سورة
اية:

هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المنافقين عليهم لعائن اللّه أنهم { إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللّه لوّوا رءوسهم} أي صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكباراً عن ذلك واحتقاراً لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: { ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون} ثم جازاهم على ذلك فقال تعالى: { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللّه لهم إن اللّه لا يهدي القوم الفاسقين} . عن سفيان { لوّوا رءوسهم} حوّل سفيان وجهه على يمينه، ونظر بعينه شزراً، ثم قال هو هذا ""رواه عنه ابن أبي حاتم""، وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد اللّه بن أبي بن سلول كما سنورده قريباً إن شاء اللّه تعالى. قال قتادة والسدي: أنزلت هذه الأية في عبد اللّه بن أُبي، وذلك أن غلاماً من قرابته انطلق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا هو يحلف باللّه ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه وأنزل اللّه فيه ما تسمعون، وقيل لعدو اللّه: لو أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فجعل يلوي رأسه، أي لست فاعلاً. وقال أبو إسحاق في قصة بني المصطلق: فبينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري وكان أجيراً لعمر بن الخطاب وسنان بن يزيد فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد اللّه بن أُبيّ فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا واللّه ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك، واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من عنده من قومه، وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما واللّه لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم رضي اللّه عنه فذهب بها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهو غليم عنده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فأخبره الخبر، فقال عمر رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه! مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمداً يقتل أصحابه، لا، ولكن ناد يا عمر: الرحيل)، فلما بلغ عبد اللّه بن أُبي أن ذلك قد بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، أتاه فاعتذر إليه، وحلف باللّه ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم وكان عند قومه بمكان، فقالوا: يا رسول اللّه عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل، وراح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مهجراً في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير رضي اللّه عنه، فسلم عليه بتحية النبوة، ثم قال: واللّه لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما بلغك ما قال صاحبك ابن أُبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل)، قال: فأنت يا رسول اللّه العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول اللّه، فواللّه لقد جاء اللّه بك، وإنا لننظم له الخرز لِنُتَوِّجَهُ، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكاً، فسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين، وقال الحافظ أبو بكر البيهقي، عن جابر بن عبد اللّه يقول: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجُلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجرين: يا للمهاجرين، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة)، وقال عبد اللّه بن أُبي بن سلول وقد فعلوها: واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ""رواه البيهقي، ورواه أحمد والبخاري ومسلم بنحوه"". وروى الإمام أحمد، عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك فقال عبد اللّه بن أُبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال، فأتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته قال، فحلف عبد اللّه بن أُبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال، فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمت كئيباً حزيناً، قال، فأرسل إليَّ نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (إن اللّه قد أنزل عذرك وصدقك)، قال، فنزلت هذه الآية: { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضُّوا} حتى بلغ { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} ""أخرجه الإمام أحمد ورواه البخاري عند هذه الآية"". طريق أُخْرَى: قال الإمام أحمد رحمه اللّه، عن زيد بن أرقم قال: خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبد اللّه بن أُبي بن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول اللّه، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأرسل إليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحدثته، فأرسل إلى عبد اللّه بن أُبي بن سلول وأصحابه، فحلفوا باللّه ما قالوا، فكذَّبني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصدَّقه، فأصابني همّ لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومقتك! قال: حتى أنزل اللّه { إذا جاءك المنافقون} ، قال، فبعث إليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليَّ، ثم قال: (إن اللّه قد صدقك) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أُبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنه بلغني أنك تريد قتل عبد اللّه بن أُبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فواللّه لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني أنظر إلى قاتل عبد اللّه بن أُبي يمشي في الناس، فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) ""رواه محمد بن إسحاق بن يسار""، وذكر عكرمة أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد اللّه بن عبد اللّه على باب المدينة واستل سيفه،فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد اللّه بن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: مالك ويلك؟ فقال: واللّه لا تجوز من ههنا حتى يأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شكا إليه عبد اللّه بن أُبي ابنه، فقال ابنه عبد اللّه: واللّه يا رسول اللّه لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: أما إذا أذن لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجز الآن، وقال الحميدي في مسنده: قال عبد اللّه بن عبد اللّه بن أُبي بن سلول لأبيه: واللّه لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأعز وأنا الأذل، قال: وجاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي، فوالذي بعثك بالحق لئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي ""رواه الحميدي في مسنده"".

