سورة
اية:

قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

تفسير بن كثير

قال السدي: قال المشركون للمسلمين اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { قل أندعوا من دون اللّه مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا} أي في الكفر { بعد إذ هدانا اللّه} فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق، فضلَّ الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام ""رواه ابن جرير""وقال قتادة { استهوته الشياطين في الارض} أضلته في الارض: يعني استهوته سيرته، كقوله: { تهوي إليهم} ، وقال ابن عباس: هذا مثل ضربه اللّه للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى هدى اللّه عزَّ وجلَّ، كمثل رجل ضل عن طريق تائهاً، إذ ناداه مناد: يا فلان ابن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون اللّه فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الندامة والهلكة. وقوله تعالى: { كالذي استهوته الشياطين في الأرض} هم الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها، وهو يرى أنه في شيء، فيصبح وقد رمته في هلكة، وربما أكلته، أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشاً فبهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون اللّه عزَّ وجلَّ رواه ابن جرير. وقال مجاهد: { كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق وذلك مثل من يضل من بعد أن هدي. وقال العوفي عن ابن عباس: هو الذي لا يستجيب لهدى اللّه، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الارض بالمعصية، وحاد من الحق، وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول اللّه ذلك لأوليائهم من الإنس { إن الهدى هدى اللّه} والضلال ما يدعو إليه الجن، رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى، قال: وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن اللّه أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالاً وقد أخبر اللّه أنه هدى، وهو كما قال ابن جرير، فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الارض حيران، وهو منصوب على الحال أي في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى وتقدير الكلام فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم ولو شاء اللّه لهداه ولرد به إلى الطريق، ولهذا قال: { قل إن هدى اللّه هو الهدى} كما قال: { ومن يهد اللّه فما له من مضل} وقال: { إن تحرص على هداهم فإن اللّه لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين} وقوله: { وأمرنا لنسلم لرب العالمين} أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له { وأن أقيموا الصلاة واتقوه} أي وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، { وهو الذي إليه تحشرون} أي يوم القيامة، { وهو الذي خلق السموات والارض بالحق} أي بالعدل فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله: { ويوم يقول كن فيكون} يعني يوم القيامة الذي يقول اللّه كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب، واختلف المفسرن في قوله: { يوم ينفخ في الصور} ، فقال بعضهم: المراد بالصور هنا جمع صورة أي يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة، والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته متى يؤمر فينفخ) ""رواه مسلم في صحيحه""وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو قال، قال أعرابي: يا رسول اللّه ما الصور؟ قال: (قرن ينفخ فيه)

