سورة
اية:

وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى إخباراً عن يعقوب عليه السلام: أنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه - كما قال ابن عباس والسدي وغير واحد - خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه، وقوله: { وما أغني عنكم من اللّه من شيء} أي أن هذا الاحتراز لا يرد قدر اللّه وقضاءه، فإن اللّه إذا أراد شيئاً لا يخالف ولا يمانع، { إن الحكم إلا للّه عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من اللّه من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} ، قالوا: هي دفع إصابة العين لهم { وإنه لذو علم لما علمناه} ، قال قتادة: لذو علم بعلمه، وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} .

تفسير الجلالين

{ وقال يا بني لا تدخلوا } مصر { من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } لئلا تصيبكم العين { وما أغني } أدفع { عنكم } بقولي ذلك { من الله من } زائدة { شيء } قدَّره عليكم وإنما ذلك شفقة { إن } ما { الحكم إلا لله } وحده { عليه توكلت } به وثقت { وعليه فليتوكل المتوكلون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ يَعْقُوب لِبَنِيهِ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوج مِنْ عِنْده إِلَى مِصْر لِيَمْتَارُوا الطَّعَام : يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِصْر مِنْ طَرِيق وَاحِد , وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة ! وَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالًا لَهُمْ جَمَال وَهَيْبَة , فَخَافَ عَلَيْهِمْ الْعَيْن إِذَا دَخَلُوا جَمَاعَة مِنْ طَرِيق وَاحِد وَهُمْ وَلَد رَجُل وَاحِد , فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَفْتَرِقُوا فِي الدُّخُول إِلَيْهَا . كَمَا : 14895 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا يَزِيد الْوَاسِطِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك : { لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } قَالَ : خَافَ عَلَيْهِمْ الْعَيْن . 14896 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } خَشِيَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَيْن عَلَى بَنِيهِ ; كَانُوا ذَوِي صُورَة وَجَمَال - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } قَالَ : كَانُوا قَدْ أُوتُوا صُورَة وَجَمَالًا , فَخَشِيَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَ النَّاس 14897 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } قَالَ : رَهِبَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْهِمْ الْعَيْن - حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } خَشِيَ يَعْقُوب عَلَى وَلَده الْعَيْن 14898 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَاب , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب : { لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } قَالَ : خَشِيَ عَلَيْهِمْ الْعَيْن 14899 - قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : خَافَ يَعْقُوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِيهِ الْعَيْن , فَقَالَ : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } فَيُقَال : هَؤُلَاءِ لِرَجُلٍ وَاحِد , وَلَكِنْ اُدْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة 14900 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا أَجْمَعُوا الْخُرُوج , يَعْنِي وَلَد يَعْقُوب , قَالَ يَعْقُوب : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } خَشِيَ عَلَيْهِمْ أَعْيُن النَّاس لِهَيْبَتِهِمْ , وَأَنَّهُمْ لِرَجُلٍ وَاحِد الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ يَعْقُوب لِبَنِيهِ لَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوج مِنْ عِنْده إِلَى مِصْر لِيَمْتَارُوا الطَّعَام : يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِصْر مِنْ طَرِيق وَاحِد , وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة ! وَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِجَالًا لَهُمْ جَمَال وَهَيْبَة , فَخَافَ عَلَيْهِمْ الْعَيْن إِذَا دَخَلُوا جَمَاعَة مِنْ طَرِيق وَاحِد وَهُمْ وَلَد رَجُل وَاحِد , فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَفْتَرِقُوا فِي الدُّخُول إِلَيْهَا . كَمَا : 14895 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا يَزِيد الْوَاسِطِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك : { لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } قَالَ : خَافَ عَلَيْهِمْ الْعَيْن . 