تفسير الجلالين

{ هم الذين يقولون } لأصحابهم من الأنصار { لا تنفقوا على من عند رسول الله } من المهاجرين { حتى ينفضُّوا } يتفرقوا عنه { ولله خزائن السماوات والأرض } بالرزق فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم { ولكن المنافقين لا يفقهون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ } يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ لِأَصْحَابِهِمْ { لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه } مِنْ أَصْحَابه الْمُهَاجِرِينَ { حَتَّى يَنْفَضُّوا } يَقُول : حَتَّى يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ. وَقَوْله : { وَلِلَّهِ خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَقُول : وَلِلَّهِ جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْ شَيْء وَبِيَدِهِ مَفَاتِيح خَزَائِن ذَلِكَ , لَا يَقْدِر أَحَد أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَنْفَضُّوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26470 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } قَالَ : لَا تُطْعِمُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه حَتَّى تُصِيبهُمْ مَجَاعَة , فَيَتْرُكُوا نَبِيّهمْ . 26471 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } قَرَأَهَا إِلَى آخِر الْآيَة , وَهَذَا قَوْل عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ لِأَصْحَابِهِ الْمُنَافِقِينَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مُحَمَّد وَأَصْحَابه حَتَّى يَدَعُوهُ , فَإِنَّكُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ وَأَجْلَوْا عَنْهُ . - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } إِنَّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول قَالَ لِأَصْحَابِهِ , لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه , فَإِنَّكُمْ لَوْ لَمْ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ قَدْ اِنْفَضُّوا . 26472 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } يَعْنِي الرِّفْد وَالْمَعُونَة , وَلَيْسَ يَعْنِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة ; وَاَلَّذِينَ قَالُوا هَذَا هُمْ الْمُنَافِقُونَ . 26473 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَسَد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , قَالَ : لَمَّا قَالَ اِبْن أُبَيّ مَا قَالَ , أَخْبَرْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ فَحَلَفَ , فَجَعَلَ النَّاس يَقُولُونَ لِي ; تَأْتِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَذِبِ ؟ حَتَّى جَلَسْت فِي الْبَيْت مَخَافَة إِذَا رَأَوْنِي قَالُوا : هَذَا الَّذِي يَكْذِب , حَتَّى أَنْزَلَ : { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ } يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ لِأَصْحَابِهِمْ { لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه } مِنْ أَصْحَابه الْمُهَاجِرِينَ { حَتَّى يَنْفَضُّوا } يَقُول : حَتَّى يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ. وَقَوْله : { وَلِلَّهِ خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَقُول : وَلِلَّهِ جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْ شَيْء وَبِيَدِهِ مَفَاتِيح خَزَائِن ذَلِكَ , لَا يَقْدِر أَحَد أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ } أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَنْفَضُّوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26470 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } قَالَ : لَا تُطْعِمُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه حَتَّى تُصِيبهُمْ مَجَاعَة , فَيَتْرُكُوا نَبِيّهمْ . 26471 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } قَرَأَهَا إِلَى آخِر الْآيَة , وَهَذَا قَوْل عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ لِأَصْحَابِهِ الْمُنَافِقِينَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مُحَمَّد وَأَصْحَابه حَتَّى يَدَعُوهُ , فَإِنَّكُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ وَأَجْلَوْا عَنْهُ . - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } إِنَّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ اِبْن سَلُول قَالَ لِأَصْحَابِهِ , لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه , فَإِنَّكُمْ لَوْ لَمْ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ قَدْ اِنْفَضُّوا . 26472 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْد رَسُول اللَّه حَتَّى يَنْفَضُّوا } يَعْنِي الرِّفْد وَالْمَعُونَة , وَلَيْسَ يَعْنِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة ; وَاَلَّذِينَ قَالُوا هَذَا هُمْ الْمُنَافِقُونَ . 