سورة
اية:

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أن أولياءه { الذين آمنوا وكانوا يتقون} كما فسرهم بهم، فكل من كان تقياً، كان للّه ولياً ف { لا خوف عليهم} أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة، { ولا هم يحزنون} على ما وراءهم في الدنيا. وقال عبد اللّه بن مسعود: أولياء اللّه الذين إذا رأوا ذكر اللّه ورد هذا القول في حديث مرفوع رواه البزار عن ابن عباس قال، قال رجل: يا رسول اللّه من أولياء اللّه؟ فذكره وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن من عباد اللّه عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء)، قيل: من هم يا رسول اللّه لعلنا نحبهم؟ قال: (هم قوم تحابوا في اللّه من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) ثم قرأ: { ألا إن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ""أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة ورواه أبو داود في سننه""، وقال الإمام أحمد، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} ، قال: (الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له) وقال الإمام أحمد، عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أرأيت قول اللّه تعالى: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} فقال: (لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو قال أحد قبلك - تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له)؛ وعن أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه أنه قال: يا رسول اللّه: الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (تلك عاجل بشرى المؤمن) ""رواه مسلم وأخرجه أحمد عن أبي ذر"". وعن عبد اللّه بن عمرو عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ( { لهم البشرى في الحياة الدنيا} الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) ""أخرجه ابن جرير، وقد روي عن جمع من الصحابة والتابعين تفسير البشرى بالرؤيا الصالحة . وقال ابن جرير، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: ( { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} - قال - في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة) وروي موقوفاً عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال: الرؤيا الحسنة بشرى من اللّه وهي من المبشرات ، وقال ابن جرير، عن أم كريز الكعبية: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات)؛ وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة، كقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} ، وفي حديث البراء رضي اللّه عنه: إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء . وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} ، وقال تعالى: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} ، وقوله: { لا تبديل لكلمات الله} أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة، { ذلك هو الفوز العظيم} .

