سورة
اية:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

تفسير بن كثير

قال الضحاك عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما كان اسمه تارخ، وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم، قلت: كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم فاللّه أعلم، وقال ابن جرير: هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه معوج، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام، ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، وقد يكون له اسمان كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقباً، وهذا الذي قاله جيد قوي واللّه أعلم. وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله لأبيه، أو عطف بيان وهو أشبه، والمقصود أن إبراهيم وعظ أباه في عبادة الأصنام وزجره عنها فلم ينته كما قال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر تتخذ أصناما آلهة} أي أتتأله لصنم تعبده من دون اللّه { إني أراك وقومك} أي السالكين مسلكك { في ضلال مبين} أي تائهين، لا يهتدون أين يسلكون بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل سليم، وقال تعالى: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا} ، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، كما قال تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو اللّه تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} ، وثبت في الصحيح أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم أي رب ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم انظر ما ورءاك، فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار، وقوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} أي نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية اللّه عزَّ وجلَّ في ملكه وخلقه وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض} . وقوله تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} ، وقال: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} ، فإنه تعالى جلى له الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عياناً، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإمام أحمد والترمذي عن معاذ بن جبل في حديث المنام: (أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت ذلك) وذكر الحديث. وقوله: { وليكون من الموقنين} قيل الواو زائدة تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله: { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} ، وقيل: بل هي على بابها أي نريه ذلك ليكون عالماً وموقناً. وقوله تعالى: { فلما جن عليه الليل} أي تغشاه وستره { رأى كوكبا} أي نجماً قيل: الزهرة، وقيل: المشتري، وهو قول الطبري، وكان قومه يعبدون الكواكب ، { قال هذا ربي فلما أفل} أي غاب. قال محمد بن إسحاق الأفول: الذهاب، وقال ابن جرير: يقال أفل النجم يأفِل ويأفُل أفولاً وأفلاً: إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة: مصابيح ليست باللواتي نقودها ** دياج ولا بالآفلات الزوائل ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا. { قال: لا أحب الآفلين} ، قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول { فلما رأى القمر بازغا} أي طالعاً، { قال هذا ربي فلما أفل قال} لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، { فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} أي هذا المنير الطالع ربي { هذا أكبر} أي جرماً من النجم والقمر وأكثر إضاءة، { فلما أفلت} أي غابت { قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} أي خلقهما { حنيفا وما أنا من المشركين} أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي { للذي فطر السموات والأرض} أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق { حنيفا} أي في حال كوني حنيفاً أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: { وما أنا من المشركين} . وقد اختلف المفسرون في هذا المقام: هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلاً بقوله: { لئن لم يهدني ربي} الآية. وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك، وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف. والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظراً لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم الشمس ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولاً صلوات اللّه وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين لا تزيغ عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تملك لنفسها تصرفاً، بل هي جرم من الأجرام خلقها اللّه منيرة لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من الشرق ثم تسير فيما بينه وبين الغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإلهية، ثم انتقل إلى القمر، فبين فيه مثل ما بين في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك، فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار وتحقق ذلك بالدليل القاطع { قال يا قوم إني بريء مما تشركون} أي أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعاً ثم لا تنظرون { إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} أي إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومسخرها ومقدرها ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء وربه وملكيه وإلهه، كما قال تعالى: { إن ربكم اللّه الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العاليمن} ، وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظراً في هذا المقام وهو الذي قال اللّه في حقه: { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} الآيات، وقال تعالى: { إن إبراهيم كان أمة قانتا للّه حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} . وقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} ، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (قال اللّه إني خلقت عبادي حنفاء)، وقال اللّه في كتابه العزيز: { فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه} ، وقال تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى} ، ومعناه على أحد القولين كقوله: { فطرة اللّه التي فطر الناس عليها} ، كما سيأتي بيانه، فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله اللّه أمة قانتاً للّه حنيفاً ولم يك من المشركين ناظراً في هذا المقام، بل هو أولى بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً قوله تعالى:

