سورة
اية:

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

تفسير بن كثير

يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة، ولهذا قال: { ولكم فيها جمال حين تريحون} ، وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى، فإنها تكون أمده خواصر وأعظمه ضروعا وأعلاه أسنمة، { وحين تسرحون} أي غدوة حين تبعثونها المرعى، { وتحمل أثقالكم} وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها، { إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل كقوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون} ، ولهذا قال ههنا بعد تعداد هذه النعم: { إن ربكم لرؤوف رحيم} أي ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم كقوله: { وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} ، وقال: { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} ، قال ابن عباس: { لكم فيها دفء} أي ثياب، { ومنافع} ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة، ومنافع نسل كل دابة. وقال مجاهد: { لكم فيها دفء} أي لباس ينسج و { منافع} مركبٌ ولحم ولبن. وقال قتادة: دفء ومنافع يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبُلغة، وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة.

تفسير الجلالين

{ وتحمل أثقالكم } أحمالكم { إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه } واصلين على غير الإبل { إلا بشق الأنفس } بجهدها { إن ربكم لرءُوف رحيم } حيث خلقها لكم .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } يَقُول : وَتَحْمِل هَذِهِ الْأَنْعَام أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد آخَر لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِجَهْدٍ مِنْ أَنْفُسكُمْ شَدِيد وَمَشَقَّة عَظِيمَة . كَمَا : 16214 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة : { وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : لَوْ تُكَلَّفُونَهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ إِلَّا بِجَهْدٍ شَدِيد . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : لَوْ كُلِّفْتُمُوهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس . 16215 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : الْبَلَد : مَكَّة . 16216 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : مَشَقَّة عَلَيْكُمْ . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16217 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } يَقُول : بِجَهْدِ الْأَنْفُس . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار بِكَسْرِ الشِّين : { إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } سِوَى أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ , فَإِنَّ : 16218 - الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد , قَالَ : ثني أَبُو سَعِيد الرَّازِيّ , عَنْ أَبِي جَعْفَر قَارِئ الْمَدِينَة , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشَقِّ الْأَنْفُس " بِفَتْحِ الشِّين , وَكَانَ يَقُول : إِنَّمَا الشَّقّ : شَقّ النَّفْس . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَمَّاد : وَكَانَ مُعَاذ الْهَرَّاء يَقُول : هِيَ لُغَة , تَقُول الْعَرَب بِشِقٍّ وَبِشَقٍّ , وَبِرِقٍّ وَبِرَقٍّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار وَهِيَ كَسْر الشِّين , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ وَشُذُوذ مَا خَالَفَهُ . وَقَدْ يُنْشَد هَذَا الْبَيْت بِكَسْرِ الشِّين وَفَتْحهَا , وَذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : وَذِي إِبِل يَسْعَى وَيَحْسِبهَا لَهُ أَخِي نَصَب مِنْ شَقّهَا وَدُءُوب و " مِنْ شِقَّيْهَا " أَيْضًا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح ; وَكَذَلِكَ قَوْل الْعَجَّاج : أَصْبَحَ مَسْحُول يُوَازِي شَقَّا و " شِقًّا " بِالْفَتْحِ وَالْكَسْر . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " يُوَازِي شَقَّا " : يُقَاسِي مَشَقَّة . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَذْهَب بِالْفَتْحِ إِلَى الْمَصْدَر مِنْ شَقَقْت عَلَيْهِ أَشُقّ شَقًّا , وَبِالْكَسْرِ إِلَى الِاسْم . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الَّذِينَ قَرَءُوا بِالْكَسْرِ أَرَادُوا إِلَّا بِنَقْصٍ مِنْ الْقُوَّة وَذَهَاب شَيْء مِنْهَا حَتَّى لَا يَبْلُغهُ إِلَّا بَعْد نَقْصهَا , فَيَكُون مَعْنَاهُ عِنْد ذَلِكَ : لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ قُوَى أَنْفُسكُمْ وَذَهَاب شِقّهَا الْآخَر . وَيُحْكَى عَنْ الْعَرَب : خُذْ هَذَا الشِّقّ : لِشِقَّةِ الشَّاة بِالْكَسْرِ , فَأَمَّا فِي شَقَّتْ عَلَيْك شَقًّا فَلَمْ يُحْكَ فِيهِ إِلَّا النَّصْب .وَقَوْله : { وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } يَقُول : وَتَحْمِل هَذِهِ الْأَنْعَام أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد آخَر لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِجَهْدٍ مِنْ أَنْفُسكُمْ شَدِيد وَمَشَقَّة عَظِيمَة . كَمَا : 16214 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ جَابِر , عَنْ عِكْرِمَة : { وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : لَوْ تُكَلَّفُونَهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ إِلَّا بِجَهْدٍ شَدِيد . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : لَوْ كُلِّفْتُمُوهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس . 16215 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : الْبَلَد : مَكَّة . 16216 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } قَالَ : مَشَقَّة عَلَيْكُمْ . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16217 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } يَقُول : بِجَهْدِ الْأَنْفُس . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , بِنَحْوِهِ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار بِكَسْرِ الشِّين : { إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } سِوَى أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ , فَإِنَّ : 16218 - الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَمَّاد , قَالَ : ثني أَبُو سَعِيد الرَّازِيّ , عَنْ أَبِي جَعْفَر قَارِئ الْمَدِينَة , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشَقِّ الْأَنْفُس " بِفَتْحِ الشِّين , وَكَانَ يَقُول : إِنَّمَا الشَّقّ : شَقّ النَّفْس . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَمَّاد : وَكَانَ مُعَاذ الْهَرَّاء يَقُول : هِيَ لُغَة , تَقُول الْعَرَب بِشِقٍّ وَبِشَقٍّ , وَبِرِقٍّ وَبِرَقٍّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار وَهِيَ كَسْر الشِّين , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ وَشُذُوذ مَا خَالَفَهُ . وَقَدْ يُنْشَد هَذَا الْبَيْت بِكَسْرِ الشِّين وَفَتْحهَا , وَذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : وَذِي إِبِل يَسْعَى وَيَحْسِبهَا لَهُ أَخِي نَصَب مِنْ شَقّهَا وَدُءُوب و " مِنْ شِقَّيْهَا " أَيْضًا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح ; وَكَذَلِكَ قَوْل الْعَجَّاج : أَصْبَحَ مَسْحُول يُوَازِي شَقَّا و " شِقًّا " بِالْفَتْحِ وَالْكَسْر . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " يُوَازِي شَقَّا " : يُقَاسِي مَشَقَّة . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَذْهَب بِالْفَتْحِ إِلَى الْمَصْدَر مِنْ شَقَقْت عَلَيْهِ أَشُقّ شَقًّا , وَبِالْكَسْرِ إِلَى الِاسْم . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الَّذِينَ قَرَءُوا بِالْكَسْرِ أَرَادُوا إِلَّا بِنَقْصٍ مِنْ الْقُوَّة وَذَهَاب شَيْء مِنْهَا حَتَّى لَا يَبْلُغهُ إِلَّا بَعْد نَقْصهَا , فَيَكُون مَعْنَاهُ عِنْد ذَلِكَ : لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ قُوَى أَنْفُسكُمْ وَذَهَاب شِقّهَا الْآخَر . وَيُحْكَى عَنْ الْعَرَب : خُذْ هَذَا الشِّقّ : لِشِقَّةِ الشَّاة بِالْكَسْرِ , فَأَمَّا فِي شَقَّتْ عَلَيْك شَقًّا فَلَمْ يُحْكَ فِيهِ إِلَّا النَّصْب .' وَقَوْله : { إِنَّ رَبّكُمْ لَرَءُوف رَحِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّكُمْ أَيّهَا النَّاس ذُو رَأْفَة بِكُمْ وَرَحْمَة ; مِنْ رَحْمَته بِكُمْ , خَلَقَ لَكُمْ الْأَنْعَام لِمَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحكُمْ , وَخَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَدِلَّة لَكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّة رَبّكُمْ وَمَعْرِفَة إِلَهكُمْ , لِتَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمه عَلَيْكُمْ , فَيَزِيدكُمْ مِنْ فَضْله .