سورة
اية:

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

تفسير بن كثير

يقول مخبراً عن المشركين فيما جهلوا وكفروا، وعبدوا من دون اللّه ما لم ينزل به سلطاناً، يعني حجة وبرهاناً كقوله: { ومن يدع مع اللّه إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه أنه لا يفلح الكافرون} ، ولهذا قال ههنا { ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم} أي ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سوَّل لهم الشيطان وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: { وما للظالمين من نصير} أي من ناصر ينصرهم من اللّه فيما يحل بهم من العذاب والنكال؛ ثم قال: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد اللّه { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا} أي يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء { قل} أي يا محمد لهؤلاء { أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها اللّه الذين كفروا} أي النار وعذابها ونكالها أشد وأشق، وأطم وأعظم مما تخَّوفون به أولياء اللّه المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم، وقوله: { وبئس المصير} أي وبئس النار مقيلاً ومنزلاً ومرجعاً ومؤئلاً ومقاماً { إنها ساءت مستقرا ومقاما} .

تفسير الجلالين

{ وإذا تُتلى عليهم آياتنا } من القرآن { بيِّنات } ظاهرات حال { تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } أي الإنكار لها: أي أثره من الكراهة والعبوس { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا } أي يقعون فيه بالبطش { قل أفأنبئكم بشرِّ من ذلكم } بأكره إليكم من القرآن المتلو عليكم هو { النار وعَدَها الله الذين كفروا } بأن مصيرهم إليها { وبئس المصير } هي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتنَا بَيِّنَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا تُتْلَى عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْش الْعَابِدِينَ مِنْ دُون اللَّه مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا { آيَاتنَا } يَعْنِي : آيَات الْقُرْآن , { بَيِّنَات } يَقُول : وَاضِحَات حُجَجهَا وَأَدِلَّتهَا فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتنَا بَيِّنَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا تُتْلَى عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْش الْعَابِدِينَ مِنْ دُون اللَّه مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا { آيَاتنَا } يَعْنِي : آيَات الْقُرْآن , { بَيِّنَات } يَقُول : وَاضِحَات حُجَجهَا وَأَدِلَّتهَا فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ .' يَقُول : تَتَبَيَّن فِي وُجُوههمْ مَا يُنْكِرهُ أَهْل الْإِيمَان بِاللَّهِ مِنْ تَغَيُّرهَا , لِسَمَاعِهِمْ بِالْقُرْآنِ .يَقُول : تَتَبَيَّن فِي وُجُوههمْ مَا يُنْكِرهُ أَهْل الْإِيمَان بِاللَّهِ مِنْ تَغَيُّرهَا , لِسَمَاعِهِمْ بِالْقُرْآنِ .' وَقَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتنَا } يَقُول : يَكَادُونَ يَبْطِشُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَات كِتَاب اللَّه مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِشِدَّةِ تَكَرُّههمْ أَنْ يَسْمَعُوا الْقُرْآن وَيُتْلَى عَلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { يَسْطُونَ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19194 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } يَقُول : يَبْطِشُونَ . 19195 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } يَقُول : يَقَعُونَ بِمَنْ ذَكَرَهُمْ . 19196 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتنَا } قَالَ : يَكَادُونَ يَقَعُونَ بِهِمْ . 19197 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } قَالَ : يَبْطِشُونَ كُفَّار قُرَيْش . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19198 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتنَا } يَقُول : يَكَادُونَ يَأْخُذُونَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ أَخْذًا . وَقَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتنَا } يَقُول : يَكَادُونَ يَبْطِشُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَات كِتَاب اللَّه مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِشِدَّةِ تَكَرُّههمْ أَنْ يَسْمَعُوا الْقُرْآن وَيُتْلَى عَلَيْهِمْ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { يَسْطُونَ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19194 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } يَقُول : يَبْطِشُونَ . 19195 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } يَقُول : يَقَعُونَ بِمَنْ ذَكَرَهُمْ . 