تفسير الجلالين

{ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } في الآخرة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَا إِنَّ أَنْصَارَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَة مِنْ عِقَاب اللَّه ; لِأَنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهُمْ فَآمَنَهُمْ مِنْ عِقَابه , وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا . وَالْأَوْلِيَاء جَمْع وَلِيّ , وَهُوَ النَّصِير . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ يَسْتَحِقّ هَذَا الِاسْم , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ قَوْم يُذْكَر اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ سِيمَا الْخَيْر وَالْإِخْبَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13721 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا اِبْن يَمَان , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مِقْسَم , وَسَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : الَّذِينَ يُذْكَر اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . 13722 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو هِشَام قَالَا : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث بْن إِسْحَاق , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . 13723 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي الضُّحَى , مِثْله . 13724 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِيهِ : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : الَّذِينَ يُذْكَر اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . * - قَالَ : ثَنَا اِبْن مَهْدِيّ وَعُبَيْد اللَّه , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : سَمِعْته يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : مِنْ النَّاس مَفَاتِيح أَذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . * - قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ مِسْعَر , عَنْ سَهْل أَبِي الْأَسَد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلِيَاء اللَّه , فَقَالَ " الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه " . 13725 - قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حُبَاب , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي وَائِل , عَنْ عَبْد اللَّه : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . * - قَالَ : ثَنَا أَبُو يَزِيد الرَّازِيّ , عَنْ يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " هُمْ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه " . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا فُرَات , عَنْ أَبِي سَعْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلِيَاء اللَّه , قَالَ : " هُمْ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه " . 13726 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْهُذَيْلِ فِي قَوْله : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ... الْآيَة , قَالَ : إِنَّ وَلِيّ اللَّه إِذَا رُئِيَ ذُكِرَ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 13727 - حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِم الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع الضَّبِّيّ , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير الْبَجَلِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَادًا يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ " . قِيلَ : مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّه , فَلَعَلَّنَا نُحِبّهُمْ ؟ قَالَ : " هُمْ قَوْم تَحَابُّوا فِي اللَّه مِنْ غَيْر أَمْوَال وَلَا أَنْسَاب , وُجُوههمْ مِنْ نُور , عَلَى مَنَابِر مِنْ نُور , لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاس , وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاس " ; وَقَرَأَ : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } 13728 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ عُمَارَة , عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاء , يَغْبِطهُمْ الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّه " . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَخْبِرْنَا مَنْ هُمْ , وَمَا أَعْمَالهمْ , فَإِنَّا نُحِبّهُمْ لِذَلِكَ ؟ قَالَ : " هُمْ قَوْم تَحَابُّوا فِي اللَّه بِرُوحِ اللَّه عَلَى غَيْر أَرْحَام بَيْنهمْ وَلَا أَمْوَال يَتَعَاطَوْنَهَا , فَوَاَللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُور , وَإِنَّهُمْ لِعَلَى نُور , لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاس وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاس " . وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } 13729 - حَدَّثَنَا بَحْر بْن نَصْر الْخَوْلَانِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن حَسَّان , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَهْرَام , قَالَ : ثَنَا شَهْر بْن حَوْشَب , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم , عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَأْتِي مِنْ أَفْنَاء النَّاس وَنَوَازِع الْقَبَائِل قَوْم لَمْ يَتَّصِل بَيْنهمْ أَرْحَام مُتَقَارِبَة , تَحَابُّوا فِي اللَّه وَتَصَافَوْا فِي اللَّه ; يَضَع اللَّه لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة مَنَابِر مِنْ نُور فَيُجْلِسهُمْ عَلَيْهَا , يَفْزَع النَّاس فَلَا يَفْزَعُونَ , وَهُمْ أَوْلِيَاء اللَّه الَّذِينَ لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : الْوَلِيّ , أَعْنِي وَلِيّ اللَّه , هُوَ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّه بِهَا , وَهُوَ الَّذِي آمَنَ وَاتَّقَى , كَمَا قَالَ اللَّه { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , كَانَ اِبْن زَيْد يَقُول : 13730 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ , أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } مَنْ هُمْ يَا رَبّ ؟ قَالَ : { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } قَالَ : أَبَى أَنْ يَتَقَبَّل الْإِيمَان إِلَّا بِالتَّقْوَى . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَا إِنَّ أَنْصَارَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِي الْآخِرَة مِنْ عِقَاب اللَّه ; لِأَنَّ اللَّهَ رَضِيَ عَنْهُمْ فَآمَنَهُمْ مِنْ عِقَابه , وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا . وَالْأَوْلِيَاء جَمْع وَلِيّ , وَهُوَ النَّصِير . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ يَسْتَحِقّ هَذَا الِاسْم , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ قَوْم يُذْكَر اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ سِيمَا الْخَيْر وَالْإِخْبَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13721 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا اِبْن يَمَان , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مِقْسَم , وَسَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : الَّذِينَ يُذْكَر اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . 13722 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو هِشَام قَالَا : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث بْن إِسْحَاق , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . 13723 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي الضُّحَى , مِثْله . 13724 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِيهِ : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : الَّذِينَ يُذْكَر اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . * - قَالَ : ثَنَا اِبْن مَهْدِيّ وَعُبَيْد اللَّه , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب , عَنْ أَبِي الضُّحَى , قَالَ : سَمِعْته يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : مِنْ النَّاس مَفَاتِيح أَذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . * - قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ مِسْعَر , عَنْ سَهْل أَبِي الْأَسَد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلِيَاء اللَّه , فَقَالَ " الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه " . 13725 - قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حُبَاب , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ أَبِي وَائِل , عَنْ عَبْد اللَّه : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } قَالَ : الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه لِرُؤْيَتِهِمْ . * - قَالَ : ثَنَا أَبُو يَزِيد الرَّازِيّ , عَنْ يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " هُمْ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه " . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا فُرَات , عَنْ أَبِي سَعْد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلِيَاء اللَّه , قَالَ : " هُمْ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه " . 13726 - قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي الْهُذَيْلِ فِي قَوْله : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } ... الْآيَة , قَالَ : إِنَّ وَلِيّ اللَّه إِذَا رُئِيَ ذُكِرَ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 13727 - حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِم الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ عُمَارَة بْن الْقَعْقَاع الضَّبِّيّ , عَنْ أَبِي زُرْعَة بْن عَمْرو بْن جَرِير الْبَجَلِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَادًا يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ " . قِيلَ : مَنْ هُمْ يَا رَسُول اللَّه , فَلَعَلَّنَا نُحِبّهُمْ ؟ قَالَ : " هُمْ قَوْم تَحَابُّوا فِي اللَّه مِنْ غَيْر أَمْوَال وَلَا أَنْسَاب , وُجُوههمْ مِنْ نُور , عَلَى مَنَابِر مِنْ نُور , لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاس , وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاس " ; وَقَرَأَ : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } 13728 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ عُمَارَة , عَنْ أَبِي زُرْعَة , عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ عِبَاد اللَّه لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاء , يَغْبِطهُمْ الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّه " . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَخْبِرْنَا مَنْ هُمْ , وَمَا أَعْمَالهمْ , فَإِنَّا نُحِبّهُمْ لِذَلِكَ ؟ قَالَ : " هُمْ قَوْم تَحَابُّوا فِي اللَّه بِرُوحِ اللَّه عَلَى غَيْر أَرْحَام بَيْنهمْ وَلَا أَمْوَال يَتَعَاطَوْنَهَا , فَوَاَللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُور , وَإِنَّهُمْ لِعَلَى نُور , لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاس وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاس " . وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } 13729 - حَدَّثَنَا بَحْر بْن نَصْر الْخَوْلَانِيّ , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن حَسَّان , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَهْرَام , قَالَ : ثَنَا شَهْر بْن حَوْشَب , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم , عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَأْتِي مِنْ أَفْنَاء النَّاس وَنَوَازِع الْقَبَائِل قَوْم لَمْ يَتَّصِل بَيْنهمْ أَرْحَام مُتَقَارِبَة , تَحَابُّوا فِي اللَّه وَتَصَافَوْا فِي اللَّه ; يَضَع اللَّه لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة مَنَابِر مِنْ نُور فَيُجْلِسهُمْ عَلَيْهَا , يَفْزَع النَّاس فَلَا يَفْزَعُونَ , وَهُمْ أَوْلِيَاء اللَّه الَّذِينَ لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : الْوَلِيّ , أَعْنِي وَلِيّ اللَّه , هُوَ مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّه بِهَا , وَهُوَ الَّذِي آمَنَ وَاتَّقَى , كَمَا قَالَ اللَّه { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , كَانَ اِبْن زَيْد يَقُول : 13730 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ , أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّه لَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } مَنْ هُمْ يَا رَبّ ؟ قَالَ : { الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } قَالَ : أَبَى أَنْ يَتَقَبَّل الْإِيمَان إِلَّا بِالتَّقْوَى . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم} أي في الآخرة. { ولا هم يحزنون} لفقد الدنيا. وقيل: { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي من تولاه الله تعالى وتولى حفظه وحياطته ورضي عنه فلا يخاف يوم القيامة ولا يحزن؛ قال الله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها} أي عن جهنم { مبعدون} إلى قوله: { لا يحزنهم الفزع الأكبر} [الأنبياء : 101 - 103]. وروى سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : من أولياء الله؟ فقال : (الذين يذكر الله برؤيتهم). وقال عمر بن الخطاب، في هذه الآية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى). قيل : يا رسول الله، خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم. قال : (هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ: { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أولياء الله قوم صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الجوع، يبس الشفاه من الذوي. وقيل: { لا خوف عليهم} في ذريتهم، لأن الله يتولاهم. { ولا هم يحزنون} على دنياهم لتعويض الله إياهم في أولاهم وأخراهم لأنه وليهم ومولاهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 61 - 62


