سورة
اية:

عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خلقه، من السلاسل والأغلال والسعير وهو اللهب، والحريق في نار جهنم كما قال تعالى: { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون . في الحميم ثم في النار يسجرون} ، ولما ذكر ما أعده لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً} ، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة، قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل، ولهذا قال: { عيناً يشرب بها عباد اللّه يفجرونها تفجيراً} أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور، هو عين يشرب بها المقربون من عباد اللّه صرفاً بلا مزج ويروون بها، قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور، وقال بعضهم: هو من عين كافور، وقوله تعالى: { يفجرونها تفجيراً} أي يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} ، وقال: { وفجرنا خلالهما نهراً} وقال مجاهد: { يفجرونها تفجيراً} يقودونها حيث شاءوا، وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا، وقوله تعالى: { يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً} أي يتعبدون اللّه فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر، وفي الحديث: (من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه) ""أخرجه البخاري من حديث مالك""، ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد وهو اليوم الذي يكون { شره مستطيراً} أي منتشراً عاما على الناس إلا من رحم اللّه، قال ابن عباس: فاشياً، وقال قتادة: استطار واللّه شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض. وقوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه} قيل: على حب اللّه تعالى لدلالة السياق عليه، والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد ومقاتل، واختاره ابن جرير كقوله تعالى: { وآتى المال على حبه} ، وكقوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ، وروى البيهقي عن نافع قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنباً أول ما جاء العنب، فأرسلت صفية يعني امرأته فاشترت عنقوداً بدرهم، فاتبع الرسول سائل، فلما دخل به قال السائل: السائل، فقال ابن عمر: أعطوه إياه فأعطوه إياه ""أخرجه البيهقي عن نافع وفيه أنها أرسلت بدرهم آخر فاشترت به فأعطاه للسائل ثم بدرهم ثالث""، وفي الصحيح: (أفضل الصدقة أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر) أي في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه، ولهذا قال تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما، وأما الأسير فقال الحسن والضحّاك: الأسير من أهل القبلة، وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين، يشهد لهذا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغذاء، وقال عكرمة: هم العبيد، واختاره ابن جرير لعموم الآية للمسلم والمشرك، وقد وصى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالإحسان إلى الأرقاء حتى كان آخر ما أوصى به أن جعل يقول: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) قال مجاهد: هو المحبوس، أي يطعمون الطعام لهؤلاء، وهم يشتهونه ويحبونه قائلين بلسان الحال: { إنما نطعمكم لوجه اللّه} أي رجاء ثواب اللّه ورضاه { لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} أي لا نطلب منكم مجازاة تكافئوننا بها ولا أن تشكرونا عند الناس، قال مجاهد: أما واللّه ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم اللّه به من قلوبهم، فأثنى عليهم به، ليرغب في ذلك راغب { إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً} أي إنما نفعل هذا لعل اللّه أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في اليوم العبوس القمطرير، قال ابن عباس: { عبوساً} ضيقاً { قمطريراً} طويلاً، وقال عكرمة: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وقال مجاهد: { عبوساً} العابس الشفتين، { قمطريراً} قال: يقبض الوجه باليسور، وقال سعيد بن جبير وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول { قمطريراً} تقلص الجبين وما بين العينين من الهول، وقال ابن زيد: العبوس الشر، والقمطرير الشديد، وقال ابن جرير: والقمطرير هو الشديد، يقال: هو يوم قمطرير ويوم قماطر، ويوم عصيب وعصبصب. قال اللّه تعالى: { فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً} وهذا من باب التجانس البليغ، { فوقاهم اللّه شر ذلك اليوم} أي آمنهم مما خافوا منه، { ولقاهم نضرة} أي في وجوههم، { وسروراً} أي في قلوبهم وهذه كقوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة . ضاحكة مستبشرة} وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه. قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه فلقة قمر، وقالت عائشة رضي اللّه عنها: (دخل عليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسروراً تبرق أسارير وجهه) الحديث. وقوله تعالى: { وجزاهم بما صبروا} أي بسبب صبرهم أعطاهم ونولهم وبوأهم { جنة وحريراً} أي منزلاً رحباً، وعيشاً رغداً، ولباساً حسناً.