وَقَوْله : { إِنَّ رَبّكُمْ لَرَءُوف رَحِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّكُمْ أَيّهَا النَّاس ذُو رَأْفَة بِكُمْ وَرَحْمَة ; مِنْ رَحْمَته بِكُمْ , خَلَقَ لَكُمْ الْأَنْعَام لِمَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحكُمْ , وَخَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَدِلَّة لَكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّة رَبّكُمْ وَمَعْرِفَة إِلَهكُمْ , لِتَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمه عَلَيْكُمْ , فَيَزِيدكُمْ مِنْ فَضْله .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { وتحمل أثقالكم} الأثقال أثقال الناس من متاع وطعام وغيره، وهو ما يثقل الإنسان حمله. وقيل : المراد أبدانهم؛ يدل على ذلك قوله تعالى { وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة : 2]. والبلد مكة، في قول عكرمة. وقيل : هو محمول على العموم في كل بلد مسلكه على الظهر. وشق الأنفس : مشقتها وغاية جهدها. وقراءة العامة بكسر الشين. قال الجوهري : والشق المشقة؛ ومنه قوله تعالى { لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} وهذا قد يفتح، حكاه أبو عبيدة. قال المهدوي : وكسر الشين وفتحها في { شق} متقاربان، وهما بمعنى المشقة، وهو من الشق في العصا ونحوها؛ لأنه ينال منها كالمشقة من الإنسان. وقال الثعلبي : وقرأ أبو جعفر { إلا بشق الأنفس} وهما لغتان، مثل رق ورق وجص وجص ورطل ورطل. وينشد قول الشاعر بكسر الشين وفتحها : وذي إبل يسعى ويحسبها له ** أخي نصب من شقها ودءوب ويجوز أن يكون بمعنى المصدر، من شققت عليه شقا. والشق أيضا بالكسر النصف، يقال : أخذت شق الشاة وشقة الشاة. وقد يكون المراد من الآية هذا المعنى؛ أي لم تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوة وذهاب شق منها، أي لم تكونوا تبلغوه إلا بنصف قوى أنفسكم وذهاب النصف الآخر. والشق أيضا الناحية من الجبل. وفي حديث أم زرع : وجدني في أهل غنيمة بشق. قال أبو عبيد : هو اسم موضع. والشق أيضا : الشقيق، يقال : هو أخي وشق نفسي. وشق اسم كاهن من كهان العرب. والشق أيضا : الجانب؛ ومنه قول امرئ القيس : إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ** بشق وتحتي شِقُّها لم يُحوّل فهو مشترك. الثانية: منَّ الله سبحانه بالأنعام عموما، وخص الإبل هنا بالذكر في حمل الأثقال على سائر الأنعام؛ فإن الغنم للسرح والذبح، والبقر للحرث، والإبل للحمل. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله تعجبا وفزعا أبقرة تتكلم)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وإني أومن به وأبو بكر وعمرو). فدل هذا الحديث على أن البقر لا يحمل عليها ولا تركب، وإنما هي للحرث وللأكل والنسل والرسل. الثالثة: في هذه الآية دليل على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال عليها. ولكن على قدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل مع الرفق في السير. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق بها والإراحة لها ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها. وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا سافرتم في الخِصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نِقيها) رواه مالك في الموطأ عن أبي عبيد عن خالد بن معدان. وروى معاوية بن قرة قال : كان لأبي الدرداء جمل يقال له دمون، فكان يقول : يا دمون، لا تخاصمني عند ربك. فالدواب عجم لا تقدر أن تحتال لنفسها ما تحتاج إليه، ولا تقدر أن تفصح بحوائجها، فمن ارتفق بمرافقها ثم ضيعها من حوائجها فقد ضيع الشكر وتعرض للخصومة بين يدي الله تعالى. وروى مطر بن محمد قال : حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن خالد قال حدثنا المسيب بن آدم قال. رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب جمالا وقال : تحمل على بعيرك ما لا يطيق.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 2 - 8