تفسير الجلالين

{ قل أندعوا } أنعبد { من دون الله ما لا ينفعنا } بعبادته { ولا يضرنا } بتركها وهو الأصنام { ونُرد على أعقابنا } نرجع مشركين { بعد إذ هدانا الله } إلى الإسلام { كالذي استهوته } أضلته { الشياطين في الأرض حيران } متحيرا لا يدري أين يذهب حال من الهاء { له أصحاب } رفقة { يدعونه إلى الهدى } أي ليهدوه الطريق يقولون له { ائتنا } فلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجمله التشبيه حال من ضمير نرد { قل إن هدى الله } الذي هو الإسلام { هو الهدى } وما عداه ضلال { وأمرنا لنسلم } أي بأن نسلم { لرب العالمين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنَا } وَهَذَا تَنْبِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حُجَّته عَلَى مُشْرِكِي قَوْمه مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , يَقُول لَهُ تَعَالَى ذِكْرهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد وَالْآمِرِينَ لَك بِاتِّبَاعِ دِينهمْ وَعِبَادَة الْأَصْنَام مَعَهُمْ , أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه حَجَرًا أَوْ خَشَبًا لَا يَقْدِر عَلَى نَفْعِنَا أَوْ ضُرّنَا , فَنَخُصّهُ بِالْعِبَادَةِ دُون اللَّه , وَنَدَع عِبَادَة الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرّ وَالنَّفْع وَالْحَيَاة وَالْمَوْت , إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتُمَيِّزُونَ بَيْن الْخَيْر وَالشَّرّ , فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خِدْمَة مَا يُرْتَجَى نَفْعه وَيُرْهَب ضُرّه أَحَقّ وَأَوْلَى مِنْ خِدْمَة مَنْ لَا يُرْجَى نَفْعُهُ وَلَا يُخْشَى ضُرّه . { وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا } يَقُول : وَنُرَدّ إِلَى أَدْبَارنَا فَنَرْجِع الْقَهْقَرَى خَلْفنَا لَمْ نَظْفَر بِحَاجَتِنَا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّدّ عَلَى الْعَقِب , وَأَنَّ الْعَرَب تَقُول لِكُلِّ طَالِب حَاجَة لَمْ يَظْفَر بِهَا رُدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : وَنُرَدّ مِنْ الْإِسْلَام إِلَى الْكُفْر بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه فَوَفَّقَنَا لَهُ , فَيَكُون مَثَلنَا فِي ذَلِكَ مَثَل الرَّجُل الَّذِي اِسْتَتْبَعَهُ الشَّيْطَان يَهْوِي فِي الْأَرْض حَيْرَان . وَقَوْله : { اِسْتَهْوَتْهُ } : اِسْتَفْعَلَتْهُ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : هَوَى فُلَان إِلَى كَذَا يَهْوِي إِلَيْهِ , وَمِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ : { فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنْ النَّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ } 14 37 بِمَعْنَى : تَنْزِع إِلَيْهِمْ وَتُرِيدهُمْ . وَأَمَّا حَيْرَان : فَإِنَّهُ فَعْلَان مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَدْ حَارَ فُلَان فِي الطَّرِيق فَهُوَ يَحَار فِيهِ حَيْرَة وَحَيَرَانًا تَسَارَفُوا , وَذَلِكَ إِذَا ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ لَلْمَحَجَّة لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى , يَقُول : لِهَذَا الْحَيْرَان الَّذِي قَدْ اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض أَصْحَاب عَلَى الْمَحَجَّة وَاسْتِقَامَة السَّبِيل , يَدْعُونَهُ إِلَى الْمَحَجَّة لِطَرِيقِ الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ , يَقُولُونَ لَهُ : اِئْتِنَا وَتُرِكَ إِجْرَاء حَيْرَان , لِأَنَّهُ " فَعْلَان " , وَكُلّ اِسْم كَانَ عَلَى " فَعْلَان " مِمَّا أُنْثَاهُ " فَعْلَى " فَإِنَّهُ لَا يُجْرَى فِي كَلَام الْعَرَب فِي مَعْرِفَة وَلَا نَكِرَة . وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ بَعْد إِيمَانه فَاتَّبَعَ الشَّيَاطِين مِنْ أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ وَأَصْحَابه الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابه فِي حَال إِسْلَامه الْمُقِيمُونَ عَلَى الدِّين الْحَقّ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ وَالصَّوَاب الَّذِي هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ , وَهُوَ لَهُ مُفَارِق وَعَنْهُ زَائِل , يَقُولُونَ لَهُ : اِئْتِنَا , فَكُنْ مَعَنَا عَلَى اِسْتِقَامَة وَهُدًى ! وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ , وَيَتَّبِع دَوَاعِي الشَّيْطَان وَيَعْبُد الْآلِهَة وَالْأَوْثَان . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : مِثْل مَا قُلْنَا 10457 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنَا } قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ : اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا , وَاتْرُكُوا دِين مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْرهُ : قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا هَذِهِ الْآلِهَة وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه , فَيَكُون مَثَلنَا كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض , يَقُول : مَثَلكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ بَعْد الْإِيمَان كَمَثَلِ رَجُل كَانَ مَعَ قَوْم عَلَى الطَّرِيق , فَضَلَّ الطَّرِيق , فَحَيَّرَتْهُ الشَّيَاطِين وَاسْتَهْوَتْهُ فِي الْأَرْض , وَأَصْحَابه عَلَى الطَّرِيق فَجَعَلُوا يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ , يَقُولُونَ اِئْتِنَا فَإِنَّا عَلَى الطَّرِيق , فَأَبَى أَنْ يَأْتِيهِمْ . فَذَلِكَ مَثَل مَنْ يَتَّبِعكُمْ بَعْد الْمَعْرِفَة بِمُحَمَّدٍ , وَمُحَمَّد الَّذِي يَدْعُو إِلَى الطَّرِيق , وَالطَّرِيق هُوَ الْإِسْلَام . 