تفسير الجلالين

{ عينا } بدل من كافورا فيها رائحته { يشرب بها } منها { عباد الله } أولياؤه { يفجّرونها تفجيرا } يقودونها حيث شاءوا من منازلهم.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { عَيْنًا يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَانَ مِزَاج الْكَأْس الَّتِي يَشْرَب بِهَا هَؤُلَاءِ الْأَبْرَار كَالْكَافُورِ فِي طَيِّب رَائِحَته مِنْ عَيْن يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه الَّذِينَ يُدْخِلهُمْ الْجَنَّة . وَالْعَيْن عَلَى هَذَا التَّأْوِيل نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي " مِزَاجهَا " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ { يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه } يُرْوَى بِهَا وَيُنْتَقَع . وَقِيلَ : يَشْرَب بِهَا وَيَشْرَبهَا بِمَعْنًى وَاحِد . وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ بَعْضهمْ أَنْشَدَهُ : شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْر ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لَجَج خُضْر لَهُنَّ نَئِيج وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " مَتَى لَجَج " مِنْ , وَمِثْله : إِنَّهُ يَتَكَلَّم بِكَلَامٍ حَسَن , وَيَتَكَلَّم كَلَامًا حَسَنًا .وَقَوْله : { عَيْنًا يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَانَ مِزَاج الْكَأْس الَّتِي يَشْرَب بِهَا هَؤُلَاءِ الْأَبْرَار كَالْكَافُورِ فِي طَيِّب رَائِحَته مِنْ عَيْن يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه الَّذِينَ يُدْخِلهُمْ الْجَنَّة . وَالْعَيْن عَلَى هَذَا التَّأْوِيل نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي " مِزَاجهَا " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ { يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه } يُرْوَى بِهَا وَيُنْتَقَع . وَقِيلَ : يَشْرَب بِهَا وَيَشْرَبهَا بِمَعْنًى وَاحِد . وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ بَعْضهمْ أَنْشَدَهُ : شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْر ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لَجَج خُضْر لَهُنَّ نَئِيج وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " مَتَى لَجَج " مِنْ , وَمِثْله : إِنَّهُ يَتَكَلَّم بِكَلَامٍ حَسَن , وَيَتَكَلَّم كَلَامًا حَسَنًا .' وَقَوْله : { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره يُفَجِّرُونَ تِلْكَ الْعَيْن الَّتِي يَشْرَبُونَ بِهَا كَيْف شَاءُوا وَحَيْثُ شَاءُوا مِنْ مَنَازِلهمْ وَقُصُورهمْ تَفْجِيرًا , وَيَعْنِي بِالتَّفْجِيرِ : الْإِسَالَة وَالْإِجْرَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27716 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : يَعْدِلُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . 27717 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : يَقُودُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . 27718 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : مُسْتَقِيد مَاؤُهَا لَهُمْ يُفَجِّرُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . 27719 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . وَقَوْله : { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره يُفَجِّرُونَ تِلْكَ الْعَيْن الَّتِي يَشْرَبُونَ بِهَا كَيْف شَاءُوا وَحَيْثُ شَاءُوا مِنْ مَنَازِلهمْ وَقُصُورهمْ تَفْجِيرًا , وَيَعْنِي بِالتَّفْجِيرِ : الْإِسَالَة وَالْإِجْرَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27716 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : يَعْدِلُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . 