سورة
اية:

تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوتك من المرسلين أسوة فلا يهُمنَّك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه. { فهو وليهم اليوم} أي هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصا، ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم، ثم قال تعالى لرسوله إنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه، { وهدى} أي للقلوب، { ورحمة} أي لمن تمسك به، { لقوم يؤمنون} ، وكما جعل سبحانه القرآن حياة القلوب الميتة بكفرها كذلك يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء { إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} أي يفهمون الكلام ومعناه.

تفسير الجلالين

{ تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } رسلاً { فزين لهم الشيطان أعمالهم } السيئة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل { فهو وليهم } متولي أمورهم { اليوم } أي في الدنيا { ولهم عذاب أليم } مؤلم في الآخرة وقيل المراد باليوم يوم القيامة على حكاية الحال الآتية لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُقْسِمًا بِنَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّه يَا مُحَمَّد لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلك إِلَى أُمَمهَا بِمِثْلِ مَا أَرْسَلْنَاك إِلَى أُمَّتك مِنْ الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد لِلَّهِ وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ وَالْإِذْعَان لَهُ بِالطَّاعَةِ وَخَلَعَ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَم مِنْ قَبْلك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُقْسِمًا بِنَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّه يَا مُحَمَّد لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلك إِلَى أُمَمهَا بِمِثْلِ مَا أَرْسَلْنَاك إِلَى أُمَّتك مِنْ الدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد لِلَّهِ وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ وَالْإِذْعَان لَهُ بِالطَّاعَةِ وَخَلَعَ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة .' { فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان أَعْمَالهمْ } يَقُول : فَحَسَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَعِبَادَة الْأَوْثَان مُقِيمِينَ , حَتَّى كَذَّبُوا رُسُلهمْ , وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ . { فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان أَعْمَالهمْ } يَقُول : فَحَسَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَعِبَادَة الْأَوْثَان مُقِيمِينَ , حَتَّى كَذَّبُوا رُسُلهمْ , وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ .' { فَهُوَ وَلِيّهمْ الْيَوْم } يَقُول : فَالشَّيْطَان نَاصِرهمْ الْيَوْم فِي الدُّنْيَا , وَبِئْسَ النَّاصِر . { فَهُوَ وَلِيّهمْ الْيَوْم } يَقُول : فَالشَّيْطَان نَاصِرهمْ الْيَوْم فِي الدُّنْيَا , وَبِئْسَ النَّاصِر .' { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } فِي الْآخِرَة عِنْد وُرُودهمْ عَلَى رَبّهمْ , فَلَا يَنْفَعهُمْ حِينَئِذٍ وِلَايَة الشَّيْطَان , وَلَا هِيَ نَفَعَتْهُمْ فِي الدُّنْيَا بَلْ ضَرَّتْهُمْ فِيهَا وَهِيَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة أَضَرّ . { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } فِي الْآخِرَة عِنْد وُرُودهمْ عَلَى رَبّهمْ , فَلَا يَنْفَعهُمْ حِينَئِذٍ وِلَايَة الشَّيْطَان , وَلَا هِيَ نَفَعَتْهُمْ فِي الدُّنْيَا بَلْ ضَرَّتْهُمْ فِيهَا وَهِيَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة أَضَرّ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم} أي أعمالهم الخبيثة. هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن من تقدمه من الأنبياء قد كفر بهم قومهم. { فهو وليهم اليوم} أي ناصرهم في الدنيا على زعمهم. وقيل { فهو وليهم} أي قرينهم في النار. { اليوم} يعني يوم القيامة، وأطلق عليه اسم اليوم لشهرته. وقيل يقال لهم يوم القيامة : هذا وليكلم فاستنصروا به لينجيكم من العذاب، على جهة التوبيخ لهم. { ولهم عذاب أليم} في الآخرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 62 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعلم أن الحق سبحانه وتعالى يُقسِم بما يشاء على ما يشاء، أما نحن فلا نقسم إلا بالله، وفي الحديث الشريف: " مَنْ كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت ".

والحق تبارك وتعالى هنا يحلف بذاته سبحانه { تَٱللَّهِ } ، مثل: والله وبالله.

وقد جاء القسم لتأكيد المعنى؛ ولذلك يقول أحد الصالحين: من أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟!

وقد يؤكد الحق سبحانه القسم بذاته، أو القسم ببعض خَلْقه، وقد ينفي القسم وهو يُقسِم، كما في قوله تعالى:
{  لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ }
[البلد: 1].

وقوله:
{  فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }
[الواقعة: 75-76].

ومعنى: لا أقسم أن هذا الأمر واضح جَليّ وضوحاً لا يحتاج إلى القسم، ولو كنت مُقسِماً لأقسمتُ به، بدليل قوله:
{  وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }
[الواقعة: 76].

إذن: الحق سبحانه يُقسِم بذاته ليؤكد لنا الأمر تأكيداً، وتأكيد الأمر عند الحكم في القضاء مَثلاً: إما بالإقرار، وإما باليمين.. فإذا ما أقسمت له وحلفتَ فقد سددْتَ عليه منافذ التكذيب.