تفسير الجلالين

{ و } اذكر { إذ قال إبراهيم لأبيه آزرَ } هو لقبه واسمه تارخ { أتتخذ أصناما آلهة } تعبدها إستفهام توبيخ { إني أراك وقومك } باتخاذها { في ضلال } عن الحق { مبين } بيِّن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد لِحِجَاجِك الَّذِي تُحَاجّ بِهِ قَوْمك وَخُصُومَتك إِيَّاهُمْ فِي آلِهَتهمْ وَمَا تُرَاجِعهُمْ فِيهَا , مِمَّا نُلْقِيه إِلَيْك وَنُعَلِّمكَهُ مِنْ الْبُرْهَان , وَالدَّلَالَة عَلَى بُطْلَان مَا عَلَيْهِ قَوْمك مُقِيمُونَ وَصِحَّة مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مُقِيم مِنْ الدِّين وَحَقِّيَّة مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ مُحْتَجّ , حِجَاج إِبْرَاهِيم خَلِيلِي قَوْمَهُ , وَمُرَاجَعَته إِيَّاهُمْ فِي بَاطِل مَا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان , وَانْقِطَاعه إِلَى اللَّه وَالرِّضَا بِهِ وَالِيًا وَنَاصِرًا دُون الْأَصْنَام ; فَاِتَّخِذْهُ إِمَامًا وَاقْتَدِ بِهِ , وَاجْعَلْ سِيرَته فِي قَوْمك لِنَفْسِك مِثَالًا , إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ مُفَارِقًا لِدِينِهِ وَعَائِبًا عِبَادَته الْأَصْنَام دُون بَارِئِهِ وَخَالِقه : يَا آزَر . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْمَعْنِيّ بِآزَر , وَمَا هُوَ ؟ اِسْم أَمْ صِفَة ؟ وَإِنْ كَانَ اِسْمًا , فَمَنْ الْمُسَمَّى بِهِ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم أَبِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10468 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } قَالَ : اِسْم أَبِيهِ آزَر . 10469 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : ثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : آزَر أَبُو إِبْرَاهِيم . وَكَانَ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم - رَجُلًا مِنْ أَهْل كُوثَى , مِنْ قَرْيَة بِالسَّوَادِ , سَوَاد الْكُوفَة . 10470 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز يَذْكُر , قَالَ : هُوَ آزَر , وَهُوَ تَارَح , مِثْل إِسْرَائِيل وَيَعْقُوب . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَبَا إِبْرَاهِيم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10471 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد وَسُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لَيْسَ آزَر أَبَا إِبْرَاهِيم . - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنِي عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا الثَّوْرِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } قَالَ : آزَر لَمْ يَكُنْ بِأَبِيهِ إِنَّمَا هُوَ صَنَم . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : آزَر اِسْم صَنَم . 10472 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } قَالَ : اِسْم أَبِيهِ . وَيُقَال : لَا , بَلْ اِسْمه تَارَح , وَاسْم الصَّنَم آزَر ; يَقُول : أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَبّ وَعَيْب بِكَلَامِهِمْ , وَمَعْنَاهُ : مُعْوَجّ . كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّهُ عَابَهُ بِزَيْغِهِ وَاعْوِجَاجه عَنْ الْحَقّ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } بِفَتْحِ " آزَرَ " عَلَى إِتْبَاعه الْأَب فِي الْخَفْض , وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ اِسْمًا أَعْجَمِيًّا فَتَحُوهُ إِذْ لَمْ يَجُرُّوهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِع خَفْض . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَدِينِيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ ذَلِكَ : " آزَرُ " , بِالرَّفْعِ عَلَى النِّدَاء , بِمَعْنَى : " يَا آزَرُ " . فَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ السُّدِّيّ مِنْ حِكَايَته أَنَّ آزَرَ اِسْم صَنَم , وَإِنَّمَا نَصْبه بِمَعْنَى : " أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَة , فَقَوْل مِنْ الصَّوَاب مِنْ جِهَة الْعَرَبِيَّة بَعِيد ; وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب لَا تَنْصِب اِسْمًا بِفِعْلٍ بَعْد حَرْف الِاسْتِفْهَام , لَا تَقُول : أَخَاك أَكَلَّمْت , وَهِيَ تُرِيد : أَكَلَّمْت أَخَاك . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدِي , قِرَاءَة مِنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الرَّاء مِنْ " آزَرَ " , عَلَى إِتْبَاعه إِعْرَاب " الْأَب " , وَأَنَّهُ فِي مَوْضِع خَفْض , فَفُتِحَ إِذْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا لِأَنَّهُ اِسْم عَجَمِيّ . وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة وَكَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْد حَرْف الِاسْتِفْهَام , صَحَّ لَك فَتْحه مِنْ أَحَد وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُون اِسْمًا لِأَبِي إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيع أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , فَيَكُون فِي مَوْضِع خَفْض رَدًّا عَلَى الْأَب , وَلَكِنَّهُ فُتِحَ لِمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اِسْمًا أَعْجَمِيًّا تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ , فَفُتِحَ كَمَا فَتَحَ الْعَرَب فِي أَسْمَاء الْعَجَم . أَوْ يَكُون نَعْتًا لَهُ , فَيَكُون أَيْضًا خَفْضًا بِمَعْنَى تَكْرِير اللَّام عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَج أَحْمَر وَأَسْوَد تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ وَفُعِلَ بِهِ كَمَا يُفْعَل بِأَشْكَالِهِ . فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَة ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجِهَة فِي الصَّوَاب إِلَّا أَحَد هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ , فَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ مِنْهُمَا عِنْدِي , قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ اِسْم أَبِيهِ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ أَبُوهُ . وَهُوَ الْقَوْل الْمَحْفُوظ مِنْ قَوْل أَهْل الْعِلْم دُون الْقَوْل الْآخَر الَّذِي زَعَمَ قَائِله أَنَّهُ نَعْت . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ أَهْل الْأَنْسَاب إِنَّمَا يَنْسُبُونَ إِبْرَاهِيم إِلَى تَارَح , فَكَيْف يَكُون آزَرُ اِسْمًا لَهُ وَالْمَعْرُوف بِهِ مِنْ الِاسْم تَارَح ؟ قِيلَ لَهُ : غَيْر مُحَال أَنْ يَكُون لَهُ اِسْمَانِ , كَمَا لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاس فِي دَهْرنَا هَذَا , وَكَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ . وَجَائِز أَنْ يَكُون لَقَبًا , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد لِحِجَاجِك الَّذِي تُحَاجّ بِهِ قَوْمك وَخُصُومَتك إِيَّاهُمْ فِي آلِهَتهمْ وَمَا تُرَاجِعهُمْ فِيهَا , مِمَّا نُلْقِيه إِلَيْك وَنُعَلِّمكَهُ مِنْ الْبُرْهَان , وَالدَّلَالَة عَلَى بُطْلَان مَا عَلَيْهِ قَوْمك مُقِيمُونَ وَصِحَّة مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مُقِيم مِنْ الدِّين وَحَقِّيَّة مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ مُحْتَجّ , حِجَاج إِبْرَاهِيم خَلِيلِي قَوْمَهُ , وَمُرَاجَعَته إِيَّاهُمْ فِي بَاطِل مَا كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان , وَانْقِطَاعه إِلَى اللَّه وَالرِّضَا بِهِ وَالِيًا وَنَاصِرًا دُون الْأَصْنَام ; فَاِتَّخِذْهُ إِمَامًا وَاقْتَدِ بِهِ , وَاجْعَلْ سِيرَته فِي قَوْمك لِنَفْسِك مِثَالًا , إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ مُفَارِقًا لِدِينِهِ وَعَائِبًا عِبَادَته الْأَصْنَام دُون بَارِئِهِ وَخَالِقه : يَا آزَر . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الْمَعْنِيّ بِآزَر , وَمَا هُوَ ؟ اِسْم أَمْ صِفَة ؟ وَإِنْ كَانَ اِسْمًا , فَمَنْ الْمُسَمَّى بِهِ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اِسْم أَبِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10468 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } قَالَ : اِسْم أَبِيهِ آزَر . 10469 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : ثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : آزَر أَبُو إِبْرَاهِيم . وَكَانَ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم - رَجُلًا مِنْ أَهْل كُوثَى , مِنْ قَرْيَة بِالسَّوَادِ , سَوَاد الْكُوفَة . 10470 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز يَذْكُر , قَالَ : هُوَ آزَر , وَهُوَ تَارَح , مِثْل إِسْرَائِيل وَيَعْقُوب . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَبَا إِبْرَاهِيم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10471 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد وَسُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا جَرِير , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لَيْسَ آزَر أَبَا إِبْرَاهِيم . - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنِي عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا الثَّوْرِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } قَالَ : آزَر لَمْ يَكُنْ بِأَبِيهِ إِنَّمَا هُوَ صَنَم . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : آزَر اِسْم صَنَم . 10472 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } قَالَ : اِسْم أَبِيهِ . وَيُقَال : لَا , بَلْ اِسْمه تَارَح , وَاسْم الصَّنَم آزَر ; يَقُول : أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَبّ وَعَيْب بِكَلَامِهِمْ , وَمَعْنَاهُ : مُعْوَجّ . كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ أَنَّهُ عَابَهُ بِزَيْغِهِ وَاعْوِجَاجه عَنْ الْحَقّ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ } بِفَتْحِ " آزَرَ " عَلَى إِتْبَاعه الْأَب فِي الْخَفْض , وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ اِسْمًا أَعْجَمِيًّا فَتَحُوهُ إِذْ لَمْ يَجُرُّوهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِع خَفْض . