سورة
اية:

وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

تفسير بن كثير

ذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين، أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر أن يوسف عليه السلام لما باشر الوزارة بمصر، ومضت السنين المخصبة، ثم تلتها السبع السنين المجدبة، وعم القحط بلاد مصر بكمالها ووصل إلى بلاد كنعان، وهي التي فيها يعقوب عليه السلام وأولاده، وحينئذٍ احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان عليه السلام لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفأ الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين، وكان رحمة من اللّه على أهل مصر، والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة، يعتاضون بها طعاماً، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عليه السلام عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف عليه السلام، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف، وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته عرفهم حين نظر إليهم { وهم له منكرون} ، أي لا يعرفونه، لأنهم فارقوه وهو صغير حدث وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم، فذكر السدي وغيره، أنه شرع يخاطبهم، فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيها العزيز قدمنا للميرة، قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ اللّه، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي اللّه، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذهب أصغرنا هلك في البرية، وكان أحبنا إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم، { ولما جهزهم بجهازهم} أي أوفى لهم كيلهم وحمل لهم أحمالهم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، { ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟} يرغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبّهم فقال: { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي} أي إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة، { ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون} أي سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن ولا نبقي مجهوداً لتعلم صدقنا فيما قلناه. { وقال لفتيانه} أي غلمانه، { اجعلوا بضاعتهم} أي التي قدموا بها ليمتاروا عوضاً عنها { في رحالهم} أي في أمتعتهم من حيث لا يشعرون { لعلهم يرجعون} بها، قيل خشي أن لا يكون عندهم بضاعة أُخرى يرجعون للميرة بها، وقيل: أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجاً وتورعاً، لأنه يعلم ذلك منهم، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ وقال لفتيته } وفي قراءة لفتيانه غلمانه { اجعلوا بضاعتهم } التي أتوا بها ثمن الميرة وكانت دراهم { في رحالهم } أوعيتهم { لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم } وفرغوا أوعيتهم { لعلم يرجعون } إلينا لأنهم لا يستحلون إمساكها .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتهمْ فِي رِحَالِهِمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ يُوسُف لِفِتْيَانِهِ , وَهُمْ غِلْمَانه . كَمَا : 14881 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ } أَيْ لِغِلْمَانِهِ : { اجْعَلُوا بِضَاعَتهمْ فِي رِحَالهمْ } يَقُول : اجْعَلُوا أَثْمَان الطَّعَام الَّذِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُمْ فِي رِحَالهمْ وَالرِّحَال : جَمْع رَحْل , وَذَلِكَ جَمْع الْكَثِير , فَأَمَّا الْقَلِيل مِنَ الْجَمْع مِنْهُ فَهُوَ أَرْحُل , وَذَلِكَ جَمْع مَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى الْعَشَرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْبِضَاعَة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14882 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ } : أَيْ أَوْرَاقهمْ 14883 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : ثُمَّ أَمَرَ بِبِضَاعَتِهِمْ الَّتِي أَعْطَاهُمْ بِهَا مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الطَّعَام , فَجُعِلَتْ فِي رِحَالهمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ 14884 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ وَهُوَ يَكِيل لَهُمْ : اجْعَلُوا بِضَاعَتهمْ فِي رِحَالهمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلهمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَلِأَيَّةِ عِلَّةٍ أَمَرَ يُوسُف فِتْيَانه أَنْ يَجْعَلُوا بِضَاعَة إِخْوَته فِي رِحَالهمْ ؟ قِيلَ : يَحْتَمِل ذَلِكَ أَوْجُهًا : أَحَدهَا : أَنْ يَكُون خَشِيَ أَنْ لَا يَكُون عِنْد أَبِيهِ دَرَاهِم , إِذْ كَانَتْ السَّنَةُ سَنَةَ جَدْب وَقَحْط , فَيَضُرّ أَخْذ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِهِ , وَأَحَبَّ أَنْ يَرْجِع إِلَيْهِ . أَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَّسِع بِهَا أَبُوهُ وَإِخْوَته مَعَ حَاجَتهمْ إِلَيْهِ , فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ سَبَبَ رَدِّهِ تَكَرُّمًا وَتَفَضُّلًا , وَالثَّالِث : وَهُوَ أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُخْلِفُوهُ الْوَعْد فِي الرُّجُوع , إِذَا وَجَدُوا فِي رِحَالهمْ ثَمَن طَعَامٍ قَدْ قَبَضُوهُ وَمَلَكَهُ عَلَيْهِمْ غَيْرهمْ عِوَضًا مِنْ طَعَامهمْ , وَيَتَحَرَّجُوا مِنْ إِمْسَاكهمْ ثَمَن طَعَام قَدْ قَبَضُوهُ حَتَّى يُؤَدُّوهُ عَلَى صَاحِبه , فَيَكُون ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْعَوْد إِلَيْهِ .وَقَوْله : { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتهمْ فِي رِحَالِهِمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ يُوسُف لِفِتْيَانِهِ , وَهُمْ غِلْمَانه . كَمَا : 14881 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ } أَيْ لِغِلْمَانِهِ : { اجْعَلُوا بِضَاعَتهمْ فِي رِحَالهمْ } يَقُول : اجْعَلُوا أَثْمَان الطَّعَام الَّذِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُمْ فِي رِحَالهمْ وَالرِّحَال : جَمْع رَحْل , وَذَلِكَ جَمْع الْكَثِير , فَأَمَّا الْقَلِيل مِنَ الْجَمْع مِنْهُ فَهُوَ أَرْحُل , وَذَلِكَ جَمْع مَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى الْعَشَرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْبِضَاعَة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14882 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ } : أَيْ أَوْرَاقهمْ 14883 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : ثُمَّ أَمَرَ بِبِضَاعَتِهِمْ الَّتِي أَعْطَاهُمْ بِهَا مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الطَّعَام , فَجُعِلَتْ فِي رِحَالهمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ 14884 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ وَهُوَ يَكِيل لَهُمْ : اجْعَلُوا بِضَاعَتهمْ فِي رِحَالهمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلهمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَلِأَيَّةِ عِلَّةٍ أَمَرَ يُوسُف فِتْيَانه أَنْ يَجْعَلُوا بِضَاعَة إِخْوَته فِي رِحَالهمْ ؟ قِيلَ : يَحْتَمِل ذَلِكَ أَوْجُهًا : أَحَدهَا : أَنْ يَكُون خَشِيَ أَنْ لَا يَكُون عِنْد أَبِيهِ دَرَاهِم , إِذْ كَانَتْ السَّنَةُ سَنَةَ جَدْب وَقَحْط , فَيَضُرّ أَخْذ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِهِ , وَأَحَبَّ أَنْ يَرْجِع إِلَيْهِ . أَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَّسِع بِهَا أَبُوهُ وَإِخْوَته مَعَ حَاجَتهمْ إِلَيْهِ , فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ سَبَبَ رَدِّهِ تَكَرُّمًا وَتَفَضُّلًا , وَالثَّالِث : وَهُوَ أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُخْلِفُوهُ الْوَعْد فِي الرُّجُوع , إِذَا وَجَدُوا فِي رِحَالهمْ ثَمَن طَعَامٍ قَدْ قَبَضُوهُ وَمَلَكَهُ عَلَيْهِمْ غَيْرهمْ عِوَضًا مِنْ طَعَامهمْ , وَيَتَحَرَّجُوا مِنْ إِمْسَاكهمْ ثَمَن طَعَام قَدْ قَبَضُوهُ حَتَّى يُؤَدُّوهُ عَلَى صَاحِبه , فَيَكُون ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْعَوْد إِلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وقال لفتيته} هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم؛ وهي اختيار أبي حاتم والنحاس وغيرهما. وقرأ سائر الكوفيين { لفتيانه} وهو اختيار أبي عبيد؛ وقال : هو في مصحف عبدالله كذلك. قال الثعلبي : وهما لغتان جيدتان؛ مثل الصبيان والصبية قال النحاس { لفتيانه} مخالف للسواد الأعظم؛ لأنه في السواد لا ألف فيه ولا نون، ولا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع؛ وأيضا فإن فتية أشبه من فتيان؛ لأن فتية عند العرب لأقل العدد، والقليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه. وكان هؤلاء الفتية يسوون جهازهم، ولهذا أمكنهم جعل بضاعتهم في رحالهم. ويجوز أن يكونوا أحرارا، وكانوا أعوانا له، وبضاعتهم أثمان ما اشتروه من الطعام. وقيل : كانت دراهم ودنانير. وقال ابن عباس : النعال والأدم ومتاع المسافر، ويسمى رحلا؛ قال ابن الأنباري : يقال للوعاء رحل، وللبيت رحل. وقال { لعلهم يعرفونها} لجواز ألا تسلم في الطريق. وقيل : إنما فعل ذلك ليرجعوا إذا وجدوا ذلك؛ لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمنه. قيل : ليستعينوا بذلك على الرجوع لشراء الطعام. وقيل : استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام. وقيل : ليروا فضله، ويرغبوا في الرجوع إليه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 54 - 76

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: أن يوسف عليه السلام أمر مساعديه أنْ يُعيدوا البضائع التي أحضرها هؤلاء معهم ليقايضوا بها ما أخذوه من قمح وطعام، وكان على مساعدي يوسف عليه السلام أن يُنفِّذوا أمره بوضع هذه البضائع بشكل مُسْتتر في الرِّحال التي أَتَوْا عليها، وفي هذا تشجيع لهم كي يعودوا مرة أخرى.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فَلَمَّا رَجَعُوا... }.


www.alro7.net