سورة
اية:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى لنبيّه صلوات اللّه وسلامه عليه: { واتل عليهم} أي أخبرهم واقصص عليهم، أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك، { نبأ نوح} أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم اللّه ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك، { إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم} أي عظم عليكم { مقامي} أي فيكم بين أظهركم، { وتذكيري} إياكم { بآيات اللّه} أي بحججه وبراهينه، { فعلى اللّه توكلت} أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا، { فأجمعوا أمركم وشركاءكم} أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون اللّه من صنم ووثن، { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} أي ولا تجعلوا أمركم عليكم متلبساً، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إليَّ ولا تنظرون، أي ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على اللّه ربي وربكم} الآية. وقوله { فإن توليتم} أي كذبتم وأدبرتم عن الطاعة { فما سألتكم من أجر} أي لم أطلب منكم على نصيحتي إياكم شيئاً، { إن أجري إلا على اللّه وأمرت أن أكون من المسلمين} أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام للّه عزَّ وجلَّ، والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، وقوله تعالى: { فكذبوه فنجيناه ومن معه} أي على دينه { في الفلك} وهي السفينة، { وجعلناهم خلائف} أي في الأرض، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} أي فانظر يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين.

تفسير الجلالين

{ واتل } يا محمد { عليهم } أي كفار مكة { نبأ } خبر { نوح } ويبدل منه { إذ قال لقومه يا قوم إن كان كُبر } شق { عليكم مقامي } لبثي فيكم { وتذكيري } وعظي إياكم { بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم } اعزموا على أمر تفعلونه بي { وشركاءكم } الواو بمعني مع { ثم لا يكن أمركم عليكم غُمة } مستورا بل أظهروه وجاهروني به { ثم اقضوا إليَّ } امضوا فيما أردتموه { ولا تنظرون } تمهلون فإني لست مباليا بكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاتْلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي قَالُوا : اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا مِنْ قَوْمك { نَبَأ نُوح } يَقُول : خَبَر نُوح , { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي } يَقُول : إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْن أَظْهُركُمْ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ , { وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّه } يَقُول : وَوَعْظِي إِيَّاكُمْ بِحُجَجِ اللَّه , وَتَنْبِيهِي إِيَّاكُمْ عَلَى ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاتْلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي قَالُوا : اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا مِنْ قَوْمك { نَبَأ نُوح } يَقُول : خَبَر نُوح , { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي } يَقُول : إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْن أَظْهُركُمْ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ , { وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّه } يَقُول : وَوَعْظِي إِيَّاكُمْ بِحُجَجِ اللَّه , وَتَنْبِيهِي إِيَّاكُمْ عَلَى ذَلِكَ .' يَقُول : إِنْ كَانَ شَقَّ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْن أَظْهُركُمْ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّه فَعَزَمْتُمْ عَلَى قَتْلِي أَوْ طَرْدِي مِنْ بَيْن أَظْهُركُمْ , فَعَلَى اللَّه اِتِّكَالِي وَبِهِ ثِقَتِي , وَهُوَ سَنَدِي وَظَهْرِي .يَقُول : إِنْ كَانَ شَقَّ عَلَيْكُمْ مَقَامِي بَيْن أَظْهُركُمْ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّه فَعَزَمْتُمْ عَلَى قَتْلِي أَوْ طَرْدِي مِنْ بَيْن أَظْهُركُمْ , فَعَلَى اللَّه اِتِّكَالِي وَبِهِ ثِقَتِي , وَهُوَ سَنَدِي وَظَهْرِي .' يَقُول : فَاعْدِلُوا أَمْركُمْ وَاعْزِمُوا عَلَى مَا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ فِي أَمْرِي ; يُقَال مِنْهُ : أَجْمَعْت عَلَى كَذَا , بِمَعْنَى : عَزَمْت عَلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ : " مَنْ لَمْ يُجْمِع عَلَى الصَّوْم مِنْ اللَّيْل فَلَا صَوْمَ لَهُ " بِمَعْنَى : مَنْ لَمْ يَعْزِم , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يَا لَيْتَ شَعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَع هَلْ أَغْدُوَن يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَع وَرُوِيَ عَنْ الْأَعْرَج فِي ذَلِكَ مَا : 13752 - حَدَّثَنِي بَعْض أَصْحَابنَا عَنْ عَبْد الْوَهَّاب عَنْ هَارُون , عَنْ أُسَيْدٍ , عَنْ الْأَعْرَج : { فَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ } يَقُول : أَحْكِمُوا أَمْركُمْ وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ . وَنَصْب قَوْله : { وَشُرَكَاءَكُمْ } بِفِعْلٍ مُضْمَر لَهُ , وَذَلِكَ : وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ , وَعَطَفَ الشُّرَكَاء عَلَى قَوْله : { أَمْركُمْ } عَلَى نَحْو قَوْل الشَّاعِر : وَرَأَيْت زَوْجَك فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا فَالرُّمْح لَا يُتَقَلَّد , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيمَا أَظْهَرَ مِنْ الْكَلَام دَلِيل عَلَى مَا حَذَفَ , فَاكْتَفَى بِذِكْرِ مَا ذَكَرَ مِنْهُ مِمَّا حُذِفَ , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَشُرَكَاءَكُمْ } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَشُرَكَاءَكُمْ } نَصْبًا , وَقَوْله : { فَأَجْمِعُوا } بِهَمْزِ الْأَلِف وَفَتْحهَا , مِنْ أَجْمَعْت أَمْرِي فَأَنَا أُجْمِعهُ إِجْمَاعًا . وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : { فَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ } بِفَتْحِ الْأَلِف وَهَمْزهَا " وَشُرَكَاؤُكُمْ " بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى : وَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ , وَلْيُجْمَعْ أَمْرهمْ أَيْضًا مَعَكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { فَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَجْمِعُوا " , وَنَصْب " الشُّرَكَاء " , لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَف بِغَيْرِ وَاو , وَلِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَى الْقِرَاءَة بِهَا وَرَفْض مَا خَالَفَهَا , وَلَا يُعْتَرَض عَلَيْهَا بِمَنْ يَجُوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالسَّهْو . وَعَنَى بِالشُّرَكَاءِ آلِهَتَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ .يَقُول : فَاعْدِلُوا أَمْركُمْ وَاعْزِمُوا عَلَى مَا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ فِي أَمْرِي ; يُقَال مِنْهُ : أَجْمَعْت عَلَى كَذَا , بِمَعْنَى : عَزَمْت عَلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ : " مَنْ لَمْ يُجْمِع عَلَى الصَّوْم مِنْ اللَّيْل فَلَا صَوْمَ لَهُ " بِمَعْنَى : مَنْ لَمْ يَعْزِم , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يَا لَيْتَ شَعْرِي وَالْمُنَى لَا تَنْفَع هَلْ أَغْدُوَن يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَع وَرُوِيَ عَنْ الْأَعْرَج فِي ذَلِكَ مَا : 13752 - حَدَّثَنِي بَعْض أَصْحَابنَا عَنْ عَبْد الْوَهَّاب عَنْ هَارُون , عَنْ أُسَيْدٍ , عَنْ الْأَعْرَج : { فَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ } يَقُول : أَحْكِمُوا أَمْركُمْ وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ . وَنَصْب قَوْله : { وَشُرَكَاءَكُمْ } بِفِعْلٍ مُضْمَر لَهُ , وَذَلِكَ : وَادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ , وَعَطَفَ الشُّرَكَاء عَلَى قَوْله : { أَمْركُمْ } عَلَى نَحْو قَوْل الشَّاعِر : وَرَأَيْت زَوْجَك فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا فَالرُّمْح لَا يُتَقَلَّد , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيمَا أَظْهَرَ مِنْ الْكَلَام دَلِيل عَلَى مَا حَذَفَ , فَاكْتَفَى بِذِكْرِ مَا ذَكَرَ مِنْهُ مِمَّا حُذِفَ , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَشُرَكَاءَكُمْ } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَشُرَكَاءَكُمْ } نَصْبًا , وَقَوْله : { فَأَجْمِعُوا } بِهَمْزِ الْأَلِف وَفَتْحهَا , مِنْ أَجْمَعْت أَمْرِي فَأَنَا أُجْمِعهُ إِجْمَاعًا . وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : { فَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ } بِفَتْحِ الْأَلِف وَهَمْزهَا " وَشُرَكَاؤُكُمْ " بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى : وَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ , وَلْيُجْمَعْ أَمْرهمْ أَيْضًا مَعَكُمْ شُرَكَاؤُكُمْ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { فَأَجْمِعُوا أَمْركُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ } بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَجْمِعُوا " , وَنَصْب " الشُّرَكَاء " , لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَف بِغَيْرِ وَاو , وَلِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَى الْقِرَاءَة بِهَا وَرَفْض مَا خَالَفَهَا , وَلَا يُعْتَرَض عَلَيْهَا بِمَنْ يَجُوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالسَّهْو . وَعَنَى بِالشُّرَكَاءِ آلِهَتَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ .' وَقَوْله : { ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْركُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّة } يَقُول : ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْركُمْ عَلَيْكُمْ مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا مُبْهَمًا ; مِنْ قَوْلهمْ : غُمَّ عَلَى النَّاس الْهِلَال , وَذَلِكَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَتَبَيَّنُوهُ , وَمِنْهُ قَوْل الْعَجَّاج : بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاس إِذْ تُكُمُّوا بِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَمّ , لِأَنَّ الصَّدْر يَضِيق بِهِ وَلَا يَتَبَيَّن صَاحِبه لِأَمْرِهِ مَصْدَرًا يَصْدُرهُ يَتَفَرَّج عَنْهُ مَا بِقَلْبِهِ , وَمِنْهُ قَوْل خَنْسَاء : وَذِي كُرْبَة رَاحَنِي اِبْن عَمْرو خِنَاقه وَغَمَّتْهُ عَنْ وَجْهه فَتَجَلَّتِ وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 13753 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { أَمْركُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّة } قَالَا : لَا يَكْبُر عَلَيْكُمْ أَمْركُمْ . وَقَوْله : { ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْركُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّة } يَقُول : ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْركُمْ عَلَيْكُمْ مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا مُبْهَمًا ; مِنْ قَوْلهمْ : غُمَّ عَلَى النَّاس الْهِلَال , وَذَلِكَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَتَبَيَّنُوهُ , وَمِنْهُ قَوْل الْعَجَّاج : بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاس إِذْ تُكُمُّوا بِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَمّ , لِأَنَّ الصَّدْر يَضِيق بِهِ وَلَا يَتَبَيَّن صَاحِبه لِأَمْرِهِ مَصْدَرًا يَصْدُرهُ يَتَفَرَّج عَنْهُ مَا بِقَلْبِهِ , وَمِنْهُ قَوْل خَنْسَاء : وَذِي كُرْبَة رَاحَنِي اِبْن عَمْرو خِنَاقه وَغَمَّتْهُ عَنْ وَجْهه فَتَجَلَّتِ وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 13753 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { أَمْركُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّة } قَالَا : لَا يَكْبُر عَلَيْكُمْ أَمْركُمْ . ' وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : ثُمَّ اِمْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسكُمْ وَافْرُغُوا مِنْهُ . كَمَا : 13754 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ } قَالَ : اِقْضُوا إِلَيَّ مَا كُنْتُمْ قَاضِينَ . 13755 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ } قَالَ : اِقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسكُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب فِي مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : اِمْضُوا إِلَيَّ , كَمَا يُقَال : قَدْ قَضَى فُلَان , يُرَاد : قَدْ مَاتَ وَمَضَى . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ مَعْنَاهُ : ثُمَّ اُفْرُغُوا إِلَيَّ , وَقَالُوا : الْقَضَاء : الْفَرَاغ , وَالْقَضَاء مِنْ ذَلِكَ . قَالُوا : وَكَأَنَّ قَضَى دَيْنه مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فَرَغَ مِنْهُ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ " بِمَعْنَى : تَوَجَّهُوا إِلَيَّ حَتَّى تَصِلُوا إِلَيَّ , مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ أَفْضَى إِلَيَّ الْوَجَع وَشِبْهه . وَقَوْله : { وَلَا تُنْظِرُونِ } يَقُول : وَلَا تُؤَخِّرُونِ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَنْظَرْت فُلَانًا بِمَا لِي عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْن . وَإِنَّمَا هَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قَوْل نَبِيّه نُوح عَلَيْهِ السَّلَام لِقَوْمِهِ : إِنَّهُ بِنُصْرَةِ اللَّه لَهُ عَلَيْهِمْ وَاثِق وَمِنْ كَيَدِهِمْ وَتَوَاثُقهمْ غَيْر خَائِف , وَإِعْلَام مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ آلِهَتهمْ لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , يَقُول لَهُمْ : اِمْضُوا مَا تُحَدِّثُونَ أَنْفُسكُمْ بِهِ فِيَّ عَلَى عَزْم مِنْكُمْ صَحِيح , وَاسْتَعِينُوا مَنْ شَايَعَكُمْ عَلَيَّ بِآلِهَتِكُمْ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه , وَلَا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ فَإِنِّي قَدْ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّه وَأَنَا بِهِ وَاثِق أَنَّكُمْ لَا تَضُرُّونِي إِلَّا أَنْ يَشَاء رَبِّي . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نُوح , فَإِنَّهُ حَثّ مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ وَتَعْرِيف مِنْهُ سَبِيل الرَّشَاد فِيمَا قَلَّدَهُ مِنْ الرِّسَالَة وَالْبَلَاغ عَنْهُ .وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : ثُمَّ اِمْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسكُمْ وَافْرُغُوا مِنْهُ . كَمَا : 13754 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ } قَالَ : اِقْضُوا إِلَيَّ مَا كُنْتُمْ قَاضِينَ . 13755 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ } قَالَ : اِقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسكُمْ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْمَعْرِفَة بِكَلَامِ الْعَرَب فِي مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ اِقْضُوا إِلَيَّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : اِمْضُوا إِلَيَّ , كَمَا يُقَال : قَدْ قَضَى فُلَان , يُرَاد : قَدْ مَاتَ وَمَضَى . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ مَعْنَاهُ : ثُمَّ اُفْرُغُوا إِلَيَّ , وَقَالُوا : الْقَضَاء : الْفَرَاغ , وَالْقَضَاء مِنْ ذَلِكَ . قَالُوا : وَكَأَنَّ قَضَى دَيْنه مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فَرَغَ مِنْهُ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : " ثُمَّ أَفْضُوا إِلَيَّ " بِمَعْنَى : تَوَجَّهُوا إِلَيَّ حَتَّى تَصِلُوا إِلَيَّ , مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ أَفْضَى إِلَيَّ الْوَجَع وَشِبْهه . وَقَوْله : { وَلَا تُنْظِرُونِ } يَقُول : وَلَا تُؤَخِّرُونِ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَنْظَرْت فُلَانًا بِمَا لِي عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْن . وَإِنَّمَا هَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قَوْل نَبِيّه نُوح عَلَيْهِ السَّلَام لِقَوْمِهِ : إِنَّهُ بِنُصْرَةِ اللَّه لَهُ عَلَيْهِمْ وَاثِق وَمِنْ كَيَدِهِمْ وَتَوَاثُقهمْ غَيْر خَائِف , وَإِعْلَام مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ آلِهَتهمْ لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , يَقُول لَهُمْ : اِمْضُوا مَا تُحَدِّثُونَ أَنْفُسكُمْ بِهِ فِيَّ عَلَى عَزْم مِنْكُمْ صَحِيح , وَاسْتَعِينُوا مَنْ شَايَعَكُمْ عَلَيَّ بِآلِهَتِكُمْ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه , وَلَا تُؤَخِّرُوا ذَلِكَ فَإِنِّي قَدْ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّه وَأَنَا بِهِ وَاثِق أَنَّكُمْ لَا تَضُرُّونِي إِلَّا أَنْ يَشَاء رَبِّي . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خَبَرًا مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نُوح , فَإِنَّهُ حَثّ مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ وَتَعْرِيف مِنْهُ سَبِيل الرَّشَاد فِيمَا قَلَّدَهُ مِنْ الرِّسَالَة وَالْبَلَاغ عَنْهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح} أمره عليه السلام أن يذكرهم أقاصيص المتقدمين، ويخوفهم العذاب الأليم على كفرهم. وحذفت الواو من { اتل} لأنه أمر؛ أي اقرأ عليهم خبر نوح. { إذ قال لقومه} { إذ} في موضع نصب. { يا قوم إن كان كبر عليكم} أي عظم وثقل عليكم. { مقامي} المقام (بفتح الميم) : الموضع الذي يقوم فيه. والمقام (بالضم) الإقامة. ولم يقرأ به فيما علمت؛ أي إن طال عليكم لبثي فيكم. { وتذكيري} إياكم، وتخويفي لكم. { بآيات الله} وعزمتم على قتلي وطردي. { فعلى الله توكلت} أي اعتمدت. وهذا هو جواب الشرط، ولم يزل عليه السلام متوكلا على الله في كل حال؛ ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم؛ أي إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني. قوله تعالى: { فأجمعوا أمركم وشركاءكم} قراءة العامة { فأجمعوا} بقطع الألف { شركاءكم} بالنصب. وقرأ عاصم الجحدري { فاجمعوا} بوصل الألف وفتح الميم؛ من جمع يجمع. { شركاءكم} بالنصب. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب { فأجمعوا} بقطع الألف { شركاؤكم} بالرفع. فأما القراءة الأولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه. وقال الفراء : أجمع الشيء أعده. وقال المؤرج : أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد : يا ليت شعري والمنى لا تنفع ** هل أغدون يوما وأمري مجمع قال النحاس : وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه؛ قال الكسائي والفراء : هو بمعنى وادعوا شركاءكم لنصرتكم؛ وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد : هو معطوف على المعنى؛ كما قال : يا ليت زوجك في الوغى ** متقلدا سيفا ورمحا والرمح لا يتقلد، إلا أنه محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى مع شركائكم على تناصركم؛ كما يقال : التقى الماء والخشبة. والقراءة الثانية من الجمع، اعتبارا بقوله تعالى: { فجمع كيده ثم أتى} [طه : 60]. قال أبو معاذ : ويجوز أن يكون جمع وأجمع بمعنى واحد، { وشركاءكم} على هذه القراءة عطف على { أمركم} ، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع، قال أبو جعفر النحاس : وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمرا. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال. قال النحاس وغيره : وهذه القراءة تبعد؛ لأنه لو كان مرفوعا لوجب أن تكتب بالواو، ولم ير في المصاحف واو في قوله { وشركاءكم} ، وأيضا فإن شركاءهم الأصنام، والأصنام لا تصنع شيئا ولا فعل لها حتى تجمع. قال المهدوي : ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخير محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبص ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها. قوله تعالى: { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} اسم يكن وخبرها. وغمة وغم سواء، ومعناه التغطية؛ من قولهم : غم الهلال إذا استتر؛ أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم؛ لا كمن يخفى أمره فلا يقدر على ما يريد. قال طرفة : لعمرك ما أمري علي بغمة ** نهاري ولا ليلي علي بسرمد الزجاج : غمة ذا غم، والغم والغمة كالكرب والكربة. وقيل : إن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا لينفرج عنه ما يغمه. وفي الصحاح : والغمة الكربة. قال العجاج : بل لو شهدت الناس إذ تكموا ** بغمة لو لم تفرج غموا يقال : أمر غمة، أي مبهم ملتبس؛ قال تعالى: { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} . قال أبو عبيدة : مجازها ظلمة وضيق. والغمة أيضا : قعر النحي وغيره. قال غيره : وأصل هذا كله مشتق من الغمامة. قوله تعالى: { ثم اقضوا إلي ولا تنظروني} ألف { اقضوا} ألف وصل، من قضى يقضي. قال الأخفش والكسائي : وهو مثل: { وقضينا إليه ذلك الأمر} [الحجر : 66] أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. وروي عن ابن عباس { ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} قال : امضوا إلي ولا تؤخرون. قال النحاس : هذا قول صحيح في اللغة؛ ومنه : قضى الميت أي مضى. وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه، وهذا من دلائل النبوات. وحكى الفراء عن بعض القراء { ثم افضوا إلي} بالفاء وقطع الألف، أي توجهوا؛ يقال : أفضت الخلافة إلى فلان، وأفضى إلي الوجع. وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقا، ومن كيدهم غير خائف؛ علما منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون. وهو تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقوية لقلبه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 70 - 71


