سورة
اية:

الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أن أولياءه { الذين آمنوا وكانوا يتقون} كما فسرهم بهم، فكل من كان تقياً، كان للّه ولياً ف { لا خوف عليهم} أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة، { ولا هم يحزنون} على ما وراءهم في الدنيا. وقال عبد اللّه بن مسعود: أولياء اللّه الذين إذا رأوا ذكر اللّه ورد هذا القول في حديث مرفوع رواه البزار عن ابن عباس قال، قال رجل: يا رسول اللّه من أولياء اللّه؟ فذكره وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن من عباد اللّه عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء)، قيل: من هم يا رسول اللّه لعلنا نحبهم؟ قال: (هم قوم تحابوا في اللّه من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) ثم قرأ: { ألا إن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ""أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة ورواه أبو داود في سننه""، وقال الإمام أحمد، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ، قال: (الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) وقال الإمام أحمد، عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أرأيت قول اللّه تعالى: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فقال: (لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو قال أحد قبلك - تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له)؛ وعن أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه أنه قال: يا رسول اللّه: الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (تلك عاجل بشرى المؤمن) ""رواه مسلم وأخرجه أحمد عن أبي ذر"". وعن عبد اللّه بن عمرو عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ( { لهم البشرى في الحياة الدنيا} الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) ""أخرجه ابن جرير، وقد روي عن جمع من الصحابة والتابعين تفسير البشرى بالرؤيا الصالحة . وقال ابن جرير، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: ( { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} - قال - في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة) وروي موقوفاً عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: الرؤيا الحسنة بشرى من اللّه وهي من المبشرات ، وقال ابن جرير، عن أم كريز الكعبية: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات)؛ وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة، كقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} ، وفي حديث البراء رضي اللّه عنه: إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء . وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} ، وقال تعالى: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} ، وقوله: { لا تبديل لكلمات الله} أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة، { ذلك هو الفوز العظيم} .

تفسير الجلالين

هم { الذين آمنوا وكانوا يتقون } الله بامتثال أمره ونهيه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِينَ صَدَقُوا لِلَّهِ وَرَسُوله , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه . وَقَوْله : { الَّذِينَ آمَنُوا } مِنْ نَعْت الْأَوْلِيَاء . وَمَعْنَى الْكَلَام : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ , لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْت عِنْدَك أَفِي مَوْضِع رَفْع " الَّذِينَ آمَنُوا " أَمْ فِي مَوْضِع نَصْب ؟ قِيلَ : فِي مَوْضِع رَفْع , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ نَعْت الْأَوْلِيَاء لِمَجِيئِهِ بَعْد خَبَر الْأَوْلِيَاء , وَالْعَرَب كَذَلِكَ تَفْعَل خَاصَّة فِي " إِنَّ " , إِذَا جَاءَ نَعْت الِاسْم الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ بَعْد تَمَام خَبَره رَفَعُوهُ , فَقَالُوا . إِنَّ أَخَاك قَائِم الظَّرِيفُ , كَمَا قَالَ اللَّه : { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوب } 34 48 وَكَمَا قَالَ : { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْل النَّار } 38 64 وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْعِلَّة الَّتِي مِنْ أَجْلهَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , مَعَ أَنَّ إِجْمَاع جَمِيعهمْ عَلَى أَنَّ مَا قُلْنَاهُ هُوَ الصَّحِيح مِنْ كَلَام الْعَرَب ; وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاضِع الْإِبَانَة عَنْ الْعِلَل الَّتِي مِنْ أَجْلهَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِينَ صَدَقُوا لِلَّهِ وَرَسُوله , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَكَانُوا يَتَّقُونَ اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه . وَقَوْله : { الَّذِينَ آمَنُوا } مِنْ نَعْت الْأَوْلِيَاء . وَمَعْنَى الْكَلَام : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ , لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْت عِنْدَك أَفِي مَوْضِع رَفْع " الَّذِينَ آمَنُوا " أَمْ فِي مَوْضِع نَصْب ؟ قِيلَ : فِي مَوْضِع رَفْع , وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ نَعْت الْأَوْلِيَاء لِمَجِيئِهِ بَعْد خَبَر الْأَوْلِيَاء , وَالْعَرَب كَذَلِكَ تَفْعَل خَاصَّة فِي " إِنَّ " , إِذَا جَاءَ نَعْت الِاسْم الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ بَعْد تَمَام خَبَره رَفَعُوهُ , فَقَالُوا . إِنَّ أَخَاك قَائِم الظَّرِيفُ , كَمَا قَالَ اللَّه : { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوب } 34 48 وَكَمَا قَالَ : { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْل النَّار } 38 64 وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْعِلَّة الَّتِي مِنْ أَجْلهَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , مَعَ أَنَّ إِجْمَاع جَمِيعهمْ عَلَى أَنَّ مَا قُلْنَاهُ هُوَ الصَّحِيح مِنْ كَلَام الْعَرَب ; وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاضِع الْإِبَانَة عَنْ الْعِلَل الَّتِي مِنْ أَجْلهَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