10458 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْآلِهَةِ وَمَنْ يَدْعُو إِلَيْهَا وَلِلدُّعَاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللَّه , كَمَثَلِ رَجُل ضَلَّ عَنْ الطَّرِيق , إِذْ نَادَاهُ مُنَادٍ : يَا فُلَان اِبْن فُلَان هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيق ! وَلَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ : يَا فُلَان هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيق ! فَإِنْ اِتَّبَعَ الدَّاعِي الْأَوَّل اِنْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيه فِي الْهَلَكَة , وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الْهُدَى اِهْتَدَى إِلَى الطَّرِيق , وَهَذِهِ الدَّاعِيَة الَّتِي تَدْعُو فِي الْبَرِّيَّة مِنْ الْغِيلَان , يَقُول : مَثَل مَنْ يَعْبُد هَؤُلَاءِ الْآلِهَة مِنْ دُون اللَّه , فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ فِي شَيْء حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْت فَيَسْتَقْبِل الْهَلَكَة وَالنَّدَامَة . وَقَوْله : { كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض } : وَهُمْ الْغِيلَان يَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ وَاسْم جَدّه , فَيَتَّبِعهَا فَيَرَى أَنَّهُ فِي شَيْء فَيُصْبِح وَقَدْ أَلْقَتْهُ فِي الْهَلَكَة وَرُبَّمَا أَكَلَتْهُ , أَوْ تُلْقِيه فِي مَضَلَّة مِنْ الْأَرْض يَهْلِك فِيهَا عَطَشًا , فَهَذَا مَثَل مَنْ أَجَابَ الْآلِهَة الَّتِي تُعْبَد مِنْ دُون اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 10459 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض } قَالَ : أَضَلَّتْهُ فِي الْأَرْض حَيْرَان . 10460 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا } قَالَ : الْأَوْثَان . 10461 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان } قَالَ : رَجُل حَيْرَان يَدْعُوهُ أَصْحَابه إِلَى الطَّرِيق , كَذَلِكَ مَثَل مَنْ يَضِلّ بَعْد إِذْ هُدِيَ . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : ثَنَا رَجُل , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : حَيْرَان ; هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْكَافِرِ , يَقُول : الْكَافِر حَيْرَان يَدْعُوهُ الْمُسْلِم إِلَى الْهُدَى فَلَا يُجِيب . 10462 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا } حَتَّى بَلَغَ : { لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } عَلَّمَهَا اللَّه مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْل الضَّلَالَة . وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , بِمَا : 10463 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } فَهُوَ الرَّجُل الَّذِي لَا يَسْتَجِيب لِهُدَى اللَّه , وَهُوَ رَجُل أَطَاعَ الشَّيْطَان وَعَمِلَ فِي الْأَرْض بِالْمَعْصِيَةِ وَحَارَ عَنْ الْحَقّ وَضَلَّ عَنْهُ , وَلَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِي يَأْمُرُونَهُ هُدًى , يَقُول اللَّه ذَلِكَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ الْإِنْس : إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه , وَالضَّلَالَة مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْجِنّ . فَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة يَرَى أَنَّ أَصْحَاب هَذَا الْحَيْرَان الَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِنَّمَا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَال وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ هُدًى , وَأَنَّ اللَّه أَكَذَبَهُمْ بِقَوْلِهِ : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى } لَا مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ أَصْحَابه . وَهَذَا تَأْوِيل لَهُ وَجْه لَوْ لَمْ يَكُنْ اللَّه سَمَّى الَّذِي دَعَا الْحَيْرَان إِلَيْهِ أَصْحَاب هُدًى , وَكَانَ الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَابه الدُّعَاة لَهُ إِلَى مَا دَعَوْهُ إِلَيْهِ , أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ سَمَّوْهُ , وَلَكِنَّ اللَّه سَمَّاهُ هُدًى , وَأَخْبَرَ عَنْ أَصْحَاب الْحَيْرَان أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِ . وَغَيْر جَائِز أَنْ يُسَمِّيَ اللَّه الضَّلَال هُدًى لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ , وَغَيْر جَائِز وَصْف اللَّه بِالْكَذِبِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَته . وَإِنَّمَا كَانَ يَجُوز تَوْجِيه ذَلِكَ إِلَى الصَّوَاب لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ الدَّاعِي الْحَيْرَان أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : تَعَالَ إِلَى الْهُدَى ; فَأَمَّا وَهُوَ قَائِل : يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَهُمْ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَال . وَأَمَّا قَوْله : { اِئْتِنَا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَقُولُونَ : اِئْتِنَا هَلُمَّ إِلَيْنَا ! فَحُذِفَ الْقَوْل لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا " . 10464 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , عَنْ شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا " . 10465 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا " . قَالَ : الْهُدَى : الطَّرِيق , أَنَّهُ بَيِّن . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ الْبَيِّن مِنْ صِفَة الْهُدَى , وَيَكُون نَصْب الْبَيِّن عَلَى الْقَطْع مِنْ الْهُدَى , كَأَنَّهُ قِيلَ : يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الْبَيِّن , ثُمَّ نُصِبَ " الْبَيِّن " لَمَّا حُذِفَتْ الْأَلِف وَاللَّام , وَصَارَ نَكِرَة مِنْ صِفَة الْمَعْرِفَة . وَهَذِهِ الْقِرَاءَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ اِبْن مَسْعُود تُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ : الْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِع : هُوَ الْهُدَى , عَلَى الْحَقِيقَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنَا } وَهَذَا تَنْبِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حُجَّته عَلَى مُشْرِكِي قَوْمه مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , يَقُول لَهُ تَعَالَى ذِكْرهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد وَالْآمِرِينَ لَك بِاتِّبَاعِ دِينهمْ وَعِبَادَة الْأَصْنَام مَعَهُمْ , أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه حَجَرًا أَوْ خَشَبًا لَا يَقْدِر عَلَى نَفْعِنَا أَوْ ضُرّنَا , فَنَخُصّهُ بِالْعِبَادَةِ دُون اللَّه , وَنَدَع عِبَادَة الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرّ وَالنَّفْع وَالْحَيَاة وَالْمَوْت , إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتُمَيِّزُونَ بَيْن الْخَيْر وَالشَّرّ , فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خِدْمَة مَا يُرْتَجَى نَفْعه وَيُرْهَب ضُرّه أَحَقّ وَأَوْلَى مِنْ خِدْمَة مَنْ لَا يُرْجَى نَفْعُهُ وَلَا يُخْشَى ضُرّه . { وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا } يَقُول : وَنُرَدّ إِلَى أَدْبَارنَا فَنَرْجِع الْقَهْقَرَى خَلْفنَا لَمْ نَظْفَر بِحَاجَتِنَا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّدّ عَلَى الْعَقِب , وَأَنَّ الْعَرَب تَقُول لِكُلِّ طَالِب حَاجَة لَمْ يَظْفَر بِهَا رُدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : وَنُرَدّ مِنْ الْإِسْلَام إِلَى الْكُفْر بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه فَوَفَّقَنَا لَهُ , فَيَكُون مَثَلنَا فِي ذَلِكَ مَثَل الرَّجُل الَّذِي اِسْتَتْبَعَهُ الشَّيْطَان يَهْوِي فِي الْأَرْض حَيْرَان . وَقَوْله : { اِسْتَهْوَتْهُ } : اِسْتَفْعَلَتْهُ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : هَوَى فُلَان إِلَى كَذَا يَهْوِي إِلَيْهِ , وَمِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ : { فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنْ النَّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ } 14 37 بِمَعْنَى : تَنْزِع إِلَيْهِمْ وَتُرِيدهُمْ . وَأَمَّا حَيْرَان : فَإِنَّهُ فَعْلَان مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَدْ حَارَ فُلَان فِي الطَّرِيق فَهُوَ يَحَار فِيهِ حَيْرَة وَحَيَرَانًا تَسَارَفُوا , وَذَلِكَ إِذَا ضَلَّ فَلَمْ يَهْتَدِ لَلْمَحَجَّة لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى , يَقُول : لِهَذَا الْحَيْرَان الَّذِي قَدْ اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض أَصْحَاب عَلَى الْمَحَجَّة وَاسْتِقَامَة السَّبِيل , يَدْعُونَهُ إِلَى الْمَحَجَّة لِطَرِيقِ الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ , يَقُولُونَ لَهُ : اِئْتِنَا وَتُرِكَ إِجْرَاء حَيْرَان , لِأَنَّهُ " فَعْلَان " , وَكُلّ اِسْم كَانَ عَلَى " فَعْلَان " مِمَّا أُنْثَاهُ " فَعْلَى " فَإِنَّهُ لَا يُجْرَى فِي كَلَام الْعَرَب فِي مَعْرِفَة وَلَا نَكِرَة . وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ بَعْد إِيمَانه فَاتَّبَعَ الشَّيَاطِين مِنْ أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ وَأَصْحَابه الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابه فِي حَال إِسْلَامه الْمُقِيمُونَ عَلَى الدِّين الْحَقّ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ وَالصَّوَاب الَّذِي هُمْ بِهِ مُتَمَسِّكُونَ , وَهُوَ لَهُ مُفَارِق وَعَنْهُ زَائِل , يَقُولُونَ لَهُ : اِئْتِنَا , فَكُنْ مَعَنَا عَلَى اِسْتِقَامَة وَهُدًى ! وَهُوَ يَأْبَى ذَلِكَ , وَيَتَّبِع دَوَاعِي الشَّيْطَان وَيَعْبُد الْآلِهَة وَالْأَوْثَان . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : مِثْل مَا قُلْنَا 10457 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنَا } قَالَ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ : اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا , وَاتْرُكُوا دِين مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْرهُ : قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا هَذِهِ الْآلِهَة وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا بَعْد إِذْ هَدَانَا اللَّه , فَيَكُون مَثَلنَا كَمَثَلِ الَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض , يَقُول : مَثَلكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ بَعْد الْإِيمَان كَمَثَلِ رَجُل كَانَ مَعَ قَوْم عَلَى الطَّرِيق , فَضَلَّ الطَّرِيق , فَحَيَّرَتْهُ الشَّيَاطِين وَاسْتَهْوَتْهُ فِي الْأَرْض , وَأَصْحَابه عَلَى الطَّرِيق فَجَعَلُوا يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ , يَقُولُونَ اِئْتِنَا فَإِنَّا عَلَى الطَّرِيق , فَأَبَى أَنْ يَأْتِيهِمْ . فَذَلِكَ مَثَل مَنْ يَتَّبِعكُمْ بَعْد الْمَعْرِفَة بِمُحَمَّدٍ , وَمُحَمَّد الَّذِي يَدْعُو إِلَى الطَّرِيق , وَالطَّرِيق هُوَ الْإِسْلَام . 10458 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا وَنُرَدّ عَلَى أَعْقَابنَا } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْآلِهَةِ وَمَنْ يَدْعُو إِلَيْهَا وَلِلدُّعَاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللَّه , كَمَثَلِ رَجُل ضَلَّ عَنْ الطَّرِيق , إِذْ نَادَاهُ مُنَادٍ : يَا فُلَان اِبْن فُلَان هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيق ! وَلَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ : يَا فُلَان هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيق ! فَإِنْ اِتَّبَعَ الدَّاعِي الْأَوَّل اِنْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيه فِي الْهَلَكَة , وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الْهُدَى اِهْتَدَى إِلَى الطَّرِيق , وَهَذِهِ الدَّاعِيَة الَّتِي تَدْعُو فِي الْبَرِّيَّة مِنْ الْغِيلَان , يَقُول : مَثَل مَنْ يَعْبُد هَؤُلَاءِ الْآلِهَة مِنْ دُون اللَّه , فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ فِي شَيْء حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْت فَيَسْتَقْبِل الْهَلَكَة وَالنَّدَامَة . وَقَوْله : { كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض } : وَهُمْ الْغِيلَان يَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ وَاسْم أَبِيهِ وَاسْم جَدّه , فَيَتَّبِعهَا فَيَرَى أَنَّهُ فِي شَيْء فَيُصْبِح وَقَدْ أَلْقَتْهُ فِي الْهَلَكَة وَرُبَّمَا أَكَلَتْهُ , أَوْ تُلْقِيه فِي مَضَلَّة مِنْ الْأَرْض يَهْلِك فِيهَا عَطَشًا , فَهَذَا مَثَل مَنْ أَجَابَ الْآلِهَة الَّتِي تُعْبَد مِنْ دُون اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 10459 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض } قَالَ : أَضَلَّتْهُ فِي الْأَرْض حَيْرَان . 