سورة
اية:

وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

تفسير بن كثير

قال محمد بن إسحاق عن ابن عباس رضي اللّه عنهما إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوم بدر: (إني قد عرفت أن أناساً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً منهم - أي من بني هاشم - فلا يقتله، ومن لقي البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرهاً)، فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟ واللّه لئن لقيته لألجمنه بالسيف، فبلُغت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال لعمر بن الخطاب: (يا أبا حفص - قال عمر: واللّه إنه لأول يوم كناني فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا حفص - أيضرب وجه عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالسيف؟)، فقال عمر: يا رسول اللّه ائذن لي فأضرب عنقه فواللّه لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك: واللّه ما آمن من تلك الكلمة التي قلت ولا أزال خائفاً منها إلا أن يكفرها اللّه تعالى عني بشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيداً رضي اللّه عنه، قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك أنه كان رجلاً موسراً فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهباً. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك: أن رجالاً من الأنصار قالوا: يا رسول اللّه ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. قال: (لا واللّه لا تذرون منه درهماً)، وبعثت قريش إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول اللّه قد كنت مسلماً، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (اللّه أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن اللّه يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل وعقيل، وحليفك عتبة بن عمرو( قال: ما ذاك عندي يا رسول اللّه، قال: (فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبنيّ الفضل وعبد اللّه وقثم(، قال: واللّه يا رسول اللّه إني لأعلم أنك رسول اللّه، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول اللّه ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا، ذاك شيء أعطانا اللّه تعالى منك)، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ فيه: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللّه في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} . قال العباس: فأعطاني اللّه مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة اللّه عزَّ وجلَّ. وقال أبو جعفر بن جرير: قال العباس فيّ نزلت: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ، فأخبرت النبي صلى اللّه عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت مني فأبى، فأبدلني اللّه بها عشرين عبداً كلهم تاجرٌ مالي في يده. وقال ابن عباس قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم: آمنا بما جئت به ونشهد أنك رسول اللّه لننصحن لك على قومنا، فأنزل اللّه: { إن يعلم اللّه في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} يخلف لكم خيراً مما أخذ منكم { ويغفر لكم} الشرك الذي كنتم عليه، قال فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وإن لي الدنيا، لقد قال: { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} فقد أعطاني خيراً مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: { ويغفر لكم} وأرجو أن يكون قد غفر لي. وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ شاكياً، ولا حرم سائلاً، وما صلى يومئذ حتى فرقه، فأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي، فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا وأرجو المغفرة. قال الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك قال: أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمال من البحرين فقال: (انثروه في مسجدي) قال: وكان أكثر مال أتي به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فخرج إلى الصلاة ولم يلتف إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحداً إلا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول اللّه أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (خذ فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ، قال: لا ، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: لا ، فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي عنه عجباً من حرصه، فما قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وثَمَّ منها درهم ""ورواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقاً"". وقوله: { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا اللّه من قبل} أي وإن يريدوا خيانتك