سورة
اية:

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس { إذا زلزلت الأرض زلزالها} : أي تحركت من أسفلها { وأخرجت الأرض أثقالها} يعني ألقت ما فيها من الموتى، كقوله تعالى: { إن زلزلة الساعة شيء عظيم} ، وكقوله: { وألقت ما فيها وتخلت} ، وفي الحديث: (تلقي الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول في هذا قَتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قَطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئاً) ""أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً""، وقوله عزَّ وجلَّ: { وقال الإنسان مالها} أي استنكر أمرها بعدما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها أي تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر اللّه ما قد أعده لها، من الزلزال الذي لا محيد عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا للّه الواحد القهار، وقوله تعالى: { يومئذ تحدث أخبارها} أي تحدث بما عمل العاملون على ظهرها، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: { يومئذ تحدث أخبارها} قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها) ""أخرجه أحمد والترمذي والنسائي"". وفي معجم الطبراني: (تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة) ""أخرجه الحافظ الطبراني""وقوله تعالى: { بأن ربك أوحى لها} قال البخاري: أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها، وكذا قال ابن عباس { أوحى لها} أي أوحى إليها، والظاهر أن هذا مضمن بمعنى أذن لها، وقال ابن عباس: { يومئذ تحدث أخبارها} قال، قال لها ربها قولي، فقالت؛ وقال مجاهد { أوحى لها} أي أمرها، وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم، وقوله تعالى: { يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} أي يرجعون عن موقف الحساب { أشتاتاً} أي أنواعاً وأصنافاً ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جرير: يتصدعون أشتاتاً فلا يجتمعون آخرما عليهم، وقال السدي { أشتاتاً} فرقاً. وقوله تعالى: { ليروا أعمالهم} أي ليجازوا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} . روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (الخيل لثلاثة: لرجل أَجْرٌ، ولرجل سِتْرٌ، وعلى رجل وِزْرٌ) الحديث. فسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحمر؟ فقال: (ما أنزل اللّه فيها شيئاً إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} ) ""أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري"". وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقرأ عليه: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} قال: حسبي ألا أسمع غيرها ""أخرجه أحمد والنسائي""، وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعاً: (اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة)، وله أيضاً في الصحيح: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط) ""أخرجه البخاري"". وفي الصحيح أيضاً: (يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرنَّ جارة لجارتها ولو فِرْسَنَ شاة) ""أخرجه البخاري أيضاً""يعني ظلفها، وفي الحديث الآخر: (ردوا السائل ولو بظلف محرق). وعن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان) ""أخرجه أحمد"". وروى عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت: كم فيها من مثقال ذرة، وروى ابن جرير عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: لما نزلت: { إذا زلزلت الأرض زلزالها} وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه قاعد، فبكى حين أنزلت، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما يبكيك يا أبا بكر)؟ قال: يبكيني هذه السورة، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر اللّه لكم لخلق اللّه أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم) ""أخرجه ابن جرير"". وروى ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير في قول اللّه تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} وذلك لما نزلت هذه الآية: { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء المسكين إلى أبوابهم، فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد اللّه النار على الكبائر، فرغّبهم في القليل من الخير أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أن يكثر، فنزلت { فمن يعمل مثقال ذرة} يعني وزن أصغر النمل ""أخرجه ابن أبي حاتم"" { خيراً يره} يعني في كتابه ويسره ذلك قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف اللّه حسنات المؤمنين أيضاً بكل واحدة عشراً ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة. وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، وأججوا ناراً، وأنضجوا ما قذفوا فيها ""أخرجه الإمام أحمد"".