19196 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتنَا } قَالَ : يَكَادُونَ يَقَعُونَ بِهِمْ . 19197 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } قَالَ : يَبْطِشُونَ كُفَّار قُرَيْش . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19198 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتنَا } يَقُول : يَكَادُونَ يَأْخُذُونَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ أَخْذًا . ' وَقَوْله : { قُلْ أَفَأُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ } يَقُول : أَفَأُنَبِّئكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِأَكْرَه إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَتَكَرَّهُونَ قِرَاءَتهمْ الْقُرْآن عَلَيْكُمْ , هِيَ { النَّار } وَعَدَهَا اللَّه الَّذِينَ كَفَرُوا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : وَاللَّه إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه لَشَرّ خَلْق اللَّه ! فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : قُلْ أَفَأُنَبِّئكُمْ أَيّهَا الْقَائِلُونَ هَذَا الْقَوْل بِشَرٍّ مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ وَعَدَهُمْ اللَّه النَّار . وَرُفِعَتْ " النَّار " عَلَى الِابْتِدَاء ; وَلِأَنَّهَا مَعْرِفَة لَا تَصْلُح أَنْ يُنْعَت بِهَا الشَّرّ وَهُوَ نَكِرَة , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِرَجُلَيْنِ : أَخُوك وَأَبُوك , وَلَوْ كَانَتْ مَخْفُوضَة كَانَ جَائِزًا ; وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَصْبًا لِلْعَائِدِ مِنْ ذِكْرهَا فِي وَعَدَهَا وَأَنْتَ تَنْوِي بِهَا الِاتِّصَال بِمَا قَبْلهَا . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَشْرَار الْخَلْق لَا مُحَمَّد وَأَصْحَابه .وَقَوْله : { قُلْ أَفَأُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ } يَقُول : أَفَأُنَبِّئكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ بِأَكْرَه إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَتَكَرَّهُونَ قِرَاءَتهمْ الْقُرْآن عَلَيْكُمْ , هِيَ { النَّار } وَعَدَهَا اللَّه الَّذِينَ كَفَرُوا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : وَاللَّه إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه لَشَرّ خَلْق اللَّه ! فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : قُلْ أَفَأُنَبِّئكُمْ أَيّهَا الْقَائِلُونَ هَذَا الْقَوْل بِشَرٍّ مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ وَعَدَهُمْ اللَّه النَّار . وَرُفِعَتْ " النَّار " عَلَى الِابْتِدَاء ; وَلِأَنَّهَا مَعْرِفَة لَا تَصْلُح أَنْ يُنْعَت بِهَا الشَّرّ وَهُوَ نَكِرَة , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِرَجُلَيْنِ : أَخُوك وَأَبُوك , وَلَوْ كَانَتْ مَخْفُوضَة كَانَ جَائِزًا ; وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ نَصْبًا لِلْعَائِدِ مِنْ ذِكْرهَا فِي وَعَدَهَا وَأَنْتَ تَنْوِي بِهَا الِاتِّصَال بِمَا قَبْلهَا . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَهَؤُلَاءِ هُمْ أَشْرَار الْخَلْق لَا مُحَمَّد وَأَصْحَابه .' وَقَوْله : { وَبِئْسَ الْمَصِير } يَقُول : وَبِئْسَ الْمَكَان الَّذِي يَصِير إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَوْم الْقِيَامَة .وَقَوْله : { وَبِئْسَ الْمَصِير } يَقُول : وَبِئْسَ الْمَكَان الَّذِي يَصِير إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَوْم الْقِيَامَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} يعني القرآن. { تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} أي الغضب والعبوس. { يكادون يسطون} أي يبطشون. والسطوة شدة البطش؛ يقال : سطا به يسطو إذا بطش به؛ كان ذلك بضرب أو بشتم، وسطا عليه. { بالذين يتلون عليهم آياتنا} وقال ابن عباس : (يسطون يبسطون إليهم أيديهم). محمد بن كعب : أي يقعون بهم. الضحاك : أي يأخذونهم أخذا باليد، والمعنى واحد. وأصل السطو القهر. والله ذو سطوات؛ أي أخذات شديدة. { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار} أي أكره من هذا القرآن الذي تسمعون هو النار. فكأنهم قالوا : ما الذي هو شر؛ فقيل هو النار. وقيل : أي هل أنبكم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم هو النار؛ فيكون هذا وعيدا لهم على سطواتهم بالذين يتلون القرآن. ويجوز في { النار} الرفع والنصب والخفض؛ فالرفع على هو النار، أو هي النار. والنصب بمعنى أعني، أو على إضمار فعل مثل الثاني، أو يكون محمولا على المعنى؛ أي أعرفكم من ذلكم النار. والخفض على البدل. { وعدها الله الذين كفروا} في القيامة. { وبئس المصير} أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 70 - 73

