سورة
اية:

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وكذب به} أي بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان { قومك} يعني قريشاً، { وهو الحق} أي الذي ليس وراءه حق، { قل لست عليكم بوكيل} ، أي لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم كقوله: { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ، أي إنما عليَّ البلاغ وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، من خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { لكل نبأ مستقر} قال ابن عباس: أي لكل نبأ حقيقة، أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين، كما قال: { ولتعلمن نبأه بعد حين} ، وقال: { لكل أجل كتاب} ، وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده: { وسوف تعلمون} ، وقوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} أي بالتكذيب والاستهزاء { فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} أي حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب { وإما ينسينك الشيطان} ، والمراد بذلك كل فرد فرد من آحاد الأمة، أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات اللّه ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسياً { فلا تقعد بعد الذكرى} بعد التذكر { مع القوم الظالمين} ، ولهذا ورد في الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ""أخرجه ابن ماجة ولفظه (إن اللّه وضع عن أمتي الخطأ..) الحديث""وقال السدي في قوله: { وإما ينسينك الشيطان} ، قال: إن نسيت فذكرت { فلا تقعد} معهم، وكذا قال مقاتل بن حيان، وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات اللّه يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم} الآية، أي إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم فيما هم فيه، وقوله: { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} الآية ،أي إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برئوا من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم، قال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قوله: { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات اللّه إذا فعلت ذلك، أي إذا تجنبتم وأعرضت عنهم، وقال آخرون: بل معناه: وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله: { إنكم إذا مثلهم} ، قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم، وعلى قولهم يكون قوله: { ولكن ذكرى لعلهم يتقون} أي ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيراً لهم عما هم فيه لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.

تفسير الجلالين

{ لكل نبأ } خبر { مستقر } وقت يقع فيه ويستقر ومنه عذابكم { وسوف تعلمون } تهديد لهم .