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي زَيْد الْمَدِينِيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ ذَلِكَ : " آزَرُ " , بِالرَّفْعِ عَلَى النِّدَاء , بِمَعْنَى : " يَا آزَرُ " . فَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ السُّدِّيّ مِنْ حِكَايَته أَنَّ آزَرَ اِسْم صَنَم , وَإِنَّمَا نَصْبه بِمَعْنَى : " أَتَتَّخِذُ آزَرَ أَصْنَامًا آلِهَة , فَقَوْل مِنْ الصَّوَاب مِنْ جِهَة الْعَرَبِيَّة بَعِيد ; وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب لَا تَنْصِب اِسْمًا بِفِعْلٍ بَعْد حَرْف الِاسْتِفْهَام , لَا تَقُول : أَخَاك أَكَلَّمْت , وَهِيَ تُرِيد : أَكَلَّمْت أَخَاك . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدِي , قِرَاءَة مِنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الرَّاء مِنْ " آزَرَ " , عَلَى إِتْبَاعه إِعْرَاب " الْأَب " , وَأَنَّهُ فِي مَوْضِع خَفْض , فَفُتِحَ إِذْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا لِأَنَّهُ اِسْم عَجَمِيّ . وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ قِرَاءَة ذَلِكَ كَذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة وَكَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْد حَرْف الِاسْتِفْهَام , صَحَّ لَك فَتْحه مِنْ أَحَد وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُون اِسْمًا لِأَبِي إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيع أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , فَيَكُون فِي مَوْضِع خَفْض رَدًّا عَلَى الْأَب , وَلَكِنَّهُ فُتِحَ لِمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اِسْمًا أَعْجَمِيًّا تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ , فَفُتِحَ كَمَا فَتَحَ الْعَرَب فِي أَسْمَاء الْعَجَم . أَوْ يَكُون نَعْتًا لَهُ , فَيَكُون أَيْضًا خَفْضًا بِمَعْنَى تَكْرِير اللَّام عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَج أَحْمَر وَأَسْوَد تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ وَفُعِلَ بِهِ كَمَا يُفْعَل بِأَشْكَالِهِ . فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَة ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجِهَة فِي الصَّوَاب إِلَّا أَحَد هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ , فَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ مِنْهُمَا عِنْدِي , قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ اِسْم أَبِيهِ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ أَبُوهُ . وَهُوَ الْقَوْل الْمَحْفُوظ مِنْ قَوْل أَهْل الْعِلْم دُون الْقَوْل الْآخَر الَّذِي زَعَمَ قَائِله أَنَّهُ نَعْت . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنَّ أَهْل الْأَنْسَاب إِنَّمَا يَنْسُبُونَ إِبْرَاهِيم إِلَى تَارَح , فَكَيْف يَكُون آزَرُ اِسْمًا لَهُ وَالْمَعْرُوف بِهِ مِنْ الِاسْم تَارَح ؟ قِيلَ لَهُ : غَيْر مُحَال أَنْ يَكُون لَهُ اِسْمَانِ , كَمَا لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاس فِي دَهْرنَا هَذَا , وَكَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ . وَجَائِز أَنْ يَكُون لَقَبًا , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَة إِنِّي أَرَاك وَقَوْمك فِي ضَلَال مُبِين } . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قِيل إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَة تَعْبُدهَا وَتَتَّخِذهَا رَبًّا دُون اللَّه الَّذِي خَلَقَك فَسَوَّاك وَرَزَقَك ! وَالْأَصْنَام : جَمْع صَنَم , التِّمْثَال مِنْ حَجَر أَوْ خَشَب أَوْ مِنْ غَيْر ذَلِكَ فِي صُورَة إِنْسَان , وَهُوَ الْوَثَن . وَقَدْ يُقَال لِلصُّورَةِ الْمُصَوَّرَة عَلَى صُورَة الْإِنْسَان فِي الْحَائِط غَيْره : صَنَم وَوَثَن . { إِنِّي أَرَاك وَقَوْمك فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول : إِنِّي أَرَاك يَا آزَرُ وَقَوْمك الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَك الْأَصْنَام وَيَتَّخِذُونَهَا آلِهَة { فِي ضَلَال } يَقُول : فِي زَوَال عَنْ مَحَجَّة الْحَقّ , وَعُدُول عَنْ سَبِيل الصَّوَاب ; { مُبِين } يَقُول : يَتَبَيَّن لِمَنْ أَبْصَرَهُ أَنَّهُ جَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل وَزَوَال عَنْ مَحَجَّة الطَّرِيق الْقَوِيم . يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُ قَدْ ضَلَّ هُوَ وَهُمْ عَنْ تَوْحِيد اللَّه وَعِبَادَته الَّذِي اِسْتَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ بِآلَائِهِ عِنْدهمْ , دُون غَيْره مِنْ الْآلِهَة وَالْأَوْثَان . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَة إِنِّي أَرَاك وَقَوْمك فِي ضَلَال مُبِين } . وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قِيل إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَة تَعْبُدهَا وَتَتَّخِذهَا رَبًّا دُون اللَّه الَّذِي خَلَقَك فَسَوَّاك وَرَزَقَك ! وَالْأَصْنَام : جَمْع صَنَم , التِّمْثَال مِنْ حَجَر أَوْ خَشَب أَوْ مِنْ غَيْر ذَلِكَ فِي صُورَة إِنْسَان , وَهُوَ الْوَثَن . وَقَدْ يُقَال لِلصُّورَةِ الْمُصَوَّرَة عَلَى صُورَة الْإِنْسَان فِي الْحَائِط غَيْره : صَنَم وَوَثَن . { إِنِّي أَرَاك وَقَوْمك فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول : إِنِّي أَرَاك يَا آزَرُ وَقَوْمك الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَك الْأَصْنَام وَيَتَّخِذُونَهَا آلِهَة { فِي ضَلَال } يَقُول : فِي زَوَال عَنْ مَحَجَّة الْحَقّ , وَعُدُول عَنْ سَبِيل الصَّوَاب ; { مُبِين } يَقُول : يَتَبَيَّن لِمَنْ أَبْصَرَهُ أَنَّهُ جَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل وَزَوَال عَنْ مَحَجَّة الطَّرِيق الْقَوِيم . يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُ قَدْ ضَلَّ هُوَ وَهُمْ عَنْ تَوْحِيد اللَّه وَعِبَادَته الَّذِي اِسْتَوْجَبَ عَلَيْهِمْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ بِآلَائِهِ عِنْدهمْ , دُون غَيْره مِنْ الْآلِهَة وَالْأَوْثَان .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر} تكلم العلماء في هذا؛ فقال أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الجويني الشافعي الأشعري في النكت من التفسير له : وليس بين الناس اختلاف؛ كأن اسم والد إبراهيم تارح. والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر. وقيل : آزر عندهم ذم في لغتهم؛ كأنه قال : وإذ قال لأبيه يا مخطئ { أتتخذ أصناما آلهة} وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع. وقيل : آزر اسم صنم. وإذا كان كذلك فموضعه نصب على إضمار الفعل؛ كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلها، أتتخذ أصناما آلهة. قلت : ما ادعاه من الاتفاق ليس عليه وفاق؛ فقد قال محمد بن إسحاق والكلبي والضحاك : إن آزر أبو إبراهيم عليه السلام وهو تارح، مثل إسرائيل ويعقوب؛ قلت فيكون له اسمان كما تقدم. وقال مقاتل : آزر لقب، وتارح اسم : وحكاه الثعلبي عن ابن إسحاق القشيري ويجوز أن يكون على العكس. قال الحسن : كان اسم أبيه آزر. وقال سليمان التيمي : هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم : المعوج. وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : بلغني أنها أعوج، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه. وقال الضحاك : معنى آزر الشيخ الهم بالفارسية. وقال الفراء : هي صفة ذم بلغتهم؛ كأن قال يا مخطئ؛ فيمن رفعه. أو كأنه قال : وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ؛ فيمن خفض. ولا ينصرف لأنه على أفعل؛ قاله النحاس. وقال الجوهري : آزر اسم أعجمي، وهو مشتق من آزر فلان فلانا إذا عاونه؛ فهو مؤازر قومه على عبادة الأصنام وقيل : هو مشتق من القوة، والآزر القوة؛ عن ابن فارس. وقال مجاهد ويمان : آزر اسم صنم. وهو في هذا التأويل في موضع نصب، التقدير : أتتخذ آزر إلها، أتتخذ أصناما. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، التقدير : أتتخذ آزر أصناما. قلت : فعلى هذا آزر اسم جنس. والله أعلم. وقال الثعلبي في كتاب العرائس : إن اسم أبي إبراهيم الذي سماه به أبوه تارح، فلما صار مع النمروذ قيما على خزانة آلهته سماه آزر. وقال مجاهد : إن آزر ليس باسم أبيه وإنما هو اسم صنم. وهو إبراهيم بن تارح بن ناخور بن ساروع بن أوغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. و { آزر} فيه قراءات { أإزرا} بهمزتين، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة؛ عن ابن عباس. وعنه { أأزرا} بهمزتين مفتوحتين. وقرئ بالرفع، وروي ذلك عن ابن عباس. وعلى القراءتين الأوليين عنه { تتخذ} بغير همزة. قال المهدوي : أإزرا؟ فقيل : إنه اسم صنم؛ فهو منصوب على تقدير أتتخذ إزرا، وكذلك أأزرا. ويجوز أن يجعل أإزرا على أنه مشتق من الأزر وهو الظهر فيكون مفعولا من أجله؛ كأنه قال : أللقوة تتخذ أصناما. ويجوز أن يكون إزر بمعنى وزر، أبدلت الواو همزة. قال القشيري : ذكر في الاحتجاج على المشركين قصة إبراهيم ورده على أبيه في عبادة الأصنام. وأولى الناس باتباع إبراهيم العرب؛ فإنهم ذريته. أي واذكر إذ قال إبراهيم. أو { وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت} [الأنعام : 70] واذكر إذ قال إبراهيم. وقرئ { آزر} أي يا آزر، على النداء المفرد، وهي قراءة أبي ويعقوب وغيرهما. وهو يقوي قول من يقول : إن آزر اسم أب إبراهيم. { أتتخذ أصناما آلهة} مفعولان لتتخذ وهو استفهام فيه معنى الإنكار.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 74 - 75