10460 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا } قَالَ : الْأَوْثَان . 10461 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان } قَالَ : رَجُل حَيْرَان يَدْعُوهُ أَصْحَابه إِلَى الطَّرِيق , كَذَلِكَ مَثَل مَنْ يَضِلّ بَعْد إِذْ هُدِيَ . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : ثَنَا رَجُل , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : حَيْرَان ; هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْكَافِرِ , يَقُول : الْكَافِر حَيْرَان يَدْعُوهُ الْمُسْلِم إِلَى الْهُدَى فَلَا يُجِيب . 10462 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَا لَا يَنْفَعنَا وَلَا يَضُرّنَا } حَتَّى بَلَغَ : { لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } عَلَّمَهَا اللَّه مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْل الضَّلَالَة . وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , بِمَا : 10463 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَاَلَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الْأَرْض حَيْرَان لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى } فَهُوَ الرَّجُل الَّذِي لَا يَسْتَجِيب لِهُدَى اللَّه , وَهُوَ رَجُل أَطَاعَ الشَّيْطَان وَعَمِلَ فِي الْأَرْض بِالْمَعْصِيَةِ وَحَارَ عَنْ الْحَقّ وَضَلَّ عَنْهُ , وَلَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِي يَأْمُرُونَهُ هُدًى , يَقُول اللَّه ذَلِكَ لِأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ الْإِنْس : إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّه , وَالضَّلَالَة مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْجِنّ . فَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة يَرَى أَنَّ أَصْحَاب هَذَا الْحَيْرَان الَّذِينَ يَدْعُونَهُ إِنَّمَا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَال وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ هُدًى , وَأَنَّ اللَّه أَكَذَبَهُمْ بِقَوْلِهِ : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى } لَا مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ أَصْحَابه . وَهَذَا تَأْوِيل لَهُ وَجْه لَوْ لَمْ يَكُنْ اللَّه سَمَّى الَّذِي دَعَا الْحَيْرَان إِلَيْهِ أَصْحَاب هُدًى , وَكَانَ الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَابه الدُّعَاة لَهُ إِلَى مَا دَعَوْهُ إِلَيْهِ , أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ سَمَّوْهُ , وَلَكِنَّ اللَّه سَمَّاهُ هُدًى , وَأَخْبَرَ عَنْ أَصْحَاب الْحَيْرَان أَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِ . وَغَيْر جَائِز أَنْ يُسَمِّيَ اللَّه الضَّلَال هُدًى لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ , وَغَيْر جَائِز وَصْف اللَّه بِالْكَذِبِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَته . وَإِنَّمَا كَانَ يَجُوز تَوْجِيه ذَلِكَ إِلَى الصَّوَاب لَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ الدَّاعِي الْحَيْرَان أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : تَعَالَ إِلَى الْهُدَى ; فَأَمَّا وَهُوَ قَائِل : يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَهُمْ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى الضَّلَال . وَأَمَّا قَوْله : { اِئْتِنَا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَقُولُونَ : اِئْتِنَا هَلُمَّ إِلَيْنَا ! فَحُذِفَ الْقَوْل لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا " . 10464 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا غُنْدَر , عَنْ شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا " . 10465 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَيِّنًا " . قَالَ : الْهُدَى : الطَّرِيق , أَنَّهُ بَيِّن . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ الْبَيِّن مِنْ صِفَة الْهُدَى , وَيَكُون نَصْب الْبَيِّن عَلَى الْقَطْع مِنْ الْهُدَى , كَأَنَّهُ قِيلَ : يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى الْبَيِّن , ثُمَّ نُصِبَ " الْبَيِّن " لَمَّا حُذِفَتْ الْأَلِف وَاللَّام , وَصَارَ نَكِرَة مِنْ صِفَة الْمَعْرِفَة . وَهَذِهِ الْقِرَاءَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ اِبْن مَسْعُود تُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ : الْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِع : هُوَ الْهُدَى , عَلَى الْحَقِيقَة .