سورة
اية:

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا، عطف بذكر ما لهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقية الإيمان، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف الذي لا ينقطع ولا ينقضي، ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه، ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة كما قال: { والسابقون الأولون} الآية، وقال: { والذين جاءوا من بعدهم} الآية، وفي الحديث المتفق عليه: (المرء مع من أحب)، وفي الحديث الآخر: (ومن أحب قوماً فهو منهم) وفي رواية: (حشر معهم)، وأما قوله تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أي في حكم اللّه، وليس المراد بقوله: { وأولوا الأرحام} ""أخرج ابن جرير: كان الرجل يعاقد الرجل فيقول ترثني وأرثك، فنزلت: { وأولوا الأرحام بعضهم...} الآية، وأخرج ابن سعد: آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين الزبير بن العوام وكعب بن مالك، قال الزبير: لقد رأيت كعباً أصابته الجراحة بأحد، فقلت: لو مات لورثته، فنزلت هذه الآية""خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض، على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة وغير واحد، على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولاً، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص واللّه أعلم. سورة التوبة

تفسير الجلالين

{ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آوَوْا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم } في الجنة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِي آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا } آوَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ وَنَصَرُوهُمْ وَنَصَرُوا دِين اللَّه , أُولَئِكَ هُمْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله حَقًّا , لَا مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِر دَار الشِّرْك وَأَقَامَ بَيْن أَظْهُر أَهْل الشِّرْك وَلَمْ يَغْزُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَدُوّهُمْ . وَهَذِهِ الْآيَة تُنْبِئ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه : { بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } فِي هَذِهِ الْآيَة , وَقَوْله : { مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتهمْ مِنْ شَيْء } إِنَّمَا هُوَ النُّصْرَة وَالْمَعُونَة دُون الْمِيرَاث ; لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَقِب ذَلِكَ بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَالْخَبَر عَمَّا لَهُمْ عِنْده دُون مَنْ لَمْ يُهَاجِر بِقَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا } الْآيَة , وَلَوْ كَانَ مُرَادًا بِالْآيَاتِ قَبْل ذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى حُكْم مِيرَاثهمْ لَمْ يَكُنْ عَقِيب ذَلِكَ لَا الْحَثّ عَلَى مُضِيّ الْمِيرَاث عَلَى مَا أَمَرَ , وَفِي صِحَّة ذَلِكَ كَذَلِكَ الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنْ لَا نَاسِخ فِي هَذِهِ الْآيَات لِشَيْءٍ وَلَا مَنْسُوخ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِي آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا } آوَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ وَنَصَرُوهُمْ وَنَصَرُوا دِين اللَّه , أُولَئِكَ هُمْ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَرَسُوله حَقًّا , لَا مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِر دَار الشِّرْك وَأَقَامَ بَيْن أَظْهُر أَهْل الشِّرْك وَلَمْ يَغْزُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَدُوّهُمْ . وَهَذِهِ الْآيَة تُنْبِئ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا أَنَّ مَعْنَى قَوْل اللَّه : { بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } فِي هَذِهِ الْآيَة , وَقَوْله : { مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتهمْ مِنْ شَيْء } إِنَّمَا هُوَ النُّصْرَة وَالْمَعُونَة دُون الْمِيرَاث ; لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَقِب ذَلِكَ بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَالْخَبَر عَمَّا لَهُمْ عِنْده دُون مَنْ لَمْ يُهَاجِر بِقَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا } الْآيَة , وَلَوْ كَانَ مُرَادًا بِالْآيَاتِ قَبْل ذَلِكَ الدَّلَالَة عَلَى حُكْم مِيرَاثهمْ لَمْ يَكُنْ عَقِيب ذَلِكَ لَا الْحَثّ عَلَى مُضِيّ الْمِيرَاث عَلَى مَا أَمَرَ , وَفِي صِحَّة ذَلِكَ كَذَلِكَ الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنْ لَا نَاسِخ فِي هَذِهِ الْآيَات لِشَيْءٍ وَلَا مَنْسُوخ .' يَقُول : لَهُمْ سِتْر مِنْ اللَّه عَلَى ذُنُوبهمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا.يَقُول : لَهُمْ سِتْر مِنْ اللَّه عَلَى ذُنُوبهمْ بِعَفْوِهِ لَهُمْ عَنْهَا.' يَقُول : لَهُمْ فِي الْجَنَّة مَطْعَم وَمَشْرَب هَنِيّ كَرِيم , لَا يَتَغَيَّر فِي أَجْوَافهمْ فَيَصِير نَجْوًا , وَلَكِنَّهُ يَصِير رَشْحًا كَرَشْحِ الْمِسْك .