سورة يونس الايات 62 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وجاءت هذه الآية بعد كلامه الحق عن نفسه سبحانه بأنه عالم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وشاء الله سبحانه بذلك أن يعلّمنا أنه قد يفيض على بعض خلقه فيوضات الإمداد على قَدْر رياضات المرتاضين، فَهَبْ أن الله قد امتن عليك بنفحة، فإياك أن تقول إنها من عندك، بل هي من عند عالم الغيب سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

وعلى ذلك فلا يقال: إن فلاناً قد عَلِم غيباً لأنه وليٌّ لله، بل لنقل: " إن فلانا مُعَلَّمُ غَيْبٍ "؛ لأن الغيب ما غاب عن الناس، وما يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فهو ليس غيباً مطلقاً.

ومثال ذلك: الرجل الذي سُرق منه شيء، هو لا يعرف أين يوجد الشيء الذي سُرق منه، ولكنه اللص يعرف، وكذلك من ساعد اللص وأخفاه وأخفى له المسروقات، كل هؤلاء يعلمون، وأيضاً الجن الذين كانوا في نفس مكان السرقة يعلمون، وهذا ليس غيباً مطلقاً.

وأيضاً أسرار الكون التي كانت غيباً موقوتاً، مثل جاذبية الأرض، والسالب والموجب في الكهرباء، وتلقيح الرياح للسحاب لينزل الماء، كل ذلك كان غيباً في زمن ما، ثم شاء الحق سبحانه فحدَّد لكل أمرٍ منها ميعادَ كشفٍ، فصارت أموراً مشهورة.

وقد شاء الحق سبحانه ذلك؛ ليعمل الإنسان ويجتهد ليكشف أسرار الكون.

ومن العجيب أن الباحث قد يعمل من أجل كشف معين، فيصادف كشفاً آخر؛ لأن الله تعالى قد أذن لذلك الكشف الذي كان غيباً أن يولد، وإن لم يبحث عنه أهل الأرض.

ومن اكتشف " البنسلين " رأى العفن الأخضر حول بعض المواد العضوية فبحث عن أسرار ذلك، واكتشف " البنسلين ".

و " أرشميدس " الذي اكتشف قانون الطفو، واستفادت منه صناعات السفن والغواصات، وكل ما يسير في البحر، وقد اكتشاف قانون الطفو صدفة.

إذن: ففي الكون غيب قد يصير مَشْهَداً، إما بمقدِّمات يتابعها خَلْقُ الله بالبحث، وإما أن تأتي صدفة في أثناء أي بحث عن شيء آخر.

ومثال ذلك: عصر البخار الذي بدأ من رجل رأى إناء مُغَطّى يغلي فيه الماء، فضل غطاء الإناء يرتفع ليُخرج بعضاً من البخار، وانتبه الرجل إلى أن البخار يمكن أن يتحول إلى طاقة تجرّ العربات التي تسير على عَجَل، وهكذا جاء عصر البخار.

إذن: فميلاد بعض من أسرار الكون كان تنبيهاً من الله تعالى لأحد عباده لكي يتأمل؛ ليكتشف سِرّاً من تلك الأسرار.

وأغلب أسرار الكون تم اكتشافها صدفة، لنفهم أن عطاء الله بميلادها ـ دون مقدمات من الخَلْق ـ أكثر مما وُصِِل إليه بالعطاء من مقدمات الخلق.

ولذلك تجد التعبير الأدائي في القرآن عن لونَي الغيب، تعبيراً دقيقاً لنفهم أن هناك غيباً عن الخلق جميعاً وليست له مقدمات، ولا يشاء الله سبحانه له ميلاداً، واستأثر الله بعلمه؛ فلا يعلمه إلا هو سبحانه.يقول الحق سبحانه:


{  يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ }
[البقرة: 255].

هذا هو الغيب الذي يكشفه الله سبحانه لهم، إما بالمقدمات، أو بالصدفة، وقد نسب المشيئة له سبحانه، والإحاطة من البشر، وهذا هو غيب الابتكارات.

أما الغيب الآخر الذي لا يعلمه أحد إلا هو سبحانه ولا يُجَليِّه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق عنه:


{  عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ }
[الجن: 26ـ27].