14896 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } خَشِيَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَيْن عَلَى بَنِيهِ ; كَانُوا ذَوِي صُورَة وَجَمَال - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } قَالَ : كَانُوا قَدْ أُوتُوا صُورَة وَجَمَالًا , فَخَشِيَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَ النَّاس 14897 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } قَالَ : رَهِبَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْهِمْ الْعَيْن - حَدَّثَنَا عَنِ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } خَشِيَ يَعْقُوب عَلَى وَلَده الْعَيْن 14898 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَاب , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب : { لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } قَالَ : خَشِيَ عَلَيْهِمْ الْعَيْن 14899 - قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : خَافَ يَعْقُوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِيهِ الْعَيْن , فَقَالَ : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد } فَيُقَال : هَؤُلَاءِ لِرَجُلٍ وَاحِد , وَلَكِنْ اُدْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة 14900 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا أَجْمَعُوا الْخُرُوج , يَعْنِي وَلَد يَعْقُوب , قَالَ يَعْقُوب : { يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَاب وَاحِد وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة } خَشِيَ عَلَيْهِمْ أَعْيُن النَّاس لِهَيْبَتِهِمْ , وَأَنَّهُمْ لِرَجُلٍ وَاحِد ' وَقَوْله : { وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّه مِنْ شَيْء } يَقُول : وَمَا أَقْدِر أَنْ أَدْفَع عَنْكُمْ مِنْ قَضَاء اللَّه الَّذِي قَدْ قَضَاهُ عَلَيْكُمْ مِنْ شَيْء صَغِير وَلَا كَبِير ; لِأَنَّ قَضَاءَهُ نَافِذ فِي خَلْقه . { إِنِ الْحُكْم إِلَّا لِلَّهِ } يَقُول : مَا الْقَضَاء وَالْحُكْم إِلَّا لِلَّهِ دُون مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَشْيَاء , فَإِنَّهُ يَحْكُم فِي خَلْقه بِمَا يَشَاء , فَيَنْفُذُ فِيهِمْ حُكْمه , وَيَقْضِي فِيهِمْ وَلَا يُرَدّ قَضَاؤُهُ . { عَلَيْهِ تَوَكَّلْت } يَقُول : عَلَى اللَّه تَوَكَّلْت , فَوَثِقْت بِهِ فِيكُمْ , وَفِي حِفْظكُمْ عَلَيَّ حَتَّى يَرُدّكُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ مُعَافُونَ , لَا عَلَى دُخُولكُمْ مِصْر إِذَا دَخَلْتُمُوهَا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة . { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } يَقُول : وَإِلَى اللَّه فَلْيُفَوِّضْ أُمُورَهُمْ الْمُفَوِّضُونَ .وَقَوْله : { وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّه مِنْ شَيْء } يَقُول : وَمَا أَقْدِر أَنْ أَدْفَع عَنْكُمْ مِنْ قَضَاء اللَّه الَّذِي قَدْ قَضَاهُ عَلَيْكُمْ مِنْ شَيْء صَغِير وَلَا كَبِير ; لِأَنَّ قَضَاءَهُ نَافِذ فِي خَلْقه . { إِنِ الْحُكْم إِلَّا لِلَّهِ } يَقُول : مَا الْقَضَاء وَالْحُكْم إِلَّا لِلَّهِ دُون مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَشْيَاء , فَإِنَّهُ يَحْكُم فِي خَلْقه بِمَا يَشَاء , فَيَنْفُذُ فِيهِمْ حُكْمه , وَيَقْضِي فِيهِمْ وَلَا يُرَدّ قَضَاؤُهُ . { عَلَيْهِ تَوَكَّلْت } يَقُول : عَلَى اللَّه تَوَكَّلْت , فَوَثِقْت بِهِ فِيكُمْ , وَفِي حِفْظكُمْ عَلَيَّ حَتَّى يَرُدّكُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ مُعَافُونَ , لَا عَلَى دُخُولكُمْ مِصْر إِذَا دَخَلْتُمُوهَا مِنْ أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة . { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } يَقُول : وَإِلَى اللَّه فَلْيُفَوِّضْ أُمُورَهُمْ الْمُفَوِّضُونَ .'

