سورة
اية:

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} الآية، ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، إدخاله من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في الصيف، وقوله: { وأن اللّه سميع بصير} أي سميع بأقوال عباده بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ولما تبين أنه المتصرف في الوجود الحاكم الذي لا معقب لحكمه قال: { ذلك بأن اللّه هو الحق} أي الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ذو السلطان العظيم، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه { وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} أي من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل، لأنه لا يملك ضراً ولا نفعاً، وقوله: { وأن اللّه هو العلي الكبير} ، كما قال: { وهو العلي العظيم} ، وقال: { وهو الكبير المتعال} فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته لا إله إلا هو ولا رب سواه، لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه عزَّ وجلَّ عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً.

تفسير الجلالين

{ ذلك } النصر { بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي يدخل كلا منهما في الآخر بأن يزيد به، من أثر قدرته تعالى التي بها النصر { وأن الله سميع } دعاء المؤمنين { بصير } بهم حيث جعل فيهم الإيمان فأجاب دعائهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } هَذَا النَّصْر الَّذِي أَنْصُرهُ عَلَى مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَاغِي , لِأَنِّي الْقَادِر عَلَى مَا أَشَاء , فَمِنْ قُدْرَته أَنَّ اللَّه { يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار } يَقُول : يُدْخِل مَا انْتَقَصَ مِنْ سَاعَات اللَّيْل فِي سَاعَات النَّهَار , فَمَا نَقَصَ مِنْ هَذَا زَادَ فِي هَذَا . { وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل } وَيُدْخِل مَا انْتَقَصَ مِنْ سَاعَات النَّهَار فِي سَاعَات اللَّيْل , فَمَا نَقَصَ مِنْ طُول هَذَا زَادَ فِي طُول هَذَا , وَبِالْقُدْرَةِ الَّتِي يَفْعَل ذَلِكَ يَنْصُر مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَلَى الَّذِينَ بَغَوْا عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ } هَذَا النَّصْر الَّذِي أَنْصُرهُ عَلَى مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَاغِي , لِأَنِّي الْقَادِر عَلَى مَا أَشَاء , فَمِنْ قُدْرَته أَنَّ اللَّه { يُولِج اللَّيْل فِي النَّهَار } يَقُول : يُدْخِل مَا انْتَقَصَ مِنْ سَاعَات اللَّيْل فِي سَاعَات النَّهَار , فَمَا نَقَصَ مِنْ هَذَا زَادَ فِي هَذَا . { وَيُولِج النَّهَار فِي اللَّيْل } وَيُدْخِل مَا انْتَقَصَ مِنْ سَاعَات النَّهَار فِي سَاعَات اللَّيْل , فَمَا نَقَصَ مِنْ طُول هَذَا زَادَ فِي طُول هَذَا , وَبِالْقُدْرَةِ الَّتِي يَفْعَل ذَلِكَ يَنْصُر مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَلَى الَّذِينَ بَغَوْا عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ .' يَقُول : وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنَّهُ ذُو سَمْع لِمَا يَقُولُونَ مِنْ قَوْل ; لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء , بَصِير بِمَا يَعْمَلُونَ , لَا يَغِيب عَنْهُ مِنْهُ شَيْء , كُلّ ذَلِكَ مَعَهُ بِمَرْأًى وَمَسْمَع , وَهُوَ الْحَافِظ لِكُلِّ ذَلِكَ , حَتَّى يُجَازِي جَمِيعهمْ عَلَى مَا قَالُوا وَعَمِلُوا مِنْ قَوْل وَعَمَل جَزَاءَهُ .يَقُول : وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنَّهُ ذُو سَمْع لِمَا يَقُولُونَ مِنْ قَوْل ; لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء , بَصِير بِمَا يَعْمَلُونَ , لَا يَغِيب عَنْهُ مِنْهُ شَيْء , كُلّ ذَلِكَ مَعَهُ بِمَرْأًى وَمَسْمَع , وَهُوَ الْحَافِظ لِكُلِّ ذَلِكَ , حَتَّى يُجَازِي جَمِيعهمْ عَلَى مَا قَالُوا وَعَمِلُوا مِنْ قَوْل وَعَمَل جَزَاءَهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار} أي ذلك الذي قصصت عليك من نصر المظلوم هو بأني أنا الذي أولج الليل في النهار فلا يقدر أحد على ما أقدر عليه؛ أي من قدر على هذا قدر على أن ينصر عبده. وقد مضى في { آل عمران} معنى يولج الليل في النهار. { وأن الله سميع بصير} يسمع الأقوال ويبصر الأفعال، فلا يعزب عنه مثقال ذرة ولا دبيب نملة إلا يعلمها ويسمعها ويبصرها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 60 - 64

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ ذٰلِكَ.. } [الحج: 61] يعني ما قُلْته لك سابقاً له دليل، فما هو؟ أن الله يأخذ من القوي ويعطي للضعيف، ويأخذ من الطويل ويعطي للقصير، فالمسألة ليست ثابتة (أو مكانيكا) وإنما خلقها الله بقدر. والليل والنهار هما ظرفا الأحداث التي تفعلونها، والحق سبحانه { يُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱللَّيْلِ.. } [الحج: 61].

يولج الليل يعني: يُدخِل الليل على النهار، فيأخذ منه جزءاً جزءاً فيُطوِّل الليل ويُقصِّر النهار، ثم يُدخِل النهار على الليل فيأخذ منه جزءاً جزءاً، فيُطوِّل النهار ويُقصِّر الليل؛ لذلك نراهما لا يتساويان، فمرة يطول الليل في الشتاء مثلاً، ويقصر النهار، ومرة يطول النهار في الصيف، ويقصر الليل. فزيادة أحدهما ونَقْص الآخر أمر مستمر، وأغيار متداولة بينهما.

وإذا كانت الأغيار في ظرف الأحداث، فلا بُدَّ أن تتغير الأحداث نفسها بالتالي، فعندما يتسع الظرف يتسع كذلك الخير فيه، فمثلاً عندنا في المكاييل: الكَيْلة والقدح والوَيْبة وعندنا الأردب، وكل منهما يسَعُ من المحتوى على قدر سعته. وهكذا كما نزيد أن ننقص في ظرف الأحداث نزيد وننقص في الأحداث نفسها.

ثم تُذيَّل الآية بقوله سبحانه: { وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج: 61] سميعٌ لما يقال، بصيرٌ بما يفعل، فالقول يقابله الفعل، وكلاهما عمل، والبعض يظن أن العمل شيء والقول شيء آخر، لا؛ لأن العمل وظيفة الجارحة، فكل جارحة تؤدي مهمتها فهي تعمل، عمل العَيْن أن ترى، وعمل الأذن أنْ تسمع، وعمل اليد أن تلمس، وعمل الأنف أن يشُم، وكذلك عمل اللسان القول، فالقول للسان وحده، والعمل لباقي الجوارح وكلاهما عمل، فدائماً نضع القول مقابل الفعل، كما في قوله تعالى:
{  لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }
[الصف: 2].

والسمع والبصر هما الجارحتان الرئيسيتان في الإنسان، وهما عمدة الحواس كلها، حيث تعملان باستمرار على خلاف الشَّم مثلاً، أو التذوق الذي لا يعمل إلا عدة مرات في اليوم كله.


www.alro7.net