إذن: فالحق سبحانه يفيض من غيبه الذاتي على بعض خَلْقه، والقرآن الكريم فيه الكثير من الغيب، وأفاضة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحققت الأحداث كما جاءت في القرآن.

والحق سبحانه يهب بعضاً من خلقه بعضاً من فيوضاته، وقد أعطى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بعضاً من الهِبَات وحدَّد من يعطيه بعضاً من الغيب:


{  إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ }
[الجن: 27].

وهي ليست للحصر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة، وقال فيه الحق سبحانه:


{  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً }
[الأحزاب: 21].

ومن يعمل بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتدي به؛ يهبه الله تعالى هِبةً يراها الناس فيعرفون أن مَنْ يتّبع الرسول صلى الله عليه وسلم كقدوة يعطيه الله سبحانه الهبات النوارنية، ولكن هذه الهِبَة ليست وظيفة، وليست (دُكَاناً) للغيب، بل هي مِنْ عطاءات الله تعالى.

وانظر إلى دقة القرآن حين يقول:


{  وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ }
[الأنعام: 59].

أي: أنه سبحانه لم يُعْطِ مفتاح الغيب لأحد، والوليّ من أولياء الله إنما يأخذ الهبة منه سبحانه، لكن مفتاح الغيب هو عند الله وحده.

وعندما نتأمل قول الحق سبحانه:

{ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس: 62].

نجد أن كلمة " وليّ " من وَلِيَهُ، يليه، أي: قريبٌ منه، وهو أول مَفزَع يفزع إليه إن جاءه أمر يحتاج فيه إلى معاونة من غيره، وإن احتاج إلى نصرة فهو ينصره، وخيره يفيض على مَنْ والاه.

ومَنْ يقْرُب عالماً يأخذ بعضاً من العلم، ومَنْ يقرب قويّاً يأخذ بعضاً من القوة، ومَنْ يقرب غنيّاً، إن احتاج، فالغني يعطيه ولو قَرْضاَ.

إذن: فالوَاليّ هو القريب الناصر المُعِين المُوالِي.

وتطلق " الولي " مرةً لله سبحانه، وقد قال القرآن:


{  فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ }
[الشورى: 9].

لأنه سبحانه القريب من كل خَلْقه، عكس الخَلْق الذين يقتربون من بعضهم أو يتباعدون حسب إمكاناتهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو الوليّ المُطلَق، فقُربه مِنْ خَلْقٍ لا يبعده عن خَلقٍ، ولا يشغله شيء عن شيء، فهو الوليّ الحقُّ، وهو سبحانه يقول:


{  هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ }
[الكهف: 44].

فمن يحتاج إلى الولاية الحقَّة فَليلجأ إلى الله، وهو سبحانه يُفيض على الأوفياء لمنهجه من الولاية.

ونجد التعبير القرآني الدقيق:


{  ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }
[البقرة: 257].

فهو سبحانه يقرب من عباده المؤمنين، والمؤمنون يقربون من الله تعالى في قول الحق سبحانه:

{ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ } [يونس: 62].

إذن: فالولاية المطلقة لله، وإنْ قُيِّدت بشيء مضافٍ ومضافٍ إليه، فهي مرة تكون من المؤمنين لله، ومرة تكون من الله للمؤمنين.

والحق سبحانه لا تحكمه قوانين؛ فبطَلاقة قُدرته سبحانه إذا رأى في إنسانٍ ما خَصْلة من خير، فيكرمه أولاً، فيصير هذا العبد طائعاً من بعد ذلك.

وتسمع من يقول: إن فلاناً قد خُطف من المعصية أي: أنه كان عاصياً، ثم أحب الله تعالى خَصْلة خيرٍ فيه، فهداه.

ومثال ذلك: الرجل الذي سقى كلباً، بل احتال ليسقيه بأن ملأ خُفَّه بالماء من البئر ليروي ظمأ الكلب؛ فغفر الله ـ سبحانه وتعالى ـ له سيئاته.

هذا الرجل لم يكن ليروي الكلب نفاقاً للكلب، ولكن لأن الرجل شعر بالعطف على كائن ذي كبد رطبة.