تفسير القرطبي

فبه سبع مسائل: الأولى: لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين؛ فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد، وكانت مصر لها أربعة أبواب؛ وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلا لرجل واحد؛ وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة؛ قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم. الثانية: إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين، والعين حق؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر). وفي تعوذه عليه السلام : (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) ما يدل على ذلك، وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول : اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال : وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء! فوعك سهل مكانه واشتد وعكه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلا وعك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله؛ فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه سلم : (علام يقتل أحدكم أخاه، ألا برَّكت، إن العين حق، توضأ له) فتوضأ عامر، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس؛ في رواية (اغتسل) فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه؛ فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس. وركب سعد بن أبي وقاص يوما فنظرت إليه امرأة فقالت : إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين؛ فرجع إلى منزله فسقط، فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها فغسلت له؛ ففي هذين الحديثين أن العين حق، وأنها تقتل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا قول علماء الأمة، ومذهب أهل السنة؛ وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود؛ فكم من رجل أدخلته العين القبر، وكم من جمل ظهير أدخلته القدر، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} [البقرة : 102]. قال الأصمعي : رأيت رجلا عَيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال : أيتهن هذه؟ فقالوا : الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعا، المورى بها والمورى عنها. قال الأصمعي. وسمعته يقول : إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. الثاثة: واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك؛ فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة؛ ألا ترى قوله عليه السلام لعامر : (ألا بركت) فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن، وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك. والتبريك أن يقول : تبارك الله أحسن الخالقين! اللهم بارك فيه. الرابعة: العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال، ويجبر على ذلك إن أباه؛ لأن الأمر على الوجوب، لا سيما هذا؛ فإنه قد يخاف على المعين الهلاك، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه. الخامسة: من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره؛ وقد قال بعض العلماء : يأمره الإمام بلزوم بيته؛ وإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، ويكف أذاه عن الناس. وقد قيل : إنه ينفى؛ وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال؛ فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون الرجل الصالح عائنا، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسق به؛ ومن قال : يحبس ويؤمر بلزوم بيته. فذلك احتياط ودفع ضرر، والله أعلم. السادسة: روى مالك عن حميد بن قيس المكي أنه قال : دُخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما : (ما لي أراهما ضارعين) فقالت حاضنتهما : يا رسول الله! إنه تسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر سبقته العين). وهذا الحديث منقطع، ولكنه محفوظ لأسماء بنت عميس الخثعمية عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة متصلة صحاح؛ وفيه أن الرقي مما يستدفع به البلاء، وأن العين تؤثر في الإنسان وتضرعه، أي تضعفه وتنحله؛ وذلك بقضاء الله تعالى وقدره. ويقال : إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار، والله أعلم. السابعة: أمر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة العائن بالاغتسال للمعين، وأمر هنا بالاسترقاء؛ قال علماؤنا : إنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن؛ وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي أمامة، والله أعلم. الثامنة: قوله تعالى { وما أغني عنكم من الله من شيء} أي من شيء أحذره عليكم؛ أي لا ينفع الحذر مع القدر. { إن الحكم } أي الأمر والقضاء { إلا لله عليه توكلت} أي اعتمدت ووثقت. { وعليه فليتوكل المتوكلون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 54 - 76

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقد قال يعقوب عليه السلام ذلك الكلام في المرة الثانية لذهابهم إلى مصر، بعد أن عَلِم بحُسْن استقبال يوسف لهم، وأن بضاعتهم رُدَّتْ إليهم، وعلم بذلك أنهم صاروا أصحاب حَظْوة عند عزيز مصر.

وساعةَ ترى إنساناً له شأن؛ فترقب أن يُعادى، لذلك توجَّس يعقوب خِيفة أن يُدبِّر لهم أحد مكيدة؛ لأنهم أغراب.