تفسير الجلالين

{ فمن يعمل مثقال ذرة } زنة نملة صغيرة { خيرا يره } ير ثوابه.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ } يَقُول : فَمَنْ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا وَزْن ذَرَّة مِنْ خَيْر , يَرَى ثَوَابه هُنَالِكَوَقَوْله : { فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَال ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ } يَقُول : فَمَنْ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا وَزْن ذَرَّة مِنْ خَيْر , يَرَى ثَوَابه هُنَالِكَ'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} كان ابن عباس يقول : من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة، مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. وفي بعض الحديث : (الذرة لا زنة لها) وهذا مثل ضربه الله تعالى : أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ولا كبيرة. وهو مثل قوله تعالى { إن الله لا يظلم مثقال ذرة} [النساء : 40]. وقد تقدم الكلام هناك في الذر، وأنه لا وزن له. وذكر بعض أهل اللغة أن الذر : أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الدر، وكذا قال ابن عباس : إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة. وقال محمد بن كعب القرظي : فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير. ومن يعمل، مثقال ذرة من شر من مؤمن، يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وماله وولده وأهله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر. دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس : أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأكل، فأمسك وقال : يا رسول الله، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر؟ قال : (ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذر الشر، ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير، حتى تعطوه يوم القيامة). قال أبو إدريس : إن مصداقه في كتاب الله { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير} [الشورى : 30]. وقال مقاتل : نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل { ويطعمون الطعام على حبه} [الإنسان : 8] كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة. وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول : إنما أوعد الله النار على الكبائر؛ فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه؛ فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر؛ وقاله سعيد بن جبير. والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء. الثانية: قراءة العامة { يره} بفتح الياء فيهما. وقرأ الجحدري والسلمي وعيسى بن عمر وأبان عن عاصم { يره} بضم الياء؛ أي يريه الله إياه. والأولى الاختيار؛ لقوله تعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} [آل عمران : 30] الآية. وسكن الهاء في قوله { يره} في الموضعين هشام. وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وأبي حيوة والمغيرة. واختلس يعقوب والزهري والجحدري وشيبة. وأشبع الباقون. وقيل { يره} أي يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم فلا يرى. وأنشدوا : إن من يعتدي ويكسب إثما ** وزن مثقال ذرة سيراه ويجازى بفعله الشر شرا ** وبفعل الجميل أيضا جزاه هكذا قوله تبارك ربي ** في إذا زلزلت وجل ثناه الثالثة: قال ابن مسعود : هذه أحكم آية في القرآن؛ وصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية؛ القائلون بالعموم ومن لم يقل به. وروى كعب الأحبار أنه فال : لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . قال الشيخ أبو مدين في قوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} قال : في الحال قبل المآل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى هذه الآية الآية الجامعة الفاذة؛ كما في الصحيح لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد؛ لأن البغل والحمار لا كر فيهما ولا فر؛ فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحمر، لأنهم لم يكن عندهم يومئذ بغل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الدلدل ، التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، وإن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة؛ قاله ابن العربي. وفي الموطأ : أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب؛ فقالت لإنسان : خذ حبة فأعطه إياها. فجعل ينظر إليها ويعجب؛ فقال : أتعجب! كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة. وروي عن سعد بن أبي وقاص : أنه تصدق بتمرتين، فقبض السائل يده، فقال للسائل : ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة. وروى المطلب بن حنطب : أن أعرابيا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقال : يا رسول الله، أمثقال ذرة! قال : (نعم) فقال الأعرابي : واسوأتاه! مرارا : ثم قام وهو يقولها؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان). وقال الحسن : قدم صعصعة عم الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع { فمن يعمل مثقال ذرة} الآيات؛ قال : لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها، حسبي، فقد انتهت الموعظة؛ ذكره الثعلبي. ولفظ الماوردي : وروى أن صعصة ابن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية؛ فقال صعصعة : حسبي حسبي؛ إن عملت مثقال ذرة شرا رأيته. وروى معمر عن زيد بن أسلم : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : علمني مما علمك الله. فدفعه إلى رجل يعلمه؛ فعلمه { إذا زلزلت - حتى إذا بلغ - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} قال : حسبي. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (دعوه فإنه قد فقه). ويحكي أن أعرابيا أخر { خيرا يره} فقيل : قدمت وأخرت. فقال : خذا بطنَ هَرشى أو قفاها فإنه ** كلا جانبي هرشى لهن طريق

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [7-8].
قال مقاتل: نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائلُ فيستقلُّ أن يُعطيَه التمرةَ والكسرةَ والجَوْزةَ، ويقول: ما هذا بشيء، وإنما نُؤْجَرُ على ما نُعطِي ونحن نحبُّه. وكان الآخر يتهاونُ بالذنب اليسير: كالكِذْبة والغِيبة والنظرةِ، ويقول: ليس عليّ من هذا شيء؟ إنما أوعَدَ اللهُ بالنار على الكبائر. فأنزل الله عز وجل - يُرغبُهم في القليل من الخير، فإنه يُوشِكُ أَن يكْثُرَ. ويُحذِّرُهم اليسيرَ من الذنب، فإنه يُوشِك أن يكثُر -: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} إلى آخرها.


www.alro7.net