يَقُول : لَهُمْ فِي الْجَنَّة مَطْعَم وَمَشْرَب هَنِيّ كَرِيم , لَا يَتَغَيَّر فِي أَجْوَافهمْ فَيَصِير نَجْوًا , وَلَكِنَّهُ يَصِير رَشْحًا كَرَشْحِ الْمِسْك .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { حقا} مصدر، أي حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة. وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله: { لهم مغفرة ورزق كريم} أي ثواب عظيم في الجنة. الخامسة: قوله تعالى: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا} يريد من بعد الحديبية وبيعة الرضوان. وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى. والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصالح، ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة. ولهذا قال عليه السلام : (لا هجرة بعد الفتح). فبين أن من آمن وهاجر من بعد يلتحق بهم. ومعنى { منكم} أي مثلكم في النصر والموالاة. السادسة: قوله تعالى: { وأولو الأرحام} ابتداء. والواحد ذو، والرحم مؤنثة، والجمع أرحام. والمراد بها ههنا العصبات دون المولود بالرحم. ومما يبين أن المراد بالرحم العصبات قول العرب : وصلتك رحم. لا يريدون قرابة الأم. قالت قتيلة بنت الحارث - أخت النضر بن الحارث - كذا قال ابن هشام. قال السهيلي : الصحيح أنها بنت النضر لا أخته، كذا وقع في كتاب الدلائل - ترثي أباها حين قتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا - بالصفراء : يا راكبا إن الأثيــــل مظنة ** من صبح خامسة وأنت مـوفق أبلغ بها ميتا بأن تحيــــة ** ما إن تـزال بها النجائب تخفق مــني إليك وعبرة مسفوحة ** جادت بواكفها وأخــرى تخنق هل يسمعني النضر إن ناديته ** أم كـــيف يسمع ميت لا ينطق أمحـمد يا خير ضنء كريمة ** في قومها والفحل فـــحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ** من الفتى وهو الــمغيظ المحنق لــو كنت قابل فدية لفديته ** بأعز ما يفدى به ما يـــــنفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة ** وأحقهم إن كان عتق يعتــــق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ** لله أرحام هناك تشـــــــقق صـبرا يقاد إلى المنية متعبا ** رسف المقيد وهو عان مـــوثق السابعة: واختلف السلف ومن بعدهم في توريث ذوي الأرحام - وهو من لا سهم له في الكتاب - من قرابة الميت وليس بعصبة، كأولاد البنات، وأولاد الأخوات وبنات الأخ، والعمة والخالة، والعم أخ الأب للأم، والجد أبي الأم، والجدة أم الأم، ومن أدلى بهم. فقال قوم : لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام. وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر، ورواية عن علي، وهو قول أهل المدينة، وروي عن مكحول والأوزاعي، وبه قال الشافعي رضي الله عنه. وقال بتوريثهم : عمر بن الخطاب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وعائشة وعلي في رواية عنه، وهو قول الكوفيين وأحمد وإسحاق. واحتجوا بالآية، وقالوا : وقد اجتمع في ذوي الأرحام سببان القرابة والإسلام، فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام. أجاب الأولون فقالوا : هذه آية مجملة جامعة، والظاهر بكل رحم قرب أو بعد، وآيات المواريث مفسرة والمفسر قاض على المجمل ومبين. قالوا : وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الولاء سببا ثابتا، أقام المولى فيه مقام العصبة فقال : (الولاء لمن أعتق). ونهى عن بيع الولاء وعن هبته. احتج الآخرون بما روى أبو داود والدارقطني عن المقدام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من ترك كلا فإلي - وربما قال فإلى الله وإلى رسوله - ومن ترك مالا فلورثته فأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه والخال وأرث من لا وارث له يعقل عنه. ويرثه). وروى الدارقطني عن طاوس قال قالت عائشة رضي الله عنها : (الله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له). موقوف. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (الخال وارث). وروي عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال (لا أدري حتى يأتيني جبريل) ثم قال : (أين السائل عن ميراث العمة والخالة)؟ قال : فأتى الرجل فقال : (سارني جبريل أنه لا شيء لهما). قال الدارقطني : لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، والصواب مرسل. وروي عن الشعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه : هل تدري كيف قضى عمر في العمة والخالة؟ قال لا. قال : إني لأعلم خلق الله كيف قضى فيهما عمر، جعل الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 67 - 74


سورة الانفال الايات 74 - 75

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي إياكم أن تقولوا بأنهم لم يهاجروا معكم. وتنكروا أنهم منكم. بل هم منكم وأولياؤكم فهم قد اتبعوكم بإحسان.

وما الذي جعل الحق سبحانه وتعالى يذكر هذا مرة أخرى؟. لقد تكلم سبحانه وتعالى عن الذين آمنوا وجاهدوا في سبيل الله والذين نصروا، ولننتبه إلى أن هذا ليس تكراراً لأنه سبحانه وتعالى يذكر لنا هنا أنهم جاهدوا بالمال والنفس. وقد جاءت هذه الآية لتثبيت الحكم الشرعي. وانظر إلى عجز كل آية لتعرف. ففي عجز هذه الآية:

{ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [الأنفال: 74].

