سورة
اية:

يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل { إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون} أي فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها، فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحيئذ يندمون كل الندم حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم، وقوله تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} أي كل صداقة وصحابة لغير اللّه، فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان للّه عزَّ وجلَّ، فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: { إنما اتخذتم من دون اللّه أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار ومالكم من ناصرين} قال ابن عباس ومجاهد: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين. وروى الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لو أن رجلين تحابا في اللّه أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع اللّه تعالى بينهما يوم القيامة، يقول هذا الذي أحببته فيَّ) وقوله تبارك وتعالى: { يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} ثم بشرهم فقال: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} أي آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لشرع اللّه جوارحهم وظواهرهم، قال المعتمر بن سليمان عن أبيه: إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع فينادي مناد { يا عبادِي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} فيرجوها الناس كلهم، قال، فيتبعها: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} قال: فييأس الناس منها غير المؤمنين { ادخلوا الجنة} أي يقال لهم ادخلوا الجنة { أنتم وأزواجكم} أي نظراؤكم { تحبرون} أي تتنعمون وتسعدون، وقد تقدم تفسيرها في سورة الروم. { يطاف عليهم بصحاف من ذهب} أي زبادي آنية الطعام { وأكواب} وهي آنية الشراب أي من ذهب لا خراطيم لها ولا عرى { وفيها ما تشتهيه الأنفس} ، وقرأ بعضهم تشتهي الأنفس: { وتلذ الأعين} أي طيب الطعم والريح وحسن المنظر، روى عبد الرزاق عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لا يدخل بعده الجنة أحد، يفسح له في بصره مسيرة مائة عام، في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ، ليس فيها موضع شبر إلا معمور، يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صفحة من ذهب ليس فيها صفحة إلا فيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أُعْطي، لا ينقص ذلك مما أوتي شيئاً) ""أخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس مرفوعاً"". وقوله تعالى: { وأنتم فيها} أي في الجنة { خالدون} أي لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حولاً، ثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان: { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} أي أعمالكم الصالحة كانت سبباً لشمول رحمة اللّه إياكم، فإنه لا يدخل أحداً عملُه الجنة ولكن برحمة اللّه وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات. روى ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كل أهل النار يرى منزله من الجنة فيكون له حسرة، فيقول: { لو أن اللّه هداني لكنت من المتقين} ، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول: { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه} فيكون له شكراً)، قال: وما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، الكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة وذلك قوله تعالى: { وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعاً""، وقوله تعالى: { لكم فيها فاكهة كثيرة} أي من جميع الأنواع { منها تأكلون} أي مهما اخترتم وأردتم، ولما ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لتتمم النعمة والغبطة، واللّه تعالى أعلم.

تفسير الجلالين

{ يا عبادِ لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { يَا عِبَاد لَا خَوْف عَلَيْكُمْ الْيَوْم وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } وَفِي هَذَا الْكَلَام مَحْذُوف اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ , وَمَعْنَى الْكَلَام : الْأَخِلَّاء يَوْمئِذٍ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ , فَإِنَّهُمْ يُقَال لَهُمْ : يَا عِبَادِي لَا خَوْف عَلَيْكُمُ الْيَوْم مِنْ عِقَابِي , فَإِنِّي قَدْ أَمَّنْتُكُمْ مِنْهُ بِرِضَايَ عَنْكُمْ , وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ عَلَى فِرَاق الدُّنْيَا فَإِنَّ الَّذِي قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ خَيْر لَكُمْ مِمَّا فَارَقْتُمُوهُ مِنْهَا . وَذُكِرَ أَنَّ النَّاس يُنَادَوْنَ هَذَا النِّدَاء يَوْم الْقِيَامَة , فَيَطْمَع فِيهَا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلهَا حَتَّى يَسْمَع قَوْله : { الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } فَيَيْأَس مِنْهَا عِنْد ذَلِكَ . 23953 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ سَمِعْت أَنَّ النَّاس حِين يُبْعَثُونَ لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا فَزِعَ , فَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا عِبَاد اللَّه لَا خَوْف عَلَيْكُمُ الْيَوْم وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ , فَيَرْجُوهَا النَّاس كُلّهمْ , قَالَ : فَيُتْبِعهَا { الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } قَالَ : فَيَيْأَس النَّاس مِنْهَا غَيْر الْمُسْلِمِينَ . وَقَوْله : { يَا عِبَاد لَا خَوْف عَلَيْكُمْ الْيَوْم وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } وَفِي هَذَا الْكَلَام مَحْذُوف اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ , وَمَعْنَى الْكَلَام : الْأَخِلَّاء يَوْمئِذٍ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ , فَإِنَّهُمْ يُقَال لَهُمْ : يَا عِبَادِي لَا خَوْف عَلَيْكُمُ الْيَوْم مِنْ عِقَابِي , فَإِنِّي قَدْ أَمَّنْتُكُمْ مِنْهُ بِرِضَايَ عَنْكُمْ , وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ عَلَى فِرَاق الدُّنْيَا فَإِنَّ الَّذِي قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ خَيْر لَكُمْ مِمَّا فَارَقْتُمُوهُ مِنْهَا . وَذُكِرَ أَنَّ النَّاس يُنَادَوْنَ هَذَا النِّدَاء يَوْم الْقِيَامَة , فَيَطْمَع فِيهَا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلهَا حَتَّى يَسْمَع قَوْله : { الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } فَيَيْأَس مِنْهَا عِنْد ذَلِكَ . 23953 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ سَمِعْت أَنَّ النَّاس حِين يُبْعَثُونَ لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا فَزِعَ , فَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا عِبَاد اللَّه لَا خَوْف عَلَيْكُمُ الْيَوْم وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ , فَيَرْجُوهَا النَّاس كُلّهمْ , قَالَ : فَيُتْبِعهَا { الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } قَالَ : فَيَيْأَس النَّاس مِنْهَا غَيْر الْمُسْلِمِينَ . '