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

تصور هذه الآية حال الكفار عند سماعهم لكتاب الله وآياته من رسول الله أو صحابته، فإذا سمعوها { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ.. } [الحج: 72] أي: الكراهية تراها وتقرؤها في وجوههم عُبُوساً وتقطيباً وغضباً وانفعالاً، ينكر ما يسمعون، ويكاد أن يتحول الانفعال إلى نزوع غضبي يفتك بمَنْ يقرأ القرآن لما بداخلهم من شر وكراهية لما يتلى عليهم.

لذلك قال تعالى بعدها: { يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَٰتِنَا.. } [الحج: 72] والسَّطْو: الفَتْك والبطش؛ لأن العمل الوجداني الذي يشغل نفوسهم يظهر أولاً على وجوههم انفعالاً يُنبيء بشيء يريدون إيقاعه بالمؤمنين، ثم يتحول الوجدان إلى نزوع حركي هو الفتك والبطش.

(قُلْ) في الرد عليهم: ماذا يُغضِبكم حتى تسطوا علينا وتكرهوا ما نتلو عليكم من كتاب الله. والغيظ والكراهية عند سماعهم القرآن دليل على عدم قدرتهم على الرد بالحجة، وعدم قدرتهم أيضاً على الإيمان؛ لذلك يتقلَّبون بين غيظ وكراهية.

لذلك يخاطبهم بقوله: { قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ.. } [الحج: 72] يعني: مالي أراكم مغتاظين من آيات الله كارهين لها الآن، والأمر ما يزال هيِّناً؟ أمجرد سماع الآيات يفعل بكم هذا كلّه؟ فما بالكم حينما تباشرون النار في الآخرة، الغيظ الذي تظنونه شرّاً فتسطُون علينا بسببه أمر بسيط، وهناك أشرّ منه ينتظركم { ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ.. } [الحج: 72]

وما أشبه هذا بموقف الصِّدِّيق أبي بكر حينما أوقف صناديد قريش بالباب، وقدّم عليهم المستضعفين من المؤمنين، فغضبوا لذلك وورِمَتْ أنوفهم، فقال لهم: أَوَرِمتْ أنوفكم أنْ قدمتهم عليكم الآن، فكيف بكم حين يُقدمهم الله عليكم في دخول الجنة؟

وكلمة { وَعَدَهَا.. } [الحج: 72] الوعد دائماً يكون بالخير، أما هنا فاستُعملَتْ على سبيل الاستهزاء بهم والتقليل من شأنهم، كما قال في آية أخرى:
{  فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الانشقاق: 24] فساعةَ أن يسمع البُشْرى يستشرف للخير، فيفاجئه العذاب، فيكون أنكَى له.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
{  وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ.. }
[الكهف: 29] لأن انقباض النفس ويأسها بعد بوادر الانبساط أشدّ من العذاب ذاته.

وقوله: { وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } [الحج: 72] أي: ساءت نهايتكم ومرجعكم.

.


www.alro7.net