ومن هنا أمرهم أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة، وكانت المدن قديماً لها أبواب؛ تُفتح وتقفل في مواعيد محددة، وحين يدخلون فُرادى فلن ينتبه أحد أنهم جماعة.

وقد خاف يعقوب على أبنائه من الحسد، ونعلم أن الحسد موجود.

وقد علَّمنا سبحانه أن نستعيد به سبحانه من الحسد؛ لأنه سبحانه قد عَلِم أزلاً أن الحسد أمر فوق طاقة دَفْع البشر له، وهو القائل:
{  قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }
[الفلق: 1-5].

وفي أمر الحسد أنت لا تستطيع أن تستعيذ بواحد مُسَاوٍ لك؛ لأن الحسد يأتي من مجهول غير مُدْرَك، فالشعاع الخارج من العين قد يتأجج بالحقد على كل ذي نعمة، وإذا كان عصرنا، وهو عصر الارتقاءات المادية قد توصَّل إلى استخدام الإشعاع في تفتيت الأشياء.

إذن: فمن الممكن أن يكون الحسدُ مثل تلك الإشعاعات؛ والتي قد يجعلها الله في عيون بعض خلقه، وتكون النظرة مثل السهم النافذ، أو الرصاصة الفتاكة.

والحق سبحانه هو القائل:
{  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ }
[المدثر: 31].

وإنْ قال قائل: ولماذا يُعطي الحق سبحانه بعضاً من خلقه تلك الخواص؟

أقول: إنه سبحانه يعطي من الإمكانات لبعض من خلقه، فيستخدمونها في غير موضعها، وكلُّ إنسان بشكل ما عنده إمكانية النظرة، ولكن الحقد هو الذي يولد الشرارة المُؤْذية، ويمكنك أن تنظر دون حسد إنْ قُلْتَ: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بارك.

بذلك لا تتحقق الإثارة اللازمة لتأجُّج الشرارة المؤذية، ويمكنك أن تستعيذ بالله خالق البشر وخالق الأسرار، وتقرأ قول الحق سبحانه:
{  قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ }
[الفلق: 1-5].

وأن تقول كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يُعوِّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول: " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامَّة ".

وقال صلى الله عليه وسلم: " كان أبوكما ـ إبراهيم ـ يُعوِّذ بها إسماعيل وإسحٰق عليهم السلام ".

كما " أنه صلى الله عليه وسلم: " كان إذا حَزَبَهُ أمر قام وصلى " ، لأن معنى حَزْب أمر للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لواحد من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر يخرج عن قدرة البشر.

وهنا على الإنسان أن يأوي إلى المُسبِّب، فهو الركن الشديد، بعد أن أخذتَ أنت بالأسباب الممدودة لك من يد الله، وبذلك يكون ذهابك إلى الحق هو ذهاب المُضطر؛ لا ذهاب الكسول عن الأخذ بالأسباب.

والحق سبحانه يقول:
{  أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ }
[النمل: 62].

والمضطر هو من استنفد كل أسبابه، ولم يَدْعُ ربه إلا بعد أن أخذ بكل الأسباب الممدودة، فلا تطلب من ذات الله قبل أن تأخذ ما قدمه لك بيده سبحانه من أسباب.

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد يعقوب عليه السلام وقد أوصى أبناءه ألاَّ يدخلوا مصر من باب واحد؛ بل من أبواب متفرقة خشية الحسد، وتنبهت قضية الإيمان بما يقتضيه من تسلم لمشيئة الله، فقال:

{ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ.. } [يوسف: 67].

أي: لست أُغْني عنكم بحذري هذا من قدر الله، فهو مجرد حرص، أما النفع من ذلك الحرص والتدبير فهو من أمر الله، ولذلك قال:

{ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ } [يوسف: 67].

فكل الخَلْق أمرهم راجع إلى الله، وعليه يعتمد يعقوب، وعليه يعتمد كل مؤمن.

ونفَّذَ أبناءُ يعقوب ما أمرهم به أبوهم، يقول سبحانه: { وَلَمَّا دَخَلُواْ... }.


www.alro7.net