تفسير الطبري

يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : { وَكَذَّبَ } يَا مُحَمَّد { قَوْمك } بِمَا تَقُول وَتُخْبِر وَتُوعِد مِنْ الْوَعِيد . { وَهُوَ الْحَقّ } يَقُول : وَالْوَعِيد الَّذِي أَوْعَدْنَاهُمْ عَلَى مَقَامهمْ عَلَى شِرْكهمْ مِنْ بَعْث الْعَذَاب مِنْ فَوْقهمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ أَوْ لَبْسهمْ شِيَعًا , وَإِذَاقَة بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , الْحَقّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ وَاقِع , إِنْ هُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَيُنِيبُوا مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه وَالشِّرْك بِهِ إِلَى طَاعَة اللَّه وَالْإِيمَان بِهِ . { قُلْ لَسْت عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } يَقُول : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد : لَسْت عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وَلَا رَقِيب , وَإِنَّمَا رَسُول أُبَلِّغكُمْ مِمَّا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْكُمْ . { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } يَقُول : لِكُلِّ خَبَر مُسْتَقَرّ , يَعْنِي قَرَار يَسْتَقِرّ عِنْده وَنِهَايَة يَنْتَهِي إِلَيْهَا , فَيَتَبَيَّن حَقّه وَصِدْقه مِنْ كَذِبه وَبَاطِله . { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } يَقُول : وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَيّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِصِحَّةِ مَا أُخْبِركُمْ بِهِ مِنْ وَعِيد اللَّه إِيَّاكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ نَحْتَجِرها عِنْد حُلُول عَذَابه بِكُمْ . فَرَأَوْا ذَلِكَ وَعَايَنُوهُ فَقَتَلَهُمْ يَوْمئِذٍ بِأَوْلِيَائِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10425 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَصَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحَقّ } يَقُول : كَذَّبَتْ قُرَيْش بِالْقُرْآنِ , وَهُوَ الْحَقّ . وَأَمَّا الْوَكِيل : فَالْحَفِيظ . { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } فَكَانَ نَبَأ الْقُرْآن اِسْتَقَرَّ يَوْم بَدْر بِمَا كَانَ يَعِدهُمْ مِنْ الْعَذَاب . 10426 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } : لِكُلِّ نَبَإٍ حَقِيقَة , إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة . { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ; مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَسَوْفَ تَرَوْنَهُ , وَمَا كَانَ فِي الْآخِرَة فَسَوْفَ يَبْدُو لَكُمْ . 10427 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } يَقُول : حَقِيقَة . 10428 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } يَقُول : فِعْل وَحَقِيقَة , مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْآخِرَة . وَكَانَ الْحَسَن يَتَأَوَّل فِي ذَلِكَ أَنَّهُ الْفِتْنَة الَّتِي كَانَتْ بَيْن أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10429 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ جَعْفَر بْن حَيَّان , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَرَأَ : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } قَالَ : حُبِسَتْ عُقُوبَتهَا حَتَّى إِذَا عُمِلَ ذَنْبهَا أُرْسِلَتْ عُقُوبَتهَا . يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : { وَكَذَّبَ } يَا مُحَمَّد { قَوْمك } بِمَا تَقُول وَتُخْبِر وَتُوعِد مِنْ الْوَعِيد . { وَهُوَ الْحَقّ } يَقُول : وَالْوَعِيد الَّذِي أَوْعَدْنَاهُمْ عَلَى مَقَامهمْ عَلَى شِرْكهمْ مِنْ بَعْث الْعَذَاب مِنْ فَوْقهمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ أَوْ لَبْسهمْ شِيَعًا , وَإِذَاقَة بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , الْحَقّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ وَاقِع , إِنْ هُمْ لَمْ يَتُوبُوا وَيُنِيبُوا مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه وَالشِّرْك بِهِ إِلَى طَاعَة اللَّه وَالْإِيمَان بِهِ . { قُلْ لَسْت عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } يَقُول : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد : لَسْت عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وَلَا رَقِيب , وَإِنَّمَا رَسُول أُبَلِّغكُمْ مِمَّا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْكُمْ . { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } يَقُول : لِكُلِّ خَبَر مُسْتَقَرّ , يَعْنِي قَرَار يَسْتَقِرّ عِنْده وَنِهَايَة يَنْتَهِي إِلَيْهَا , فَيَتَبَيَّن حَقّه وَصِدْقه مِنْ كَذِبه وَبَاطِله . { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } يَقُول : وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَيّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِصِحَّةِ مَا أُخْبِركُمْ بِهِ مِنْ وَعِيد اللَّه إِيَّاكُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ نَحْتَجِرها عِنْد حُلُول عَذَابه بِكُمْ . فَرَأَوْا ذَلِكَ وَعَايَنُوهُ فَقَتَلَهُمْ يَوْمئِذٍ بِأَوْلِيَائِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا مِنْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10425 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَصَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحَقّ } يَقُول : كَذَّبَتْ قُرَيْش بِالْقُرْآنِ , وَهُوَ الْحَقّ . وَأَمَّا الْوَكِيل : فَالْحَفِيظ . { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } فَكَانَ نَبَأ الْقُرْآن اِسْتَقَرَّ يَوْم بَدْر بِمَا كَانَ يَعِدهُمْ مِنْ الْعَذَاب . 10426 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } : لِكُلِّ نَبَإٍ حَقِيقَة , إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَة . { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ; مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَسَوْفَ تَرَوْنَهُ , وَمَا كَانَ فِي الْآخِرَة فَسَوْفَ يَبْدُو لَكُمْ . 10427 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } يَقُول : حَقِيقَة . 10428 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } يَقُول : فِعْل وَحَقِيقَة , مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْآخِرَة . وَكَانَ الْحَسَن يَتَأَوَّل فِي ذَلِكَ أَنَّهُ الْفِتْنَة الَّتِي كَانَتْ بَيْن أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10429 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ جَعْفَر بْن حَيَّان , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَرَأَ : { لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ } قَالَ : حُبِسَتْ عُقُوبَتهَا حَتَّى إِذَا عُمِلَ ذَنْبهَا أُرْسِلَتْ عُقُوبَتهَا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { لكل نبأ مستقر} لكل خبر حقيقة، أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر. وقيل : أي لكل عمل جزاء. قال الحسن : هذا وعيد من الله تعالى للكفار؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث. الزجاج : يجوز أن يكون وعيدا بما ينزل بهم في الدنيا. قال السدي : استقر يوم بدر ما كان يعدهم به من العذاب. وذكر الثعلبي أنه رأى في بعض التفاسير أن هذه الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع على السن.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 63 - 68

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والنبأ هو الخبر المهم، فليس كل خبر نبأ، ذلك أن هناك المثير من الأخبار التافهة التي يتساوى فيها العلم الذي لا ينفع بالجهل الذي لا يضر. ومثال على الخبر المهم هو قوله الحق:
{  عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ }
[النبأ: 1-3].