فيما أظهروا لك من الأقوال { فقد خانوا اللّه من قبل} أي من قبل بدر بالكفر به { فأمكن منهم} أي بالأسارى يوم بدر { والله عليم حكيم} أي عليم بفعله حكيم فيه، قال قتادة: نزلت في عبد اللّه بن أبي سرح الكاتب حين ارتد ولحق بالمشركين، وقال عطاء الخراساني: نزلت في عباس وأصحابه حين قالوا: لننصحن لك على قومنا، وقال السدي بالعموم، وهو أشمل وأظهر واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ وإن يريدوا } أي الأسرى { خيانتك } بما أظهروا من القول { فقد خانوا الله من قبل } قبل بدر بالكفر { فأمكن منهم } ببدر قتلا وأسرا فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا { والله عليم } بخلقه { حكيم } في صنعه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : وَإِنْ يُرِدْ هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى الَّذِينَ فِي أَيْدِيكُمْ خِيَانَتك : أَيْ الْغَدْر بِك وَالْمَكْر وَالْخِدَاع , بِإِظْهَارِهِمْ لَك بِالْقَوْلِ خِلَاف مَا فِي نُفُوسهمْ , { فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل } يَقُول : فَقَدْ خَالَفُوا أَمْر اللَّه مِمَّنْ قَبْل وَقْعَة بَدْر , وَأَمْكَنَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ الْمُؤْمِنِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12686 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك } يَعْنِي : الْعَبَّاس وَأَصْحَابه فِي قَوْلهمْ : آمَنَّا بِمَا جِئْت بِهِ , وَنَشْهَد أَنَّك رَسُول اللَّه , لَأَنْصَحَن لَك عَلَى قَوْمنَا ! يَقُول : إِنْ كَانَ قَوْلهمْ خِيَانَة فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل , { فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } يَقُول : قَدْ كَفَرُوا وَقَاتَلُوك , فَأَمْكَنَك اللَّه مِنْهُمْ . 12687 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك } الْآيَة . قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا كَتَبَ لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ عَمَدَ فَنَافَقَ , فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ بِمَكَّة , ثُمَّ قَالَ : مَا كَانَ مُحَمَّد يَكْتُب إِلَّا مَا شِئْت ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , نَذَرَ لَئِنْ أَمْكَنَهُ اللَّه مِنْهُ لَيَضْرِبَنهُ بِالسَّيْفِ . فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَمَّنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاس إِلَّا عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح , وَمَقِيس بْن صُبَابَة , وَابْن خَطَل , وَامْرَأَة كَانَتْ تَدْعُو عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ صَبَاح . فَجَاءَ عُثْمَان بِابْنِ أَبِي سَرْح , وَكَانَ رَضِيعه أَوْ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَة , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا فُلَان أَقْبَلَ تَائِبًا نَادِمًا , فَأَعْرَضَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ الْأَنْصَارِيّ أَقْبَلَ مُتَقَلِّدًا سَيْفه , فَأَطَافَ بِهِ , وَجَعَلَ يَنْظُر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَاء أَنْ يُومِئ إِلَيْهِ . ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ يَده فَبَايَعَهُ , فَقَالَ : " أَمَا وَاَللَّه لَقَدْ تَلَوَّمْتك فِيهِ لِتُوفِيَ نَذْرك " , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنِّي هِبْتُك , فَلَوْلَا أَوْمَضْت إِلَيَّ ! فَقَالَ : " إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِض " . 12688 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } يَقُول : قَدْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَنَقَضُوا عَهْده , فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : وَإِنْ يُرِدْ هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى الَّذِينَ فِي أَيْدِيكُمْ خِيَانَتك : أَيْ الْغَدْر بِك وَالْمَكْر وَالْخِدَاع , بِإِظْهَارِهِمْ لَك بِالْقَوْلِ خِلَاف مَا فِي نُفُوسهمْ , { فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل } يَقُول : فَقَدْ خَالَفُوا أَمْر اللَّه مِمَّنْ قَبْل وَقْعَة بَدْر , وَأَمْكَنَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ الْمُؤْمِنِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12686 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك } يَعْنِي : الْعَبَّاس وَأَصْحَابه فِي قَوْلهمْ : آمَنَّا بِمَا جِئْت بِهِ , وَنَشْهَد أَنَّك رَسُول اللَّه , لَأَنْصَحَن لَك عَلَى قَوْمنَا ! يَقُول : إِنْ كَانَ قَوْلهمْ خِيَانَة فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل , { فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } يَقُول : قَدْ كَفَرُوا وَقَاتَلُوك , فَأَمْكَنَك اللَّه مِنْهُمْ . 