سورة يونس الايات 71 - 73

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ولقائل أن يقول: ولماذا جاء الله سبحانه هنا بخبر نوح ـ عليه السلام ـ ولم يأت بخبر آدم ـ عليه السلام ـ أو أدريس ـ عليه السلام ـ وهُمَا من الرسل السابقين على نوح عليه السلام؟

ومن هنا جاءت الشبهة في أن آدم لم يكن رسولاً؛ لأن البعض قد ظن أن الرسول يجب أن يحمل رسالته إلى جماعة موجودة من البشر، ولم يفطن هؤلاء البعض إلى أن الرسول إنما يُرْسَل لنفسه أولاً.

وإذا كان آدم ـ عليه السلام ، أول الخلق فهو مُرسَل لنفسه، ثم يبلِّغ من سوف يأتي بعده من أبنائه.

وقد أعطى الله سبحانه وتعالى التجربة لآدم ـ عليه السلام ـ في الجنة، فكان هناك أمر، وكان هناك نهي هو
{  وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ }
[البقرة: 35].

وحَذَّره من الشيطان، ثم وقع آدم عليه السلام في إغواء الشيطان، وأنزله الله تعالى إلى الأرض واجتباه، وتاب عليه، ومعه تجربته، فإن خالف أمر ربه فسوف يقع عليه العقاب، وحذره من اتباع الشيطان حتى لا يخرج عن طاعة الله تعالى.

إذن: فقد أعطاه الحق سبحانه المنهج، وأمره أن يباشر مهمته في الأرض؛ في نفسه أولاً، ثم يبلغه لمن بعده.

وكما علَّمه الحق سبحانه الأسماء كلها، علَّم آدم الأسماء لأبنائه فتكلموا: وكما نقل إليهم آدم الأسماء نقل لهم المنهج، وقد علمه الحق سبحانه الأسماء؛ ليعمر الدنيا، وعلَّمه المنهج؛ ليحسن العمل في الدنيا؛ ليصل إلى حسن جزاء الآخرة.

واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:


{  وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ }
[طه: 121].

ويتبعها الحق سبحانه بقوله تعالى:


{  ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ }
[طه: 122].

ومعنى الاجتباء: هو الاصطفاء بالرسالة لنفسه أولاً، ثم لمن بعده بعد ذلك، والحق سبحانه هو القائل:


{  فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى }
[البقرة: 38].

والهدى: هو المنهج المنزَّل على آدم عليه السلام، والرسالة ليست إلا بلاغ منهج وهدى من الله سبحانه للخلق.

وإذا كان الحق سبحانه وتعالى هو القائل:


{  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }
[الإسراء: 15].

فالسابقون لنوح ـ عليه السلام ـ هم من أبلغهم آدم عليه السلام، والدليل هو ما جاء من خبر ابني آدم في قول الحق سبحانه:


{  وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً }
[المائدة: 27].

وهما قد قدَّما القربان إلى الله تعالى.

إذن: فخبر الألوهية موجود عند ابني آدم بدليل قول الحق سبحانه:


{  إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }
[المائدة: 27].

إذن: فهم قد أقروا بوجود الله تعالى، وأيضا عرفوا النهي،؛ لأنه في إحدى الآيتين قال:


{  لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }
[المائدة: 28].

إذن: فالذين جاءوا بعد آدم ـ عليه السلام ـ عرفوا الإله الواحد، وعلموا المنهج.

إذن: فالذين يقولون: إن آدم ـ عليه السلام ـ لم يكن رسولاً، نقول لهم: افهموا عن الله جيداً، كان يجب أن تقولوا: هذه مسألة لا نفهم فيها، وكان عليهم أن يسألوا أهل الذِّكْر ليفهموا عنهم أن آدم ـ عليه السلام ـ رسول، وأن من أولاده قابيل وهابيل، وقد تكلما في التقوى.

أما لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالحديث عن نوح، عليه السلام، فلنا أن نعلم أن آدم عليه السلام هو الإنسان الأول، وأنه قد نقل لأولاده المنهج المُبلَّغ له، ودلَّهم على ما ينفعهم، ثم طال الزمن وأنشأت الغفلة، فجاء إدريس عليه السلام، ثم تبعته الغفلة، إلى أن جاء نوح عليه السلام.

وهنا يأتي لنا الحق سبحانه بخبر نوح ـ عليه السلام ـ في قوله:

{ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } [يونس: 71].

والنبأ: هو الخبر الهام الذي يلفت الذهن، وهو الأمر الظاهر الواضح.

والحق سبحانه يقول:


{  عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ }
[النبأ: 1ـ3].

إذن: فالنبأ هو الخبر الهام المُلْفِت، وقد جاء هنا خبر نوح ـ عليه السلام ـ الذي يُبلِّغ قومه أي: يخاطبهم، وهو قد شهد لنفسه أنه رسول يبلِّغ منهجاً.

وكلمة " قَوْمِ " لا تطلق في اللغة إلا على الرجال، يوضح القرآن ذلك في قوله الحق سبحانه:


{  لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ }
[الحجرات: 11].

إذن: فالقوم هم الرجال، والمرأة إنما يُبنى أمرها على السر، والحركة في الدنيا للرجل، وقد شرحنا ذلك في حديث الحق سبحانه لآدم ـ عليه السلام ـ عن إبليس، فقال تعالى:


{  إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ }
[طه: 117].

