سورة
اية:

قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى ممتناً على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر أي الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده له شريك له، كقوله: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} الآية، وقوله: { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا اللّه مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} الآية، وقوله: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته أإله مع اللّه تعالى اللّه عما يشركون} وقال في هذه الآية الكريمة: { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية} أي جهراً وسراً، { لئن أنجانا} أي من هذه الضائقة { لنكونن من الشاكرين} أي بعدها، قال اللّه: { قل اللّه ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم} أي بعد ذلك، { تشركون} أي تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى، وقوله: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم} لما قال: { ثم أنتم تشركون} عقبه بقوله: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً} أي بعد إنجائه إياكم كقوله: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً} قال الحسن: هذه للمشركين، وقال مجاهد: لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم وعفا عنهم؛ ونذكر هنا الأحاديث الواردة في ذلك. قال البخاري رحمه اللّه تعالى: يلبسكم: يخلطكم من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا، شيعاً: فرقاً. ثم روى بسنده عن جابر بن عبد اللّه قال: لما نزلت هذه الآية: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أعوذ بوجهك)، { أو من تحت أرجلكم} قال: (أعوذ بوجهك)، { أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( هذه أهون - أو - أيسر) طريق آخر قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره عن جابر قال: لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أعوذ باللّه من ذلك) { أو من تحت أرجلكم} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أعوذ باللّه من ذلك)، { أو يلبسكم شيعاً} قال: (هذا أيسر) ولو استعاذه لأعاذه. حديث آخر : قال الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: أقبلنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه عزَّ وجلَّ طويلاً ثم قال: (سألت ربي ثلاثاً، سألته: أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته: أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته: أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) ""أخرجه مسلم في كتاب الفتن، ومعنى السنة: القحط والجدب"" حديث آخر : قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن جابر بن عتيك أنه قال: جاءنا عبد اللّه بن عمر في حرة بني معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم، فقال: فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه؟ فقلت: نعم فقال أخبرني بهن فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم ولا يهلكهم بالسنين فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، قال: صدقت، فلا يزال الهرج إلى يوم القيامة ""قال ابن كثير: إسناده جيد قوي وليس هو في شيء من الكتب الستة"" حديث آخر قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال: (إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، وسألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً فأبى عليّ)، ورواه النسائي في الصلاة. حديث آخر : قال الإمام أحمد عن خباب بن الأرت مولى بني زهرة وكان قد شهد بدراً مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: وافيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ليلة صلاها كلها حتى كان مع الفجر فسلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من صلاته، فقلت: يا رسول اللّه لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أجل إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي عزَّ وجلَّ فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها) ""رواه أحمد والنسائي وابن حبان والترمذي وقال: حسن صحيح"" حديث آخر : عن شداد بن أوس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإني أعطيت الكنزين المراد بالكنزين: الذهب والفضة الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يهلك أمتي بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وان لا أسلط عليهم عدواً ممن سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً وبعضهم يقتل بعضاً وبعضهم يسبي بعضاً) قال: وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة) ""قال ابن كثير: الحديث ليس في شيء من الكتب الستة وإسناده جيد قوي"" حديث آخر : قال الطبراني عن جابر بن سمرة السوائي عن علي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، فقلت: يا رب لا تهلك أمتي جوعاً فقال: هذه لك. قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم يعني أهل الشرك فيجتاجهم قال: ذلك لك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم قال - فمنعني هذه) حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (دعوت ربي عزَّ وجلَّ أن يرفع عن أمتي أربعاً فرفع اللّه عنهم اثنتين، وأبى عَليَّ أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع اللّه عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى أن يرفع اثنتين القتل والهرج) طريق أخرى : عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} قال: فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم فتوضأ ثم قال: (اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا تلبسهم شيعاً، ولا تذق بعضهم بأس بعض) قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن اللّه قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم. قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد وغير واحد في قوله: { عذاباً من فوقكم} يعني الرجم، { أو من تحت أرجلكم} يعني الخسف وهذا هو اختيار ابن جرير. وكان عبد اللّه بن مسعود يصيح وهو في المسجد أو على المنبر يقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن اللّه يقول: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد { أو من تحت أرجلكم} لو خسف بكم الأرض أهلككم ولم يبق منكم أحداً، { أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض} ، ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث. وقال ابن جرير عن ابن عباس { عذاباً من فوقكم} يعني أمراءكم، { أو من تحت أرجلكم} يعني عبيدكم وسفلتكم، قال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير} وفي الحديث: (ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ)، وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء اللّه تعالى. وقوله: { أو يلبسكم شيعاً} يعني يجعلكم ملتبسين شيعاً فرقاً متخالفين. قال ابن عباس: يعني الأهواء، وكذا قال مجاهد وقد ورد في الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) وقوله تعالى: { ويذيق بعضكم بأس بعض} ، قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل، وقوله تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات} أي نبينها ونوضحها مرة ونفسرها { لعلهم يفقهون} أي يفهمون ويتدبرون عن اللّه آياته وحججه وبراهينه قال زيد بن أسلم: لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} الآية، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف) قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه؟ قال: (نعم) فقال بعضهم: لا يكون هذا ابداً أن يقتل بعضنا بعضاً ونحن مسلمون، فنزلت { انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون* وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} ""رواه ابن أبي حاتم وابن جرير""

