سورة
اية:

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ

تفسير بن كثير

هذه سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، فقوله تعالى: { قل يا أيها الكافرون} يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن الموجهون بهذا الخطاب هم كفار قريش دعوا رسول اللّه إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل اللّه هذه السورة وأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: { لا أعبد ما تعبدون} يعني من الأصنام والأنداد، { ولا أنتم عابدون ما أعبد} وهو اللّه وحده لا شريك له، ثم قال: { ولا أنا عابد ما عبدتم . ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد اللّه على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ولهذا قال: { ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي لا تقتدون بأوامر اللّه وشرعه، في عبادته، بل قد اخترعتم شيئاً من تلقاء أنفسكم، كما قال: { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، ولهذا كان كلمة الإسلام ـ لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ـ أي لا معبود إلا اللّه، ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم، والمشركون يعبدون غير اللّه عبادة لم يأذن اللّه بها، ولهذا قال: { لكم دينكم ولي دين} ، كما قال تعالى: { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم} ، وقال: { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} ، وقال البخاري { لكم دينكم} الكفر، { ولي دين} الإسلام، ولم يقل: ديني، لأن الآيات بالنون فحذف الياء، كما قال: { فهو يهدين} { ويشفين} ، وقال غيره: { لا أعبد ما تعبدون} الآن ولا أجيبكم بما بقي من عمري { ولا أنتم عابدون ما أعبد} ، ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد كقوله: { فإن مع العسر يسراً . إن مع العسر يسراً} فهذه ثلاثة أقوال: أولهما: ما ذكرناه أولاً. والثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: { لا أعبد ما تعبدون . ولا أنتم عابدون ما أعبد} في الماضي { ولا أنا عابد ما عبدتم . ولا أنتم عابدون ما أعبد} في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض. وثّم قول رابع: نصره ابن تيمية في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: { لا أعبد ما تعبدون} نفي الفعل لأنها جملة فعلية، { ولا أنا عابد ما عبدتم} نفي قبوله لذلك بالكلية، لأن النفي بالجملة الإسمية آكد، فكأنه نفى الفعل، وكونه قابلاً لذلك، ومعناه نفي الوقوع، ونفي الإمكان الشرعي أيضاً، وهو قول حسن أيضاً، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ لكم دينكم } الشرك { ولي دين } الإسلام وهذا قبل أن يؤمر بالحرب وحذف ياء الإضافة القراء السبعة وقفا ووصلا وأثبتها يعقوب في الحالين.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَكُمْ دِينكُمْ فَلَا تَتْرُكُونَهُ أَبَدًا , لِأَنَّهُ قَدْ خُتِمَ عَلَيْكُمْ , وَقُضِيَ أَنْ لَا تَنْفَكُّوا عَنْهُ , وَأَنَّكُمْ تَمُوتُونَ عَلَيْهِ , وَلِيَ دِين الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ , لَا أَتْرُكهُ أَبَدًا , لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى فِي سَابِق عِلْم اللَّه أَنِّي لَا أَنْتَقِل عَنْهُ إِلَى غَيْره . 29565 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين } قَالَ : لِلْمُشْرِكِينَ ; قَالَ : وَالْيَهُود لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه وَلَا يُشْرِكُونَ , إِلَّا أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاء , وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَيَكْفُرُونَ بِرَسُولِ اللَّه , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَقَتَلُوا طَوَائِف الْأَنْبِيَاء ظُلْمًا وَعُدْوَانًا , قَالَ : إِلَّا الْعِصَابَة الَّتِي بَقُوا , حَتَّى خَرَجَ بُخْتُنَصَّرَ , فَقَالُوا : عُزَيْر اِبْن اللَّه , دَعَا اللَّه وَلَمْ يَعْبُدُوهُ وَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلَتْ النَّصَارَى , قَالُوا : الْمَسِيح اِبْن اللَّه وَعَبَدُوهُ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : كَرَّرَ قَوْله : { لَا أَعْبُد مَا تَعْبُدُونَ } وَمَا بَعْده عَلَى وَجْه التَّوْكِيد , كَمَا قَالَ : { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا } , 94 5 : 6 وَكَقَوْلِهِ : { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْن الْيَقِين } . 102 6 : 7 آخِر تَفْسِير سُورَة الْكَافِرُونَوَقَوْله : { لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَكُمْ دِينكُمْ فَلَا تَتْرُكُونَهُ أَبَدًا , لِأَنَّهُ قَدْ خُتِمَ عَلَيْكُمْ , وَقُضِيَ أَنْ لَا تَنْفَكُّوا عَنْهُ , وَأَنَّكُمْ تَمُوتُونَ عَلَيْهِ , وَلِيَ دِين الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ , لَا أَتْرُكهُ أَبَدًا , لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى فِي سَابِق عِلْم اللَّه أَنِّي لَا أَنْتَقِل عَنْهُ إِلَى غَيْره . 29565 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين } قَالَ : لِلْمُشْرِكِينَ ; قَالَ : وَالْيَهُود لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه وَلَا يُشْرِكُونَ , إِلَّا أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاء , وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَيَكْفُرُونَ بِرَسُولِ اللَّه , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَقَتَلُوا طَوَائِف الْأَنْبِيَاء ظُلْمًا وَعُدْوَانًا , قَالَ : إِلَّا الْعِصَابَة الَّتِي بَقُوا , حَتَّى خَرَجَ بُخْتُنَصَّرَ , فَقَالُوا : عُزَيْر اِبْن اللَّه , دَعَا اللَّه وَلَمْ يَعْبُدُوهُ وَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلَتْ النَّصَارَى , قَالُوا : الْمَسِيح اِبْن اللَّه وَعَبَدُوهُ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول : كَرَّرَ قَوْله : { لَا أَعْبُد مَا تَعْبُدُونَ } وَمَا بَعْده عَلَى وَجْه التَّوْكِيد , كَمَا قَالَ : { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا } , 94 5 : 6 وَكَقَوْلِهِ : { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْن الْيَقِين } . 102 6 : 7 آخِر تَفْسِير سُورَة الْكَافِرُونَ'

