله، فأوحى الله إليه يا إبراهيم أمسك عن عبادي، أما علمت أن من أسمائي الصبور. روى معناه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل : كشف الله له عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين. وروى ابن جريج عن القاسم عن إبراهيم النخعي قال : فرجت له السماوات السبع فنظر إليهن حتى انتهى إلى العرش، وفرجت له الأرضون فنظر إليهن، ورأى مكانه في الجنة؛ فذلك قوله { وآتيناه أجره في الدنيا} [العنكبوت : 27] عن السدي. وقال الضحاك : أراه من ملكوت السماء ما قصه من الكواكب، ومن ملكوت الأرض البحار والجبال والأشجار، ونحو ذلك مما استدل به. وقال بنحوه ابن عباس. وقال : جعل حين ولد في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه فكان يمصها، وكان نمروذ اللعين رأى رؤيا فعبرت له أنه يذهب ملكه على يدي مولود يولد؛ فأمر بعزل الرجال عن النساء. وقيل : أمر بقتل كل مولود ذكر. وكان آزر من المقربين عند الملك نمروذ فأرسله يوما في بعض حوائجه فواقع امرأته فحملت بإبراهيم. وقيل : بل واقعها في بيت الأصنام فحملت وخرت الأصنام على وجوهها حينئذ؛ فحملها إلى بعض الشعاب حتى ولدت إبراهيم، وحفر لإبراهيم سربا في الأرض ووضع على بابه صخرة لئلا تفترسه السباع؛ وكانت أمه تختلف إليه فترضعه، وكانت تجده يمص أصابعه، من أحدها عسل ومن الآخر ماء ومن الآخر لبن، وشب فكان على سنة مثل ابن ثلاث سنين. فلما أخرجه من السرب توهمه الناس أنه ولد منذ سنين؛ فقال لأمه : من ربي؟ فقالت أنا. فقال : ومن ربك؟ قالت أبوك. قال : ومن ربه؟ قالت نمروذ. قال : ومن ربه؟ فلطمته، وعلمت أنه الذي يذهب ملكهم على يديه. والقصص في هذا تام في قصص الأنبياء للكسائي، وهو كتاب مما يقتدى به. وقال بعضهم : كان مولده بحران ولكن أبوه نقله إلى أرض بابل. وقال عامة السلف من أهل العلم : ولد إبراهيم في زمن النمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن كوش بن سام بن نوج. وقد مضى ذكره في { البقرة} . وكان بين الطوفان وبين مولد إبراهيم ألف ومائتا سنة وثلاث وستون سنة؛ وذلك بعد خلق آدم بثلاث آلاف سنة وثلاثمائة سنة وثلاثين سنة. قوله تعالى { وليكون من الموقنين} أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك؛ أي الملكوت.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 74 - 75


سورة الانعام الايات 75 - 82

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي كما اهتدى إبراهيم إلى أن عبادة الأصنام ضلال مبين فسيريه الله ملكوت السموات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن هناك إلهاً حقًّا، فالإله الحق يبين له أسرار الكون:

والملكوت صيغة المبالغة في الملك، مثلها مثل " رحموت ". وهي صيغة مبالغة من الرحمة، والملكوت تعطينا فهم الحقائق غير المشهودة، فالذي يمشي وراء الأسباب المشهودة له يأخذ الملك؛ لأن ما يشهده ويحسَّه هو أمامه، والملكوت هو ما يغيب عنه، إذن ففيه " ملك " ، وفيه " ملكوت " ، الملك هو ما تشاهده أمامك، والملكوت هو ما وراء هذا الملك.

والمثال هو ما قاله سيدنا إبراهيم حينما تكلم على الشركاء لله قال سبحانه:
{  فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ }
[الشعراء: 77-81]

ولنلحظ هنا أن الأساليب مختلفة، فهو يقول: { ٱلَّذِي خَلَقَنِي } ولم يقل " الذي هو خلقني " ، ثم قال { فَهُوَ يَهْدِينِ } لأن أحداً لم يدّع أبداً خلق الإنسان، وهي قضية مسلمة لله ولا تحتاج إلى تأكيد، أما هداية الناس فهناك من يدعي أنه يهدي الناس. وما يَدَّعي من البشر يؤكد بـ " هو " وما لا يُدَّعي من البشر كالخلق والإماتة والإحياء لا يؤتى فيه بكلمة هو.