إذن: فليست المسائل عند الله تعالى آلية أو ميكانيكية، بل طلاقة قُدرته سبحانه تقدّر كل موقف كما قدَّرتْ اختلاف الخَلْق، ولذلك قال سبحانه:


{  وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ }
[الروم: 22].

فليس عند الله تعالى قالب يضع فيه الخلق، بل سبحانه يخلق الطويل والقصير والسمين والرفيع والأشقر والزنجي، وهذا بعضٌ من طلاقة قدرته سبحانه، وبرحمته سبحانه قرب من خَلْقه الذين آمنوا أولاً، وقربه سبحانه منهم:
{  يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ }
[البقرة: 257].

فمن يتبع المنهج يأخذ النور، فإذا علم الله سبحانه عمله بمنهجه فهو سبحانه يُقرّبه قُرْباً أكثر فيعطيه هبةً اصطفائية يراها الذين حوله وقد يقتدون به.

والحق سبحانه يريد من المؤمن الأدب مع خَلْق الله، فإذا علم سيئةً عن إنسان فعليه أن يسترها، لأن الحق سبحانه يحب السَّتْر ويحب من يَستر.

وأنت قد تكره إنساناً تعلم عنه سيئةً ما، وقد تكره كل حسنة من حسناته، فيريد الله ألاّ يحرمك من حسنات مَنْ له سيئة فيسترها عنك لتأخذ بعضاً من حسناته، ويأمرك الحق ألاّ تحتقر هذا المسيء؛ لأنه قد يتمتع بخَصْلة خير واحدة، فيكرمه الله سبحانه من أجلها أولاً، ثم يطيعه هذا العبد ثانياً.

والحق سبحانه يقول في الحديث القدسي:

" يا ابن آدم أنا لك محبٌّ فبحقّي عليك كن لي مُحِبّاً ".

ويقول الله سبحانه في حديث قدسي:

" أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ".

وفي هذا القول يضع مسئولية القُرب من الله في يد الخَلْق، ويضيف الحق سبحانه:

" وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ".

ومن يريد أن يأتيه الله هرولة فليذهب إلى الله ماشياً.

إذن: فالإيمان بالله يسلِّم المؤمن مفتاح القرب من الله.

ومن يكن من أصحاب الخُلُق الملتزمين بالمنهج يُقرِّبْه الله منه أكثر وأكثر.

إذن: فمن الناس مَنْ يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب، ومن الناس مَنْ يصل بكرامة الله أولاً إلى طاعة الله ثانياً.

ولله المثل الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك إنسانٌ يحتاج إلى لقمة أو صدقة فتعطيه، وهناك إنسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق الإحسان إليه، فما بالنا بعطاء الحق لعباده؟

إذن: فمنهم مَنْ يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، ومنهم من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، وحين يصل الإنسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معية الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيراً.

وقد قال أبو العلاء المعري لمحبوبته:
أنت الحبيبُ ولكني أعوذ بِهِ   من أن أكون حبيباً غير محبوبِ
أي: أنه يستعيذ بالله من أن يكون محباً لمن يرفض حبّه، ولكن محبة الله تختلف عن محبة البشر، وسبحانه لا يعامل محبيه كذلك، فأنت حين تحب الله يقرّبك أكثر وأكثر، ويسمَّي ذلك " المصافاة " ، فإذا أفاض الله سبحانه على بعض خَلْقه هِباتٍ من الكرامات فعلى العباد الذين اختصهم الحق سبحانه بذلك أن يُحسنوا الأدب مع الله، وألا يتبجَّح واحد منهم متفاخراً بعطاء الله سبحانه له.

فالمباهاة بالكرامات تضيعها، ويسلبها الحق سبحانه من الذي يتبجَّح بها ويتفاخر ويتباهى، فمن تظاهر بالكرامة ليس له كرامة.

إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون العبد دائماً في معيّيته، وهو سبحانه الذي بدأ وبيَّن بالآية الواضحة أنه سبحانه وليّ المؤمنين؛ ولذلك سيخرجهم من الظلمات إلى النور. فقال:


{  ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ }
[البقرة: 257].