تفسير القرطبي

قال مقاتل ورواه المعتمر بن سليمان عن أبيه : ينادي مناد في العرصات { يا عبادي لا خوف عيكم اليوم} ، فيرفع أهل العرصة رءوسهم، فيقول المنادي: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} فينكس أهل الأديان رءوسهم غير المسلمين. وذكر المحاسبي في الرعاية : وقد روي في هذا الحديث أن المنادي ينادي يوم القيامة: { يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} فيرفع الخلائق رءوسهم، يقولون : نحن عباد الله. ثم ينادي الثانية: { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} فينكس الكفار رءوسهم ويبقى الموحدون رافعي رءوسهم. ثم ينادي الثالث: { الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس : 63] فينكس أهل الكبائر رءوسهم، ويبقى أهل التقوى رافعي رءوسهم، قد أزال عنهم الخوف والحزن كما وعدهم؛ لأنه أكرم الأكرمين، لا يخذل وليه ولا يسلمه عند الهلكة. وقرئ { يا عباد} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 67 - 72

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كلمة عيد تُجمع على: عبيد وعباد ولكل منهما معنى، عبيد تشمل كل الناس المؤمن والكافر والطائع والعاصي، لأنهم جميعاً عبيد بمعنى خاضعين لله في قَهْريات لا يمكنهم أبداً الفكاك عنها كالمرض والموت وغيره، كلنا مشتركون فيها، وكلنا عبيد بهذا المعنى.

أما العباد فَهُم الخاصَّة الذين اختاروا الله، وأخلصوا له العبادة، وتنازلوا عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده فاستحقوا هذه المنزلة.

{ يٰعِبَادِ } [الزخرف: 68] فنسبهم الله إليه وأضافهم إلى ذاته تعالى، ولم يأت لفظ عباد خلاف هذا المعنى إلا في موضع واحد في معرض الحديث عن يوم القيامة:
{  أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ }
[الفرقان: 17] فسمَّاهم عباداً مع أنهم ضالون. قالوا: لأن الكلام هنا عن يوم القيامة حيث لم يَعُدْ لأحد اختيار في أنْ يؤمن أو يكفر، فالجميع هنا طائع لا اختيارَ له فسمَّاهم عباداً.

فالحق سبحانه يكرمنا بهذا النداء { يٰعِبَادِ } [الزخرف: 68] ويشرفنا بالانتساب إليه على حَدِّ قول الشاعر:
وَممَّا زَادَنِي شَرَفاً وعِزاً   وَكِدْتُّ بِأخمُصي أَطَأُ الثُّريَّا
دُخولِي تحتَ قوْلكَ يا عبَادي   وأَنْ صيَّرتَ أحمدَ لي نبيّا
وقوله: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } [الزخرف: 68] نعم فأيُّ خوف ونحن عباد الله؟ أيُّ خوف يصيبنا بعد أن التحمنا به تعالى، ألسنا في الدنيا نقول: لا كرب، وأنت ربّ؟ إذن: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } [الزخرف: 68] أي: على ما فاتكم كم نعيم الدنيا لأنكم مُقبلون على ما هو خير وأبقى من نعيم الدنيا.


www.alro7.net