ولأن الخطاب لآدم فقد قال الحق سبحانه:
{  فَتَشْقَىٰ }
[طه: 117].

ولم يقل: فتشقيا؛ مما يدل على أن المرأة لا شأن لها بالأعمال التي خارج البيت والتي تتطلب مشقة، فالمرأة تقرُّ في البيت؛ لتحتضن الأبناء، وتُهيِّىء السكن للرجل بما فيها من حنان وعاطفة وقرار واستقرار. أما القيام والحركة فللرجل.

فالحق سبحانه يقول:


{  فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ }
[طه: 117].

إذن: فالكدح للرجل ومتطلبه القيام لا القعود.

ثم يقول الحق سبحانه على لسان نوح ـ عليه السلام.

{ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي } [يونس: 71].

وهنا يُحنِّن نوح قومه بإضافات التحنن، أي: جاء بالإضافة التي تُشْعِر المخاطبين بأنه منهم وهم منه، وأنه لا يمكن أن يغشهم فهم أهله، مثل قول النائب الذي يخطب في أهل دائرته الانتخابية: " أهلي وعشيرتي وناخبيّ " وكلها اسمها إضافة تحنن.وكذلك مثل قول لقمان لابنه:


{  يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
[لقمان: 13].

وقوله:


{  يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ }
[لقمان: 16].

وقوله:
{  يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ }
[لقمان: 17].

وهذا إضافات التحنن وفيها إيناس للسامع أن يقرب ويستجيب للحق.

{ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي } [يونس: 71].

و " الكاف والياء والراء " تأتي لمعنيين:

الأول: كبر السن، وهي: كبر يكبر.

والثاني: العظمة والتعظيم، إلا أن التعظيم يأتي ليبيِّن أنه أمر صعب على النفس، مثل قول الحق سبحانه:


{  كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً }
[الكهف: 5].

أي: أن هذه الكلمة التي خرجت من أقوالهم أمر صعب وشاق، وهي قولهم:


{  قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً }
[الكهف: 4].

وهذه الكلمة إنما تعظم على المؤمن، وهي مسألة صعبة لا يمكن قبولها فلا يوجد مؤمن قادر على أن يقبل ادعاء خلق من خلق الله تعالى أن له سبحانه ولداً.

ومرة تكون العظمة من جهة أخرى، مثل قول الحق سبحانه:


{  كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ }
[الشورى: 13].

أي: عَظُم على المشركين، وصَعب على أنفسهم، وشَقَّ عليهم ما تدعوهم إليه من أن الإله هو واحد أحد، ولا سلطان إلا له سبحانه.

وهكذا، إن كانت الكلمة مناقضة للإيمان فهي تكبر عند المؤمنين، وإن كانت الكلمة تدعو الكافرين إلى الإيمان فهي تشق عليهم.

وهنا يأتي على لسان سيدنا نوح عليه السلام:

{ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي } [يونس: 71].

ونحن نعلم أن سيدنا نوحاً ـ عليه السلام ـ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

أي: أن حياته طالت كثيراً بين قومه، كما أن تقريعه للكافرين جعله ثقيلاً عليهم.

أو أن: { كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي } [يونس: 71].

تعني: أنه حمَّلهم ما لا يطيقون؛ لأن نوحاً ـ عليه السلام ـ أراد أن يُخرجهم عما ألفوا من عبادة الأصنام، فشقَّ عليهم ذلك.

إذن: فمبدأ عبادة الإله الواحد يصعب عليهم.

أو أن الأصل في الواعظ أو المبلِّغ أن يكون على مستوى القيام وهم قعود، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يتكلم مع الحواريين وهو واقف، والوقوف إشعار بأن مجهود الهدي يقع على سيدنا عيسى ـ عليه السلام ـ بينما يقعد الحواريون ليستمعوا له في راحة.

إذن: فقول الحق سبحانه:

{ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي } [يونس: 71].

أي: إن صعب عليكم ما أدعوكم اليه.

ويصح أن نأخذها من ناحية طول الوعظ والتكرار في ألف سنة إلا خمسين عاماً، أو أن مقامي كبر عليكم، بمعنى: أننا انقسمنا إلى قسمين؛ لأن المنهج الذي أدعو إليه لا يعجبكم، وكنت أحب أن نكون قسماً واحداً.وها هو ذا سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه، وأرضاه ـ حين أحس أن الخلافة تقتضي أن يسمِّي من يَخْلُفُهُ من بعده، قال له بعض الناس: لماذا لا تولي علينا عبد الله بن عمر، فقالَ ابن الخطاب: بحسب آل خطاب أن يُسأل منهم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجل واحد. ثم أضاف: أعلم أنكم مَلَلْتُم حُكْمي؛ لأني شديد عليكم.

إذن: فقد أحس نوح ـ عليه السلام ـ أنه انقسم هو وقومه إلى قسمين: هو قد أخذ جانب الله سبحانه الذي يدعو إلى عبادته، وهم أخذوا جانب الأصنام التي ألفوا عبادتها.

لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح ـ عليه السلام:

{ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } [يونس: 71].

أي: أنني لن أتنازل عن دعوتي، ونلحظ أنك إن قلت: " توكَّلتُ على الله " فقد يعني هذا أنك قد تقول: وعلى فلان، وفلان، وفلان لكنك إن قلت: { فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } [يونس: 71].