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونعلم أن الإنسانَ في حياته بين أمرين؛ إما ظَاعن أي: مسافر. وإما مقيم. وفي حالة المقيم، فالأنعامُ تُحقِّق له الدِّفْء والطعام والمَلْبس. وعادةً ما يكتفي متوسطُ الحال بأنْ يستقرّ في مكان إقامته وكذلك الفقير.

أما المُقْتدر الغنيّ؛ فأنت تجده يوماً في القاهرة، وآخر في الإسكندرية، أو طنطا، وقد يسافر إلى الخارج، وكلُّ ذلك ميسور في زمن المواصلات الحديثة. وقديماً كانت وسائل المواصلات شاقة، ولا يقدر على السفر إلا مَنْ كانت لديه إبل صحيحة أو خيول قوية، أما مَنْ لم يكن يملك إلا حماراً أعجف فهو لا يفكر إلا في المسافات القصيرة.

ولذلك نجد القرآن حين تكلم عن أهل سبأ يقول:
{  فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ... }
[سبأ: 19].

وهم قد قالوا ذلك اعتزازاً بما يملكونه من خَيْل ووسائل سفر من دوابّ سليمة وقوية، تُهيِّئ السفر المريح الذي ينمُّ عن العِزّ والقوة والثراء.

وقوله الحق:

{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ... } [النحل: 7].

يعني وضع ما يَثْقل على ما يُثَقّل؛ ولذلك فنحن لا نجد إنساناً يحمل دابته؛ بل نجد مَنْ يحمل أثقاله على الدابة ليُخفِّف عن نفسه حَمْل أوزانٍ لا يقدر عليها.

ونعلم أن الوزن يتبع الكثافة؛ كما أن الحجمَ يتبع المساحة؛ فحين تنظر إلى كيلوجرام من القطن، فأنت تجد حجم كيلوجرام القطن أكبرُ من حجم الحديد؛ لأن كثافة الحديد مطمورة فيه، أما نفاشات القطن فهي التي تجعله يحتاج حيزاً اكبر من المساحة.

ويتابع الحق سبحانه قوله في الآية الكريمة:

{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ... } [النحل: 7].

ومَنْ يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول: " إن عَجُزَ الآية غَيْر متفق مع صَدْرها ".

ونقول لمثل صاحب هذا القول: أنت لم تفطن إلى المِنّة التي يمتنُّ بها الله على خَلْقه، فهم لم يكونوا بالغين لهذا البلد دون أثقالَ إلا بمشقَّة؛ فما بالنا بثِقَل المشقة حين تكون معهم أثقال من بضائع ومتاع؟

إنها نعمة كبيرة أنْ يجدوا ما يحملون عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون.

وكلمة { بِشِقِّ } [النحل] مصدرها شَق وهو الصِّدْع بين شيئين؛ ويعني عَزْل متصلين؛ وسبحانه هو القائل:
{  فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ }
[الحجر: 94]. وهناك " شَق " وهو الجهد، و " شقَّة ". والإنسان كما نعلم هو بين ثلاث حالات: إمَّا نائم؛ لذلك لا يحتاج إلى طاقة كبيرة تحفظ له حياته؛ وأيضاً وهو مُتيقِّظ فأجهزته لا تحتاج إلى طاقة كبيرة؛ بل تحتاج إلى طاقة مُتوسِّطة لتعملَ؛ أما إنْ كان يحمل أشياءَ ثقيلة فالإنسان يحتاج إلى طاقة أكبر لتعمل أجهزته.

وكذلك نجد الحق سبحانه يقول:
{  لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ }
[التوبة: 42].

والمعنىّ هنا بالشُّقة هي المسافة التي يشقُّ قطعُها، ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:

{ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [النحل: 7].

والصفتان هنا هما الرأفة والرحمة، وكل منهما مناسب لِمَا جاء بالآية؛ فالربُّ هو المُتولِّي التربية والمَدَد، وأيُّ رحلة لها مَقْصِد، وأيُّ رحلة هي للاستثمار، أو الاعتبار، أو للاثنين معاً.

فإذا كانت رحلةَ استثمار فدابّتُك يجب أن تكون قويةً لتحمل ما معك من أثقال، وتحمل عليها ما سوف تعود به من بضائع.

وإنْ كانت الرحلةُ للاعتبار فأنت تزيل بهذا السفر ألم عدم المعرفة والرغبة في الوصول إلى المكان الذي قصدته.

وهكذا تجد الرأفةَ مناسبةً لقضاء النفع وتحقيق الحاجة وإزالة الألم. وكلمة رحيم مناسبة لمنع الألم بتحقيق الوصول إلى الغاية.

وتوقَّفَ بعضٌ من العلماء عند مَقْصِد الرحلة؛ كأن تكون مسافراً للاتجار أو أن تكونَ مسافراً للاعتبار. ولكن هذا سفرٌ بالاختيار؛ وهناك سفر اضطراري؛ كالسفر الضروري إلى الحج مرة في العمرة.

والحق سبحانه يزيل ألم الحَمْل الثقيل، وبذلك تتحقق رأفته؛ وهو رحيم لأنه حقَّق لكم أُمنية السفر.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ... }.


www.alro7.net