سورة
اية:

وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم { وإن جنحوا} أي مالوا { للسلم} أي المسالمة والمصالحة والمهادنة { فاجنح لها} أي فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسع سنين، أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر. قال ابن عباس ومجاهد: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة { قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر} الآية وهو قول عطاء وعكرمة والحسن وقتادة وزيد بن أسلم ، وفيه نظر، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص واللّه أعلم. وقوله: { وتوكل على اللّه} أي صالحهم وتوكل على اللّه، فإن اللّه كافيك وناصرك ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا { فإن حسبك اللّه} أي كافيك وحده، ثم ذكر نعمته عليه بما أيده من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم} أي جمعها على الإيمان بك وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج، حتى قطع اللّه ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: { واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} . وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين قال لهم: (يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلاّلاً فهداكم اللّه بي، وعالة فأغناكم اللّه بي، وكنتم متفرقين فألفكم اللّه بي) كلما قالوا شيئاً قالوا: اللّه ورسوله أمنّ؛ ولهذا قال تعالى: { ولكن اللّه ألف بينهم إنه عزيز حكيم} أي عزيز الجناب فلا يخيب رجاء من توكل عليه { حكيم} في أفعاله وأحكامه، عن ابن عباس قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن اللّه إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} ، وعن مجاهد قال: إذا التقى المتحابان في اللّه فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر، قال عبدة، فقلت له: إن هذا ليسير فقال: لا تقل ذلك، فإن اللّه يقول: { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. عن سلمان الفارسي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار)