ويتابع سيدنا إبراهيم: { وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } وهنا قفز سيدنا إبراهيم من كل الأسباب والحلقات الظاهرية إلى الحقيقة، وعرف الغيب { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وهو بذلك يميز بين الوسيلة للشفاء وهم الأطباء المعالجون والشافي الأعظم وهو الله - تبارك وتعالى - لأن الناس قد تفتن بالأسباب وتقول: إن الطبيب هو من يشفي، ولذلك ينتقل سيدنا إبراهيم من ظواهر الأسباب إلى بواطن الأمور، وينتقل من ظواهر الملك إلى باطن الملكوت حتى نعرف أن الطبيب يعالج ولكنه لا يشفي، بدليل أننا كثيراً ما رأينا من يذهب للطبيب ويعطيه الطبيب حقنة فيموت المريض، وبذلك يصير الطبيب في مثل هذا الموقف من وسائل الموت:
سبحان من يرث الطبيب وطبه   ويرى المريض مصارع الآسين
إذن، { فَهُوَ يَشْفِينِ } أي أن الشفاء من الله والعلاج من الطبيب.

وبذلك جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام في قصة العقيدة نجده قد أخذ سلطاناً كبيراً يعترف به جميع الأنبياء؛ لأن ربنا قال فيه: { وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ }.

وكذلك قال سبحانه:
{  وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً }
[البقرة: 124]

أي أنك يا إبراهيم مأمون أن تكون إماماً للناس، وببشرية إبراهيم وبظاهر الملك. سأل الله أن تكون الإمامة في ذريته، وقال: { وَمِن ذُرِّيَّتِي }.

أي اجعل من ذريتي أئمة، فيقول الحق:
{  لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ }
[البقرة: 124].

لأن مسألة الإمامة ليست وراثة دم، ولا يأخذها إلا من يستحقها. وقلنا: إن سيدنا إبراهيم جاء بهاجر وابنه إسماعيل منها وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم، ويقول القرآن على لسانه:
{  رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ }
[إبراهيم: 37].

أي أن سيدنا إبراهيم عليه السلام وعى مسألة تعليم الحق له لأسرار الملكوت، وظل في ذهن سيدنا إبراهيم، أن الحق سبحانه - لا يعطي الإمامة من ظلم ثم أوضح له أنه يجب أن تفرق بين خلافة النبوة، وعطاء الربوبية في الطعام ويتمثل ذلك في دعاء سيدنا إبراهيم:
{  وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }
[البقرة: 126]

فكأن إبراهيم حين طلب الرزق من الثمرات لمن آمن بالله واليوم الآخر لم يفرق في دعائه بين عهد النبوة والإمامة، ومطلوبات الحياة، فيقول له الحق: { وَمَن كَفَرَ... }.

أي أنه سبحانه سيرزق بالطعام من آمن ومن كفر؛ لأن الطعام ومقومات الحياة من عطاءات الربوبية، أما المناهج فهي من عطاءات الألوهية، والله سبحانه وتعالى رب لجميع الناس؛ لأنه هو الذي استدعاهم جميعاً: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وما دام هو الذي استدعاهم إلى الوجود فهو لا يمنعهم الرزق.

{ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } [الأنعام: 75].

وكل من يسير على قدم إبراهيم عليه السلام يرتبط ويتعلق بذات الحق سبحانه وتعالى، وفيه فرق بين الارتباط والتعلق بالذات، والارتباط والتعلق بالصفات؛ والذي يعبد الله لأنه رزّاق، ولأنه مُغْنٍ هو من يرتبط بالصفات. أما من يرتبط بالله لأنه إله فقط وإن أفقره فهو من يرتبط بالذِّاب، وحين صفى سيدنا إبراهيم نفسه من كل العقائد السابقة أوضح له الحق: أنت مأمون على أسرار كوني، وأعطاه الحق الكثير كما يعطي لكل من يخلص في الارتباط بخالقه يعطيه ربنا عطاءات من أسرار كونه. ويضرب الحق سبحانه لنا كثيراً من المُثُل في القرآن فيقول:
{  وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ }
[البقرة: 282]

أي أنك ما دمت مأموناً على ما عرفت من أحكام الحق لحركة حياتك وتنفذه فإن الحق يعتبرك أميناً على أسراره، ويعطيك المزيد من الزيادة.