تفسير القرطبي

فيه معنى التهديد؛ وهو كقوله تعالى { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} [القصص : 55] أي إن رضيتم بدينكم، فقد رضينا بديننا. وكان هذا قبل الأمر بالقتال، فنسخ بآية السيف. وقيل : السورة كلها منسوخة. وقيل : ما نسخ منها شيء لأنها خبر. ومعنى { لكم دينكم} أي جزاء دينكم، ولي جزاء ديني. وسمى دينهم دينا، لأنهم اعتقدوه وتولوه. وقيل : المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي؛ لأن الدين الجزاء. وفتح الياء من { ولي دين} نافع، والبزي عن ابن كثير باختلاف عنه، وهشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم. وأثبت الياء في { ديني} في الحالين نصر بن عاصم وسلام ويعقوب؛ قالوا : لأنها اسم مثل الكاف في قمت. الباقون بغير ياء، مثل قوله تعالى { فهو يهدين} [الشعراء : 78] { فاتقوا الله وأطيعون} [آل عمران : 50] ونحوه، اكتفاء بالكسرة، واتباعا لخط المصحف، فإنه وقع فيه بغير ياء.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي - صوتي

تفسير سورة الكافرون من اية 1 الى 6

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

[قوله تعالى: { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ...} إلى آخر السورة]. [1-6].
نزلت في رَهْطٍ من قُريش، قالوا: يا محمدُ! هَلُمَّ فاتَّبعْ دينَنا ونتبع دينَك: تعبدُ آلهتَنا سنة، ونعبدُ إلهك سنة. فإن كان الذي جئت به خيراً ممَّا بأيدينا، [كنا] قد شَرَكْناك فيه، وأخذْنا بحظنا منه. وإن كان الذي بأيدينا، خيراً مما في يَديك، [كنت] قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك. فقال: معاذَ اللهِ أن أشركَ به غيرَه. فأنزل الله تعالى: { قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} إلى آخر السورة. فَغَدَا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام، وفيه الْمَلأُ من قريش، فقرأها عليها حتى فَرغ من السورة. فأَيِسُوا منه عند ذلك.


www.alro7.net