سورة
اية:

مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ

تفسير بن كثير

هذه ثلاث صفات من صفات الرب عزَّ وجلَّ: الربوبية والملك والإلهية فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بهذه الصفات { من شر الوسواس الخناس} وهو الشيطان الموكل بالإنسان فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزينّ له الفواحش، ولا يألوه جهداً في الخبال، والمعصوم من عصمه اللّه، وقد ثبت في الصحيح: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه) قالوا: وأنت يا رسول اللّه؟ قال: (نعم إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير). وقد ثبت في الصحيحين (إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً - أو قال - شراً) ""أخرجه الشيخان في قصة زيارة صفية للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو معتكف فلقيه رجلان فقال: (على رسلكما إنها صفية) الحديث"". وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي، عن أنَس بن مالك، قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر اللّه خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس) ""أخرجه الحافظ الموصلي"". وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر اللّه تصاغر الشيطان وغلب، وإن لم يذكر اللّه تعاظم وغلب، قال ابن عباس في قوله: { الوسواس الخناس} قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها غفل ووسوس، فإذا ذكر اللّه خنس. وقوله تعالى: { الذي يوسوس في صدور الناس} هل يختص هذا ببني آدم كما هو الظاهر، أو يعم بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليباً، وقوله: { من الجنة والناس} ْ هل هو تفصيل لقوله: { الذي يوسوس في صدرو الناس} ثم بيّنهم فقال: { من الجنة والناس} وهذا يقوي القول الثاني، وقيل قوله: { من الجنة والناس} تفسير للذي يوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن كما قال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} ، وكما قال الإمام أحمد عن أبي ذر قال: أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو في المسجد فجلست فقال: (يا أبا ذر هل صليت؟) قلت: لا، قال: (قم فصل)، قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: (يا أبا ذر تعوذ باللّه من شر شياطين الإنس والجن). قال، فقلت: يارسول اللّه وللإنس شياطين؟ قال: (نعم) ""أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه بلفظ أطول""، وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس قال، جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إني لأحدث نفسي بالشيء، لأن أخر من السماء أحب إليّ من أتكلم به، قال؛ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (اللّه أكبر، اللّه أكبر، الحمد للّه الذي ردّ كيده إلى الوسوسة) ""أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي"".

تفسير الجلالين

( من الجنة والناس ) بيان للشيطان الموسوس أنه جني وإنسي ، كقوله تعالى : "" شياطين الإنس والجن "" أو من الجنة بيان له والناس عطف على الوسواس وعلى كل يشتمل شر لبيد وبناته المذكورين ، واعترض الأول بأن الناس لا يوسوس في صدورهم الناس إنما يوسوس في صدورهم الجن ، وأجيب بأن الناس يوسوسون أيضاً بمعنى يليق بهم في الظاهر ثم تصل وسوستهم إلى القلب وتثبت فيه بالطريق المؤدي إلى ذلك والله تعالى أعلم .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس } يَعْنِي بِذَلِكَ : الشَّيْطَان الْوَسْوَاس , الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس : جِنّهمْ وَإِنْسهمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَالْجِنّ نَاس , فَيُقَال : الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس : قِيلَ : قَدْ سَمَّاهُمْ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع نَاسًا , كَمَا سَمَّاهُمْ فِي مَوْضِع آخَر رِجَالًا , فَقَالَ : { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنْ الْإِنْس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنّ } , 72 6 فَجَعَلَ الْجِنّ رِجَالًا , وَكَذَلِكَ جَعَلَ مِنْهُمْ نَاسًا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْعَرَب أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّث , إِذْ جَاءَ قَوْم مِنْ الْجِنّ فَوَقَفُوا , فَقِيلَ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَقَالُوا : نَاس مِنْ الْجِنّ , فَجَعَلَ مِنْهُمْ نَاسًا , فَكَذَلِكَ مَا فِي التَّنْزِيل مِنْ ذَلِكَ . آخِر كِتَاب التَّفْسِير , وَالْحَمْد لِلَّهِ الْعَلِيّ الْكَبِير .وَقَوْله : { الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس } يَعْنِي بِذَلِكَ : الشَّيْطَان الْوَسْوَاس , الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس : جِنّهمْ وَإِنْسهمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَالْجِنّ نَاس , فَيُقَال : الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس : قِيلَ : قَدْ سَمَّاهُمْ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع نَاسًا , كَمَا سَمَّاهُمْ فِي مَوْضِع آخَر رِجَالًا , فَقَالَ : { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنْ الْإِنْس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنّ } , 72 6 فَجَعَلَ الْجِنّ رِجَالًا , وَكَذَلِكَ جَعَلَ مِنْهُمْ نَاسًا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْعَرَب أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّث , إِذْ جَاءَ قَوْم مِنْ الْجِنّ فَوَقَفُوا , فَقِيلَ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَقَالُوا : نَاس مِنْ الْجِنّ , فَجَعَلَ مِنْهُمْ نَاسًا , فَكَذَلِكَ مَا فِي التَّنْزِيل مِنْ ذَلِكَ . آخِر كِتَاب التَّفْسِير , وَالْحَمْد لِلَّهِ الْعَلِيّ الْكَبِير .'

تفسير القرطبي

أخبر أن الموسوس قد يكون من الناس. قال الحسن : هما شيطانان؛ أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية. وقال قتادة : إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين؛ فتعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. وروي عن أبي ذر أنه قال لرجل : هل تعوذت بالله من شياطين الإنس؟ فقال : أو من الإنس شياطين؟ قال : نعم؛ لقوله تعالى { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} [الأنعام : 112].. الآية. وذهب قوم إلى أن الناس هنا يراد به الجن. سموا ناسا كما سموا رجلا في قوله { وانه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} [الجن : 6] - وقوما ونفرا. فعلى هذا يكون { والناس} عطفا على { الجنة} ، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين. وذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث : جاء قوم من الجن فوقفوا. فقيل : من أنتم؟ فقالوا : ناس من الجن. وهو معنى قول الفراء. وقيل : الوسواس هو الشيطان. وقوله { من الجنة} بيان أنه من الجن { والناس} معطوف على الوسواس. والمعنى : قل أعوذ برب الناس من شر الوسواس، الذي هو من الجنة، ومن شر الناس. فعلى هذا أمر بأن يستعيذ من شر الإنس والجن. والجنة : جمع جني؛ كما يقال : إنس وإنسي. والهاء لتأنيث الجماعة. وقيل : إن إبليس يوسوس في صدور الجن، كما يوسوس في صدور الناس. فعلى هذا يكون { في صدور الناس} عاما في الجميع. و { من الجنة والناس} بيان لما يوسوس في صدره. وقيل : معنى { من شر الوسواس} أي الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به)."" رواه أبو هريرة، أخرجه مسلم."" فالله تعالى أعلم بالمراد من ذلك.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي - صوتي

تفسير سورة الناس


www.alro7.net