ومعنى " تتقي " أي أن تلتحم بمنهج الحق، وإذا التحمت بالمنهج الحق كنت في الفيوضات الدائمة التي لا تنقضي من الحق؛ لأن الذي في معيته لا بد أن يخلع الحق عليه من واردات وعطاءات صفاته ما يجلي صلته بربه ويطمئنه عليه، ومثال ذلك ما حدث في " قصة الهجرة " تجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبا بكر في الغار، ويقول أبو بكر لرسول الله: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، وهذه قضية كونية مؤكدة، ويرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بما نقله من القضية الكونية الظاهرة الواضحة إلى عالم الملكوت الخالص، ويقول: " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما "

أي أنه يقول له: اطمئن، لن يرانا أحد؛ لأننا في معية الله، وسبحانه لا تدركه الأبصار. وحين يكون الضعيف في معية القوي فقانون القوى هو الذي يتغلب، فلا يصبح الضعيف ضعيفاً، فحين يكون هناك ولد بين الأطفال الذين في مثل سنّه ويضطهدونه ويؤلمونه ويؤذنه، ثم يرونه في يد أبيه لا يجرؤ أحد منهم أن يأتي إلى ناحيته، والناس لا يقدر بعضهم على بعض إلا إذا انفلتوا من معية الله، ومَن في معية الله لا يجترئ عليه أحد أبداً. ولذلك يرسل لنا ربنا قضايا الملك وقضايا الملكوت، ويمثلها في رسول الله من أول العزم من الرسل مع عبد صالح آتاه الله شيئاً من علمه وفيضه لأنه اتقاه.

يقول الحق سبحانه:
{  فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً }
[الكهف: 65].

إن هذا العبد قد أخذ منهج الرسول الذي جاء به واتبعه، فأداه حق الأداء فاتصل بالحق فأعطاه الحق من لدنه علماً. وحين ننظر في هذه القضية نتعجب لأننا نجد سيدنا موسى - ينظر في عالم الملك بينما ينظر من آتاه الله من لدنه رحمة ومن عنده علما ينظر من عالم الملكوت، وموسى معذور؛ لأنه ينظر في دائرة الأسباب، والعبد الصالح معذور هو الآخر لأنه ينظر في دائرة ثانية، ولذلك سيقول العبد الصالح: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي }.

أي أن المسألة ليست من ذاته، بل هو مأمور بها. وحين ننظر إلى تقدير موقف كل منهما للآخر نجد العبد الصالح يقول: { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً }. أي أن العبد الصالح يعذر موسى، ويضيف:
{  وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً }
[الكهف: 68]

فيقول القرآن على لسان موسى:
{  قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً }
[الكهف: 69]

فها هوذا الرسول الذي جاء ليبلغ المنهج يطيع عبداً صالحاً طبق المنهج من رسول سابق ونفذه كما يحب الله، والتحم بالمنهج، وجاء لنا ربنا بهذه القصة مع رسول من أولي العزم. ويتلقى موسى عليه السلام الأمر من العبد الصالح:
{  قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً }
[الكهف: 70]

لماذا؟ لأن العبد الصالح يعلم أن موسى سيتكلم عن عالم الفلك، وهو يتكلم من عالم الملكوت.

وحين ركبا السفينة، وخرقها العبد الصالح، والخرق إفساد ظاهري في عالم المُلْك. يوضح سيدنا موسى للعبد الصالح أن هذا الفعل إخلال بالقانون، وكيف يعتدي على السفنية بالإفساد؟ فيرد العبد الصالح: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً، وليست لك طاقة على مثل هذه المسائل، فيتذكر موسى، ثم تأتي حكاية الغلام، وحكاية الجدار.وحين ندقق النظر في هذه الأمور نجد عالم الملكوت يصحح الأمور الشاذّة في عالم الملك؛ فخرق السفينة إفساد ظاهري لكن إذا علم موسى أن هناك مَلِكاً يأخذ السفن السليمة الصالحة ويستولي عليها غصبا وهذه السفينة لمساكين يعملون في البحر، ويريد العبد الصالح أن يحافظ لهم على السفينة فيخرقها حتى لا يأخذها المغتصب؛ وحين يقارن الملك المغتصب بين سفينة سليمة وسفينة مخروقة. فلن يأخذ السفينة غير السليمة، ويمكن لأصحابها إصلاحها.

إذن لو علم موسى بهذه المسألة، ألا يجوز أن يكون موسى هو الذي كان يقوم بخرق السفينة؟ إنه كان سيخرقها، إذن لو علم صاحب نظرية الملك ما في نظرية الملكوت من أسرار، لفعل هو الفعل نفسه. وحين نأتي لقتل الغلام، لا بد من التساؤل: وما ذنب الغلام؟ فيفسر العبد الصالح الأمر:
{  وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً }
[الكهف: 80]

والأبوان قد يدللان هذا الابن، ويطعمانه من مال حرام، ويكون فتنة لهما، فقتل الغلام ليظلا على الإيمان، وعجلّ ربنا بالولد إلى الجنة مباشرة.