فأنت قد قصرت توكُّلك على الله فقط.

وهكذا واجه نوح ـ عليه السلام ـ قومه، ورصيده في ذلك هو الاعتماد والتوكل على من أرسله سبحانه، ويحاول أن يهديهم، لكنهم لم يستجيبوا، وقال لهم:

{ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } [يونس: 71].

ومعنى جمع الأمر: (أي: جمع شتات الآراء كلها في رأي واحد)، أي: اتفقوا يا قوم على رأي واحد، وأنتم لن تضروني. وجمع أمر الأجيال التي ظل سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ يحاول هدايتها تحتاج إلى جهد؛ لأن الجيل العقلي ينقسم إلى عشرين سنة.

وقد ظل سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ يدعو القوم بعدد ما عاش فيهم، أي: ألف سنة إلى خمسين، فكم جيل ـ إذن ـ ظل نوح يعالجه؟

إنها أجيال متعددة، ومع ذلك لم يظفر إلا بقدر قليل من المؤمنين بحِمْل سفينة واحدة، ومعهم الحيوانات أيضاً، فضلاً عن أن ابنه خرج ـ أيضاً ـ مع القوم الكافرين، وناداه نوح ـ عليه السلام ـ ليركب معه وأن يؤمن، فرفض، وآثر أن يظل في جانب الكفر، بما فيه من فناء للقوم الكافرين، وظن أنه قادر على أن يأوي إلى جبل يعصمه من الطوفان، ولم ينظر ابن نوح إلى جندي آخر من جنود الله سبحانه يقف عقبة في سبيل الوصول إلى الجبل، وهو الموج.

إذن: فقول نوح عليه السلام:

{ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ } [يونس: 71].

له رصيد إيماني ضمني، فلا يوجد مجير على الله من خلق الله؛ لأن الخلق كله ـ جماده ونباته وحيوانه ـ إنما ينصاع لأمر الله تعالى في نصرة نوح ـ عليه السلام ـ ولن يتخلف شيء.

هكذا كان توكُّل نوح ـ عليه السلام ـ على الله تعالى بما في هذا التوكل من الرصيد الإيماني المتمثل في:


{  للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }
[المائدة: 120].

و
{  للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }
[البقرة: 284].

ولن يخرج شيء عن ملكه سبحانه.

ومن العجيب أنه لم يخرج عن مراد الله في " كن " إلا الإنسان المختار، لم يخرج بطبيعة تكوينه، ولكن الحق سبحانه وهبه من عنده أن يكون مختاراً، ولو لم يهبه الله تعالى أن يكون مختاراً لما استطاع أن يقف، ولكان كل البشر من جنود الحق.

وقد قال نوح ـ عليه السلام:

{ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ } [يونس: 71].

والإنسان حين يهمه أمر من الأمور يظل متردداً بين خواطر شتى، ويحاول أن يرى ميزات كل خاطر، ويختار أفضلها، وإذا ما جمع الإنسان خواطره كلها من خاطر واحد، فهذا يعني استقراره على رأي واحد، وجمع أمره عليه.

أما إذا كان الأمر متعدد الناس، فكل واحد منهم له رأي، فإن اجتمعوا وقرروا الاتفاق على رأي واحد، فهذا جمعٌ للأمر.

والاتفاق على رأي واحد إنما يختلف باختلاف هويّة المجتمعين، فإن كانوا أهل خير فهم ينزلون بالشر، وإن كانوا أهل شر فهم يصعدون بالشر.

ومثال ذلك: أبناء يعقوب ـ عليه السلام ـ حينما حدث بينهم وبين أخيهم من الحسد لمكانة يوسف ـ عليه السلام ـ فقالوا:


{  ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ }
[يوسف: 9].

أي: أن الاقتراح بقتل يوسف هدفه ألا يلتفت وجه يعقوب وقلبه إلى أحد سواهم، وأتبعوا اقتراحهم بقتل يوسف باقتراح التوبة، فقالوا لبعضهم البعض:


{  وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ }
[يوسف: 9].

وهم قد ظنوا أن التوبة إن نفَّذوا القتل ستصبح مقبولة.

وهذا الشر البادي في حديثهم لم يقبله بعضهم في بادىء الأمر؛ لأنهم أبناء نبوّة، وما يزالون هم الأسباط، لا يصعد فيهم الشر، بل ينزل، فقال واحدٌ منهم: لا تقتلوه بل
{  ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً }
[يوسف: 9].

أي: أنه خفَّف المسألة من القتل إلى الطرح أرضاً، وهذه أول درجة في نزول الأخيار عن الشر الأول، وأيضاً تنازلوا عن الشر الثاني، وهو طرحه أرضاً؛ حتى لا يأكله حيوان مفترس، وجاء اقتراح:
{  وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ }
[يوسف: 10].

ثم أجمعوا أمرهم أخيراً حتى نزل الشر مرة أخرى لاحتمال ورود النجاة.

إذن: فالأخيار حين يجتمعون على شر لا بد أن ينزل.

ومثال ذلك: رجل طيب رأى ابنه وهو يُضرَب من آخر، فيفكر للحظة في أن يضرب غريم ابنه بطلقة من (مسدس)، ثم يستبدل هذه الفكرة بفكرة الاكتفاء بضربه ضرباً مبرحاً بالعصا، ثم يتنازل عن ذلك بأن يفكر في صفعه صفعتين، ثم يتنازل عن فكرة الصفع ويفكر في توبيخه، ثم يتنازل عن فكرة التوبيخ ويكتفي بالشكوى لوالده، وهذا ينزل الشر عند أهل الخير.