12687 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك } الْآيَة . قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا كَتَبَ لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ عَمَدَ فَنَافَقَ , فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ بِمَكَّة , ثُمَّ قَالَ : مَا كَانَ مُحَمَّد يَكْتُب إِلَّا مَا شِئْت ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار , نَذَرَ لَئِنْ أَمْكَنَهُ اللَّه مِنْهُ لَيَضْرِبَنهُ بِالسَّيْفِ . فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح أَمَّنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاس إِلَّا عَبْد اللَّه بْن سَعْد بْن أَبِي سَرْح , وَمَقِيس بْن صُبَابَة , وَابْن خَطَل , وَامْرَأَة كَانَتْ تَدْعُو عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ صَبَاح . فَجَاءَ عُثْمَان بِابْنِ أَبِي سَرْح , وَكَانَ رَضِيعه أَوْ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَة , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا فُلَان أَقْبَلَ تَائِبًا نَادِمًا , فَأَعْرَضَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ الْأَنْصَارِيّ أَقْبَلَ مُتَقَلِّدًا سَيْفه , فَأَطَافَ بِهِ , وَجَعَلَ يَنْظُر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَاء أَنْ يُومِئ إِلَيْهِ . ثُمَّ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ يَده فَبَايَعَهُ , فَقَالَ : " أَمَا وَاَللَّه لَقَدْ تَلَوَّمْتك فِيهِ لِتُوفِيَ نَذْرك " , فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنِّي هِبْتُك , فَلَوْلَا أَوْمَضْت إِلَيَّ ! فَقَالَ : " إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِض " . 12688 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتك فَقَدْ خَانُوا اللَّه مِنْ قَبْل فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } يَقُول : قَدْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَنَقَضُوا عَهْده , فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ . ' { وَاَللَّه عَلِيم } بِمَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيُضْمِرُونَهُ فِي نُفُوسهمْ , { حَكِيم } فِي تَدْبِيرهمْ وَتَدْبِير أُمُور خَلْقه سِوَاهُمْ . { وَاَللَّه عَلِيم } بِمَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيُضْمِرُونَهُ فِي نُفُوسهمْ , { حَكِيم } فِي تَدْبِيرهمْ وَتَدْبِير أُمُور خَلْقه سِوَاهُمْ .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقيل : له وحده. وقال ابن عباس رضي الله عنه : الأسرى في هذه الآية عباس وأصحابه. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومك، فنزلت هذه الآية. وقد تقدم بطلان هذا من قول مالك. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة. وعن ابن إسحاق : بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا. وقال العباس : يا رسول الله، إني قد كنت مسلما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فالله يجزيك بذلك فأما ظاهر أمرك فكان علينا فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر). وقال : ما ذاك عندي يا رسول الله. قال : (فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني الفضل وعبدالله وقثم) ؟ فقال : يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا ذاك شيء أعطانا الله منك). ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، وأنزل الله فيه { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} الآية. قال ابن إسحاق : وكان أكثر الأسارى فداء العباس بن عبدالمطلب، لأنه كان رجلا موسرا، فافتدى نفسه بمائة أوقية من ذهب. وفي البخاري : وقال موسى بن عقبة قال ابن شهاب : حدثني أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله، ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه. فقال : (لا والله لا تذرون درهما). وذكر النقاش وغيره أن فداء كل واحد من الأسارى كان أربعين أوقية، إلا العباس فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أضعفوا الفداء على العباس) وكلفه أن يفدي ابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فأدى عنهما ثمانين أوقية، وعن نفسه ثمانين أوقية وأخذ منه عشرون أوقية وقت الحرب. وذلك أنه كان أحد العشرة الذين ضمنوا الإطعام لأهل بدر، فبلغت النوبة إليه يوم بدر فاقتتلوا قبل أن يطعم، وبقيت العشرون معه فأخذت منه وقت الحرب، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية. فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل)؟ فقال العباس : أي ذهب؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنك قلت لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولولدك) فقال : يا ابن أخي، من أخبرك بهذا؟ قال : (الله أخبرني). قال العباس : أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قط إلا اليوم، وقد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وكفرت بما سواه. وأمر ابني أخويه فأسلما، ففيهما نزلت { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} . وكان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة، وكان رجلا قصيرا، وكان العباس ضخما طويلا، فلما جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له : (لقد أعانك عليه ملك). الثانية: قوله تعالى: { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا} أي إسلاما. { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} أي من الفدية. قيل في الدنيا. وقيل في الآخرة. وفي صحيح مسلم أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مال من البحرين قال له العباس : إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خذ) فبسط ثوبه وأخذ ما استطاع أن يحمله. مختصر. في غير الصحيح : فقال له العباس هذا خير مما أخذ مني، وأنا بعد أرجو أن يغفر الله لي. قال العباس : وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة. وأسند الطبري إلى العباس أنه قال : في نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى. وقال : (ذلك فيء) فأبدلني الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي. وفي مصنف أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة أدخلتها بها على أبي العاص. قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال : (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها)؟ فقالوا : نعم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عليه أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار فقال : (كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها). قال ابن إسحاق : وذلك بعد بدر بشهر. قال عبدالله بن أبي بكر : حدثت عن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت : لما قدم أبو العاص مكة قال لي : تجهزي، فالحقي بأبيك. قالت : فخرجت أتجهز فلقيتني هند بنت عتبة فقالت : يا بنت محمد، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ فقلت لها : ما أردت ذلك. فقالت، أي بنت عم، لا تفعلي، إني امرأة موسرة وعندي سلع من حاجتك، فإن أردت سلعة بعتكها، أو قرضا من نفقة أقرضتك، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت : فوالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، فخفتها فكتمتها وقلت : ما أريد ذلك. فلما فرغت زينب من جهازها ارتحلت وخرج بها حموها يقود بها نهارا كنانة بن الربيع. وتسامع بذلك أهل مكة، وخرج في طلبها هبار بن الأسود ونافع بن عبدالقيس الفهري، وكان أول من مبق إليها هبار فروعها بالرمح وهي في هودجها. وبرك كنانة ونثر نبله، ثم أخذ قوسه وقال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما. وأقبل أبو سفيان في أشراف قريش فقال : يا هذا، أمسك عنا نبلك حتى نكلمك، فوقف عليه أبو سفيان وقال : إنك لم تصنع شيئا، خرجت بالمرأة على رءوس الناس، وقد عرفت مصيبتنا التي أصابتنا ببدر فتظن العرب وتتحدث أن هذا وهن منا وضعف خروجك إليه بابنته على رءوس الناس من بين أظهرنا. أرجع بالمرأة فأقم بها أياما، ثم سلها سلا رفيقا في الليل فألحقها بأبيها، فلعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك الآن من ثورة فيما أصاب منا، ففعل فلما مر به يومان أو ثلاثة سلها، فانطلقت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أنها قد كانت ألقت - للروعة التي أصابتها حين روعها هبار بن أم درهم - ما في بطنها. الثالثة: قال ابن العربي: { لما أسر من أسر من المشركين تكلم قوم منهم بالإسلام ولم يمضوا فيه عزيمة ولا اعترفوا به اعترافا جازما. ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين. قال علماؤنا : إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا. وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا، إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها فإن الله قد عفا عنها وأسقطها. وقد بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الحقيقة فقال: { إن يريدوا خيانتك} أي إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا { فقد خانوا الله من قبل} بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك. وإن كان هذا القول منهم خيرا ويعلمه الله فيقبل منهم ذلك ويعوضهم خيرا مما خرج عنهم ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم} . وجمع خيانة خيائن، وكان يجب أن يقال : خوائن لأنه من ذوات الواو، إلا أنهم فرقوا بينه وبين جمع خائنة. ويقال : خائن وخوان وخونة وخانة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 67 - 74