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان الْقَائِلِينَ لِأَصْحَابِك : اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ فَإِنَّا عَلَى هُدًى : لَيْسَ الْأَمْر كَمَا زَعَمْتُمْ { إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى } يَقُول : إِنَّ طَرِيق اللَّه الَّذِي بَيَّنَهُ لَنَا وَأَوْضَحَهُ وَسَبِيلنَا الَّذِي أَمَرَنَا بِلُزُومِهِ وَدِينه الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا فَبَيَّنَهُ , هُوَ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَة الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا , لَا عِبَادَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , فَلَا نَتْرُك الْحَقّ وَنَتَّبِع الْبَاطِل . { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : وَأَمَرَنَا رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْء , تَعَالَى وَجْهه , لِنُسْلِم لَهُ : لِنَخْضَع لَهُ بِالذِّلَّةِ وَالطَّاعَة وَالْعُبُودِيَّة , فَنُخْلِص ذَلِكَ لَهُ دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِسْلَام بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته , وَقِيلَ : { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم } بِمَعْنَى : وَأُمِرْنَا كَيْ نُسْلِم , وَأَنْ نُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ , لِأَنَّ الْعَرَب تَضَع " كَيْ " وَاللَّام الَّتِي بِمَعْنَى " كَيْ " مَكَان " أَنْ " وَ " أَنْ " مَكَانهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان الْقَائِلِينَ لِأَصْحَابِك : اِتَّبِعُوا سَبِيلنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ فَإِنَّا عَلَى هُدًى : لَيْسَ الْأَمْر كَمَا زَعَمْتُمْ { إِنَّ هُدَى اللَّه هُوَ الْهُدَى } يَقُول : إِنَّ طَرِيق اللَّه الَّذِي بَيَّنَهُ لَنَا وَأَوْضَحَهُ وَسَبِيلنَا الَّذِي أَمَرَنَا بِلُزُومِهِ وَدِينه الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا فَبَيَّنَهُ , هُوَ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَة الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا , لَا عِبَادَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , فَلَا نَتْرُك الْحَقّ وَنَتَّبِع الْبَاطِل . { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : وَأَمَرَنَا رَبّنَا وَرَبّ كُلّ شَيْء , تَعَالَى وَجْهه , لِنُسْلِم لَهُ : لِنَخْضَع لَهُ بِالذِّلَّةِ وَالطَّاعَة وَالْعُبُودِيَّة , فَنُخْلِص ذَلِكَ لَهُ دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْإِسْلَام بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته , وَقِيلَ : { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِم } بِمَعْنَى : وَأُمِرْنَا كَيْ نُسْلِم , وَأَنْ نُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ , لِأَنَّ الْعَرَب تَضَع " كَيْ " وَاللَّام الَّتِي بِمَعْنَى " كَيْ " مَكَان " أَنْ " وَ " أَنْ " مَكَانهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا} أي ما لا ينفعنا إن دعوناه. { ولا يضرنا} إن تركناه؛ يريد الأصنام. { ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. وواحد الأعقاب عقب وهو مؤنث، وتصغيره عقيبة. يقال : رجع فلان على عقبيه، إذا أدبر. قال أبو عبيدة : يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه. وقال المبرد : معناه تعقب بالشر بعد الخير. وأصله من العاقبة والعقبى وهما ما كان تاليا للشيء واجبا أن يتبعه؛ ومنه { والعاقبة للمتقين} [الأعراف : 128]. ومنه عقب الرجل. ومنه العقوبة، لأنها تالية للذنب، وعنه تكون. قوله تعالى { كالذي} الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. { استهوته الشياطين في الأرض حيران} أي استغوته وزينت له هواه ودعته إليه. يقال : هوى يهوي إلى الشيء أسرع إليه. وقال الزجاج : هو من هوى يهوي، من هوى النفس؛ أي زين له الشيطان هواه. وقراءة الجماعة { استهوته} أي هوت به، على تأنيث الجماعة. وقرأ حمزة { استهواه الشياطين} على تذكير الجمع. وروي عن ابن مسعود { استهواه الشيطان} ، وروي عن الحسن، وهو كذلك في حرف أبي. ومعنى { ائتنا} تابعنا. وفي قراءة عبدالله أيضا { يدعونه إلى الهدى بينا} . وعن الحسن أيضا { استهوته الشياطون} . { حيران} نصب على الحال، ولم ينصرف لأن أنثاه حيرى كسكران وسكرى وغضبان وغضبى. والحيران هو الذي لا يهتدي لجهة أمره. وقد حار يحار حيرا وحيرورة، أي تردد. وبه سمي الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائرا، والجمع حوران. والحائر الموضع الذي يتحير فيه الماء. قال الشاعر : تخطو على برديتين غذاهما ** غدق بساحة حائر يعبوب قال ابن عباس : أي مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه فيصبح وقد ألقته في مضلة ومهلكة؛ فهو حائر في تلك المهامه. وقال في رواية أبي صالح : نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، كان يدعو أباه إلى الكفر وأبواه يدعوانه إلى الإسلام والمسلمون؛ وهو معنى قوله { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى} فيأبى. قال أبو عمر : أمه أم رومان بنت الحارث بن غنم الكنانية؛ فهو شقيق عائشة. وشهد عبدالرحمن بن أبي بكر بدرا وأحدا مع قومه وهو كافر، ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له (متعني بنفسك). ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية. هذا قول أهل السير. قالوا : كان اسمه عبدالكعبة فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبدالرحمن، وكان أسن ولد أبي بكر. قال : إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ولاء : أب وبنوه إلا أبا قحافة وابنه أبا بكر وابنه عبدالرحمن بن أبي بكر وابنه أبا عتيق محمد بن عبدالرحمن. والله أعلم. قوله تعالى { وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه} اللام لام كي، أي أمرنا كي نسلم وبأن أقيموا الصلاة؛ لأن حروف الإضافة يعطف بعضها على بعض. قال الفراء : المعنى أمرنا بأن نسلم؛ لأن العرب تقول : أمرتك لتذهب، وبأن تذهب بمعنى. قال النحاس : سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول هي لام الخفض، واللامات كلها ثلاث : لام خفض ولام أمر ولام توكيد، لا يخرج شيء عنها. والإسلام الإخلاص. وإقامة الصلاة الإتيان بها والدوام عليها. ويجوز أن يكون { وأن أقيموا الصلاة} عطفا على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة؛ لأن معنى ائتنا أن ائتنا. قوله تعالى { وهو الذي إليه تحشرون} ابتداء وخبر وكذا { وهو الذي خلق السماوات والأرض} أي فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام. ومعنى { بالحق} أي بكلمة الحق. يعني قوله { كن} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 71 - 73