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والحق سبحانه وتعالى يعطي له صلى الله عليه وسلم ما يسليه ويصبّره على مشقات الدعوة؛ لأن الدعوة للإسلام في أوله أرهقت رسول الله وأصحاب رسول الله، فيريد سبحانه أن يعطيهم مُثُلاً حدثت للرسل، وهنا يأتي الحق بخبر عن أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً } [الأنعام: 74].

وساعة أن تسمع " إذ " فافهم أن " إذ " ظرف، أي واذكر جيداً الوقت الذي قال فيه إبراهيم لأبيه آزر " أتتخذ أصناماً آلهة "؟ وما دمت تذكر هذه، ففي التذكرة تسلية لك عما يصيبك في أمر الدعوة. وهنا وقف العلماء وقفة طويلة، وتساءل بعضهم: هل آزر هو أبو إبراهيم، أو أن والده هو تارخ؟

وقلت من قبل: إن الأبوة تمثل ما هو أصل للفرد؛ فالأب، والجد، وجد الجد أب، وأطلقت الأبوة على المساوي للأب، مثل العم. وجاء مثل هذا في القرآن حين قال الحق سبحانه:
{  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ }
[البقرة: 133].

وآباء هنا جمع، وإذا ما عددنا هؤلاء الآباء نجدهم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، والكلام من يعقوب، وأبوه إسحاق، وإسحاق بن إبراهيم، وبرغم ذلك جاء سيدنا إسماعيل وسط هؤلاء الآباء، فكأنك إن وزعتها قلت: " إبراهيم أب، ويبقى اثنان: هما إسماعيل وإسحاق. وإسماعيل هو أخ لإسحاق، كأن القرآن نطق بأن العلم يطلق عليه أب ".

وأقول ذلك لأضفي مسألة وقع فيها اللغط الكثير؛ فالبعض من العلماء قال: هل كان آزر أباً لإبراهيم؛ والحديث الشريف يقول:

" خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ".

فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من سلسلة نسب مُوَحِّد لا يمكن أن يكون للشرك فيه مجال، وآزر كان مشركاً، وما دام الحق يقول في آية أخرى: { إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }. فلو أن آزر الوالد الحقيقي لإبراهيم لكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من ذريته. وأرى أنه عمّه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " ، وهو قول يدل على أن نسبة الشريف مطهر من الشرك من جهة الآباء ومن جهة الأمهات، إذن فلا يصح أن نعتقد أن أبا إبراهيم هو آزر؛ لأنه كان على هذا الوضع مشركا، لكن كيف نفسر قول الحق سبحانه وتعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ }؟.

نقول: إننا نأخذ اللغة، ونأخذ استعمالات القرآن في معنى الأبوة. والقرآن صريح في أن الأبوة كما تطلق على الوالد الحقيقي الذي ينحدر الولد من صلبه تطلق كذلك على أخي الوالد أو عمه.والدليل على ذلك أن القرآن الذي قال: { لأَبِيهِ آزَرَ } وهو بعينه القرآن الذي قال:
{  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ }
[البقرة: 133].

إذن آباء هي جمع أب، وأقل الجمع ثلاثة: إبراهيم إذن وكذلك العم إسماعيل يطلق على كل منهما أب، وأيضاً إسحاق وهو والد يعقوب، هؤلاء هم الآباء المذكورون في هذه الآية.

وهنا نفهم أن أبوة إسماعيل ليعقوب إنما هي أبوة عمومة؛ لأن يعقوب بن إسحاق، وإسحاق أخو إسماعيل. إذن فقد أطلق الأب وأريد به العم، ويدلنا الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك حينما أُخِذَ عمه العباس أسيراً فقال: ردوا عليّ أبي؛ وأراد عمّه العباس.

وبعد ذلك نأتي لنقول: إننا حين نطلق كلمة الأب في أعرافنا نعلم أن اللغة التي نتكلمها لغة منقولة بالسماع، مركوزة في آذاننا، ينطق بها لساننا، والعامية وإن كانت تحرف الفصيح إلا أن أصولها منقولة عن أسلافنا وآبائنا، وهم حين يريدون الأب الحقيقي يقولون له أب ولا يأتون باسمه الشخصي؛ فإذا جاء لك إنسان وقال لك: أبوك موجود؟. ولم ينطق باسم الوالد فهو يقصد والدك فعلاً. لكن افرض أن لك عَمّاً، فيقول لك السائل: أبوك محمد موجود؟

لقد جاء هنا بتحديد الاسم العلم حتى ينصرف الذهن إلى السؤال عن العم؛ لأنه لو أراد الأب الحقيقي لما ذكر اسمه واكتفى بالسؤال عنه بالأبوة فقط، إذن فلو قال الحق سبحانه وتعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ }. ولم يحدد العلم لقلنا إن آزر هو والد إبراهيم وليس عمّه وبذلك يكون هو جد رسولنا، ولكن القرآن حدد الاسم وقال: { لأَبِيهِ آزَرَ } أي ميّز اسم الشخص ليخرج الأب الحقيقي من كلمة أب، وبذلك تنتهي الخلافية في هذه المسألة.

ولماذا يطلب الحق سبحانه من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ }؟ لأن رسول الله جاء على فترة من الرسل وجاء في الأزمة التي واجهت الدعوة أول مواجهة وهي أمة العرب وعلى رأسها قريش، وهو صلى الله عليه وسلم إن كان قد جاء على فترة الرسل، إلا أن إبراهيم يعيش في عقائد هؤلاء القوم؛ لأن كل أمور إبراهيم النسكية كانت في هذا المكان، فمثلاً همّه بذبح ابنه وفداء السماء لابنه كانا في هذا المكان، ورفعه للكعبة كان في هذا المكان، والكعبة هي مركز السيادة لقريش، ولولا الكعبة لكانت قريش كسائر القبائل.