وفي مسألة الجدار تجد الخلاف بين رؤية عالم المُلْك، ورؤية عالم الملكوتففي ظاهر الأمر أنهما حين أتيا أهل القرية طلباً للطعام، وطلب الطعام شهادة صدق على الضرورة، لأنه ليس طلباً للنقود، فقد يطلب أحد النقود ليدخرها، لكن من يقول: " أعطني رغيفاً لآكل " فهذه آية صدق الضرورة في طلب الطعام. ولكن أهل القرية أبوا أن يضيفوهما، إذن هم لئام لا كرام. ويرى العبد الصالح جداراً يريد أن ينقض، وآيلاً للسقوط فأقامه، وغضب سيدنا موسى، سبب غضبه أنه والعبد الصالح استطعما هؤلاء فلم يطعموهما، فكيف تبني جداراً لهم؟! وكان يصح أن تأخذ عليه أجراً، وغضب سيدنا موسى سببه ظاهر، لكن العبد الصالح يشرح المسألة:

لقد أقام الجدار لأن أهل القرية لئام ولم يعطونا طعاماً، ولو وقع الجدار وظهر الكنز تحته أمام لئام بهذا الشكل لسرقوه من أصحابه، وهم أطفال، وقد بناه العبد الصالح بهندسة إيمانية ألهمه الله بها بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار. أي أنه بناء موقوت، مثلما نضبط المنبه على وقت محدد، كذلك الجدار بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار ويأخذان الكنز.

وهذا يوضح لنا الخلاف بين عالم المُلْك وبين عالم الملكوت؛ فعالم الملكوت هو الذي يغيب عنا وراء الأسباب. وكثير من الناس يقف عند الأسباب، ولا ينتقل من الأسباب إلى السبب المباشر، إلى أن ينتهي إلى مسبب ليس بعده سبب.

{ وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } [الأنعام: 75].

فهل تيقن أو لم يتيقن؟.

و " موقنين " جمع " موقن " والجمع أقله ثلاثة، واليقين ينقسم إلى ثلاث مراحل: يقين بعلم من تثق فيه لأنه لا يكذب؛ ويقين بعين ما تخبر به، ويقين بحقيقة المُخْبَر به.إذن فالناس هم الذين يطيلون على أنفسهم أمد القضاء.

ولذلك عرف سيدنا إبراهيم هذه القضية: قضية فهمه لعالم الملكوت. فلما قيل له: " اذبح ابنك " لم يرد أن يمر ابنه بفترة سخط على تصرف أبيه؛ لأنه إن أخذه من يده وفي يده الأخرى السكين فلا بد أن تكون هذه اللحظة مشحونة بالسخط، فيحرم من الجزاء، فيبين له المسألة. ويقول القرآن حكاية عن إبراهيم:
{  يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ }
[الصافات: 102]

وهذا القول يريد به إبراهيم أن ينال ابنه ثواب الاستسلام وهو دليل محبة إبراهيم لولده، فماذا قال إسماعيل:
{  قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ }
[الصافات: 102]

قال إسماعيل ذلك ليأخذ عبودية الطاعة. ويؤكد القرآن رضا إبراهيم وابنه بالقضاء فيقول:
{  فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ }
[الصافات: 103]

وهذا القبول بالقضاء هو ما يرفعه. لذلك يقول القرآن بعدها:
{  وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ }
[الصافات: 104-105]

ويفدي الله إسماعيل بذبح عظيم، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يرزق الله إبراهيم بولد آخر؛ لأنه فهم ملكوت السموات والأرض، وعرف نهاية الأشياء. فإذا ما أصيب الإنسان بمصيبة فما عليه إلا أن يرضى ويقول: ما دامت هذه المصيبة لا دخل لحركتي فيها، وأجراها عليّ خالقي فهي اختبار منه - سبحانه - ولا يوجد خالق يفسد ما خلق. ولا صانع يفسد ما صنع، ولا بد أن لذلك حكمة عنده لا أفهمها أنا، لكني واثق في حكمته.

إن طريق الخلاص من أي نائبة من النوائب أن يرضى المؤمن بها، فتنتهي. ومن تحدث له مصيبة بأن يموت ولد له، ويظل فاتحاً لباب الحزن في البيت، وتبكي الأم كلما رأت من في مثل سنّه فسيظل باب الحزن مفتوحا، وإن أرادوا أن يزيل الله عنهما هذا الابتلاء فليقفلا باب الحزن بالرضا. وليعلم كل مؤمن أن ما أخذ منه هو معوض عنه بأجر خير منه، والمأخوذ الذي قبضه الله إليه وتوفاه معوض بجزاء خير مما يترك في الدنيا، ولذلك يقال: المصاب ليس من وقعت عليه مصيبة وفارقه الأحباب، بل المصاب من حُرم الثواب، فكأنه باع نكبته بثمن بخس.

ويقول الحق بعد ذلك: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ... }


www.alro7.net