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه الآية تبدأ بسؤال عن عبادة الأصنام أو غيرها، ما الذي صنعته تلك الأصنام أو غيرها لمن عبدها؟ وماذا صنعت لمن لم يعبدها؟. وهذا أول منطق في بطلان ألوهية غير الله، فمن عبد الشمس مثلا ماذا أعطته الشمس؟ ومن كفر بها كيف عاقبته الشمس؟. إنها تشرق لمن عبدها ولمن لم يعبدها. والصنم الذي عبدوه، ماذا صنع لهم؟ لا شيء. وهذا الصنم لم يُنْزِل عقاباً على مَنْ لم يعبده، بل إن الذي انتفع هو من لم يعبد الأصنام؛ لأنه أعمل فكره ليبحث عن خالق لهذا الكون.

وهكذا نجد النفع والضر إنما يأتيان من الإله الحق: { وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ } والإنسان دائماً حين يسير فهو يقطع خطوة إلى الأمام فيقصر المسافة أمامه، أما من يُرَدُّ على عقبه فهو من يرجع هذه الخطوة التي خطاها.

وهذا حديث المؤمنين الذي يرفضون أن يعودوا إلى عبادة غير الله لأنهم آمنوا وساروا في طريق الهدى، وليس من المنطق أن يرتدوا على أعقابهم وأن ينقلبوا خاسرين.

{ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ } كلمة " شيطان " مقصود بها عاصي الجن. والجن جنس مقابل للإنس، وما دام في الإنس طائعون وعاصون فكذلك في الجن طائعون وعاصون.

والحق قال:
{  قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً }
[الجن: 1-2].

إذن فمن الجن من هو مؤمن. ومن الجن من هو عاصٍ. والعاصي من الجن يُسمى شيطاناً. وإياك أن تنكر أيها المسلم وجود الشيطان لأنك لا تراه، لأن الشيطان من المخلوقات التي ذكرها الله من عالم الغيب، وحجة وجودها هو تصديقك لمن قال عنها، وهناك فرق منطقي وفلسفي بين وجود الشيء وبين إدراك وجود الشيء. والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يوحدوا ويربطوا بين وجود شيء وإدراكه. وهناك فارق بين أن يوجد أو يدرك؛ ذلك أن هناك ما يكون موجوداً ولكنه لا يُدرك.

{ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ } [الأنعام: 71].

جاء هذا التصور في صورة استفهام. إنّ الحق طلب من رسوله أن يقوله، فكأن الصورة: أن قوماً هداهم الله إلى الحق فدُعُوا إلى أن يعبدوا غير الله ويدعوا ما لا ينفع ولا يضر، فيردوا على أعقابهم، أي بعد الهداية، وهذه هي صورة الحيرة والتردد؛ لأنهم كانوا على هدى، ثم دُعُوا إلى أن يعبدوا من دون الله ما لا ينفع ولا يضر. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة لهذه الحيرة، ولهذا التردد، فقال: { كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ }.