تفسير الجلالين

( قل هو القادر ) على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) من السماء كالحجارة والصيحة ( أو من تحت أرجلكم ) كالخسف ( أو يلبسكم ) يخلطكم ( شيعا ) فرقا مختلفة الأهواء ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) بالقتال ، قال صلى الله عليه وسلم : لما نزلت ( هذا أهون وأيسر ) ولما نزل ما قبله : ، ( أعوذ بوجهك رواه البخاري وروى مسلم حديث "" سألت ربي ألا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها "" وفي حديث "" لما نزلت قال أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد "" ( أنظر كيف نصرف ) نبين لهم ( الآيات ) الدلالات على قدرتنا ( لعلهم يفقهون ) يعلمون أن ما هم عليه باطل .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ غَيْره مِنْ الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان يَا مُحَمَّد : إِنَّ الَّذِي يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر وَمِنْ كُلّ كَرْب ثُمَّ تَعُودُونَ لِلْإِشْرَاكِ بِهِ , هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يُرْسِل عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ , لِشِرْكِكُمْ بِهِ وَادِّعَائِكُمْ مَعَهُ إِلَهًا آخَر غَيْره وَكُفْرَانكُمْ نِعَمه مَعَ إِسْبَاغه عَلَيْكُمْ آلَاءَهُ وَمِنَنه . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْعَذَاب الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّه بِهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَنْ يَبْعَثهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقهمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَّا الْعَذَاب الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ أَنْ يَبْعَثهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقهمْ : فَالرَّجْم وَأَمَّا الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ أَنْ يَبْعَثهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَحْتهمْ : فَالْخَسْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10396 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : الْخَسْف . 10397 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ أُحْدِثُكُمْ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك وَسَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . 10398 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو سَلَمَة , عَنْ شِبْل , عَنْ اِبْن نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ الْخَسْف . 10399 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } فَعَذَاب السَّمَاء , { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلِكُمْ } فَيَخْسِف بِكُمْ الْأَرْض . 10400 - حَدَّثَنِي يُونُس قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : كَانَ اِبْن مَسْعُود يَصِيح وَهُوَ فِي الْمَجْلِس أَوْ عَلَى الْمِنْبَر : أَلَا أَيّهَا النَّاس إِنَّهُ نَزَلَ بِكُمْ , إِنَّ اللَّه يَقُول : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } لَوْ جَاءَكُمْ عَذَاب مِنْ السَّمَاء لَمْ يُبْقِ مِنْكُمْ أَحَدًا , { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } لَوْ خَسَفَ بِكُمْ الْأَرْض أَهْلَكَكُمْ وَلَمْ يُبْقِ مِنْكُمْ أَحَدًا , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } أَلَا إِنَّهُ نَزَلَ بِكُمْ أَسْوَأ الثَّلَاث ! . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقكُمْ : أَئِمَّة السُّوء , أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ : الْخَدَم وَسَفَلَة النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10401 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت خَلَّادًا يَقُول : سَمِعْت عَامِر بْن عَبْد الرَّحْمَن يَقُول : إِنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقُول فِي هَذِهِ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } فَأَمَّا الْعَذَاب مِنْ فَوْقكُمْ : فَأَئِمَّة السُّوء . وَأَمَّا الْعَذَاب مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ : فَخَدَم السُّوء . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } يَعْنِي : مِنْ أُمَرَائِكُمْ , { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } يَعْنِي : سَفَلَتكُمْ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقهمْ الرَّجْم أَوْ الطُّوفَان وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْق رُءُوسهمْ , وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ : الْخَسْف وَمَا أَشْبَهَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب مِنْ مَعْنَى " فَوْق " وَ " تَحْت " الْأَرْجُل , هُوَ ذَلِكَ دُون غَيْره , وَإِنْ كَانَ لِمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ وَجْه صَحِيح , غَيْر أَنَّ الْكَلَام إِذَا تُنُوزِعَ فِي تَأْوِيله فَحَمْلُهُ عَلَى الْأَغْلَب الْأَشْهُر مِنْ مَعْنَاهُ أَحَقّ وَأَوْلَى مِنْ غَيْره مَا لَمْ يَأْتِ حُجَّة مَانِعَة مِنْ ذَلِكَ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ غَيْره مِنْ الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان يَا مُحَمَّد : إِنَّ الَّذِي يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر وَمِنْ كُلّ كَرْب ثُمَّ تَعُودُونَ لِلْإِشْرَاكِ بِهِ , هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يُرْسِل عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ , لِشِرْكِكُمْ بِهِ وَادِّعَائِكُمْ مَعَهُ إِلَهًا آخَر غَيْره وَكُفْرَانكُمْ نِعَمه مَعَ إِسْبَاغه عَلَيْكُمْ آلَاءَهُ وَمِنَنه . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْعَذَاب الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّه بِهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَنْ يَبْعَثهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقهمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَمَّا الْعَذَاب الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ أَنْ يَبْعَثهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقهمْ : فَالرَّجْم وَأَمَّا الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ أَنْ يَبْعَثهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَحْتهمْ : فَالْخَسْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10396 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : الْخَسْف . 10397 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ أُحْدِثُكُمْ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك وَسَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . 10398 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو سَلَمَة , عَنْ شِبْل , عَنْ اِبْن نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ الْخَسْف . 10399 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } فَعَذَاب السَّمَاء , { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلِكُمْ } فَيَخْسِف بِكُمْ الْأَرْض . 10400 - حَدَّثَنِي يُونُس قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : كَانَ اِبْن مَسْعُود يَصِيح وَهُوَ فِي الْمَجْلِس أَوْ عَلَى الْمِنْبَر : أَلَا أَيّهَا النَّاس إِنَّهُ نَزَلَ بِكُمْ , إِنَّ اللَّه يَقُول : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } لَوْ جَاءَكُمْ عَذَاب مِنْ السَّمَاء لَمْ يُبْقِ مِنْكُمْ أَحَدًا , { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } لَوْ خَسَفَ بِكُمْ الْأَرْض أَهْلَكَكُمْ وَلَمْ يُبْقِ مِنْكُمْ أَحَدًا , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } أَلَا إِنَّهُ نَزَلَ بِكُمْ أَسْوَأ الثَّلَاث ! . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقكُمْ : أَئِمَّة السُّوء , أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ : الْخَدَم وَسَفَلَة النَّاس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10401 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : سَمِعْت خَلَّادًا يَقُول : سَمِعْت عَامِر بْن عَبْد الرَّحْمَن يَقُول : إِنَّ اِبْن عَبَّاس كَانَ يَقُول فِي هَذِهِ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } فَأَمَّا الْعَذَاب مِنْ فَوْقكُمْ : فَأَئِمَّة السُّوء . وَأَمَّا الْعَذَاب مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ : فَخَدَم السُّوء . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } يَعْنِي : مِنْ أُمَرَائِكُمْ , { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } يَعْنِي : سَفَلَتكُمْ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقهمْ الرَّجْم أَوْ الطُّوفَان وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْق رُءُوسهمْ , وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ : الْخَسْف وَمَا أَشْبَهَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب مِنْ مَعْنَى " فَوْق " وَ " تَحْت " الْأَرْجُل , هُوَ ذَلِكَ دُون غَيْره , وَإِنْ كَانَ لِمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ وَجْه صَحِيح , غَيْر أَنَّ الْكَلَام إِذَا تُنُوزِعَ فِي تَأْوِيله فَحَمْلُهُ عَلَى الْأَغْلَب الْأَشْهُر مِنْ مَعْنَاهُ أَحَقّ وَأَوْلَى مِنْ غَيْره مَا لَمْ يَأْتِ حُجَّة مَانِعَة مِنْ ذَلِكَ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَوْ يَخْلِطكُمْ شِيَعًا : فِرَقًا , وَاحِدَتهَا شِيعَة , وَأَمَّا قَوْله : { يَلْبِسكُمْ } فَهُوَ مِنْ قَوْلك : لَبِسْت عَلَيْهِ الْأَمْر , إِذَا خَلَطْت , فَأَنَا أَلْبِسهُ . وَإِنَّمَا قُلْت إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْقُرَّاء فِي ذَلِكَ بِكَسْرِ الْبَاء , فَفِي ذَلِكَ دَلِيل بَيِّن عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَبَسَ يَلْبِس , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْخَلْط . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ : أَوْ يَخْلِطكُمْ أَهْوَاء مُخْتَلِفَة وَأَحْزَابًا مُفْتَرِقَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10402 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } الْأَهْوَاء الْمُفْتَرِقَة 10403 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : يُفَرِّق بَيْنكُمْ - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف . 10404 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : الَّذِي فِيهِ النَّاس الْيَوْم مِنْ الِاخْتِلَاف وَالْأَهْوَاء وَسَفْك دِمَاء بَعْضهمْ بَعْضًا . 10405 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : الْأَهْوَاء وَالِاخْتِلَاف . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } يَعْنِي بِالشِّيَعِ : الْأَهْوَاء الْمُخْتَلِفَة . وَأَمَّا قَوْله : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } فَإِنَّهُ يَعْنِي : بِقَتْلِ بَعْضكُمْ بِيَدِ بَعْض , وَالْعَرَب تَقُول لِلرَّجُلِ يَنَال الرَّجُل بِسَلَام فَيَقْتُلهُ بِهِ : قَدْ أَذَاقَ فُلَان فُلَانًا الْمَوْت وَأَذَاقَهُ بَأْسه . وَأَصْل ذَلِكَ مِنْ ذَوْق الطَّعَام وَهُوَ يُطْعِمهُ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَا وَصَلَ إِلَى الرَّجُل مِنْ لَذَّة وَحَلَاوَة أَوْ مَرَارَة وَمَكْرُوه وَأَلَم . وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الْبَأْس فِي كَلَام الْعَرَب فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10406 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } بِالسُّيُوفِ . 10407 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو النُّعْمَان عَارِم , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ أَبِي هَارُون الْعَبْدِيّ , عَنْ عَوْف عُلْيَة , أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ : هِيَ وَاَللَّه الرِّجَال فِي أَيْدِيهمْ الْحِرَاب يَطْعَنُونَ فِي خَوَاصِركُمْ . 10408 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ : يُسَلِّط بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض بِالْقَتْلِ وَالْعَذَاب . 10409 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن الرَّبِيع الرَّازِيّ , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : عَذَاب هَذِهِ الْأُمَّة أَهْل الْإِقْرَار بِالسَّيْفِ , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } وَعَذَاب أَهْل التَّكْذِيب : الصَّيْحَة وَالزَّلْزَلَة . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِمْ نَزَلَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10410 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِيسَى الدَّامِغَانِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } . . . الْآيَة قَالَ : فَهُنَّ أَرْبَع وَكُلُّهُنَّ عَذَاب , فَجَاءَ مِنْهُنَّ اِثْنَتَانِ بَعْد وَفَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَة , فَأُلْبِسُوا شِيَعًا وَأُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَبَقِيَتْ اِثْنَتَانِ , فَهُمَا لَا بُدّ وَاقِعَتَانِ , يَعْنِي : الْخَسْف وَالْمَسْخ . 10411 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَعْفَاكُمْ مِنْهُ . { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : مَا كَانَ فِيكُمْ مِنْ الْفِتَن وَالِاخْتِلَاف . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10412 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا } . . . الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَات يَوْم الصُّبْح فَأَطَالَهَا , فَقَالَ لَهُ بَعْض أَهْله : يَا نَبِيّ اللَّه لَقَدْ صَلَّيْت صَلَاة مَا كُنْت تُصَلِّيهَا ! قَالَ : " إِنَّهَا صَلَاة رَغْبَة وَرَهْبَة , وَإِنِّي سَأَلْت رَبِّي فِيهَا ثَلَاثًا : سَأَلْته أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ فَيُهْلِكهُمْ فَأَعْطَانِيهَا ; وَسَأَلْته أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَى أُمَّتِي السَّنَة فَأَعْطَانِيهَا ; وَسَأَلْتهُ أَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَمَنَعَنِيهَا " , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه " . 10413 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْوَلِيد الْقُرَشِيّ وَسَعِيد بْن الرَّبِيع الرَّازِيّ , قَالَا : ثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو , سَمِعَ جَابِرًا يَقُول : ) لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : " أَعُوذ بِوَجْهِك " , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ : " هَاتَانِ أَيْسَر " , أَوْ " أَهْوَن " . - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ جَابِر , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : " نَعُوذ بِك , نَعُوذ بِك " ! { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : " هُوَ أَهْوَن " . 10414 - حَدَّثَنِي زِيَاد بْن عُبَيْد اللَّه الْمُزَنِيّ , قَالَ : ثَنَا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة الْخَطْمِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو مَالِك , قَالَ ثَنِي نَافِع بْن خَالِد الْخُزَاعِيّ , عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاة خَفِيفَة تَامَّة الرُّكُوع وَالسُّجُود فَقَالَ : " قَدْ كَانَتْ صَلَاة رَغْبَة وَرَهْبَة , فَسَأَلْت اللَّه فِيهَا ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ , وَبَقِيَ وَاحِدَة . سَأَلْت اللَّه أَنْ لَا يُصِيبكُمْ بِعَذَابٍ أَصَابَ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْت اللَّه أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَيْكُمْ عَدُوًّا يَسْتَبِيح بَيْضَتكُمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض , فَمَنَعَنِيهَا " . قَالَ أَبُو مَالِك : فَقُلْت لَهُ : أَبُوك سَمِعَ هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ سَمِعْته يُحَدِّث بِهَا الْقَوْم أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10415 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة , عَنْ أَبِي الْأَشْعَث , عَنْ أَبِي أَسْمَاء الرَّحْبِيّ , عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ اللَّه زَوَى لِي الْأَرْض حَتَّى رَأَيْت مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا , وَإِنَّ مُلْك أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا , وَإِنِّي أُعْطِيت الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض , وَإِنِّي سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِك قَوْمِي بِسَنَةٍ عَامَّة وَأَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد , إِنِّي إِذَا قَضَيْت قَضَاء فَإِنَّهُ لَا يُرَدّ , وَإِنِّي أَعْطَيْتُك لِأُمَّتِك أَنْ لَا أُهْلِكهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّة وَلَا أُسَلِّط عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِمَّنْ سِوَاهُمْ فَيُهْلِكهُمْ بِعَامَّةٍ حَتَّى يَكُون بَعْضهمْ يُهْلِك بَعْضًا وَبَعْضهمْ يَقْتُل بَعْضًا وَبَعْضهمْ يَسْبِي بَعْضًا " , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلِّينَ , فَإِذَا وُضِعَ السَّيْف فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَع عَنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة , عَنْ أَبِي الْأَشْعَث , عَنْ أَبِي أَسْمَاء الرَّحْبِيّ , عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي إِلَّا الْأَئِمَّة الْمُضِلِّينَ " . 10416 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : رَاقَبَ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , وَكَانَ بَدْرِيًّا , النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي , حَتَّى إِذَا فَرَغَ وَكَانَ فِي الصُّبْح قَالَ لَهُ : يَا رَسُول اللَّه , لَقَدْ رَأَيْتُك تُصَلِّي صَلَاة مَا رَأَيْتُك صَلَّيْت مِثْلهَا ! قَالَ : " أَجَلْ , إِنَّهَا صَلَاة رَغَب وَرَهَب , سَأَلْت رَبِّي ثَلَاث خِصَال فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة ; سَأَلْتهُ أَنْ لَا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَم فَأَعْطَانِي , وَسَأَلْته أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَيْنَا عَدُوًّا فَأَعْطَانِي , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَلْبِسَنَا شِيَعًا فَمَنَعَنِي " . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , فِي قَوْلِهِ : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } قَالَ : رَاقَبَ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , وَكَانَ بَدْرِيًّا , رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاث خَصَلَات " . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , قَالَ : سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه يَقُول : لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِوَجْهِك " ! { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِوَجْهِك " { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : " هَذِهِ أَهْوَن " . 10417 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَأَلْت رَبِّي فَأُعْطِيت ثِلَالًا وَمُنِعْت وَاحِدَة ; سَأَلْتهُ أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ يَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ , وَلَا يُسَلِّط عَلَيْهِمْ جُوعًا , وَلَا يَجْمَعهُمْ عَلَى ضَلَالَة ; فَأُعْطِيتهنَّ . وَسَأَلْته أَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَمُنِعْت " . 10418 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي سَأَلْت رَبِّي خِصَالًا , فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَة سَأَلْته أَنْ لَا تَكْفُر أُمَّتِي صَفْقَة وَاحِدَة فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته لَا يُظْهِر عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يُعَذِّبهُمْ بِمَا عَذَّبَ بِهِ الْأُمَم مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَجْعَل بَأْسهمْ بَيْنهمْ , فَمَنَعَنِيهَا " . 10419 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , قَوْله : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ الْحَسَن : ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُشْهِدهُ عَلَيْهِمْ : { اُنْظُرْ كَيْف نُصَرِّف الْآيَات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَوَضَّأَ , فَسَأَلَ رَبّه أَنْ لَا يُرْسِل عَلَيْهِمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقهمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ وَلَا يَلْبِس أُمَّته شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض كَمَا أَذَاقَ بَنِي إِسْرَائِيل , فَهَبَطَ إِلَيْهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّك سَأَلْت رَبّك أَرْبَعًا , فَأَعْطَاك اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَك اِثْنَتَيْنِ : لَنْ يَأْتِيهِمْ عَذَاب مِنْ فَوْقهمْ وَلَا مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ يَسْتَأْصِلهُمْ فَإِنَّهُمَا عَذَابَانِ لِكُلِّ أُمَّة اِجْتَمَعَتْ عَلَى تَكْذِيب نَبِيّهَا وَرَدّ كِتَاب رَبّهَا ; وَلَكِنَّهُمْ يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَهَذَانِ عَذَابَانِ لِأَهْلِ الْإِقْرَار بِالْكِتَابِ وَالتَّصْدِيق بِالْأَنْبِيَاءِ , وَلَكِنْ يُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِهِمْ ! وَأُوحِيَ إِلَيْهِ : { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِك فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } يَقُول : مِنْ أُمَّتك , { أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ } مِنْ الْعَذَاب الْعَذَاب وَأَنْتَ حَيّ , { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } 43 41 : 42 . فَقَامَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَاجَعَ رَبّه , فَقَالَ : " أَيّ مُصِيبَة أَشَدّ مِنْ أَنْ أَرَى أُمَّتِي يُعَذِّب بَعْضهَا بَعْضًا ؟ " وَأُوحِيَ إِلَيْهِ : { الم أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَن اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا وَلْيَعْلَمَن الْكَاذِبِينَ } 29 1 : 2 فَأَعْلَمَهُ أَنَّ أُمَّته لَمْ تُخَصّ دُون الْأُمَم بِالْفِتَنِ , وَأَنَّهَا سَتُبْتَلَى كَمَا اُبْتُلِيَتْ الْأُمَم . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ : { قُلْ رَبّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } 23 93 : 94 فَتَعَوَّذَ نَبِيّ اللَّه , فَأَعَاذَهُ اللَّه , لَمْ يَرَ مِنْ أُمَّته إِلَّا الْجَمَاعَة وَالْأُلْفَة وَالطَّاعَة . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَة حَذَّرَ فِيهَا أَصْحَابه الْفِتْنَة , فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُخَصّ بِهَا نَاس مِنْهُمْ دُون نَاس , فَقَالَ : { وَاتَّقُوا فِتْنَة لَا تُصِيبَن الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب } 8 25 فَخَصَّ بِهَا أَقْوَامًا مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده وَعَصَمَ بِهَا أَقْوَامًا . 10420 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : لَمَّا جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا يَكُون فِي أُمَّته مِنْ الْفُرْقَة وَالِاخْتِلَاف , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ , ثُمَّ دَعَا فَقَالَ : " اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَيْهِمْ أَفْضَلهمْ تَقِيَّة " . 10421 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَسْوَد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن لَهِيعَة , عَنْ خَالِد بْن يَزِيد , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ " قَالَ : { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ " قَالَ { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : " هَذِهِ أَيْسَر " وَلَوْ اِسْتَعَاذَهُ لَأَعَاذَهُ . 10422 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا الْمُؤَمِّل الْبَصْرِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِسْمَاعِيل بْن يَسَار الْمَدِينِيّ , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِب بَعْضكُمْ رِقَاب بَعْض بِالسُّيُوفِ " فَقَالُوا : وَنَحْنُ نَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّك رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " نَعَمْ " فَقَالَ بَعْض النَّاس : لَا يَكُون هَذَا أَبَدًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { اُنْظُرْ كَيْف نُصَرِّف الْآيَات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحَقّ قُلْ لَسْت عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِبَعْضِهَا أَهْل الشِّرْك وَبِبَعْضِهَا أَهْل الْإِسْلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10423 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ هَارُون بْن مُوسَى , عَنْ حَفْص بْن سُلَيْمَان , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى تَوَعَّدَ بِهَذِهِ الْآيَة أَهْل الشِّرْك بِهِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَإِيَّاهُمْ خَاطَبَ بِهَا , لِأَنَّهَا بَيْن إِخْبَار عَنْهُمْ وَخِطَاب لَهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّهَا تَتْلُو قَوْله : { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ قُلْ اللَّه يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلّ كَرْب ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } وَيَتْلُوهَا قَوْله : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحَقّ } وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون الْمُؤْمِنُونَ كَانُوا بِهِ مُكَذِّبِينَ . فَإِذَا كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَة بَيْن هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , كَانَ بَيِّنًا أَنَّ ذَلِكَ وَعِيد لِمَنْ تَقَدَّمَ وَصْف اللَّه إِيَّاهُ بِالشِّرْكِ وَتَأَخَّرَ الْخَبَر عَنْهُ بِالتَّكْذِيبِ , لَا لِمَنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر ; غَيْر أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ عَمَّ وَعِيده بِذَلِكَ كُلّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ مِنْ أَهْل الْخِلَاف عَلَى اللَّه وَعَلَى رَسُوله وَالتَّكْذِيب بِآيَاتِ اللَّه مِنْ هَذِهِ وَغَيْرهَا . وَأَمَّا الْأَخْبَار الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " سَأَلَتْ رَبِّي ثَلَاثًا , فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة " فَجَائِز أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَعِيدًا لِمَنْ ذَكَرْت مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِنْهَاجهمْ مِنْ الْمُخَالِفِينَ رَبّهمْ , فَسَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه أَنْ يُعِيذ أُمَّته مِمَّا اِبْتَلَى بِهِ الْأُمَم الَّذِينَ اِسْتَوْجَبُوا مِنْ اللَّه تَعَالَى بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ هَذِهِ الْعُقُوبَات ; فَأَعَاذَهُمْ بِدُعَائِهِ إِيَّاهُ وَرَغْبَته إِيَّاهُ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ بِهَا مِنْ هَذِهِ الْخِلَال الْأَرْبَع مِنْ الْعُقُوبَات أَغْلَظَهَا وَلَمْ يُعِذْهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ اِثْنَتَيْنِ مِنْهَا . وَأَمَّا الَّذِينَ تَأَوَّلُوا أَنَّهُ عُنِيَ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَة هَذِهِ الْأُمَّة , فَإِنِّي أَرَاهُمْ تَأَوَّلُوا أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّة مَنْ سَيَأْتِي مِنْ مَعَاصِي اللَّه وَرُكُوب مَا يَسْخَط اللَّه نَحْو الَّذِي رَكِبَ مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة مِنْ خِلَافه وَالْكُفْر بِهِ , فَيَحِلّ بِهِمْ مِثْل الَّذِي حَلَّ بِمَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْمَثُلَات وَالنِّقْمَات ; وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : جَاءَ مِنْهُنَّ اِثْنَتَانِ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّة خَسْف وَمَسْخ وَقَذْف " وَأَنَّ قَوْمًا مِنْ أُمَّته سَيَبِيتُونَ عَلَى لَهْو وَلَعِب ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَة وَخَنَازِير وَذَلِكَ إِذَا كَانَ , فَلَا شَكَّ أَنَّهُ نَظِير الَّذِي فِي الْأُمَم الَّذِينَ عَتَوْا عَلَى رَبّهمْ فِي التَّكْذِيب وَجَحَدُوا آيَاته . وَقَدْ رُوِيَ نَحْو الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ . 10424 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ الْهَمْدَانِيّ بْن كَعْب : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : أَرْبَع خِلَال , وَكُلّهنَّ عَذَاب , وَكُلّهنَّ وَاقِع قَبْل يَوْم الْقِيَامَة , فَمَضَتْ اِثْنَتَانِ بَعْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَة : أُلْبِسُوا شِيَعًا , وَأُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَثِنْتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَة : الْخَسْف , وَالرَّجْم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَوْ يَخْلِطكُمْ شِيَعًا : فِرَقًا , وَاحِدَتهَا شِيعَة , وَأَمَّا قَوْله : { يَلْبِسكُمْ } فَهُوَ مِنْ قَوْلك : لَبِسْت عَلَيْهِ الْأَمْر , إِذَا خَلَطْت , فَأَنَا أَلْبِسهُ . وَإِنَّمَا قُلْت إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْقُرَّاء فِي ذَلِكَ بِكَسْرِ الْبَاء , فَفِي ذَلِكَ دَلِيل بَيِّن عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَبَسَ يَلْبِس , وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْخَلْط . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ : أَوْ يَخْلِطكُمْ أَهْوَاء مُخْتَلِفَة وَأَحْزَابًا مُفْتَرِقَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10402 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو أُسَامَة , عَنْ شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } الْأَهْوَاء الْمُفْتَرِقَة 10403 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : يُفَرِّق بَيْنكُمْ - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : مَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف . 10404 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : الَّذِي فِيهِ النَّاس الْيَوْم مِنْ الِاخْتِلَاف وَالْأَهْوَاء وَسَفْك دِمَاء بَعْضهمْ بَعْضًا . 10405 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : الْأَهْوَاء وَالِاخْتِلَاف . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } يَعْنِي بِالشِّيَعِ : الْأَهْوَاء الْمُخْتَلِفَة . وَأَمَّا قَوْله : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } فَإِنَّهُ يَعْنِي : بِقَتْلِ بَعْضكُمْ بِيَدِ بَعْض , وَالْعَرَب تَقُول لِلرَّجُلِ يَنَال الرَّجُل بِسَلَام فَيَقْتُلهُ بِهِ : قَدْ أَذَاقَ فُلَان فُلَانًا الْمَوْت وَأَذَاقَهُ بَأْسه . وَأَصْل ذَلِكَ مِنْ ذَوْق الطَّعَام وَهُوَ يُطْعِمهُ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي كُلّ مَا وَصَلَ إِلَى الرَّجُل مِنْ لَذَّة وَحَلَاوَة أَوْ مَرَارَة وَمَكْرُوه وَأَلَم . وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الْبَأْس فِي كَلَام الْعَرَب فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10406 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } بِالسُّيُوفِ . 10407 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو النُّعْمَان عَارِم , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ أَبِي هَارُون الْعَبْدِيّ , عَنْ عَوْف عُلْيَة , أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ : هِيَ وَاَللَّه الرِّجَال فِي أَيْدِيهمْ الْحِرَاب يَطْعَنُونَ فِي خَوَاصِركُمْ . 10408 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ : يُسَلِّط بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض بِالْقَتْلِ وَالْعَذَاب . 10409 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن الرَّبِيع الرَّازِيّ , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : عَذَاب هَذِهِ الْأُمَّة أَهْل الْإِقْرَار بِالسَّيْفِ , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } وَعَذَاب أَهْل التَّكْذِيب : الصَّيْحَة وَالزَّلْزَلَة . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِيهِمْ نَزَلَتْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10410 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عِيسَى الدَّامِغَانِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , فِي قَوْله : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } . . . الْآيَة قَالَ : فَهُنَّ أَرْبَع وَكُلُّهُنَّ عَذَاب , فَجَاءَ مِنْهُنَّ اِثْنَتَانِ بَعْد وَفَاة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَة , فَأُلْبِسُوا شِيَعًا وَأُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَبَقِيَتْ اِثْنَتَانِ , فَهُمَا لَا بُدّ وَاقِعَتَانِ , يَعْنِي : الْخَسْف وَالْمَسْخ . 10411 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَعْفَاكُمْ مِنْهُ . { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : مَا كَانَ فِيكُمْ مِنْ الْفِتَن وَالِاخْتِلَاف . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10412 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا } . . . الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَات يَوْم الصُّبْح فَأَطَالَهَا , فَقَالَ لَهُ بَعْض أَهْله : يَا نَبِيّ اللَّه لَقَدْ صَلَّيْت صَلَاة مَا كُنْت تُصَلِّيهَا ! قَالَ : " إِنَّهَا صَلَاة رَغْبَة وَرَهْبَة , وَإِنِّي سَأَلْت رَبِّي فِيهَا ثَلَاثًا : سَأَلْته أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ فَيُهْلِكهُمْ فَأَعْطَانِيهَا ; وَسَأَلْته أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَى أُمَّتِي السَّنَة فَأَعْطَانِيهَا ; وَسَأَلْتهُ أَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَمَنَعَنِيهَا " , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " لَا تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه " . 10413 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْوَلِيد الْقُرَشِيّ وَسَعِيد بْن الرَّبِيع الرَّازِيّ , قَالَا : ثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو , سَمِعَ جَابِرًا يَقُول : ) لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : " أَعُوذ بِوَجْهِك " , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ : " هَاتَانِ أَيْسَر " , أَوْ " أَهْوَن " . - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ جَابِر , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : " نَعُوذ بِك , نَعُوذ بِك " ! { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : " هُوَ أَهْوَن " . 10414 - حَدَّثَنِي زِيَاد بْن عُبَيْد اللَّه الْمُزَنِيّ , قَالَ : ثَنَا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة الْخَطْمِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو مَالِك , قَالَ ثَنِي نَافِع بْن خَالِد الْخُزَاعِيّ , عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاة خَفِيفَة تَامَّة الرُّكُوع وَالسُّجُود فَقَالَ : " قَدْ كَانَتْ صَلَاة رَغْبَة وَرَهْبَة , فَسَأَلْت اللَّه فِيهَا ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ , وَبَقِيَ وَاحِدَة . سَأَلْت اللَّه أَنْ لَا يُصِيبكُمْ بِعَذَابٍ أَصَابَ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْت اللَّه أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَيْكُمْ عَدُوًّا يَسْتَبِيح بَيْضَتكُمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض , فَمَنَعَنِيهَا " . قَالَ أَبُو مَالِك : فَقُلْت لَهُ : أَبُوك سَمِعَ هَذَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ سَمِعْته يُحَدِّث بِهَا الْقَوْم أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 10415 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة , عَنْ أَبِي الْأَشْعَث , عَنْ أَبِي أَسْمَاء الرَّحْبِيّ , عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس يَرْفَعهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ اللَّه زَوَى لِي الْأَرْض حَتَّى رَأَيْت مَشَارِقهَا وَمَغَارِبهَا , وَإِنَّ مُلْك أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا , وَإِنِّي أُعْطِيت الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض , وَإِنِّي سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِك قَوْمِي بِسَنَةٍ عَامَّة وَأَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد , إِنِّي إِذَا قَضَيْت قَضَاء فَإِنَّهُ لَا يُرَدّ , وَإِنِّي أَعْطَيْتُك لِأُمَّتِك أَنْ لَا أُهْلِكهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّة وَلَا أُسَلِّط عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِمَّنْ سِوَاهُمْ فَيُهْلِكهُمْ بِعَامَّةٍ حَتَّى يَكُون بَعْضهمْ يُهْلِك بَعْضًا وَبَعْضهمْ يَقْتُل بَعْضًا وَبَعْضهمْ يَسْبِي بَعْضًا " , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلِّينَ , فَإِذَا وُضِعَ السَّيْف فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَع عَنْهُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة , عَنْ أَبِي الْأَشْعَث , عَنْ أَبِي أَسْمَاء الرَّحْبِيّ , عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي إِلَّا الْأَئِمَّة الْمُضِلِّينَ " . 