سورة
اية:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

تفسير بن كثير

وهذا أيضاً من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، وأنه يرسل الرياح فتثير سحاباً فيمطر على الأرض الجرز، التي لا نبات فيها وهي هامدة يابسة سوداء ممحلة { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} ، وقوله: { فتصبح الأرض مخضرة} أي خضراء بعد يبسها ومحولها، { إن اللّه لطيف خبير} أي عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها، لا يخفى عليه خافية، كما قال لقمان: { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها اللّه إن اللّه لطيف خبير} ، وقال تعالى: { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} ، وقوله: { له ما في السماوات وما في الأرض} أي ملكه جميع الأشياء وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه عبد لديه، وقوله: { ألم تر أن اللّه سخر لكم ما في الأرض} أي من حيوان وجماد وزروع وثمار كما قال: { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} أي من إحسانه وفضله وامتنانه { والفلك تجري في البحر بأمره} أي بتسخيره وتسييره، أي في البحر العجاج وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة فيحملون فيها ما شاءوا من بضائع ومنافع، من بلد إلى بلد وقطر إلى قطر { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} أي لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: { إن اللّه بالناس لرؤوف رحيم} أي مع ظلمهم كما قال في الآية الأخرى { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} ، وقوله: { وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور} ، كقوله: { كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} ، وقوله: { قل اللّه يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} ، وقوله: { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} ومعنى الكلام كيف تجعلون للّه أنداداً وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف، { وهو الذي أحياكم} أي خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً يذكر فأوجدكم، { ثم يميتكم ثم يحييكم} أي يوم القيامة، { إن الإنسان لكفور} أي جحود لربه.

تفسير الجلالين

{ ألم ترَ } تَعلم { أن الله سخر لكم ما في الأرض } من البهائم { والفلك } السفن { تجري في البحر } للركوب والحمل { بأمره } بإذنه { ويمسك السماء } من { أن } أو لئلا { تقع على الأرض إلا بإذنه } فتهلكوا { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } في التسخير والإمساك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض وَالْفُلْك تَجْرِي فِي الْبَحْر بِأَمْرِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس مَا فِي الْأَرْض مِنَ الدَّوَابّ وَالْبَهَائِم , فَذَلِكَ كُلّه لَكُمْ تَصْرِفُونَهُ فِيمَا أَرَدْتُمْ مِنْ حَوَائِجكُمْ . { وَالْفُلْك تَجْرِي فِي الْبَحْر بِأَمْرِهِ } يَقُول : وَسَخَّرَ لَكُمُ السُّفُن تَجْرِي فِي الْبَحْر بِأَمْرِهِ , يَعْنِي بِقُدْرَتِهِ , وَتَذْلِيله إِيَّاهَا لَكُمْ كَذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَالْفُلْك تَجْرِي } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَالْفُلْك } نَصْبًا , بِمَعْنَى سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض , وَالْفُلْك عَطْفًا عَلَى " مَا " , وَعَلَى تَكْرِير " أَنَّ " وَأَنَّ الْفُلْك تَجْرِي . وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْرَج أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَالنَّصْب هُوَ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض وَالْفُلْك تَجْرِي فِي الْبَحْر بِأَمْرِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس مَا فِي الْأَرْض مِنَ الدَّوَابّ وَالْبَهَائِم , فَذَلِكَ كُلّه لَكُمْ تَصْرِفُونَهُ فِيمَا أَرَدْتُمْ مِنْ حَوَائِجكُمْ . { وَالْفُلْك تَجْرِي فِي الْبَحْر بِأَمْرِهِ } يَقُول : وَسَخَّرَ لَكُمُ السُّفُن تَجْرِي فِي الْبَحْر بِأَمْرِهِ , يَعْنِي بِقُدْرَتِهِ , وَتَذْلِيله إِيَّاهَا لَكُمْ كَذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَالْفُلْك تَجْرِي } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَالْفُلْك } نَصْبًا , بِمَعْنَى سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض , وَالْفُلْك عَطْفًا عَلَى " مَا " , وَعَلَى تَكْرِير " أَنَّ " وَأَنَّ الْفُلْك تَجْرِي . وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْرَج أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَالنَّصْب هُوَ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهِ .' { وَيُمْسِك السَّمَاء أَنْ تَقَع عَلَى الْأَرْض } يَقُول : وَيُمْسِك السَّمَاء بِقُدْرَتِهِ كَيْ لَا تَقَع عَلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَمَعْنَى قَوْله : { أَنْ تَقَع } أَنْ لَا تَقَع . { وَيُمْسِك السَّمَاء أَنْ تَقَع عَلَى الْأَرْض } يَقُول : وَيُمْسِك السَّمَاء بِقُدْرَتِهِ كَيْ لَا تَقَع عَلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَمَعْنَى قَوْله : { أَنْ تَقَع } أَنْ لَا تَقَع .' { إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَءُوف رَحِيم } بِمَعْنَى : أَنَّهُ بِهِمْ لَذُو رَأْفَة وَرَحْمَة ; فَمِنْ رَأْفَته بِهِمْ وَرَحْمَته لَهُمْ أَمْسَكَ السَّمَاء أَنْ تَقَع عَلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَة تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ. { إِنَّ اللَّه بِالنَّاسِ لَرَءُوف رَحِيم } بِمَعْنَى : أَنَّهُ بِهِمْ لَذُو رَأْفَة وَرَحْمَة ; فَمِنْ رَأْفَته بِهِمْ وَرَحْمَته لَهُمْ أَمْسَكَ السَّمَاء أَنْ تَقَع عَلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ , وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَة تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض} ذكر نعمة أخرى، فأخبر أنه سخر لعباده ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار. { والفلك} أي وسخر لكم الفلك في حال جريها. وقرأ أبو عبدالرحمن الأعرج { والفلك} رفعا على الابتداء وما بعده خبره. الباقون بالنصب نسقا على قوله { ما في الأرض} . { ويمسك السماء أن تقع على الأرض} أي كراهية أن تقع. وقال الكوفيون : لئلا تقع. وإمساكه لها خلق السكون فيها حالا بعد حال. { إلا بإذنه} أي إلا بإذن الله لها بالوقوع، فتقع بإذنه، أي بإرادته وبحيلته. { إن الله بالناس لرؤوف رحيم} أي في هذه الأشياء التي سخرها لهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 64 - 69