هذه صفة أولياء الله تعالى؛ فيكون: { الذين} في موضع نصب على البدل من اسم { إن} وهو { أولياء} . وإن شئت على أعني. وقيل : هو ابتداء، وخبره. { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فيكون مقطوعا مما قبله. أي يتقون الشرك والمعاصي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 62 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والإيمان هو الأمر الاعتقادي الأول الذي يُبنى عليه كل عمل، ويقتضي تنفيذ منهج الله، الأمر في الأمر، والنهي في النهي، والإباحة في الإباحة.

والتقوى ـ كما علمنا ـ هي اتقاء صفات الجلال في اله تعالى، وأيضاً اتقاء النار، وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات من تصدر عنه التقوى؛ لأنها مراحل، " فقال صلى الله عليه وسلم يصف المتقين:

" هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لَعلَى نور ".

وقد سئُل عمر ـ رضي الله عنه ـ عن المتقين فقال: " الواحد منهم يزيدك النظر إليه قُرباً من الله ". وكأنه ـ رضي الله عنه ـ يشرح لنا قول الحق سبحانه:


{  سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ }
[الفتح: 29].

وساعة ترى المتقي لله تُسَرُّ وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده؛ لأن رؤياه تذكِّرك بالخشوع، والخضوع، والسكينة، ورقَّة السَّمْت، وانبساط الأسارير.

والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خَلَل، بل يرى كل شيء في موضعه تماماً، ولا يرى أي قُبح في الوجود، وحتى حين يصادف القبح، فهو يقول: إن هذا القبح يبيِّن لنا الحُسْن، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناسُ الحقّ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق.

إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير؛ ولذلك يقال: كُنْ جميلاً في دينك تَرَ الوجود جميلاً؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها، هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، وكلما تقرَّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق.

ومثال ذلك: العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلَّمه من لدنه علماً، هذا العبد يعلّم موسى عليه السلام، فحين قارن بين خَرْق العبد الصالح لسفينة سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكماً ظالماً يأخذ كل سفينة غَصْباً؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل: كيف تخرق سفينة سليمة؟ وهنا بيَّن له العبد الصالح أن الملك ا لظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي سفينة يملكها مساكين.

وحين قَتل العبدُ الصالح غلاماً، كان هذا الفعل في نظر موسى جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى لا يفتن أهله، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة.

ويقال: إن من يموت من قبل البلوغ ليس له مسكن محدّد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء؛ فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصراً، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو أبو بكر الصديق، أو عند أي صحابي جليل.وأيضاً حين دخل سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ مع العبد الصالح إلى قرية واستطعما أهلها فرفضوا أن يطعموهما ـ وطلب الطعام. هو أصدق ألوان السؤال ـ فأبى أهل القرية أن يطعموهما، وهذا دليل الخسَّة واللؤم؛ فأقام العبد الصالح الجدار الآيل للسقوط في تلك القرية.

ولم يكن سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ قد علم ما علمه العبدُ الصالح من أن رجلاً صالحاً قد مات وترك لأولاده كنزاً تحت هذا الجدار، وبناه بناية موقوتة بزمن بلوغ الأبناء لسن الرشد؛ فيقع الجدار ليحد الأبناء ما ترك لهم والدهم من كنز، ولا يجرؤ أهل القرية اللئام على السطو عليه.

إذن: هذه هباتٌ من فيض الحق سبحانه على عباده الصالحين، وهو سبحانه وتعالى يجعل مَثَل هؤلاء العباد كالصواري المنصوبة التي تهدي الناس، أو كالفنار الذي يهدي السفن في الظلمة.

ويقول الحق سبحانه: { لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا }


www.alro7.net