لقد أراد الحق أن يوضح لقريش أن السيادة التي أخذتموها على العرب كافة جاءت لكم بسبب الكعبة وهذا البيت، فلو لم يوجد هذا البيت وهذه الكعبة، لكنتم قبيلة من القبائل، لا مهابة لكم ولا سلطان، ولا جاه، ولكنكم تعلمون أن تجارتكم تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب، ولا يتعرض لها أحد بسوء أبداً؛ لأن الذين يتعرضون لكم سواء منهم من كان في الشمال أو في الجنوب سيأتون في يوم ما إلى الكعبة هذه ليؤدوا مناسك الحج وستتمكنون منهم في أثناء وجودهم في البيت.ولذلك قلنا حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ }
[الفيل: 1-5]

إن الحق أتبعها بالقول:
{  لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ }
[قريش: 1-2]

إذن لو أن البيت تعرض للهدم من أبرهة الحبشي لسقطت مهابة قريش، وقد نصرهم الله لتظل لقريش رحلة الشتاء والصيف، ولذلك قال:
{  فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 3-4]

إن رب هذا البيت هو الذي أعزهم وحماهم بوجود هذا البيت الذي رفعه إبراهيم.

إذن فالقوم وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أن لهم صلة عقدية بإبراهيم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يدخل إلى قلوبهم بالحنان الذي يعرفونه لإبراهيم الذي هو سبب هذا العزّ وسبب هذا الجاه والسيادة وأيضاً لأن المواجهة العقدية إنما جاءت أولاً لعبادة الأصنام، والمسألة في سيدنا إبراهيم كانت كذلك في عبادة الأصنام، فهناك - إذن - ارتباطات متعددة فأتى الحق هنا بقصة سيدنا إبراهيم ليرقق بها قلب هؤلاء.

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً } والأصنام هي شيء من الحجارة يصنع على مثال حي، أما الوثن فهو قطعة من حجر خام لم يشكل أو يعالج أو يصنّع كانوا يقدسونه، وهكذا نعرف الفارق بين الصنم والوثن، وكيف دخلت فكرة الأصنام على عقول الناس؟ ومن أين جاءت؟.

نعلم أن الناس لهم أسباب مباشرة في الحياة؛ فالإنسان حين يتطلب الضوء يرى الشمس قد أشرقت، وفي الليل يرى القمر قد طلع، ويرى الجبال تعطي له الصلابة والقوة، ويقيم فيها بيوتاً.

إذن فيه أشياء يرى الإنسان فيها السببية الظاهرة، فيعتقد أنها الفاعلة. وحين يرى هذه الأشياء ويظن أنها الفاعلة يظن أن لها قداسة سواء أكانت الشمس أم القمر. إذن فقبل أن توجد أصنام وجدت كواكب وكانوا يعبدونها. بدليل أن الحق يقول: { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً... } [الأنعام: 74]

وبعد ذلك يأتي في النقاش ولا يأتي بسيرة الأصنام:
{  فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً... }
[الأنعام: 76]

إذن فقد كانت هناك علاقة بين الأصنام وبين الكواكب، والأصل فيها أن الأنسان حينما يرى شيئاً ينفعه، ينسب إليه كل نفع يحصل عليه ويرى له قوة يحترمها فيه، ولم ينتبه الإنسان إلى أن خالق هذه الأشياء غيب، فَعَبَدَ الشيء الظاهر له، وعندما وجد الإنسان أن الكواكب تأفل وتغيب قال بعض الناس: لنقيم أصناماً تذكرنا بها، وصار هناك صنم يمثل الشمس، وصنم يمثل القمر، وآخر يمثل النجم الفلاني، أي أن الأصنام إنما جعلت لتذكر بالأصل من الكواكب، ولذلك أقول دائما: يجب على الناس ألا تغفل عن المسبب لأنه سبحانه - هو وراء الأسباب، وكلما ارتقى العقل يسلسل الأسباب، إلى أن تنتهي إلى مسبب ليس وراءه سبب، وإذا انتهت يد المخلوق وعجزت في الأسباب تبدأ يد الخالق؛ فالذين يفتنون بالأسباب هم الذين ينظرون إليها على أنها الفاعلة بذاتها.ولذلك حينما أغفلت وسترت قضية الدين في أذهان الناس بدأوا ينظرون إلى ما حولهم وما ينفهم، فتوجهوا بالعبادة له، وكانوا قبل الرسالة يحجون إلى الكعبة ويحبون الكعبة، وحين يغتربون في كثير من الرحلات يأخذون قطعة من حجر من نوعية أحجار الكعبة في الرحلة الطويلة، وحين يراها أحد من هؤلاء يطمئن، ولكن بطول الزمن انفردت هذه الأشياء بتقديس خاص يعزلها عن الأسباب.