والحكم الشرعي بالنسبة لهم هو أن يكونوا أولياء بعض، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة حيث يقول:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ }
[الأنفال: 72].

أي أعطانا الحكم الشرعي في ولاية بعضهم لبعض. وأوضح أن هؤلاء لا بد أن يكونوا أولياء، وهذا هو الحكم المطلوب منهم، ولكنه سبحانه في هذه الآية الكريمة:

{ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } [الأنفال: 74].

فلم يتكلم الحق سبحانه وتعالى هنا عن الولاية ولم يعط حكماً بها، وإنما قال سبحانه وتعالى: { هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } وهذا حصر يسمونه قصراً، أي أن غيرهم لا يكون مؤمنا حقا، مثلما تقول: فلان هو الرجل، يعني أن غيره لا تعد رجولته كاملة من كل نواحيها. وهذه مبالغة إيمانية.

ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله الكريم:



{ لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [الأنفال: 74].

وهنا يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن الجزاء. والجزاء إما أن يكون في الدنيا، ولذلك حكم الله لهم بأنهم هم المؤمنون حقا، وإما أن يكون الجزاء في الآخرة. وجزاء الآخرة يمحو السيئات ويرفع الدرجات فقوله: { لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ } أي تمحي سيئاتهم. وقوله تعالى: { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أي تضاعف لهم الحسنات في الجنة. فكأن الآية الأولى كان مقصوداً بها حكم الولاية. وهو حكم مطلوب منهم. والآية الثانية تكلمت عن الجزاء وبينت جزاءهم في الدنيا والآخرة. والجزاء في الدنيا أنهم هم المؤمنون حقا، أمَّا الجزاء في الآخرة فهو محو الذنوب حتى لا يعاقبوا. ورفع درجاتهم بإعطائهم الثواب؛ وهو رزق كريم.

والمغفرة لهم على قليل الذنوب؛ لأنه لا يوجد أحد بلا كبوة في شيء من الأشياء ولا أحد معصوم مثل الرسل فهم وحدهم الذين عصمهم الله من الوقوع في المعاصي، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يغفر لمن ذكرهم في هذه الآية النزوات الصغيرة، ولهم رزق كريم أيضاً. والرزق هو ما انتفع به الإنسان، وإن كان الناس ينظرون إلى الرزق على أنه المادة فقط؛ من مال وأرض وعقار وطعام ولباس، ولكنَّ الحقيقة أن الرزق مجموع أشياء متعددة؛ منها ما هو مادي وما هو معنوي.فالاستقامة رزق، والفضيلة رزق، والعلم رزق، والتقوى رزق، وكلما امتد نفع الرزق يوصف بأنه حسن وجميل. وهنا وصف الحق الرزق بأنه كريم. والكرم هو مجموع الأشياء التي فيها محاسن. وإذا جاء الرزق بلا تعب يكون كريماً، فالهواء رزق لا عمل لك فيه؛ يمر عليك فتتنفس، والماء رزق لا عمل لك فيه لأنه يهبط عليك من السماء، والطعام رزق لك فيه عمل قليل، فأنت بذرت ورويت وانتظرت حتى جاء الثمر.

إذن فهناك رزق لا عمل لك فيه مطلقاً وهو رزق في قمة الكرم، وهناك رزق لك فيه عمل ضئيل وهو رزق كريم لأنه أكبر من العمل. وأنت حين تعطي إنساناً أجره ليس هذا مناّ أو كرما منك لأنه مقابل عمل، ولكن الكرم أن تعطيه بلا مقابل. ورزق الجنة بلا مقابل لأنه بمجرد أن يخطر الشيء على بالك وتشتهيه تجده أمامك.

إذن فهو رزق في قمة الكرم، والحق سبحانه وتعالى قد جعل الكرم من صفات الرزق، فالرزق يعرف عنوانك ومكانك وأنت لا تعرف عنوانه ولا مكانه لأنك قد تبذل جهداً كبيراً في زراعة أرضك ثم تأتي آفة وتصيب الزرع فلا يعطيك رزقاً. وقد تذهب إلى مكان وأنت خالي الذهن فتأتيك صفقة فيها رزق وفير.

إذن فالرزق يعرف مكانك ويأتي إليك ولكنك لا تعرف أين هو. وقد حدد الله سبحانه وتعالى الرزق وقسمه على عباده، وكل رزق مقسوم لك سيصل إليك ولن يذهب إلى غيرك، وأنت قد تأكل طعاماً تلتذ به ثم يهيج معدتك فتفرغ معدتك منه، ويأتي طائر ليلتقط بعضه؛ هذا رزق الطائر تعافه أنت. وقد تأكل الطعام ويتحول إلى مكونات في دمك ثم تذهب تتبرع بهذا الدم إلى غيرك.

إذن فهذا الطعام الذي أكلته وتحول إلى دم في جسدك ليس رزقك ولكنه رزق من نقل إليه الدم. ولذلك إذا قرأت القرآن تجد أن الحق سبحانه وتعالى يقول:
{  وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ }
[النحل: 112].

ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ... }


www.alro7.net