إذن فكل نبأ مستقر، والمستقر هو ما طُلب القرار فيه. والنبأ مظروف والمستقر مظروف فيه. والمظروفية تنقسم قسمين: مظروفية زمان، ومظروفية مكان. أي أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل حدث زمانا ومكانا يقع فيهما الخبر. وسوف يعلم الإنسان مستقر كل خبر عندما يأذن الحق بميلاد هذا المستقر الذي يُعلن فيه الخبر.

النبأ - إذن - هو الخبر العظيم المدهش. ولا أعظم من تجلي السماء على الأرض بمنهج جديد ينقذها مما هي فيه من ضلال، وهو منهج عام لكل زمان ولكل مكان. إذن هو نبأ عظيم؛ لأنه يخلص دنيا الناس من جبابرة الأرض، ويلفت كل الناس إلى منهج يخرجهم جميعاً من أهوائهم. فلا أضر بالمجتمع من أن يتبع كل إنسان هواه؛ لأن هوى كل نفس يخدم شهواتها، والشهوات متضارية، فإذا حكّم كل إنسان هواه فلن تجد في الأرض قضية متفقاً عليها. ولذلك تكفل الحق سبحانه وتعالى للإنسان بمسألة تنظيم المنهج وهو الأمر الذي تختلف فيه الأهواء. وأما الأمر الذي تلتقي فيه الأهواء وهو استنباط ما في الأرض من كنوز واستكشاف ما في الكون من أسرار فقد تركه الحق للإنسان ليستنبطه بالعقل الذي خلقه الله، من الكون الذي خلقه الله، وليسعد الإنسان بتلك الأسرار التي يستكشفها في الكون.

ويؤكد لنا واقع الحياة هذه القضية، ونجد طموح العقل البشري عندما فكر في مادة الكون استنبط منها الأسرار وأنجز الكثير من الاكتشافات العلمية. ولم تختلف الدول والمعسكرات في تلك المجالات، بل التقت كل الأهواء عند هذه الاكتشافات، فلا توجد - كما قلنا - كهرباء روسية وأخرى أمريكية، ولا نجد " كيمياء انجليزية " وأخرى " فرنسية " ، ولذلك تجد الأنظمة السياسية والاجتماعية على اختلافها تلتقي في مجالات العلم وتتفق ولا تختلف حتى إن بعضها قد يسرق من البعض الآخر ما توصل إليه. ولا نجد في عالم المادة والمعمل والتجربة اختلافات بين نظام سياسي ونظام آخر، بل تلتقي الأهواء عند القوانين المكتشفة والمأخوذة من مادة الكون، وهو الأمر الذي تركه الله للناس ليكونوا أحراراً فيه، ويفكرون، وينظرون، ويتأملون، ويبتكرون، ويصلون إلى أسرار في الكون تخفف عنهم تبعات الحياة، وتؤدي لهم غايات السعادة في الوجود بأقل مجهود.

ولكننا نجد الصراع العنيف على الجانب الآخر - جانب المبادئ والمنهج - وهو صراع لا يهدأ أبداً؛ لأنه صراع الأهواء فيما لم تحكمه تجربة مادية، وهم يختلفون خلافات عميقة، الرأسمالية تختلف عن الاشتراكية، وتتنوع الخلافات بين كافة المذاهب التي أنتجتها الأهواء: الشيوعية، الوجودية، الاشتراكية، الرأسمالية، وكل هذه المسائل لم تحكمها تجربة أو معمل ذلك كان الخلاف.ومن المؤسف أن البشر قد استغلوا ما اتفقوا فيه من ابتكارات علمية في فرض النظم التي اختلفوا عليها.

وقد أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر؛ إنه جل وعلا قد ترك عقول البشرية حرة في كل ما يخضع للتجربة، ولكنه نظم حياة الإنسان على الأرض في ضوء المنهج الإيماني؛ لأن الإسلام جاء في إثر ديانة حاول القائمون على أمرها من الكهنة أن يفرضوا سيطرة الكهنوت على العقل البشري في أسرار الكون.

والمثال على ذلك واضح تماماً في التاريخ البشري، ففي العصر الذي تأخرت فيه أوروبا وسُمي " عصر الظلمات " كان المسلمون في الشرق باتباعهم لمنهج الله يعيشون في عصر النور؛ لأن الإسلام علمهم مجال استعمال العقل وقدراته على استنباط أسرار الله في الكون، وجاء سبحانه بهذا الدين وهو النبأ العظيم ليوضح لنا في مسيرة هذا الدين كل عبرة، وكأنه يقول لنا:

إن هذا الدين قد بدأ ضعيفاً والذين آمنوا به قلة مستضعفة لا يستطيعون حماية أنفسهم بل تلمسوا الحماية وطلبوها عند ملك غريب في الحبشة، وعلى الرغم من ذلك أنتصروا لأنهم أخذوا بهذا الدين.