أما إن كان الرجل من أهل الشر، فهو يبدأ بفكرة الشكوى لوالد من ضرب ابنه، ثم يرفضها ليصعد شره إلى فكرة أن يصفعه هو، ثم لا ترضيه فكرة الصفع، فيفكر في أن يضربه ضرباً شديداً، ولا ترضيه هذه الفكرة، يقول لنفسه: " سأطلق عليه الرصاص ".وهكذا يتصاعد الشر من أهل الشر.

وهنا يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا نوح عليه السلام:

{ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ } [يونس: 71].

أي: اجتمعوا والزموا رأياً واحداً تحرصون على تنفيذه أنتم وشركاؤكم، وهو ينصحهم رغم أنهم أعداؤه، وكان عليه أن يحرص على اختلافهم، ولكن لأنه واثق من توكله على ربه؛ فهو يعلم أنهم مهما فعلوا فلن يقدروا عليه، ولن ينتصروا على دعوته إلا بالإقدام على إهلاك أنفسهم.

أو أنه مثلما يقول العامة: " أعلى ما في خيولكم اركبوه " أي: أنه يهددهم، ولا يفعل ذلك إلا إذا كان له رصيد من قوة التوكل على الله تعالى.

ولا يكتفى بذلك بل يضيف:

{ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } [يونس: 71].

والغمة: منها الغمام، ومنها الإغماء، أي: فقد الوعي وسَتْر العقل، أي: أنه قال لهم: لا تتبعوا أنفسكم بتبادل الهمسات فيما بينكم بل افعلوا ما يحلو لكم، ولا تحاولوا ستر ما سوف تفعلون.

إن عليكم أن تجتمعوا على راي واحد أنتم وشركاؤكم الذين تعتمدون عليهم، وتعبدونهم، أو شركاؤكم في الكفر، ولم يأبَهْ نوح ـ عليه السلام ـ بتقوية العصبية المضادة له؛ لأنه متوحل على الله فقط.

لذلك يقول: { ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } [يونس: 71].

أي: أنه يُحفِّزهم على الاجتماع على أمر واحد ومعهم شركاؤهم ـ سواء من الأصنام التي عبدوها أو من أقرانهم في الكفر ـ وأن يصمموا على المضيّ في تنفيذ ما اتفقوا عليه.

و " قضى " أي: حكم حكماً، ولكن الحكم على شيء لا يعني الاستمرار بحيث ينفذ، فقد يُقضيَ على إنسان بحكم؛ ويوقف التنفيذ.

لكن قوله: { ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ } يعني: أصدروا حكمكم وسيروا إلى تنفيذ ما قضيتم به.

ثم يقول: { وَلاَ تُنظِرُونَ } أي: لا تمهلوني في تنفيذ ما حكمتم به عليَّ.

والمتأمل للآية الكريمة يجد فيها تحدياً كبيراً، فهو أولاً يطلب أن يجتمعوا على أمر وا حد، هم وشركاؤهم، ثم لا يكون على هذا الأمر غُمَّة، ثم اقضوا إليَّ ما اتفقتم عليه من حكم ونفِّذوه ولا تؤجلوه، فهل هناك تحدًّ للخصم أكثر من ذلك؟

لقد كانوا خصوماً معاندين، ظل نوح ـ عليه السلام ـ يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وصبر عليهم كل هذا الوقت، ولا بد ـ إذن ـ من حدوث فاصل قوي، ولهذا كان الترقِّي في التحدي، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء، ثم بإصدار حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم.والنفسية العربية ـ على سبيل المثال ـ حين سامحت، وصبرت، وصفحت في أمر لا علاقة له بمنهج الله، بل بأمر يخص خلافاً على الأرض، تجد الشاعر العربي يقول عن " بني ذُهْل " الذين اتعبوا قوم الشاعر كثيراً، ولكن قومه صفحوا عنهم؛ يقول الشاعر:
صَفَحْنا عن بني ذُهْلٍ   وقلنا: القومُ إخوانُ
عسى الأيامُ أنْ يرجعـ   ـنَ قوماً كالذي كانوا
فلما صَرَّحَ الشرُّ   فأمْسَى وهو عريانُ
ولم يبقَ سوى العدوا   ن دِنَّاهم كما دانوا
مَشَيْنا مِشْيةَ الليثِ   غَدَا والليثُ غضبانُ
بِضرب فيه توهينٌ   وتخضيعٌ وإقرانُ
وطعْن كَفَمِ الزقِّ   غَدَا والزِّقُّ مَلآنُ
وفي الشرِّ نجاةٌ حيـ   ـن لا يُنجيكَ إحسانُ
وبعضُ الحِلْمِ عند الجهْـ   ـلِ للذِّلَّةِ إذعانُ
إذن: فالمناجرة بين نوح ـ عليه السلام ـ وقومه اقتضت التشديد، لعل بشريتهم تلين، ولعل جبروتهم يلين، ولعلهم يعلنون الإيمان بالله تعالى، ولكنهم لم يرتدعوا.

لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح بعد ذلك: { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ }


www.alro7.net