26473 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَسَد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , قَالَ : لَمَّا قَالَ اِبْن أُبَيّ مَا قَالَ , أَخْبَرْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَاءَ فَحَلَفَ , فَجَعَلَ النَّاس يَقُولُونَ لِي ; تَأْتِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَذِبِ ؟ حَتَّى جَلَسْت فِي الْبَيْت مَخَافَة إِذَا رَأَوْنِي قَالُوا : هَذَا الَّذِي يَكْذِب , حَتَّى أَنْزَلَ : { هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ } '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } ذكرنا سبب النزول فيما تقدم. وابن أبي قال : لا تنفقوا علي من عند محمد حتى ينفضوا؛ حتى يتفرقوا عنه. فأعلمهم الله سبحانه أن خزائن السموات والأرض له، ينفق كيف يشاء. قال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل؟ فقال { ولله خزائن السموات والأرض} . وقال الجنيد : خزائن السموات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب؛ فهو علام الغيوب ومقلب القلوب. وكان الشبلي يقول { ولله خزائن السموات والأرض} فأين تذهبون. { ولكن المنافقين لا يفقهون} أنه إذا أراد أمرا يسره.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

[قوله تعالى: { هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ....} الآية] [7].
أخبرنا عبد الرحمن بن عَبْدَان، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ، حدَّثنا أبو العباس محمد بن أحمد المَحْبُوبِيُّ، حدَّثنا سعيد بن مسعود، حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي سعيد الأزْدِي، عن زيد بن أرقَمَ، قال:
غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معنا ناسٌ من الأعراب، وكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا، فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض [ويجعل حوله الحجارة]، ويجعل النِّطْعَ عليه حتى يجيءَ أصحابه. فأتى رجل من الأنصار فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أنْ يدعَه الأعرابي [فانتزع حجراً ففاض الماء، فرفع الأعرابي] خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشَجَّه، فأتى الأنصاري عبدَ الله بن أبيّ، رأسَ المنافقين، فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبيّ ثم قال: لا تنفقوا على مَنْ عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله - يعني الأعراب - ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعزُّ منها الأذلَّ. قال زيد بن أرقم: وأنا رِدف عَمِّي، فسمعت عبد الله فأخبرت [عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه] رسول الله صلى الله عليه وسلم، [فحلف وجحد واعتذر، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم] وكذبني، فجاء إِليَّ عَمِّي فقال: ما أردت [إلا] أن مَقَتَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكذَّبك المسلمون. فوقع عليَّ من الغم مالم يقع على أحد قط؛ فبينا أنا أسيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ أتاني فَعَرَك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الدنيا. فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين { إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} حتى بلغ: { هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ} حتى بلغ: { لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} .
وقال أهل التفسير وأصحاب السير: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني الْمصْطَلقِ، فنزل على ماء من مياههم يقال له: المُرَيْسيع، فوردت وَارِدَةُ الناس ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ [له] من بني غِفَار يقال له: جَهْجَاه بن سعيد، يقود فرسه، فازدحم جهجاهٌ وسِنَانٌ الْجهني. حليف بني عوف من الخَزْرَج، على الماء فاقتتلا، فصرخ الجُهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغِفِارِيّ: يا معشر المهاجرين [فأعان جَهْجَاهاً رجلٌ من المهاجرين يقال له: جُعَال؛ وكان فقيراً. فقال له عبد الله بن أبيّ: وإنك لهنَاكَ! فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟! واشتد لسان جعال علَى عبد الله. فقال عبد الله: والذي يُحلَفُ به لأَذَرَنَّك، ويَهُمُّك غير هذا [شيء؟]. وغضب عبد الله، فقال: والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سَمِّنْ كَلْبَك يأْكُلْك، إنا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحْلَلْتموهم بلادَكم، وقاسَمْتُموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جُعال وذَوِيه فَضْلَ الطعام، لم يركبوا رقابَكم، ولأَوْشَكُوا أن يتحولوا عن بلادكم؛ فلا تُنفقوا عليهم حتى يَنْفَضُّوا من حول محمد.