تفسير الجلالين

{ وإن جنحوا } مالوا { للسَّلْم } بكسر السين وفتحها: الصلح { فاجنح لها } وعاهدهم، وقال ابن عباس : هذا منسوخ بآية السيف وقال مجاهد: مخصوص بأهل الكتاب إذ نزلت في بني قريظة { وتوكل على الله } ثق به { إنه هو السميع } للقول { العليم } بالفعل .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِمَّا تَخَافَن مِنْ قَوْم خِيَانَة وَغَدْرًا , فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء وَآذِنهمْ بِالْحَرْبِ . { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } وَإِنْ مَالُوا إِلَى مُسَالَمَتك وَمُتَارَكَتك الْحَرْب , إِمَّا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام , وَإِمَّا بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَة , وَإِمَّا بِمُوَادَعَةٍ , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب السَّلْم وَالصُّلْح ; { فَاجْنَحْ لَهَا } يَقُول : فَمِلْ إِلَيْهَا , وَابْذُلْ لَهُمْ مَا مَالُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَسَأَلُوكُهُ . يُقَال مِنْهُ : جَنَحَ الرَّجُل إِلَى كَذَا يَجْنُح إِلَيْهِ جُنُوحًا , وَهِيَ لِتَمِيمٍ وَقَيْس فِيمَا ذُكِرَ عَنْهَا , تَقُول : يَجْنُح بِضَمِّ النُّون . وَآخَرُونَ : يَقُولُونَ : يَجْنِح بِكَسْرِ النُّون , وَذَلِكَ إِذَا مَالَ , وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : جَوَانِح قَدْ أَيْقَنَ أَنَّ قَبِيله إِذَا مَا اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ أَوَّل غَالِب جَوَانِح : مَوَائِل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12610 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَإِذَا جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } قَالَ : لِلصُّلْحِ . وَنَسَخَهَا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 . 12611 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } إِلَى الصُّلْح { فَاجْنَحْ لَهَا } قَالَ : وَكَانَتْ هَذِهِ قَبْل بَرَاءَة , كَانَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَادِع الْقَوْم إِلَى أَجَل , فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا وَإِمَّا أَنْ يُقَاتَلُوا , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْد فِي بَرَاءَة فَقَالَ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 وَقَالَ : { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة } 9 36 وَنَبَذَ إِلَى كُلّ ذِي عَهْد عَهْده , وَأَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُسْلِمُوا , وَأَنْ لَا يَقْبَل مِنْهُمْ إِلَّا ذَلِكَ , وَكُلّ عَهْد كَانَ فِي هَذِهِ السُّورَة وَفِي غَيْرهَا , وَكُلّ صُلْح يُصَالِح بِهِ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ يَتَوَادَعُونَ بِهِ فَإِنَّ بَرَاءَة جَاءَتْ . تَنْسَخ ذَلِكَ , فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ عَلَى كُلّ حَال حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . 12612 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ الْحَسَن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَا : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي فِي بَرَاءَة قَوْله : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر } إِلَى قَوْله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } 9 29 . 12613 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } يَقُول : وَإِنْ أَرَادُوا الصُّلْح فَأَرِدهُ . 12614 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } أَيْ إِنْ دَعَوْك إِلَى السَّلْم إِلَى الْإِسْلَام , فَصَالِحْهُمْ عَلَيْهِ . 12615 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } قَالَ : فَصَالِحْهُمْ . قَالَ : وَهَذَا قَدْ نَسَخَهُ الْجِهَاد . فَأَمَّا مَا قَالَهُ قَتَادَة وَمَنْ قَالَ مِثْل قَوْله مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة , فَقَوْل لَا دَلَالَة عَلَيْهِ مِنْ كِتَاب وَلَا سُنَّة وَلَا فِطْرَة عَقْل . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا وَغَيْره عَلَى أَنَّ النَّاسِخ لَا يَكُون إِلَّا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوخ مِنْ كُلّ وَجْه , فَأَمَّا مَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَغَيْر كَائِن نَاسِخًا . وَقَوْل اللَّه فِي بَرَاءَة : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 غَيْر نَافٍ حُكْمه حُكْم قَوْله . { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } لِأَنَّ قَوْله : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ بَنُو قُرَيْظَة , وَكَانُوا يَهُودًا أَهْل كِتَاب , وَقَدْ أَذِنَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِصُلْحِ أَهْل الْكِتَاب وَمُتَارَكَتهمْ الْحَرْب عَلَى أَخْذ الْجِزْيَة مِنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ مُشْرِكُو الْعَرَب مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان الَّذِينَ لَا يَجُوز قَبُول الْجِزْيَة مِنْهُمْ , فَلَيْسَ فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ نَفْي حُكْم الْأُخْرَى , بَلْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مُحْكَمَة فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ . 12616 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } قَالَ : قُرَيْظَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِمَّا تَخَافَن مِنْ قَوْم خِيَانَة وَغَدْرًا , فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء وَآذِنهمْ بِالْحَرْبِ . { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } وَإِنْ مَالُوا إِلَى مُسَالَمَتك وَمُتَارَكَتك الْحَرْب , إِمَّا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام , وَإِمَّا بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَة , وَإِمَّا بِمُوَادَعَةٍ , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب السَّلْم وَالصُّلْح ; { فَاجْنَحْ لَهَا } يَقُول : فَمِلْ إِلَيْهَا , وَابْذُلْ لَهُمْ مَا مَالُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَسَأَلُوكُهُ . يُقَال مِنْهُ : جَنَحَ الرَّجُل إِلَى كَذَا يَجْنُح إِلَيْهِ جُنُوحًا , وَهِيَ لِتَمِيمٍ وَقَيْس فِيمَا ذُكِرَ عَنْهَا , تَقُول : يَجْنُح بِضَمِّ النُّون . وَآخَرُونَ : يَقُولُونَ : يَجْنِح بِكَسْرِ النُّون , وَذَلِكَ إِذَا مَالَ , وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : جَوَانِح قَدْ أَيْقَنَ أَنَّ قَبِيله إِذَا مَا اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ أَوَّل غَالِب جَوَانِح : مَوَائِل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12610 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَإِذَا جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } قَالَ : لِلصُّلْحِ . وَنَسَخَهَا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 . 12611 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } إِلَى الصُّلْح { فَاجْنَحْ لَهَا } قَالَ : وَكَانَتْ هَذِهِ قَبْل بَرَاءَة , كَانَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَادِع الْقَوْم إِلَى أَجَل , فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا وَإِمَّا أَنْ يُقَاتَلُوا , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْد فِي بَرَاءَة فَقَالَ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 وَقَالَ : { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة } 9 36 وَنَبَذَ إِلَى كُلّ ذِي عَهْد عَهْده , وَأَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَيُسْلِمُوا , وَأَنْ لَا يَقْبَل مِنْهُمْ إِلَّا ذَلِكَ , وَكُلّ عَهْد كَانَ فِي هَذِهِ السُّورَة وَفِي غَيْرهَا , وَكُلّ صُلْح يُصَالِح بِهِ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ يَتَوَادَعُونَ بِهِ فَإِنَّ بَرَاءَة جَاءَتْ . تَنْسَخ ذَلِكَ , فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ عَلَى كُلّ حَال حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . 12612 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ الْحَسَن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَا : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي فِي بَرَاءَة قَوْله : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر } إِلَى قَوْله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } 9 29 . 12613 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } يَقُول : وَإِنْ أَرَادُوا الصُّلْح فَأَرِدهُ . 12614 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } أَيْ إِنْ دَعَوْك إِلَى السَّلْم إِلَى الْإِسْلَام , فَصَالِحْهُمْ عَلَيْهِ . 12615 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } قَالَ : فَصَالِحْهُمْ . قَالَ : وَهَذَا قَدْ نَسَخَهُ الْجِهَاد . فَأَمَّا مَا قَالَهُ قَتَادَة وَمَنْ قَالَ مِثْل قَوْله مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة , فَقَوْل لَا دَلَالَة عَلَيْهِ مِنْ كِتَاب وَلَا سُنَّة وَلَا فِطْرَة عَقْل . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا وَغَيْره عَلَى أَنَّ النَّاسِخ لَا يَكُون إِلَّا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوخ مِنْ كُلّ وَجْه , فَأَمَّا مَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَغَيْر كَائِن نَاسِخًا . وَقَوْل اللَّه فِي بَرَاءَة : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 غَيْر نَافٍ حُكْمه حُكْم قَوْله . { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } لِأَنَّ قَوْله : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ بَنُو قُرَيْظَة , وَكَانُوا يَهُودًا أَهْل كِتَاب , وَقَدْ أَذِنَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِصُلْحِ أَهْل الْكِتَاب وَمُتَارَكَتهمْ الْحَرْب عَلَى أَخْذ الْجِزْيَة مِنْهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } 9 5 فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ مُشْرِكُو الْعَرَب مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان الَّذِينَ لَا يَجُوز قَبُول الْجِزْيَة مِنْهُمْ , فَلَيْسَ فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ نَفْي حُكْم الْأُخْرَى , بَلْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا مُحْكَمَة فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ . 12616 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } قَالَ : قُرَيْظَة . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } يَقُول : فَوِّضْ إِلَى اللَّه يَا مُحَمَّد أَمْرك , وَاسْتَكْفِهِ وَاثِقًا بِهِ أَنَّهُ يَكْفِيك . كَاَلَّذِي : 12617 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } إِنَّ اللَّه كَافِيك . وَأَمَّا قَوْله : { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } يَقُول : فَوِّضْ إِلَى اللَّه يَا مُحَمَّد أَمْرك , وَاسْتَكْفِهِ وَاثِقًا بِهِ أَنَّهُ يَكْفِيك . كَاَلَّذِي : 12617 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه } إِنَّ اللَّه كَافِيك . ' وَقَوْله : { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّه الَّذِي تَتَوَكَّل عَلَيْهِ سَمِيع لِمَا تَقُول أَنْتَ , وَمَنْ تُسَالِمهُ وَتُتَارِكهُ الْحَرْب مِنْ أَعْدَاء اللَّه وَأَعْدَائِك عِنْد عَقْد السَّلْم بَيْنك وَبَيْنه , وَيَشْرُط كُلّ فَرِيق مِنْكُمْ عَلَى صَاحِبه مِنْ الشُّرُوط , وَالْعَلِيم بِمَا يُضْمِرهُ كُلّ فَرِيق مِنْكُمْ لِلْفَرِيقِ الْآخَر مِنْ الْوَفَاء بِمَا عَاقَدَهُ عَلَيْهِ , وَمَنْ الْمُضْمِر ذَلِكَ مِنْكُمْ فِي قَلْبه وَالْمُنْطَوِي عَلَى خِلَافه لِصَاحِبِهِ .