وقال صلى الله عليه وسلم مقالة ربه: { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [الأنعام: 67].

ومعنى " مستقر " أي ميلاد يستقر فيه. أي لا تتعجلوا الأحداث، ولا تجهضوها؛ فإن شاء الله سيكون لهذا الدين انتشار، وهذا الانتشار له ميلاد في زمان وميلاد في مكان، أما زمانه فإلى أن تقوم الساعة، وأما مكانه فالأرض كلها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء رسولاً للناس كافة، وخاتما للنبيين والمرسلين.

ويؤيد الحق سبحانه قضية { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } بأن يشهد الواقع من الحقائق ما يؤكد ذلك. ومثل ما حدث في الزمن القريب المعاصر لميلاد الدعوة الإسلامية. فحينما جاء الإسلام آمن به قلة مستضعفة، ولما نزل قوله سبحانه:
{  سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }
[القمر: 45].

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي جمع هذا الذي سيهُزم ويولون الدبر ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا؟ فلما جاء يوم بدر ورأى مصارع القوم كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاغاً عن الله قال عمر بن الخطاب: صدق الله، لقد هُزم الجمع وولَّوْا الدبر. ونجد كل قضية قرآنية محفوظة ومسجلة في السطور، يحفظها الله حتى لا يكون للناس على الله حجة؛ لأنه سبحانه القائل: { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [الأنعام: 67].

فلو لم يكن الواقع يؤيد أن لكل نبأ مستقراً، ولكن حدث ميلاداً زماناً ومكاناً، فماذا يظن الناس الذين يستقبلون القرآن؟ لذلك أتى الحق بكل قضية قرآنية ومعها دليلها، وأعطى الحق بعضاً من الحقائق الموثقة بالأحداث زماناً ومكاناً ليتأكد قوله الحق: { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [الأنعام: 67].وقد علمت الدنيا وانتصر الإسلام. لقد شاء الحق أن يربي حامل الدعوة الأول - عليه الصلاة والسلام - ويعلم معه صحابته رضوان الله عليهم، يعلمهم منطقاً ليسايروا به أحداث الكون.

ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى كان يُنزل الرسل بالأديان على فترات، وعندما يعُم الفساد في الأرض ينزل الحق منهجه على رسول ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى جعل في كل نفس بشرية تعادلاً ذاتياً، فإذا اشتهى الإنسان شهوة يحرمها الدين، وقضى الإنسان هذه الشهوة، وهدأت شرّة وحدّة المعصية في نفسه، فالإنسان يؤنب نفسه ويوبخها. ولكن النفس قد تستمرئ الشهوات، وينعدم الوازع الذي يردع الإنسان.

وإذا انعدم الوازع في فرد واحد فلن ينعدم في المجتمع، ونجد من الناس من يحمل المجتمع على المعروف، ويوجه صاحب النفس التي استمرأت المعصية إلى التوبة والخير. أما إذا عم الفساد في الفرد وفي المجتمع فماذا يكون الموقف؟

لا بد أن تتدخل السماء برسول جديد، ومنهج جديد. ويأتي الرسول الجديد ومعه المنهج اللازم لإصلاح الكون. ولا يتبع الرسول الجديد إلا المستضعفون القلة، وأهل البصيرة من أهل القوة حتى لا يظن ظان أن الضعفاء لاذوا بالدين ومالوا إليه بسبب ضعفهم. ويحذر الحق المؤمنين وكأنه يقول: إنكم تواجهون باطلاً عض الناس وأرهقهم وأعنتهم، وحين يعضّ الباطل المجتمعات فالذي ينتفع من ذلك هم أهل الباطل، والذي يشقى بذلك هم أهل الحق. فلكل فساد طبقة منتفعة به. وحين توجد الطبقة المنتفعة بالفساد. وحين توجد كلمة الحق فإن المنتفعين بالفساد ينظرون إلى نفوذهم الذي سينحسر حتماً عندما تسود كلمة الحق.

وحين ينتصر الحق لا بد أن يزول الفساد ومعه كل نفوذ أهل المفاسد. لذلك يقف المنتفعون من الفساد ضد الدين الجديد ليحافظوا على مكانتهم في المجتمع. ويقول الحق تهذيباً للمؤمنين، وتأديباً لغير المؤمنين: { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ... }


www.alro7.net