قال زيد بن أرقم - وكان حاضراً ويسمع ذلك، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغَّض في قومك، ومحمد في عزٍّ من الرحمن، ومودةٍ من المسلمين؛ والله لا أُحبُّك بعد كلامك هذا.
فقال عبد الله: اسكت، فإنما كنت ألعبُ فمشى زيد بن أرْقَمَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، وعنده عمرُ بن الخطاب. فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله. فقال: إذن ترْعَدُ له أُنُفٌ كبيرة بيَثْرِبَ. فقال عمر: فإن كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين، فمُرْ سعدَ بن عُبادَةَ أو محمدَ بن مسْلَمةَ، أو عُبادة بن بشر - فليقتلوه. فقال: إِذن يتحدثُ الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبيّ فأتاه، فقال له: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتابَ ما قلتُ شيئاً من هذا قطُّ، وإن زيداً لكاذبٌ.
وكان عبد الله في قومه شريفاً عظيماً؛ فقالَ من حضر من الأنصار: يا رسول الله، شيخُنا وكبيرُنا، لا تُصدِّق عليه كلامَ غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون وهِمَ في حديثه فلم يَحفظْ. فعذره رسول الله.
وفشت الملامةُ في الأنصار لزيد وكذّبوه، وقال له عمه: ما أردتَ إلا أن كذَّبك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ومَقَتُوك. فاستحيىَ زيد بعد ذلك أن يَدْنُوَ من النبي صلى الله عليه وسلم. فلما ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم لَقيَه أُسَيْد بن حُضَير، فقال له: أوَ مَا بلغك ما قال صاحبكم عبدُ الله بن أبيّ؟ قال: وما قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال أُسَيد: فأنت يا رسول الله - والله تُخرجنّهُ إن شئتَ، هو والله الذليلُ، وأنت العزيزُ. ثم قال: يا رسول الله ارِفق به، فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخَرَزَ ليُتَوِّجُوه؛ وإنه ليرى أنك سلبتَه مُلْكاً.
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ ما كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبيّ لمَا بلغك عنه؛ فإن كنتَ فاعلاً فمرني به، فأنا أحملُ إليك رأسَه! فوالله لقد علمت الخَزْرَجُ ما بها رجلٌ أَبَرَّ بوالدَيْه مني، وأنا أخشى أن تأمر به غيري فيقتلَه فلا تَدَعني نفسي أنظرُ إلى قاتل عبد الله بن أُبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نُحسنُ صُحْبتَه ما بقي معنا].
[ولما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال زيد بن أرقم: جلست في البيت لما بي من الهم والحياء، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديقي وتكذيبِ عبد الله فلما نزلتْ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذُنِ زيد، فقال: يا زيد، إن الله تعالى صدَّقَك وأَوْفَى بأُذُنِكَ وكان عبد الله بن أبي بِقُرْب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاء ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة]. فلما أن جاء عبدُ الله بن أُبيّ، قال ابنه: ورَاءك! قال: مالك ويلك؟! قال: لا والله لا تدخلُها أبداً إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولْتعلم اليومَ مَن الأعزُّ مِن الأذَل؟ فشكا عبدُ الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن خَلِّ عنه حتى يدخل، فقال: أمَا إِذْ جاء أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم فنعمْ، فدخل.
فلما نزلت هذه السورة، وبان كَذِبُه - قيل له: يا أبا حُبابٍ، إنه قد نزلت فيك آيٌ شِدَادٌ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفرَ لك فَلَوَّى رأسهَ فذلك قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ...} الآية.


www.alro7.net