سورة
اية:

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

تفسير بن كثير

وهذا أيضاً أدب أرشده اللّه عباده المؤمنين، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أمرهم اللّه تعالى أن لا يتفرقوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، ثم أمر رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء اللّه، ولهذا قال: { فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم} الآية، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم: (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة) ""أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن"".

تفسير الجلالين

{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه } أي الرسول { على أمر جامع } كخطبة الجمعة { لم يذهبوا } لعروض عذر لهم { حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم } أمرهم { فأذن لمن شئت منهم } بالانصراف { واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا الْمُؤْمِنُونَ حَقّ الْإِيمَان , إِلَّا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله . { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ } يَقُول : وَإِذَا كَانُوا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , { عَلَى أَمْر جَامِع } يَقُول : عَلَى أَمْر يَجْمَع جَمِيعهمْ مِنْ حَرْب حَضَرَتْ , أَوْ صَلَاة اجْتُمِعَ لَهَا , أَوْ تَشَاوُر فِي أَمْر نَزَلَ ; { لَمْ يَذْهَبُوا } يَقُول : لَمْ يَنْصَرِفُوا عَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأَمْر , حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19906 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } يَقُول : إِذَا كَانَ أَمْر طَاعَة لِلَّهِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع } قَالَ : أَمْر مِنْ طَاعَة اللَّه عَامّ . 19907 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بَكْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْج , قَالَ : سَأَلَ مَكْحُولًا الشَّامِيّ إِنْسَان وَأَنَا أَسْمَع , وَمَكْحُول جَالِس مَعَ عَطَاء , عَنْ قَوْل اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } فَقَالَ مَكْحُول : فِي يَوْم الْجُمُعَة , وَفِي زَحْف , وَفِي كُلّ أَمْر جَامِع , قَدْ أَمَرَ أَنْ لَا يَذْهَب أَحَد فِي يَوْم جُمُعَة حَتَّى يَسْتَأْذِن الْإِمَام , وَكَذَلِكَ فِي كُلّ جَامِع , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع } . 19908 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثني ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام بْن حَسَّان , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَة وَالْإِمَام يَخْطُب , قَامَ فَأَمْسَكَ بِأَنْفِهِ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَام أَنْ يَخْرُج . قَالَ : فَكَانَ رَجُل قَدْ أَرَادَ الرُّجُوع إِلَى أَهْله , فَقَامَ إِلَى هَرِم بْن حِبَّان وَهُوَ يَخْطُب , فَأَخَذَ بِأَنْفِهِ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ هَرِم أَنْ يَذْهَب , فَخَرَجَ إِلَى أَهْله فَأَقَامَ فِيهِمْ , ثُمَّ قَدِمَ ; قَالَ لَهُ هَرِم : أَيْنَ كُنْت ؟ قَالَ : فِي أَهْلِي ؟ قَالَ : أَبِإِذْنٍ ذَهَبْت ؟ قَالَ : نَعَمْ , قُمْت إِلَيْك وَأَنْتَ تَخْطُب , فَأَخَذْت بِأَنْفِي , فَأَشَرْت إِلَيَّ أَنِ اذْهَبْ فَذَهَبْت . فَقَالَ : أَفَاتَّخَذْت هَذَا دَغَلًا ؟ أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَخِّرْ رِجَال السُّوء إِلَى زَمَان السُّوء . 19909 - حَدَّثَنِي الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنِ الزُّهْرِيّ , فِي قَوْله : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع } قَالَ : هُوَ الْجُمُعَة إِذَا كَانُوا مَعَهُ , لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ . 19910 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } قَالَ : الْأَمْر الْجَامِع حِين يَكُونُونَ مَعَهُ فِي جَمَاعَة الْحَرْب أَوْ جُمُعَة . قَالَ : وَالْجُمُعَة مِنَ الْأَمْر الْجَامِع , لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُج إِذَا قَعَدَ الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا بِإِذْنِ سُلْطَان إِذَا كَانَ حَيْثُ يَرَاهُ أَوْ يَقْدِر عَلَيْهِ , وَلَا يَخْرُج إِلَّا بِإِذْنٍ . وَإِذَا كَانَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَلَا يَعْمَل إِلَيْهِ , فَاللَّه أَوْلَى بِالْعُذْرِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا الْمُؤْمِنُونَ حَقّ الْإِيمَان , إِلَّا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله . { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ } يَقُول : وَإِذَا كَانُوا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , { عَلَى أَمْر جَامِع } يَقُول : عَلَى أَمْر يَجْمَع جَمِيعهمْ مِنْ حَرْب حَضَرَتْ , أَوْ صَلَاة اجْتُمِعَ لَهَا , أَوْ تَشَاوُر فِي أَمْر نَزَلَ ; { لَمْ يَذْهَبُوا } يَقُول : لَمْ يَنْصَرِفُوا عَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ مِنَ الْأَمْر , حَتَّى يَسْتَأْذِنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19906 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } يَقُول : إِذَا كَانَ أَمْر طَاعَة لِلَّهِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع } قَالَ : أَمْر مِنْ طَاعَة اللَّه عَامّ . 