و " استهوته " من مادة " استفعل " وتأتي دائماً للطلب؛ كقولنا " استفهم ".أي طلب الفهم، و " استخرج ". أي طلب الإخراج للشيء، " فاستهوته " طلبت هُوِيَّة. أي جعلته يتقبّل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء، وترده مادة " الهاء والواو والياء " لمعانٍ، إن مُدَّت؛ فهي الهواء الذي نتنفسه، وما به أصل الحياة، وإن قُصِرَت، فإنها هي الهَوَى وهو ميل النفس إلى شيء، أو تكون هُويًّا أي سقوطاً.

إذن فالمادة تأتي إما للهواء إن كانت ممدودة، وإن كانت بالقصر فهي من الهَوَى أو من الهُوِىّ؛ كأن تقول: " هَوَى، يَهْوِي؛ هُوِيّاً " أي سقط من علوٍّ إلى أسفل، وهَوِىَ، يَهْوَى، هَوّى. أي أحبَّ، وهكذا نعرف أن " استهوته " أي طلبت هويَّه أو هواه أي ميل نفسه إلى اتباع الهَوَى، وحين تستهوي الشياطين الإنسان فهي تريد أن تجتذبه إلى ناحية هواه، وتوقظ الهوى في النفس، وبذلك تدعوه ليَهْوِي. والحق يقول:
{  وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ }
[الحج: 31].

وحين يخرّ عبد من السماء، إما أن تتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وحين تأتي إلى الهَوَى والهُوِىّ فاعلم أن الهوى يجذبك إلى ما يضرك، ولذلك لا تسلم منه إلا أن يكون هواك تبعاً لما جاء به الحق، ولكن إن اتبعت هواك فلا بد أن يؤدي بك إلى الهُوِيّ: { كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ } [الأنعام: 71].

وما هي الحَيْرة؟ هي التردد بين أمر ومقابله. وعرفنا من قبل أن الحَيْرة في هذه الآية جاءت لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم رُدَّ على أعقابه ورجع، ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى، فهو بين شيطان يستهويه، وأصحاب يدعونه للمنهج؛ لذلك يكون حيران: بين هاوية ونجاة، والشيء الذي يهوي لا استقرار له، وحين نرى - على سبيل المثال - حجراً يهوي للأرض نجده يدور، ولا اتجاه له. وهذه صورة معبرة، ويأتي له القول الفصل: { قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } [الأنعام: 71].

فمن يتبع إذن؟ إنه يتبع الذين يدعونه إلى منهج الحق سبحانه وتعالى؛ لأن الهدى هو المنهج والطريق الموصل للغاية، والصنعة لا تضع غاية لنفسها، بل الذي يضع الغاية هو من صنعها، وسبق أن قلت: إنّ التليفزيون لا يقول لنا غايته، ولا يعرف كيف يصون نفسه، بل يضع ذلك مَنْ صنعه، وكذلك الإنسان عليه أن يأخذ غايته مِمَّن خلقه، والذي يفسد الدنيا أن الله خلق، لكن الناس أرادوا أن يضعوا لأنفسهم قانون الصيانة، لذلك نقول: إن علينا أن نأخذ قانون الصيانة ممن خلقنا، وهدى الله هو هدى الحق.وجاءت " الهدى " هنا لتعطينا يقيناً إيمانياً في إله واحد، وحين توجد عقيدتنا في إله واحد، لا تختلف أهواؤنا أبداً؛ لأنه هو الذي يضع لنا القانون، وساعة يضع لنا القانون ويكون كلٌّ مِنِّا خاضعا لقانونه، لا يذل أحد منا لأحد آخر؛ فأنا وأنت عبيد لإله واحد، ولا غضاضة عليك ولا غضاضة عليّ. وحين يُريد البشر أن يسير الناس على أفكارهم فإن صاحب الفكر يريد أن يُذِل الآخرين له ويأخذهم على منهجه وعلى مبدئه، وهو في الحقيقة ليس أفضل منهم، ولذلك تجد الهداية الحقة حين نخضع جميعاً لإله واحد، ويتساند المجتمع ويتعاضد ولا يتعاند، ويتوجه الهوى إلى محبة منهج الله.
{  وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ }
[المؤمنون: 71].

ولهذا جاء الدين؛ لأن الشرع لا يقرر شيئاً ضد الإنسان.

ونذكر جميعاً قصة ملكة سبأ وسيدنا سليمان عليه السلام حينما قالت: { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ }. ولم تقل: أسلمت لسليمان بل أسلمت مع سليمان لله، فلا غضاضة أن تكون قد أسلمت فهي ليست تابعة لسليمان، بل تابعة لرب سليمان، إذن حين يأتي التشريع من أعلى، لا غضاضة لأحد في أن يؤمن، ولا يظن واحد أنه تبع لآخر بل كلنا عبيد لله. وحين نكون جميعاً عبيداً لواحد نكون جميعاً سادة.

ويتمثل الهدى في الإيمان بإله واحد، ونأخذ هذا الإيمان بأدلتنا العقلية. إننا ندخل عليه من باب العقل، ونسلم أمرنا له؛ لأنه هو أعلم بما يصلحنا. { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الأنعام: 71].

وقوله تعالى: { وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ... }


www.alro7.net