10416 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , قَالَ : رَاقَبَ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , وَكَانَ بَدْرِيًّا , النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي , حَتَّى إِذَا فَرَغَ وَكَانَ فِي الصُّبْح قَالَ لَهُ : يَا رَسُول اللَّه , لَقَدْ رَأَيْتُك تُصَلِّي صَلَاة مَا رَأَيْتُك صَلَّيْت مِثْلهَا ! قَالَ : " أَجَلْ , إِنَّهَا صَلَاة رَغَب وَرَهَب , سَأَلْت رَبِّي ثَلَاث خِصَال فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة ; سَأَلْتهُ أَنْ لَا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَم فَأَعْطَانِي , وَسَأَلْته أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَيْنَا عَدُوًّا فَأَعْطَانِي , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَلْبِسَنَا شِيَعًا فَمَنَعَنِي " . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ , فِي قَوْلِهِ : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } قَالَ : رَاقَبَ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , وَكَانَ بَدْرِيًّا , رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاث خَصَلَات " . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , قَالَ : سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه يَقُول : لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِوَجْهِك " ! { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِوَجْهِك " { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : " هَذِهِ أَهْوَن " . 10417 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَأَلْت رَبِّي فَأُعْطِيت ثِلَالًا وَمُنِعْت وَاحِدَة ; سَأَلْتهُ أَنْ لَا يُسَلِّط عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ يَسْتَبِيح بَيْضَتهمْ , وَلَا يُسَلِّط عَلَيْهِمْ جُوعًا , وَلَا يَجْمَعهُمْ عَلَى ضَلَالَة ; فَأُعْطِيتهنَّ . وَسَأَلْته أَنْ لَا يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , فَمُنِعْت " . 10418 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي سَأَلْت رَبِّي خِصَالًا , فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَة سَأَلْته أَنْ لَا تَكْفُر أُمَّتِي صَفْقَة وَاحِدَة فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته لَا يُظْهِر عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرهمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يُعَذِّبهُمْ بِمَا عَذَّبَ بِهِ الْأُمَم مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا , وَسَأَلْته أَنْ لَا يَجْعَل بَأْسهمْ بَيْنهمْ , فَمَنَعَنِيهَا " . 10419 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , قَوْله : { وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ الْحَسَن : ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُشْهِدهُ عَلَيْهِمْ : { اُنْظُرْ كَيْف نُصَرِّف الْآيَات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } فَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَتَوَضَّأَ , فَسَأَلَ رَبّه أَنْ لَا يُرْسِل عَلَيْهِمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقهمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ وَلَا يَلْبِس أُمَّته شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض كَمَا أَذَاقَ بَنِي إِسْرَائِيل , فَهَبَطَ إِلَيْهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّك سَأَلْت رَبّك أَرْبَعًا , فَأَعْطَاك اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَك اِثْنَتَيْنِ : لَنْ يَأْتِيهِمْ عَذَاب مِنْ فَوْقهمْ وَلَا مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ يَسْتَأْصِلهُمْ فَإِنَّهُمَا عَذَابَانِ لِكُلِّ أُمَّة اِجْتَمَعَتْ عَلَى تَكْذِيب نَبِيّهَا وَرَدّ كِتَاب رَبّهَا ; وَلَكِنَّهُمْ يَلْبِسهُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَهَذَانِ عَذَابَانِ لِأَهْلِ الْإِقْرَار بِالْكِتَابِ وَالتَّصْدِيق بِالْأَنْبِيَاءِ , وَلَكِنْ يُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِهِمْ ! وَأُوحِيَ إِلَيْهِ : { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِك فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } يَقُول : مِنْ أُمَّتك , { أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ } مِنْ الْعَذَاب الْعَذَاب وَأَنْتَ حَيّ , { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } 43 41 : 42 . فَقَامَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَاجَعَ رَبّه , فَقَالَ : " أَيّ مُصِيبَة أَشَدّ مِنْ أَنْ أَرَى أُمَّتِي يُعَذِّب بَعْضهَا بَعْضًا ؟ " وَأُوحِيَ إِلَيْهِ : { الم أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَن اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا وَلْيَعْلَمَن الْكَاذِبِينَ } 29 1 : 2 فَأَعْلَمَهُ أَنَّ أُمَّته لَمْ تُخَصّ دُون الْأُمَم بِالْفِتَنِ , وَأَنَّهَا سَتُبْتَلَى كَمَا اُبْتُلِيَتْ الْأُمَم . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ : { قُلْ رَبّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ } 23 93 : 94 فَتَعَوَّذَ نَبِيّ اللَّه , فَأَعَاذَهُ اللَّه , لَمْ يَرَ مِنْ أُمَّته إِلَّا الْجَمَاعَة وَالْأُلْفَة وَالطَّاعَة . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَة حَذَّرَ فِيهَا أَصْحَابه الْفِتْنَة , فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُخَصّ بِهَا نَاس مِنْهُمْ دُون نَاس , فَقَالَ : { وَاتَّقُوا فِتْنَة لَا تُصِيبَن الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه شَدِيد الْعِقَاب } 8 25 فَخَصَّ بِهَا أَقْوَامًا مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْده وَعَصَمَ بِهَا أَقْوَامًا . 10420 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَالَ : لَمَّا جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا يَكُون فِي أُمَّته مِنْ الْفُرْقَة وَالِاخْتِلَاف , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ , ثُمَّ دَعَا فَقَالَ : " اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَيْهِمْ أَفْضَلهمْ تَقِيَّة " . 10421 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَسْوَد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن لَهِيعَة , عَنْ خَالِد بْن يَزِيد , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ " قَالَ : { أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ " أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ " قَالَ { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : " هَذِهِ أَيْسَر " وَلَوْ اِسْتَعَاذَهُ لَأَعَاذَهُ . 10422 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا الْمُؤَمِّل الْبَصْرِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِسْمَاعِيل بْن يَسَار الْمَدِينِيّ , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِب بَعْضكُمْ رِقَاب بَعْض بِالسُّيُوفِ " فَقَالُوا : وَنَحْنُ نَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّك رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : " نَعَمْ " فَقَالَ بَعْض النَّاس : لَا يَكُون هَذَا أَبَدًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { اُنْظُرْ كَيْف نُصَرِّف الْآيَات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحَقّ قُلْ لَسْت عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِبَعْضِهَا أَهْل الشِّرْك وَبِبَعْضِهَا أَهْل الْإِسْلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10423 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ هَارُون بْن مُوسَى , عَنْ حَفْص بْن سُلَيْمَان , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ } قَالَ : هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ , { أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض } قَالَ هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى تَوَعَّدَ بِهَذِهِ الْآيَة أَهْل الشِّرْك بِهِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَإِيَّاهُمْ خَاطَبَ بِهَا , لِأَنَّهَا بَيْن إِخْبَار عَنْهُمْ وَخِطَاب لَهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّهَا تَتْلُو قَوْله : { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ قُلْ اللَّه يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلّ كَرْب ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } وَيَتْلُوهَا قَوْله : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحَقّ } وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون الْمُؤْمِنُونَ كَانُوا بِهِ مُكَذِّبِينَ . فَإِذَا كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَة بَيْن هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , كَانَ بَيِّنًا أَنَّ ذَلِكَ وَعِيد لِمَنْ تَقَدَّمَ وَصْف اللَّه إِيَّاهُ بِالشِّرْكِ وَتَأَخَّرَ الْخَبَر عَنْهُ بِالتَّكْذِيبِ , لَا لِمَنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر ; غَيْر أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ عَمَّ وَعِيده بِذَلِكَ كُلّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ مِنْ أَهْل الْخِلَاف عَلَى اللَّه وَعَلَى رَسُوله وَالتَّكْذِيب بِآيَاتِ اللَّه مِنْ هَذِهِ وَغَيْرهَا . وَأَمَّا الْأَخْبَار الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " سَأَلَتْ رَبِّي ثَلَاثًا , فَأَعْطَانِي اِثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَة " فَجَائِز أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَعِيدًا لِمَنْ ذَكَرْت مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِنْهَاجهمْ مِنْ الْمُخَالِفِينَ رَبّهمْ , فَسَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّه أَنْ يُعِيذ أُمَّته مِمَّا اِبْتَلَى بِهِ الْأُمَم الَّذِينَ اِسْتَوْجَبُوا مِنْ اللَّه تَعَالَى بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ هَذِهِ الْعُقُوبَات ; فَأَعَاذَهُمْ بِدُعَائِهِ إِيَّاهُ وَرَغْبَته إِيَّاهُ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ بِهَا مِنْ هَذِهِ الْخِلَال الْأَرْبَع مِنْ الْعُقُوبَات أَغْلَظَهَا وَلَمْ يُعِذْهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ اِثْنَتَيْنِ مِنْهَا . وَأَمَّا الَّذِينَ تَأَوَّلُوا أَنَّهُ عُنِيَ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَة هَذِهِ الْأُمَّة , فَإِنِّي أَرَاهُمْ تَأَوَّلُوا أَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّة مَنْ سَيَأْتِي مِنْ مَعَاصِي اللَّه وَرُكُوب مَا يَسْخَط اللَّه نَحْو الَّذِي رَكِبَ مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة مِنْ خِلَافه وَالْكُفْر بِهِ , فَيَحِلّ بِهِمْ مِثْل الَّذِي حَلَّ بِمَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْمَثُلَات وَالنِّقْمَات ; وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ : جَاءَ مِنْهُنَّ اِثْنَتَانِ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّة خَسْف وَمَسْخ وَقَذْف " وَأَنَّ قَوْمًا مِنْ أُمَّته سَيَبِيتُونَ عَلَى لَهْو وَلَعِب ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَة وَخَنَازِير وَذَلِكَ إِذَا كَانَ , فَلَا شَكَّ أَنَّهُ نَظِير الَّذِي فِي الْأُمَم الَّذِينَ عَتَوْا عَلَى رَبّهمْ فِي التَّكْذِيب وَجَحَدُوا آيَاته . وَقَدْ رُوِيَ نَحْو الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ . 10424 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , وَحَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ الْهَمْدَانِيّ بْن كَعْب : { قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلكُمْ أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا } قَالَ : أَرْبَع خِلَال , وَكُلّهنَّ عَذَاب , وَكُلّهنَّ وَاقِع قَبْل يَوْم الْقِيَامَة , فَمَضَتْ اِثْنَتَانِ بَعْد وَفَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَة : أُلْبِسُوا شِيَعًا , وَأُذِيق بَعْضهمْ بَأْس بَعْض , وَثِنْتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَة : الْخَسْف , وَالرَّجْم . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُنْظُرْ كَيْف نُصَرِّفُ الْآيَات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُنْظُرْ يَا مُحَمَّد بِعَيْنِ قَلْبك إِلَى تَرْدِيدِنَا حُجَجنَا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِرَبِّهِمْ الْجَاحِدِينَ نِعَمه وَتَصْرِيفنَاهَا فِيهِمْ . { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } يَقُول : لِيَفْقَهُوا ذَلِكَ وَيَعْتَبِرُوهُ , فَيَذْكُرُوا وَيَزْدَجِرُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِمَّا يَسْخَطهُ اللَّه مِنْهُمْ مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَالتَّكْذِيب بِكِتَابِ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اُنْظُرْ كَيْف نُصَرِّفُ الْآيَات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُنْظُرْ يَا مُحَمَّد بِعَيْنِ قَلْبك إِلَى تَرْدِيدِنَا حُجَجنَا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِرَبِّهِمْ الْجَاحِدِينَ نِعَمه وَتَصْرِيفنَاهَا فِيهِمْ . { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } يَقُول : لِيَفْقَهُوا ذَلِكَ وَيَعْتَبِرُوهُ , فَيَذْكُرُوا وَيَزْدَجِرُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِمَّا يَسْخَطهُ اللَّه مِنْهُمْ مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَالتَّكْذِيب بِكِتَابِ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا} أي القادر على إنجائكم من الكرب، قادر على تعذيبكم. ومعنى { من فوقكم} الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح؛ كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح؛ عن مجاهد وابن جبير وغيرهما. { أو من تحت أرجلكم} الخسف والرجفة؛ كما فعل بقارون وأصحاب مدين. وقيل { من فوقكم} يعني الأمراء الظلمة، { ومن تحت أرجلكم} يعني السفلة وعبيد السوء؛ عن ابن عباس ومجاهد أيضا. { أو يلبسكم شيعا} وروي عن أبي عبدالله المدني { أو يلبسكم} بضم الياء، أي يجللكم العذاب ويعمكم به، وهذا من اللبس بضم الأول، وقراءة الفتح من اللبس. وهو موضع مشكل والإعراب يبينه. أي يلبس عليكم أمركم، فحذف أحد المفعولين وحرف الجر؛ كما قال { وإذا كالوهم أو وزنوهم} [المطففين : 3] وهذا اللبس بأن يخلط أمرهم فيجعلهم مختلفي الأهواء؛ عن ابن عباس. وقيل : معنى { يلبسكم شيعا} يقوي عدوكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد لبسكم. { شيعا} معناه فرقا. وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا؛ وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم على طلب الدنيا. وهو معنى قوله { ويذيق بعضكم بأس بعض} أي بالحرب والقتل في الفتنة؛ عن مجاهد. والآية عامة في المسلمين والكفار. وقيل هي في الكفار خاصة. وقال الحسن : هي في أهل الصلاة. قلت : وهو الصحيح؛ فإنه المشاهد في الوجود، فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض. نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وعن الحسن أيضا أنه تأول ذلك فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم. روى مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من أقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا). وروى النسائي عن خباب بن الأرت، وكان قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر، فلما سلم رسول الله من صلاته جاءه خباب فقال : يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أجل إنها صلاة رغب ورهب سألت الله عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت ربي عز وجل ألا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يظهر علينا عدوا من غيرنا فأعطانيها وسألت ربي عز وجل ألا يلبسنا شيعا فمنعنيها). وقد أتينا على هذه الأخبار في كتاب (التذكرة) والحمد لله. وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : (يا جبريل ما بقاء أمتي على ذلك)؟ فقال له جبريل : (إنما أنا عبد مثلك فادع ربك وسله لأمتك) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وأسبغ الوضوء وصلى وأحسن الصلاة، ثم دعا فنزل جبريل وقال : (يا محمد إن الله تعالى سمع مقالتك وأجارهم من خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم). فقال : (يا جبريل ما بقاء أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض)؟ فنزل جبريل بهذه الآية { الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا} [العنكبوت : 1 - 2] الآية. وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله قال : لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أعوذ بوجه الله} فلما نزلت { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال : (هاتان أهون). وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال : (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يصبح : ويمسي اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي. اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي). قال وكيع : يعني الخسف. قوله تعالى { انظر كيف نصرف الآيات} أي نبين لهم الحجج والدلالات. { لعلهم يفقهون} يريد بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 63 - 68