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه الآية امتداد للآية السابقة، فما في السماء وما في الأرض مِلْك له سبحانه لكنه سخَّره لمنفعة خَلْقه، فإنْ سأل سائل: فلماذا لا يجعلها الله لنا ويُملكنا إياها؟ نقول: لأن ربك يريد أنْ يُطمئِنك أنه لن يعطيها لأحد أبداً، وستظل مِلْكاً لله وأنت تنتفع بها، وهل تأمن إنْ ملّكها الله لغيره أنْ يتغيّر لك ويحرمك منها؟ فأمْنُك في أن يظل الملْك لله وحده؛ لأنه ربك ومُتولّيك، ولن يتغير لك، ولن يتنكّر في منفعتك.

وقوله تعالى: { وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ.. } [الحج: 65] الفُلْك: السفن، تُطلق على المفرد وعلى الجمع، تجري في البحر بأمره تعالى، فتسير السفن بالريح حيث أمرها الله، كما قال سبحانه:
{  وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ.. }
[البقرة: 164] وهذه لا يملكها ولا يقدر عليها إلا الله، وقال في آية أخرى:
{  إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ.. }
[الشورى: 33].

وتأمَّل دِقَّة الأداء القرآني من الله الذي يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، فلقائل الآن أنْ يقول: لم نَعُد في حاجة إلى الريح تُسيِّر السفن، أو توجهها؛ لأنها أصبحت تسير الآن بآلات ومحركات، نعم السفن الآن تسير بالمحركات، لكن للريح معنى أوسع من ذلك، فالريح ليست هذه القوة الذاتية التي تدفع السفن على صفحة الماء، إنما الريح تعني القوة في ذاتها، أياً كانت ريحاً أم بُخَاراً أم كهرباء أم ذرة.. إلخ.

بدليل قوله تعالى:
{  وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. }
[الأنفال: 46] يعني: تذهب قوتكم أيًا كانت هذه القوة حتى الصياد الذي يركب البحر بقارب صغير يُسيِّره بالمجاديف بقوة يده وعضلاته هي أيضاً قوة، لا تخرج عن هذا المعنى.

وهكذا يظل معنى الآية صالحاً لكل زمان ولكل مكان، وإلى أن تقوم الساعة.

والريح إنْ أُفردَتْ دلَّتْ على حدوث شَرٍّ وضرر، كما في قوله تعالى:
{  وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ }
[الذاريات: 41].

وقوله:
{  وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.. }
[الأنفال: 46]

وقوله:
{  بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }
[الأحقاف: 24]

وإنْ جاءت بصيغة الجمع دلَّت على الخير، كما في قوله تعالى:
{  وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. }
[الحجر: 22].

وسبق أنْ تحدثنا عن مهمة الريح في تماسك الأشياء وقيامها بذاتها، فالجبل الأشمّ الذي تراه ثابتاً راسخاً إنما ثبتَ بأثر الريح عليه، وإحاطته به من كل جانب، بحيث لو فُرِّغ الهواء من أحد جوانب الجبل لانهار، وهذه هي الفكرة التي قامت عليها القنبلة، فالهواء هو الذي يقيم المباني والعمارات ويثبتها؛ لأنه يحيطها من كل جانب، فيُحدِث لها هذا التوازن، فإنْ فُرِّغ من أحد الجوانب ينهار المبنى.

ثم يقول سبحانه: { وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ.. } [الحج: 65] فالسماء مرفوعة فوقنا بلا عَمَد، لا يمسكها فوقنا إلا الله بقدرته وقيوميته أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه تعالى، كما قال في آية أخرى:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ.. }
[فاطر: 41].

{ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [الحج: 65] فمن صفاته تعالى الرأفة والرحمة، والفَهْم السطحي لهاتين الصفتين يرى أنهما واحد، لكن هما صفتان مختلفتان، فالرأفة تزيل الآلام، والرحمة تزيد الإنعام، والقاعدة أن درْء المفسدة مُقدَّم دائماً على جَلْب المصلحة، فربك يرأف بك فيزيل عنك أسباب الألم قبل أن يجلب لك نفعاً برحمته.

وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثل: قلنا هَبْ أن واحداً يرميك بحجر، وآخر يرمي لك تفاحة، فأيُّهما يشغلك أولاً؟ لا شكَّ ستُشغل بالحجر، كيف تقي نفسك من ضرره ثم تحاول أن تنال هذه التفاحة؟

لذلك قال تعالى:
{  وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ.. }
[النحل: 61].

ثم يقول سبحانه: { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ.. }

.


www.alro7.net