وَقَوْله : { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّه الَّذِي تَتَوَكَّل عَلَيْهِ سَمِيع لِمَا تَقُول أَنْتَ , وَمَنْ تُسَالِمهُ وَتُتَارِكهُ الْحَرْب مِنْ أَعْدَاء اللَّه وَأَعْدَائِك عِنْد عَقْد السَّلْم بَيْنك وَبَيْنه , وَيَشْرُط كُلّ فَرِيق مِنْكُمْ عَلَى صَاحِبه مِنْ الشُّرُوط , وَالْعَلِيم بِمَا يُضْمِرهُ كُلّ فَرِيق مِنْكُمْ لِلْفَرِيقِ الْآخَر مِنْ الْوَفَاء بِمَا عَاقَدَهُ عَلَيْهِ , وَمَنْ الْمُضْمِر ذَلِكَ مِنْكُمْ فِي قَلْبه وَالْمُنْطَوِي عَلَى خِلَافه لِصَاحِبِهِ .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} إنما قال { لها} لأن السلم مؤنثة. ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة. والجنوح الميل. يقول : إن مالوا - يعني الذين نبذ إليهم عهدهم - إلى المسالمة، أي الصلح، فمل إليها. وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه، ومنه قيل للأضلاع جوانح، لأنها مالت على الحشوة. وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير. وقال ذو الرمة : إذا مات فوق الرحل أحييت روحه ** بذكراك والعيس المراسيل جنح وقال النابغة : جوانح قد أيقن أن قبيله ** إذا ما التقى الجمعان أول غالب يعني الطير. وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض. والسلم والسلام هو الصلح. وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل { للسلم} بكسر السين. الباقون بالفتح. وقد تقدم معنى ذلك في { البقرة} مستوفى. وقد يكون السلام من التسليم. وقرأ الجمهور { فاجنح} بفتح النون، وهي لغة تميم. وقرأ الأشهب العقيلي { فاجنح} بضم النون، وهي لغة قيس. قال ابن جني : وهذه اللغة هي القياس. الثانية: وقد اختلف في هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا. فقال قتادة وعكرمة : نسخها { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموه} [التوبة : 5]. { وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة : 36] وقالا : نسخت براءة كل موادعة، حتى يقولوا لا إله إلا الله. ابن عباس : الناسخ لها { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} [محمد : 35]. وقيل : ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية. وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه، من ذلك خيبر، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف. قال ابن إسحاق : قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة، لأن الجزية تقبل منهم، فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء. وقال السدي وابن زيد. : معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم. ولا نسخ فيها. قال ابن العربي : وبهذا يختلف الجواب عنه، وقد قال الله عز وجل { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} [محمد : 35]. فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة، وجماعة عديدة، وشدة شديدة فلا صلح، كما قال : فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا ** وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه. وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم. وقد صالح الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده. وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة. قال القشيري : إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة. وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة. وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين. قال ابن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وبين أهل مكة عام الحديبية، فقال عروة : كانت أربع سنين. وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين. وقال ابن إسحاق : كانت عشر سنين. وقال الشافعي رحمه الله : لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة. قال المهلب : إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين، لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، حين توجه إليها فبركت. وقال : (حبسها حابس الفيل). على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة. ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم، إذا رأى ذلك الإمام وجها. ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو، لموادعة النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المري يوم الأحزاب، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا، ويرجعا بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقدا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا : يا رسول الله، هذا أمر تحبه فنصنعه لك، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع، أو أمر تصنعه لنا؟ فقال : (بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة)، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة، إلا شراء أو قرى، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : (أنتم وذاك). وقال لعيينة والحارث : (انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف). وتناول سعد الصحيفة، وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله فمحاها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 54 - 61