والحق سبحانه يقول:

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ } [النحل: 63].

أي: لسْتَ بِدْعاً في أنْ تُكذَّب من قومك، فهذه طبيعة الذين يستقبلون الدعوة من الله على ألسنة الرسل؛ لأن الرسل لا يرسلهم الله إلا حينما يطمّ الفساد ويعُم.

ومعنى إرسال الرسل ـ إذن ـ أنه لا حَلَّ إلا أنْ تتدخلَ السماء؛ ذلك لأن الإنسان فيه مناعات يقينية في ذاته، وهي نفسه اللوامة التي تلومه إذا أخطأ وتُعدِّل من سلوكه، فهي رادع له من نفسه.

فإذا ما تبلَّدتْ هذه النفس، وتعوَّدتْ على الخطأ قام المجتمع من حولها بهذه المهمة، فمَنْ لا تُردِعه نفسه اللوامة يُردعه المجتمع من حوله.. فإذا ما فسدَ المجتمع أيضاً، فماذا يكون الحل؟ الحل أن تتدخل السماء لإنقاذ هؤلاء.

إذن: تتدخل السماء بإرسال الرسل حينما يعُمّ الفسادُ المجتمعَ كله؛ ولذلك فأمة محمد صلى الله عليه وسلم من شرفها عند ربها أنْ قال لهم: أنتم مأمونون على رعاية منهجي في ذواتكم، لوَّامون لأنفسكم، آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر في غيركم؛ لذلك لن أرسل فيكم رسولاً آخر، فأنتم سوف تقومون بهذه المهمة.

لذلك قال الحق سبحانه:
{  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ... }
[آل عمران: 110].

فقد آمن أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أن تكون حارسة لمنهجه، إما بالنفس اللوامة، وإما بالمجتمع الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وهذا شرف عظيم لهذه الأمة.

إذن: يأتي الرسول حينما يعُمُّ الفساد.. فما معنى الفساد؟.. الفساد: أن تُوجد مصالح طائفة على حساب طائفة أخرى، فأهل الفساد والمنتفعون به إذا جاءهم رسول ليُخلِّص الناس من فسادهم، كيف يقابلونه؟ أيقابلونه بالترحاب؟ بالطبع لا.. لا بُدّ وأن يقابلوه بالكراهية والإنكار، ويعلنوا عليه الحرب دفاعاً عن مصالحهم.

ويُتبع الحق سبحانه هذا بقوله:

{ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ.. } [النحل: 63].

هنا يتدخل الشيطان، ويُزيّن لأهل الفساد أعمالهم، ويحثّهم على محاربة الرسل؛ فهؤلاء الذين سيقضون على نفوذكم، سوف يأخذون ما في أيديكم من مُتَع الدنيا، سوف يهزُّون مراكزكم، ويحطُّون من مكانتكم بين الناس.. هؤلاء سوف يرفعون عليكم السِّفْلة والعبيد..

وهكذا يتمسَّك أهل الفساد والظلم بظلمهم، ويعضون عليه بالنواجذ، ويقفون من الرسل موقف العداء، فوطِّنْ نفسك على هذا، فلن تُقابلَ من السادة إلا بالجحود وبالإنكار وبالمحاربة.

ثم يقول تعالى:

{ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ... } [النحل: 63].

أي: في الآخرة، فما دام الشيطان تولاَّهم في الدنيا، وزيَّن لهم، وأغراهم بعداء الرسل، فَلْيتولَّهم الآن، وليدافع عنهم يوم القيامة.. وقد عرض لنا القرآن الكريم هذا الموقف في قوله تعالى:
{  كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الحشر: 16].

وفي جدالهم يوم القيامة مع الشيطان يقولون له: أنت أغويتَنا وزيَّنْتَ لنا.. ماذا يقول؟ يقول:
{  وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ.. }
[إبراهيم: 22].

والسلطان هنا: إمّا بالحجة التي تُقنع، وإما بالقهر والغلبة والقوة التي تفرض ما تريد، وليس للشيطان شيء من ذلك.. لا يملك حُجة يُقنعك بها لتفعل، ولا يملك قوة يُجبرك بها أنْ تفعل وأنت كاره.

وهكذا يجادلهم الشيطان ويردُّ عليهم دعواهم، فليس له عليكم سلطان، بل مجرد الإشارة أوقعتْكم في المعصية.

وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
{  وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ.. }
[الأنفال: 48].

وقوله:

{ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النحل: 63].

يَصف العذاب هنا بأنه أليم شديد مُهلِك،وقد وصف الله العذاب بأنه أليم، عظيم، مُهين، شديد.. والعذاب شعور بالألم وإحساسٌ به، وقد توصَّل العلماء إلى أن الإحساس كله في الجلد؛ لذلك قال الحق سبحانه لِيُديمَ على هؤلاء العذاب:
{  كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ.. }
[النساء: 56].

وهكذا يستمر العذاب باستمرار الجلود وتبديلها.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ.. }.


www.alro7.net