19907 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بَكْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْج , قَالَ : سَأَلَ مَكْحُولًا الشَّامِيّ إِنْسَان وَأَنَا أَسْمَع , وَمَكْحُول جَالِس مَعَ عَطَاء , عَنْ قَوْل اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } فَقَالَ مَكْحُول : فِي يَوْم الْجُمُعَة , وَفِي زَحْف , وَفِي كُلّ أَمْر جَامِع , قَدْ أَمَرَ أَنْ لَا يَذْهَب أَحَد فِي يَوْم جُمُعَة حَتَّى يَسْتَأْذِن الْإِمَام , وَكَذَلِكَ فِي كُلّ جَامِع , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع } . 19908 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثني ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام بْن حَسَّان , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَة وَالْإِمَام يَخْطُب , قَامَ فَأَمْسَكَ بِأَنْفِهِ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَام أَنْ يَخْرُج . قَالَ : فَكَانَ رَجُل قَدْ أَرَادَ الرُّجُوع إِلَى أَهْله , فَقَامَ إِلَى هَرِم بْن حِبَّان وَهُوَ يَخْطُب , فَأَخَذَ بِأَنْفِهِ , فَأَشَارَ إِلَيْهِ هَرِم أَنْ يَذْهَب , فَخَرَجَ إِلَى أَهْله فَأَقَامَ فِيهِمْ , ثُمَّ قَدِمَ ; قَالَ لَهُ هَرِم : أَيْنَ كُنْت ؟ قَالَ : فِي أَهْلِي ؟ قَالَ : أَبِإِذْنٍ ذَهَبْت ؟ قَالَ : نَعَمْ , قُمْت إِلَيْك وَأَنْتَ تَخْطُب , فَأَخَذْت بِأَنْفِي , فَأَشَرْت إِلَيَّ أَنِ اذْهَبْ فَذَهَبْت . فَقَالَ : أَفَاتَّخَذْت هَذَا دَغَلًا ؟ أَوْ كَلِمَة نَحْوهَا , ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَخِّرْ رِجَال السُّوء إِلَى زَمَان السُّوء . 19909 - حَدَّثَنِي الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنِ الزُّهْرِيّ , فِي قَوْله : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع } قَالَ : هُوَ الْجُمُعَة إِذَا كَانُوا مَعَهُ , لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ . 19910 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } قَالَ : الْأَمْر الْجَامِع حِين يَكُونُونَ مَعَهُ فِي جَمَاعَة الْحَرْب أَوْ جُمُعَة . قَالَ : وَالْجُمُعَة مِنَ الْأَمْر الْجَامِع , لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُج إِذَا قَعَدَ الْإِمَام عَلَى الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا بِإِذْنِ سُلْطَان إِذَا كَانَ حَيْثُ يَرَاهُ أَوْ يَقْدِر عَلَيْهِ , وَلَا يَخْرُج إِلَّا بِإِذْنٍ . وَإِذَا كَانَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَقْدِر عَلَيْهِ وَلَا يَعْمَل إِلَيْهِ , فَاللَّه أَوْلَى بِالْعُذْرِ . ' وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوك أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُوله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَنْصَرِفُونَ يَا مُحَمَّد إِذَا كَانُوا مَعَك فِي أَمْر جَامِع , عَنْك إِلَّا بِإِذْنِك لَهُمْ , طَاعَة مِنْهُمْ لِلَّهِ وَلَك وَتَصْدِيقًا بِمَا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي ; أُولَئِكَ الَّذِينَ يَصْدُقُونَ اللَّه وَرَسُوله حَقًّا , لَا مَنْ خَالَفَ أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله فَيَنْصَرِف عَنْك بِغَيْرِ إِذْن مِنْك لَهُ بَعْد تَقَدُّمك إِلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِف عَنْك إِلَّا بِإِذْنِك .وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوك أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُوله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَنْصَرِفُونَ يَا مُحَمَّد إِذَا كَانُوا مَعَك فِي أَمْر جَامِع , عَنْك إِلَّا بِإِذْنِك لَهُمْ , طَاعَة مِنْهُمْ لِلَّهِ وَلَك وَتَصْدِيقًا بِمَا أَتَيْتهمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي ; أُولَئِكَ الَّذِينَ يَصْدُقُونَ اللَّه وَرَسُوله حَقًّا , لَا مَنْ خَالَفَ أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله فَيَنْصَرِف عَنْك بِغَيْرِ إِذْن مِنْك لَهُ بَعْد تَقَدُّمك إِلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِف عَنْك إِلَّا بِإِذْنِك .' وَقَوْله : { فَإِذَا اسْتَأْذَنُوك لِبَعْضِ شَأْنهمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِذَا اسْتَأْذَنَك يَا مُحَمَّد الَّذِينَ لَا يَذْهَبُونَ عَنْك إِلَّا بِإِذْنِك فِي هَذِهِ الْمَوَاطِن لِبَعْضِ شَأْنهمْ - يَعْنِي لِبَعْضِ حَاجَاتهمْ الَّتِي تَعْرِض لَهُمْ - فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ فِي الِانْصِرَاف عَنْك لِقَضَائِهَا .