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ويوضح الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا توافقهم على ما يريدون، فهم إن أضمروا لك الخيانة فقد خانوا الله من قبل فمكنك منهم فلا تأمن لهم، وسبحانه يعلم ما في صدورهم.

وبعد أن تكلم سبحانه عن قصة بدر وأسرى بدر، والمواقف التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في هذه القصة، أراد سبحانه وتعالى أن يصنف الأمة الإسلامية المعاصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عناصرها، ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاح بالدعوة الإسلامية في مكة، ومكة هي مركز سيادة العرب، وكانت قبيلة قريش هي سيدة جميع قبائل العرب وسيدة الجزيرة كلها، لأن قريشاً سيدة مكة، ومكة فيها بيت الله الحرام، وكانت كل قبيلة من قبائل العرب يكون بعض من أبنائها في بطن سيادة قريش خلال الحج، وما دامت كل قبيلة تذهب إلى مكة فهي تطلب حماية قريش، ولم توجد قبيلة تعادي قريشاً أو تجرؤ على مهاجمتها؛ لأنها تعلم أنه سيجيء يوم تكون فيه تحت حماية قريش وتحت رحمتها حين الحج إلى بيت الله الحرام.

إذن فسيادة قريش نشأت من وجود البيت. ولو أن هذا البيت لم يكن موجوداً لكان مركز قريش كمركز أي قبيلة من العرب، ولو أن البيت قد هدم من أبرهة، لكانت سيادة قريش قد انتهت. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفيل:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ }
[الفيل: 1-5].

ثم تأتي بعدها مباشرة السورة الكريمة التي توضح لنا أن الله سبحانه وتعالى حين حفظ بيته وفتك بجيوش المعتدين فجعلهم كعصف مأكول، قد أكد هذه السيادة لقريش فيقول تبارك وتعالى في السورة التي سميت باسمها:
{  لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ }
[قريش: 1-4].

إذن فالذي أعطى السيادة لقريش هو بيت الله الحرام. ولذلك تذهب قوافلهم بالتجارة لليمن والشام ولا يجرؤ أحد من القبائل أن يتعرض لها. ولو لم يكن بيت الله الحرام في مكة وقريش سادة مكة؛ لما كان لهم هذا الوضع المتميز والمكانة العالية، إذن فعز قريش في بيت الله الحرام، وأمنهم وسيادتهم في أنهم جالسون في راحة وتنتقل قوافلهم إلى الشام وإلى اليمن. ثم تعود محملة بالخير والربح وهم آمنون مطمئنون. وحين أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته كان ذلك الإعلان في مكة، وقد أعلنها صلى الله عليه وسلم في وجه الجبابرة وأقوياء الجزيرة العربية كلها.ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدأ دعوته في قبيلة ضعيفة خارج مكة لقالوا: استضعفهم وغرر بهم، أو لقالوا يريدون به السيادة، أي أنهم كقبيلة مستضعفة لم يأخذوا رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا، ولكنهم أخذوها سلماً ليسودوا بها الجزيرة العربية. ولكن شاء الحق تبارك وتعالى أن يكون ميلاد الرسالة في مكة وأول من سمعها هم سادة قريش؛ لتأتي في مركز السيادة ويكون المراد بها هو الحق، وإعلاءه في وجه سادة الجزيرة العربية.

ثم كانت المعركة بين سادة قريش والإسلام وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه وحاولوا إيقاف الدعوة بكل الطرق وشتى الحيل. لكن هل انتصروا؟ ثم هل امتد الإسلام وانتشر من مكة؟. لا، بل كانت الهجرة إلى المدينة، ومن هناك امتد الإسلام.

إذن فقد بدأ الإسلام من مكان السيادة في الجزيرة العربية، ولكنه انتشر من مكان لا سيادة فيه، لماذا؟ لأن الإسلام لو انتشر من مكة لقالوا: قوم ألفوا السيادة على الناس، وتعصبوا لواحد منهم؛ ليمدوا سيادتهم من الجزيرة العربية إلى أماكن أخرى في العالم. ولكن النصر جاء من المدينة لتعلم الدنيا كلها: أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، وهو الذي حقق النصر لمحمد، ولم يخلق العصبية لرسول الله أنه من قريش، أو أنه من قبيلة اعتادت سيادة الجزيرة العربية.

ويصنف الحق سبحانه وتعالى لنا المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهؤلاء منهم المهاجرون. ومنهم الأنصار، ومنهم جماعة مؤمنة لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم هاجروا بعد ذلك. ومنهم جماعة آمنوا ولم يهاجروا من مكة وبقوا فيها حتى الفتح.

إذن: هناك أربع طوائف: الذين هاجروا مع الرسول إلى المدينة، والأنصار الذين استقبلوهم وآووهم. وطائفة لم يهاجروا مع رسول الله ولكنهم هاجروا بعد ذلك، وطائفة بقيت في مكة حتى الفتح.

ويقول الحق تبارك وتعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ... }


www.alro7.net