سورة الانفال الايات 61 - 66

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي أن الله لم يطالبنا بأن نكون أقوياء لنفتري على غيرنا، فهو لا يريد منا إعداد القوة للاعتداء والعدوان، وإنما يريد القوة لمنع الحرب ليسود السلام ويعم الكون؛ لذلك ينهانا سبحانه وتعالى أن يكون استعدادنا للقتال وسيلة للاعتداء على الناس والافتراء عليهم. ولهذا فإن طلب الخصم السلم والسلام صار لزاماً علينا أن نسالمهم. وإياك أن تقول: إن هذه خديعة وإنهم يريدون أن يخدعونا؛ لأنك لا تحقق شيئاً بقوتك، ولكن بالتوكل على الله عز وجل والتأكد أنه معك، والله عز وجل يريد الكون متسانداً لا متعانداً. وهو سبحانه وتعالى يطلب منك القوة لترهب الخصوم. لا لتظلمهم بها فتقاتلهم دون سبب. وقول الحق سبحانه وتعالى:

{ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } [الأنفال: 61].

أي إن مالوا إلى السلم ودعوك إليه فاتجه أنت أيضاً إلى السلم، فلا داعي أن تتهمهم بالخداع أو تخشى أن ينقلبوا عليك فجأة؛ لأن الله تعالى معك بالرعاية والنصر، وأنت من بعد ذلك تأخذ استعدادك دائماً بما أعددته من قوتك.

وقول الحق:

{ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } [الأنفال: 61].

أي إياك أن تتوكل أو تعتمد على شيء مما أعددت من قوة؛ لأن قصارى الأمر أن تنتهي فيه إلى التوكل على الله فهو يحميك. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى حيثية ذلك فيقول:

{ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } [الأنفال: 61].

أي أنه لا شيء يغيب عن سمعه إن كان كلاماً يقال، أو عن علمه إن كان فعلاً يتم. وإياك أن تخلط بين التوكل والتواكل، فالتوكل محله القلب والجوارح تعمل؛ فلا تترك عمل الجوارح وتدعي أنك تتوكل على الله، وليعلم المسلم أن الانتباه واجب، وإن رأيت من يفقد يقظته لا بد أن تنبهه إلى ضرورة اليقظة والعمل، فالكلام له دور هنا، وكذلك الفعل له دور؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى:

{ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } [الأنفال: 61].

ولنلحظ أن قول الحق تبارك وتعالى:

{ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } [الأنفال: 61].

هذا القول إنما جاء بعد قوله تعالى:
{  وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ }
[الأنفال: 60].

وهي آية تحض على الاستعداد للقتال بإعداد العدة له.

ويريد الحق تبارك وتعالى أن ينبهنا إلى قوة المؤمنين واستعدادهم الحربي يجب ألا يكونا أداة للطغيان، ولا للقتال لمجرد القتال. ولذلك ينبهنا سبحانه وتعالى إلى أنهم لو مالوا إلى السلم فلا تخالفهم وتصر على الحرب؛ لأن الدين يريد سلام المجتمع، والإسلام لا ينتشر بالقوة وإنما ينتشر بالإقناع والحكمة. فلا ضرورة للحرب في نشر الإسلام؛ لأنه هو دين الحق الذي يقنع الناس بقوة حجته ويجذب قلوبهم بسماحته، وكل ذلك لشحن مدى قوة الإيمان، لنكون على أهبة الاستعداد لملاقاة الكافرين، ولكن دون أن تبطرنا القوة أو تدعونا إلى مجاوزة الحد، فإن مالوا إلى السلم، علينا أن نميل إلى السلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريد سلامة المجتمع الإنساني. وإن كنتم تخافون أن يكون جنوحهم إلى السلم خديعة منهم حتى نستنيم لهم، ثم يفاجئونا بغدر، فاعلم أن مكرهم سوف يبور؛ لأنهم يمكرون بفكر البشر، والمؤمنون يمكرون بفكر من الحق سبحانه وتعالى؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ... }


www.alro7.net