وَقَوْله : { فَإِذَا اسْتَأْذَنُوك لِبَعْضِ شَأْنهمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِذَا اسْتَأْذَنَك يَا مُحَمَّد الَّذِينَ لَا يَذْهَبُونَ عَنْك إِلَّا بِإِذْنِك فِي هَذِهِ الْمَوَاطِن لِبَعْضِ شَأْنهمْ - يَعْنِي لِبَعْضِ حَاجَاتهمْ الَّتِي تَعْرِض لَهُمْ - فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ فِي الِانْصِرَاف عَنْك لِقَضَائِهَا .' يَقُول : وَادْعُ اللَّه لَهُمْ بِأَنْ يَتَفَضَّل عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ عَنْ تَبَعَات مَا بَيْنه وَبَيْنهمْ .يَقُول : وَادْعُ اللَّه لَهُمْ بِأَنْ يَتَفَضَّل عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ عَنْ تَبَعَات مَا بَيْنه وَبَيْنهمْ .' لِذُنُوبِ عِبَاده التَّائِبِينَ , { رَحِيم } بِهِمْ أَنْ يُعَاقِبهُمْ عَلَيْهَا بَعْد تَوْبَتهمْ مِنْهَا .لِذُنُوبِ عِبَاده التَّائِبِينَ , { رَحِيم } بِهِمْ أَنْ يُعَاقِبهُمْ عَلَيْهَا بَعْد تَوْبَتهمْ مِنْهَا .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله { إنما المؤمنون} { إنما} في هذه الآية للحصر؛ المعنى : لا يتم ولا يكمل إيمان من آمن بالله ورسول إلا بأن يكون من الرسول سامعا غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع، ونحو ذلك. وبين تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات، وإنما النزول على محمد صلى الله عليه وسلم؛ فختم السورة بتأكيد الأمر في متابعته عليه السلام؛ ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن. الثانية: واختلف في الأمر الجامع ما هو؛ فقيل : المراد به ما للإمام من حاجة إلى تجمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم وللحروب؛ قال الله { وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] . فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك. والإمام الذي يترقب إذنه هو إمام الإمرة، فلا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظن السيئ. وقال مكحول والزهري : الجمعة من الأمر الجامع. وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة، إذا كان يرى المستأذن. قال ابن سيرين : كانوا يستأذنون الإمام على المنبر؛ فلما كثر ذلك قال زياد : من جعل يده على فيه فليخرج دون إذن، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن سهل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الإمام. وظاهر الآية يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة، فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور الدين. فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه؛ لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة. وروي أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سفيان، وغطفان وقائدها عيينة بن حصن؛ فضرب النبي صلى الله عليه وسلم الخندق على المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسللون لواذا من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة. ونحوه ""روى أشهب وابن عبدالحكم عن مالك، وكذلك قال محمد بن إسحاق. وقال مقاتل : نزلت في عمر رضي الله عنه، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في الرجعة فأذن له وقال : (انطلق فو الله ما أنت بمنافق) يريد بذلك أن يسمع المنافقين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما استأذن عمر رضي الله عنه في العمرة فقال عليه السلام لما أذن له : (يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك ) قلت : والصحيح الأول لتناوله جميع الأقوال. واختار ابن العربي ما ذكره في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق، وأن ذلك مخصوص في الحرب. قال : والذي يبين ذلك أمران : أحدهما : قوله في الآية الأخرى { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] . وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبذلك يتبين إيمانه. الثاني : قوله { لم يذهبوا حتى يستأذنوه} وأي إذن في الحدث والإمام يخطب، وليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه، وقد قال { فأذن لمن شئت منهم} ؛ فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب. قلت : القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى. { فأذن لمن شئت منهم} فكان النبي صلى الله عليه وسلم بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع. وقال قتادة : قوله { فأذن لمن شئت منهم} منسوخة بقوله { عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] . { واستغفر لهم الله} أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذرا. { إن الله غفور رحيم} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النور الايات 56 - 62