27717 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : يَقُودُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . 27718 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : مُسْتَقِيد مَاؤُهَا لَهُمْ يُفَجِّرُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . 27719 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } قَالَ : يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الأبرار يشربون من كأس} الأبرار : أهل الصدق واحدهم بر، وهو من امتثل أمر الله تعالى. وقيل : البر الموحد والأبرار جمع بار مثل شاهد وأشهاد، وقيل : هو جمع بر مثل نهر وأنهار؛ وفي الصحاح : وجمع البر الأبرار، وجمع البار البررة، وفلان يبر خالقه ويتبرره أي يطيعه، والأم برة بولدها. وروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إنما سماهم الله جل ثناؤه الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حقا). وقال الحسن : البر الذي لا يؤذي الذر. وقال قتادة : الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر. وفي الحديث : (الأبرار الذين لا يؤذون أحدا). { يشربون من كأس} أي من إناء فيه الشراب. قال ابن عباس : يريد الخمر. والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب : وإذا لم يكن فيه شراب لم يسم كأسا. قال عمرو بن كلثوم : صَبْنتِ الكأسَ عنا أمَّ عمرو ** وكان الكأس مجراها اليمينا وقال الأصمعي : يقال صبنت عنا الهدية أو ما كان من معروف تصبن صبنا : بمعنى كففت؛ قاله الجوهري. { كان مزاجها} أي شوبها وخلطها، قال حسان : كأن سبيئة من بيت رأس ** يكون مزاجها عسل وماء ومنه مزاج البدن وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. { كافورا} قال ابن عباس : هو اسم عين ماء في الجنة، يقال له عين الكافور. أي يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورا. وقال سعيد عن قتادة : تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك. وقال مجاهد. وقال عكرمة : مزاجها طعمها. وقيل : إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. وقيل : أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده؛ لأن الكافور لا يشرب؛ كقوله تعالى { حتى إذا جعله نارا} [الكهف : 96] أي كنار. وقال ابن كيسان : طيب بالمسك والكافور والزنجبيل. وقال مقاتل : ليس بكافور الدنيا. ولكن سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب. وقوله { كان مزاجها} { كان} زائدة أي من كأس مزاجها كافور. { عينا يشرب بها عباد الله} قال الفراء : إن الكافور اسم لعين ماء في الجنة؛ فـ { عينا} بدل من كافور على هذا. وقيل : بدل من كأس على الموضع. وقيل : هي حال من المضمر في { مزاجها} . وقيل : نصب على المدح؛ كما يذكر الرجل فتقول : العاقل اللبيب؛ أي ذكرتم العاقل اللبيب فهو نصب بإضمار أعني. وقيل يشربون عينا. وقال الزجاج المعنى من عين. ويقال : كافور وقافور. والكافور أيضا : وعاء طلع النخل وكذلك الكفرى؛ قاله الأصمعي. وأما قول الراعي : تكسو المفارق واللبات ذا أرج ** من قصب معتلف الكافور دراج فإن الظبي الذي يكون منه المسك إنما يرعى سنبل الطيب فجعله كافورا. { يشرب بها} قال الفراء : يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأن يشرب بها يروى بها وينقع؛ وأنشد : شربن بماء البحر ثم ترفعت ** متى لجج خضر لهن نئيج قال : ومثله فلان يتكلم بكلام حسن، ويتكم كلاما حسنا. وقيل : المعنى يشربها والباء زائدة وقيل : الباء بدل { من} تقديره يشرب منها؛ قاله القتبي. { يفجرونها تفجيرا} فيقال : إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره؛ وذلك قوله تعالى { عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} أي يشققونها شقا كما يفجر الرجل النهر ها هنا وها هنا إلى حيث يريد. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد { يفجرونها تفجيرا} يقودونها حيث شاؤوا وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم. وروى أبو مقاتل عن أبي صالح عن سعد عن أبي سهل عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله { يفجرونها تفجيرا} والأخرى الزنجبيل] والأخريان نضاختان من فوق العرش إحداهما التي ذكر الله { عينا فيها تسمى سلسبيلا} والأخرى التسنيم) ""ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول"". وقال : فالتسنيم للمقربين خاصة شربا لهم، والكافور للأبرار شربا لهم؛ يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللإبرار منها مزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب، فما كان للأبرار مزاج فهو للمقربين صرف، وما كان للأبرار صرف فهو لسائر أهل الجنة مزاج. والأبرار هم الصادقون، والمقربون : هم الصديقون.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (عيناً يشرب بها) مع أنها وردت في آية أخرى (يشربون من كأس) في سورة الإنسان؟
يمكن العودة إلى تفسير سورة الإنسان لأننا تحدثنا عن هذا بالتفصيل ولا بأس من الإعادة هنا. قلنا أن الله تعالى قسّم الناس إلى قسمين في الجنة فذكر الأبرار (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)) وذكر صنفاً آخر وهم عباد الله (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)) الذين يقول المفسرون أنهم المقرّبون وهم أعلى درجة من الأبرار وقالوا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين. كيف؟ لأن الأبرار قد يصلون ركعتين في جوف الليل ويظنون أنها حسنة أما المقربون فلا يكتفون بركعتين وإنما قد يصلون ثمان ركعات أو أكثر وقد يتهجدون ويسبحون ويذكرون الله تعالى أكثر فلو صلوا فقط الركعتين لكانت في حقهم سيئة ، ثم إن المقربين يُحسنون لمن أساء إليهم مع قدرتهم على العقاب وهم لا يكتفون بأن يأخذوا حقهم ممن أساء إليهم أو يعفوا عن المسيء فقط وإنما يحسنون إليه ولهذا فهم أعلى درجة عند الله تعالى.
? قال تعالى (يشرب بها) لأن المقربين أعلى درجة من الأبرار فجزاؤهم سيكون أعلى بالتأكيد. (يشرب بها) في اللغة بمعنى " يُروى بها " وهذا يسمى التضمين وهو أن يُعدّى الفعل بحرف آخر غير الذي يتعدّى به عادة. فهي من باب التضمين شربه (أي كله) وشرب منه (أي جزء منه) وشرب به (يرتوي به وليس لمجرد الشرب فقط).

? ثم قال تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)) فهي إذن ممتزجة للأبرار لأن الله تعالى يمزج للناس في الأشربة يوم القيامة على قدر أعمالهم في الدنيا أما المقربون فيشربونها صرفاً خالصة.
? ليس ذلك فقط وإنما ( يشرب بها ) تأتي بمعنى : نزل بها في اللغة ؛ بمعنى أقام بها ونزلنا بالعين الباء قد تكون ظرفية أي في المكان أقمنا بها وشربنا بها وأكلنا بها ورأيناها أيضاً. شري منها لا تعني رؤيتها فقد يُؤتى للهم بالشراب من العين لكن ليس شرطاً أن يروها أما يشرب بها فتعني أنه أقاموا بها ورأوها وشربوا بها. فجمع لهم تعالى لذة الشراب والنظر إلى العين.
? ثم لو لاحظنا تكملة الآية (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) هؤلاء المقربون كما يقال يُعطون قصبان من ذهب أينما ضربوا تتفجر الماء خالصة من العين بأمر سهل في أي مكان يريدونه وليس هناك مكان محدد لها.
وعليه فإن يشرب بها تفيد الريّ والشراب بها خالصة صرفاً وفيها لذة النظر بالإضافة إلى الإقامة في المكان وإمكانية تفجيرها أينما شاءوا من أماكنهم ولم يأت هذا الوصف للأبرار.
ونسأل الله تعالى أن نشرب بها وعلينا أن نسأل الله تعالى ما هو أعلى وفي الأثر أن الله تعالى يعطي الناس أشياء كثيرة وأمثالهم لا يرون أنه تعالى أعطاهم مثل أولئك مع أن أعمالهم متساوية فيقول تعالى لهم هؤلاء سألوني فهل سألتموني؟ والله تعالى يُحب أن يُسأل ولذا علمنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - :" اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى".


www.alro7.net