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكلمة " قادر " تعني تمام التمكن وأنه لا قدرة ولا حيلة لأحد حيال قدرة الله؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يملي للقوم الظالمين ويمد لهم الأمر ثم يأخذهم بغتة بالعذاب، وقد يأتي العذاب من فوقهم كما جاء لقوم أبرهة الذين أرادوا هدم الكعبة، فسلط عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، جعلتهم كعصف مأكول، وهناك من أخذهم الحق بالصيحة، وهناك من أهلكتهم بريح صرصر عاتية، وكل ذلك عذاب جاء من فوق تلك الأقوام.

أما قارون فقد خسف الله به وبداره الأرض، وكذلك قوم فرعون أغرقتهم المياه، وهذه هي التحتية. فالعذاب قد يأتي من فوق أو من تحت الأرجل حسّياً، وقد يأتي أيضاً من فوقيّة أو تحتيّة معنوية، ومثال ذلك العذاب الذي يسلطه الله على الطغاة الكبار المستبدين، وقد يأتي العذاب من الفئات الفقيرة التي تعيش أسفل السلم الاجتماعي.

{ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } [الأنعام: 65].

والمقصود بلبس الأمر أي خلطه بصورة لا يتبينها الرائي. و " شيعاً " هي جمع " شيعة ". والشيعة هم: المتعاونون على أمر ولو كان باطلا، ويجمعهم عليه كلمة واحدة وحركة واحدة وغاية واحدة. والمقصود بقوله الحق: { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } أي أن كل جماعة منكم تتفرق ويكون لكل منهم أمير، وتختلط الأمور بين الاختلافات المذهبية التي تختفي وراء الأهواء، وبذلك يذيق الله الناس بأس بعضهم بعضاً.

ولماذا كل ذلك؟ لأن الناس ما دامت فد انفرطت عن منهج الله نجد الحق يترك بعضهم لبعض ويتولى كل قوم إذاقة غيرهم العذاب. ولكن أُغيّر ذلك في ملك الله ونواميسه الثابتة من شيء؟ أبداً، فالسماء هي السماء، والأرض بعناصرها هي الأرض، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، والنجوم هي النجوم، والمطر هو المطر.

إن الذي يحدث فقط هو أن يذيق الله الناس بعضهم بأس بعض، ويصير كل بعض من الناس ظالماً للبعض الآخر. وعندما نرى الناس تشكو، نعلم أن الناس كلها مذنبة، ومادام الكل قد أذنب وخرج عن منهج الله فلا بد أن يسلط الحق بعضنا على بعض حتى يعرف الجميع أنهم قد انفلتوا عن منهج الله لذلك يلقون المتاعب، ولن يرتاحوا إلا إذا عادوا إلى أحضان منهج الله؛ لأن منهج الله يمنع أن يتكبر إنسان مؤمن على أخيه المؤمن. والكل يسجد لإله واحد. ولهذا وضع الحق لنا العبادات الجماعية حتى يرى الضعيف في سلطان الدنيا القوي في السلطان وهو يشترك معه في السجود للإله الواحد.

مثال ذلك ما نراه من طواف الناس حول الكعبة في ملابس الإحرام، إن من بين الذين يطوفون قوما من وجهاء الناس وأصحاب الرتب العالية والمنازل الرفيعة، ومن بين هؤلاء أيضاً نجد الذين لا يحتلون إلا المكانة الضئيلة، ويرى الضعيف نفسه مساوياً لمن في المركز الاجتماعي القوي.الكل يقف أمام ربّه وهو ذليل ويمسك بأستار الكعبة باكياً. ويريد سبحانه بذلك استطراق الغرور بين المؤمنين ويكون الناس جميعا أمام الله وفي بيته على سواء. { قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } [الأنعام: 65].

وها نحن أولاء نرى كيف أن الحق يلبس الناس شيعاً، إننا نرى المنسوبين إلى الإسلام يذبح بعضهم بعضاً لسنوات طويلة. وإذا كان هؤلاء وأولئك طائفتين مؤمنتين تتقاتلان فأين الطائفة الثالثة التي تفصل بين الطائفتين مصداقاً لقوله الحق:
{  وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }
[الحجرات: 9].

ها هوذا الدم المنسوب إلى الإسلام يسيل، ويزداد عدد الضحايا، ومن العجيب أن الآخرين يقفون موقف المتفرج، أو يمدون كل طائفة بأدوات الدمار. وذلك يدل على أن المسألة طامة وعامة.

والقاعدة التي قلناها من قبل لا تتغير، القاعدة أنه لا يوجد صراع بين حقين؛ لأنه لا يوجد في الأمر الواحد إلا حق واحد. ولا يطول أبداً الصراع بين الحق والباطل؛ لأن الباطل زهوق وزائل. ولكن الصراع إنما يطول بين باطلين؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر بأن ينصره الله.

ومثال آخر كنا نراه في بلد كلبنان - إبان الحرب الأهلية - وكان الصراع الدائر هناك يكاد يوضح لنا أن كل فرد صار طائفة بمفرده، وكل إنسان منهم له هواه، وكل إنسان يذيق غيره العذاب ويذوق من غيره العذاب.

{ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } [الأنعام: 65].

وينوع سبحانه الحجج والبراهين ويأتي لهم بالأحداث والنوازل حتى يتبين للجميع أنه لا راحة أبداً في الانفلات عن منهج الله حتى يفقهوا. والفقه هو شدة الفهم. والمقصود أن نأخذ ونتفهم العظة من كل الآيات التي يجريها الحق أمامنا عسانا نرجع إلى مراد الله.

ويقول الحق بعد ذلك: { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل... }


www.alro7.net