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

المؤمن: مَنْ آمن بإله وآمن بالرسول المبلّغ عن الإله، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالرسول المبلِّغ عن الله فلا بُدَّ أن تكون حركتك خاضعةً لأوامره، ويجب أن تكون ذاتك له، فإذا رأى الرسول أمراً جامعاً يجمع المسلمين في خَطْب أو حدث أو حرب، ثم يدعوكم إلى التشاور لِيُدلي كل منكم برأيه وتجربته، ويُوسِّع مساحة الشورى في المجتمع ليأتي الحكم صحيحاً سليماً موافقاً للمصلحة العامة.

فالمؤمن الحق إذا دُعي إلى مثل هذا الأمر الجامع، لا يقوم من مجلسه حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس إلزاماً أنْ يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمر المسلمين الجامع لهم قد يكون أهمّ من الأمر الذي يشغلك، وتريد أن تقوم من أجله، وتترك مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } [النور: 62] فالاستئذان هنا من علامات الإيمان، لا يقوم خِلْسة (وينسلت) من المجلس، لا يشعر به أحد، لا بُدَّ من أن يستأذن رسول الله حتى لا يُفوت مصلحة على المؤمنين، ولربما كان له رَأْيٌ ينتفع به.

والرسول إما يستشير أصحابه ليستنير برأيهم وتجاربهم، فحين يدعوهم إلى أمر جامع يجب أن يُفهم هذا الأمر على نطاق منزلة الرسول من بلاغة عن الله للأمة، فإذا دعا نفر نفراً للتشاور، فإنما يتشاوران في أمر شخصي يخصُّ صاحبه، لكن حين يدعوهم رسول الله لا يدعو لخصوصية واحدة، وإنما لخصوصية أمة، شاء الله أن تكون خير أمة أُخْرِجَتْ للناس، وسوف يستفيد الفرد أيضاً من هذه الدعوة، وربما كانت استفادته من الاستجابة للدعوة العامة التي تنتظم كل الناس خَيْراً من استفادته من دعوته الخاصة،ـ فيجب أنْ يُقدِّر المدعو هذا الفارق.

ومع وجود هذا الفارق لم يَحرِم اللهُ بعضَ الناس الذين لهم مشاغل أنْ يستأذنوا فيها رسول الله وينصرفوا؛ لذا شرع لهم الاستئذان، لكن يجب أنْ يضعوا هذا الفارق في بالهم، وأنْ يذكروا أنهم انصرفوا لبعض شأنهم، والرسول قائم في أمر لشئون الدنيا كلها إلى أنْ تقوم الساعة.

فكأنه إنْ شارك في هذا الاجتماع فسيستفيد كفرد، وستستفيد أمته: المعاصرون منهم والآتُون إلى أنْ تقومَ الساعة، فإنْ فضّل شأنه الخاص على هذه الشئون فقد أساء، وفعل مَا لا يليق بمؤمن؛ لذلك أُمر رسول الله أنْ يأذنَ لمنْ يشاء، ثم يستغفر له اللهَ.

يقول سبحانه: { فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } [النور: 62] فالأمر متروك لرسول الله يُقدِّره حَسْب مصلحة المسلمين العامة، فَلَهُ أن يأذنَ أو لا يأذنَ.

إذن: لا بُدَّ من استئذان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن لمَنْ يشاء منهم ممَّنْ يرى أن في الباقين عِوَضاً عنه وعن رأيه، فإنِ استأذن صاحب رأي يستفيد منه المسلمون لم يأذن له.ثم يقول سبحانه: { وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ } [النور: 62]، وكأن مسألة الاستئذان والقيام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لا يريده الله تعالى.

حتى إن استأذنتَ لأمر يهمك، وحتى إنْ أَذِن لك رسول الله، فالأفضل ألاَّ تستأذن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعو لأمر جامع يُهِمّ جماعة المسلمين، يجب ألاَّ ينشغل أحد عَمَّا دُعِي إليه، وألاَّ يُقدِّم على مصلحة المسلمين ومجلس رسول الله شيئاً آخر، ففي الأمر الجامع ينبغي أنْ يُكتّل الجميع مواهبهم وخواطرهم في الموضوع، وساعة تستأذن لأمر يخصُّك فأنت منشغل عن الجماعة شارد عنهم.

فحين تنشغل بأمرك الخاص عن أمر المسلمين العام، فهذه مسألة تحتاج إلى استغفار لك من رسول الله، فالرسول يأذن لك، ثم يستغفر لك الله.

ثم يقول الحق سحبانه: { لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً }


www.alro7.net