ونحن نعلم أنه سبحانه يأتي بالمحسَّات ليبيِّن المعنويات؛ لأن إلْفَ الإنسان أولاً بالمحسَّات، وهي أقرب إلى تقريب المراد،فحين يضرب الحق سبحانه لنا المثل بالكفر والإيمان، يصف الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور، إنما يريد الحق أن يجعل لك المراد واضحاً موصولاً بمفهومك.

وإذا كنا نتجنَّب معاطب الظلمات الحسية، أليس الأجدر بها ـ أيضاً ـ أن نتجنب معاطب الظلمات المعنوية، إن الظلمة الحسية تستر الأشياء فلا نرى الأشياء، وقد نرتطم بأضعف شيءٍ فنحطِّمه أو نصطدم بأقوى شيء فيحطمنا.

إذن: فَحَجْب المرائي يسبِّب الكوارث، أما حين يأتي النور؛ فهو يبيِّن ملامح الأشياء فتسير على هُدىً وأنت مطمئن.وهَبْ أنك في مكان مظلم ويوجد شيء آخر في مكان منير، فأنت في الظلمة ترى مَنْ يوجد في النور، وهذه مسألة لم يفطن لتفسيرها علماء ما قبل الإسلام، حيث كانوا يظنون أن الرؤية إنما تحدث من انتقال شعاع من عين الرائي إلى المرئيِّ، حتى جاء " الحسن بن الهيثم " العالم الإسلامي واكتشف قوانين الضوء، وكشف خطأ ما سبقه من نظريات، وحدَّد أن المرئي هو الذي يصدر منه شعاع إلى الرائي، وإذا ما كان المرئي في ظُلمةٍ فلن يراه أحد، ولو كان هناك شعاع يخرج من الرائي؛ لرأى الإنسان في الظلام.

إذن: أول ولاية من الله للمؤمنين أنه سبحانه يخرجهم من الظلمات إلى النور، والظلمة المعنوية أقوى من الظلمة الحسية، وكذلك النور المعنوي أقوى من النور الحسّي، فعالَمُ القيم قد يكون أقوى من عالم الحس؛ لأن الجبر في عالم الحسّ يمكن أن يحدث، أما في عالم القيم فهو أمر شاق؛ ولذلك قال الشاعر:
جراحاتُ السنانِ لها التئامُ   ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ
ويقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس: 62].

و " ألا " كما أوضحنا من قبل أداة تنبيه من المتكلَم للمخاطب حتى لا تفوته كلمة واحدة مما يجيء في الخطاب.

وقوله سبحانه: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } [يونس: 62]. أي: لا خوف عليهم من غيرهم { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس: 62] أي: أن الحزن لن يأتي منهم، والخوف يكون من توقع شيء ضار لم يقع حتى الآن، ولكنه قد يحدث في المستقبل.

وفي حياتنا اليومية نجد الأب يمسك بيد ابنه في الزحام خوفاً عليه، وقد ترى وليّاً من أولياء الله وقد أصيب ابنه في حادث أو مات الابن، تجد الوليّ في ثبات لأنه يعلم حكمة الله في قضائه، فلا تتطوع أنت بالخوف عليه.

إذن: فالخوف يأتي من المستقبل، وهو أمر مرتقب، أما الحزن فهو إحساس يحدث على شيء فات.

والحق سبحانه يقول:


{  لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ }
[الحديد: 23].

والحزن على ما فات عبث؛ لأن ما فات لا يعود.

وأولياء الله تعالى لا خوف عليهم؛ لأنهم دائماً بصدد معرفة حكمة الله، ومَنْ لا يعرف حكمة الله تعالى في الأشياء قد يقول: " إن فلاناً هذا مسكين "؛ لأنك لا تعرف ماذا جرى له.

وأما الحزن فهو مشاعر قلبية يريد الله من المؤمن أن تمر على باله.

وقد قال صلى الله عليه وسلم حين افتقد ابنه: " وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " ولكنه حزن الوَرَع الذي يتجلَّى في قوله صلى الله عليه وسلم:

" إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ".

وبين الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول: { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }


www.alro7.net