وهكذا عرفنا أن سيدنا إبراهيم خليل الرحمن كانت له عند العرب هذه المكانة، وكذلك عند أهل الكتاب حتى أنهم ادعوا انتسابه لهم فبعضهم قال: إن إبراهيم كان يهودياً، وقال الآخرون: إنه كان نصرانياً، وجاء القرآن وهو يواجه كفار قريش، وكذلك أهل الكتاب فيأتي الله بقصة سيدنا إبراهيم ليعطينا قضية العقائد ويوضحها توضيحاً يؤنسهم بمن له في نفوسهم ذكر.

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [الأنعام: 74]

والضلال أن تريد غاية فتضل الطريق إليها، وكان الناس عندهم غاية في ذلك الزمان أن يقدسوا، ويقدروا من ينعم عليهم بالنعم. إلا أنهم أخطأوا الطريق ووقفوا عند السبب، ولم يذكروا ولم يدركوا ما وراء السبب، ومن هنا جاء الضلال المبين. فكان من طبيعة الإنسان أنه يتقدم بالولاء وبالخضوع وبالشكر لمن يرى نعمة منه عليه، لكنهم ضلوا الطريق؛ لأنهم ساروا في النعمة في حلقات الأسباب، ولم يصلوا بالأسباب إلى المسبب. وهذا ضلال مبين لأنه فتنة خَلْقٍ في خَلْق؛ فالإنسان الأول الذي جاء وأقبل على عالم مخلوق له، وأقبل على أرض وأقبل على شمس، وأقبل على قمر، وأقبل على نجوم، وأقبل على سحاب يمطر له الماء، وأقبل على جبال تمده بالأقوات كان من الواجب عليه أن يلتفت لهذه المسألة؛ لأنه لم يصنعها ولا ادّعى أحد أنه صنعها، أما كان من الواجب أن يفكر تفكيراً يسيرا فيمن خلق له هذه الأشياء؟!

إن أتفه الأشياء تحتاج إلى صانع، مثال ذلك الكوب الذي نشرب فيه الماء لا يكون كوباً أمام أي واحد فينا إلا بعد أن انتقل وتقلب في مراحل متعددة ممن اكتشف المادة وممن صهرها كيماوياً وممن أنفق عليها إلى أن وصل إلى الكوب، وكذلك المصباح، إن نظرنا إلى الأجهزة التي خَلْفَه وأسهمت في إيجاده لوجدناها أجهزة كثيرة من إمكانات مالية إلى قدرات علمية، من ماديات موجودة في الأرض إلى أن وصل إلى هذا المصباح الذي يتغير كل فترة، فما بالنا بالشمس التي تنير نصف الكون في وقت، ونصف الكون الآخر في وقت آخر وليس لها قطع غيار، ولم تقصر يوماً في أداء مهمتها.وكثيراً ما درسنا في المدارس قصة من اخترع المصباح " أديسون " وكانت قصة هذا الاختراع تفيض بإعجاب من يكتبون عنها ولم نجد من يدرس لنا - بإعجاب وإيمان - دقة الشمس التي تنير الكون، فالآفة أننا نقف فقط عند حلقات الأسباب، والوقوف عند حلقات الأسباب هو وقفة عقلية سطحية، ومن أجل أن نزيد من عمق الفهم لا بد أن نسلسل السبب وراء السبب وراء السبب إلى أن نصل إلى مسبب ليس وراءه سبب. وأن نرهف آذاننا لمن يأتي ليحل لنا هذا اللغز ويقول لنا: لقد خلق الله كل الكون من أجلكم وصفاته سبحانه أنه لا مثيل له في قدرته ومطلق حكمته، ومطلوبه هو منهجه.

إذن فالرسل قد جاءوا رحمة لينقذونا ويبينوا لنا هذا اللغز. فإذا جاء الحق سبحانه وتعالى وأوضح: أنا الذي خلقت السمٰوات، وأنا الذي خلقت الأرض، وأنا الذي سخرت لك كل ما في الكون، فهذه دعوة، والدعوة إما أن تكون حقيقية فتعلن الإيمان به وسبحانه، وإما غير حقيقية، فنسأل: من خلق الكون - إذن - غير الله؟. ولماذا لم يقل لنا صفاته، ولم يرسل لنا بلاغاً عنه؟. ولأن أحداً لم يفعل ذلك إذن فالألوهية تثبت لمن أبلغنا عن ذاته وصفاته وصنعته عبر الرسل، فلم يوجد معارض له، وحين قال سبحانه: أنا إله واحد، وأنا خلقت الكون، وسخرته لكم فنحن نصدق هذا البلاغ.

ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا ألا نقف عند الأسباب فقط حتى لا نقع في ضلال مبين، ومن الواجب أن نبحث عما وراء الأسباب إلى أن تنتهي إلى شيء لا شيء بعده ننتهي إلى مسبب السباب ومالك الملك - جلت قدرته.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ... }


www.alro7.net