سورة
اية:

لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عمن خرج مهاجراً في سبيل اللّه ابتغاء مرضاته، وطلباً لما عنده وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في اللّه ورسوله ونصرة لدين اللّه { ثم قتلوا} أي في الجهاد { أو ماتوا} أي حتف أنفهم من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل، كما قال تعالى: { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اللّه ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه} ، وقوله: { ليرزقنهم اللّه رزقا حسنا} أي ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم، { وإن اللّه لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلا يرضونه} أي الجنة، كما قال تعالى: { فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال ههنا: { ليرزقنهم اللّه رزقا حسنا} ، ثم قال: { ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن اللّه لعليم} أي بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك، { حليم} أي يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب، فأما من قتل في سبيل اللّه فإنه حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} . والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم؛ وأما من توفي في سبيل اللّه فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان اللّه إليه، قال ابن أبي حاتم عن ابن عقبة يعني أبا عبيدة بن عقبة قال، قال شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان يعني الفارسي رضي اللّه عنه فقال: إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (من مات مرابطاً أجرى اللّه عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتَّانين) واقرأوا إن شئتم { والذين هاجروا في سبيل اللّه ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم اللّه رزقا حسنا وإن اللّه لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن اللّه لعليم حليم} وعن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين، أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده، فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن اللّه يقول: { والذين هاجروا في سبيل اللّه ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم اللّه رزقا حسنا} الآيتين، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلاً ترضاه ورزقت رزقاً حسناً! واللّه ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت ""رواه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير بنحوه"". وقوله: { ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به} الآية، نزلت في سرية من الصحابة لقوا جمعاً من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم اللّه عليهم { إن الله لعفو غفور} ذكره مقاتل بن جيان وابن جرير

تفسير الجلالين

{ ليدخلنهم مدخلا } بضم الميم وفتحها أي إدخالا أو موضعا { يرضونه } وهو الجنة { وإن الله لعليم } بنياتهم { حليم } عن عقابهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَيُدْخِلَنَّ اللَّه الْمَقْتُول فِي سَبِيله مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمَيِّت مِنْهُمْ { مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ } وَذَلِكَ الْمُدْخَل هُوَ الْجَنَّة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَيُدْخِلَنَّ اللَّه الْمَقْتُول فِي سَبِيله مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمَيِّت مِنْهُمْ { مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ } وَذَلِكَ الْمُدْخَل هُوَ الْجَنَّة .' { لَعَلِيم } بِمَنْ يُهَاجِر فِي سَبِيله مِمَّنْ يَخْرُج مِنْ دَاره طَلَب الْغَنِيمَة أَوْ عَرَض مِنْ عُرُوض الدُّنْيَا . { حَلِيم } عَنْ عُصَاة خَلْقه , بِتَرْكِهِ مُعَاجَلَتهمْ بِالْعُقُوبَةِ وَالْعَذَاب . { لَعَلِيم } بِمَنْ يُهَاجِر فِي سَبِيله مِمَّنْ يَخْرُج مِنْ دَاره طَلَب الْغَنِيمَة أَوْ عَرَض مِنْ عُرُوض الدُّنْيَا . { حَلِيم } عَنْ عُصَاة خَلْقه , بِتَرْكِهِ مُعَاجَلَتهمْ بِالْعُقُوبَةِ وَالْعَذَاب .'

تفسير القرطبي

أفرد ذكر المهاجرين الذين ماتوا وقتلوا تفضيلا لهم وتشريفا على سائر الموتى. وسبب نزول هذه الآية أنه لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس : من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه؛ فنزلت هذه الآية مسوية بينهم، وأن الله يرزق جميعهم رزقا حسنا. وظاهر الشريعة يدل على أن المقتول أفضل. وقد قال بعض أهل العلم : إن المقتول في سبيل الله والميت في سبيل الله شهيد؛ ولكن للمقتول مزية ما أصابه في ذات الله. وقال بعضهم : هما سواء، واحتج بالآية، وبقوله تعالى { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} [النساء : 100]، وبحديث أم حرام؛ فإنها صرعت عن دابتها فماتت ولم تقتل فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : (أنت من الأولين)، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبدالله بن عتيك : (من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله فخر عن دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله ومن مات قعصا فقد استوجب المآب). وذكر ابن المبارك عن فضالة بن عبيد في حديث ذكر فيه رجلين أحدهما أصيب في غزاة بمنجنيق فمات والآخر مات هناك؛ فجلس فضالة عند الميت فقيل له : تركت الشهيد ولم تجلس عنده؟ فقال : ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت؛ ثم تلا قوله تعالى { والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا} الآية كلها. وقال سليمان بن عامر : كان فضالة برودس أميرا على الأرباع فخرج بجنازتي رجلين أحدهما قتيل والآخر متوفي؛ فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته؛ فقال : أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل! فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، اقرؤوا قوله تعالى { والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا} . كذا ذكره الثعلبي في تفسيره، وهو معنى ما ذكره ابن المبارك. واحتج من قال : إن للمقتول زيادة فضل بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الجهاد أفضل؟ قال : (من أهريق دمه وعقر جواده). وإذا كان من أهريق دمه وعقر جواده أفضل الشهداء علم أنه من لم يكن بتلك الصفة مفضول. قرأ ابن عامر وأهل الشام { قتلوا} بالتشديد على التكثير. الباقون بالتخفيف. { ليدخلنهم مدخلا يرضونه} أي الجنان. قراءة أهل المدينة { مدخلا} بفتح الميم؛ أي دخولا. وضمها الباقون، وقد مضى في الإسراء. { وإن الله لعليم حليم} قال ابن عباس : عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 55 - 60

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لأن الرزق قد يكون حسناً لكنه لا يُرضِي صاحبه، أما رزق الله لهؤلاء فقد بلغ رضاهم، والرضا: هو اقتناع النفس بشيء تجد فيه متعة، بحيث لا تستشرف إلى أعلى منه، ولا تبغي أكثر من ذلك.

لذلك بعد أنْ ينعَم أهل الجنة بنعيمها، مِمَّا لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، بعدها يتجلَّى الحق - سبحانه - عليهم فيقول لعباده المؤمنين: يا عبادي أرضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيْتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين؟ قال: ألا أعطيكم أفضل من هذا؟ قالوا: وهل شيء أفضل مما نحن فيه؟ قال: نعم، أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً.

ومن ذلك قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
{  وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }
[الضحى: 5].

وقوله تعالى:
{  يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً }
[الفجر: 27 - 28].

يبالغ في الرضا، حيث يتعداك الرضا إلى أن تكون عيشتك نفسها راضية، وكأنها تعشقك هي، وترضى بك.

ثم يقول سبحانه: { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ } [الحج: 59].

عليم: بما يستحقه كل إنسان عند الحساب من النعيم، ثم يزيد مَنْ يشاء من فضله، فليس حساب ربك في الآخرة كحسابكم في الدنيا، إنما حسابُه تعالى بالفضل لا بالعدل.

وحليم: يحلم على العبد إنْ أساء، ويتجاوز للصالحين عن الهَفَوات، فإنْ خالط عملك الصالح سوء، وإنْ خالفت منهج الله في غفلة أو هفوة، فلا تجعل هذا يعكر صفو علاقتك بربك أو يُنغِّص عليك طمأنينة حياتك؛ لأن ربك حليم سيتجاوز عن مثل هذا على حَدِّ قولهم (حبيبك يبلع لك الزلط).

لذلك " لما وَشَى أحد المؤمنين للكفار في فتح مكة، وهَمَّ عمر أن يقتله فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم ".

ويكفي أنهم خرجوا بأنفسهم واقتحموا معركة غير متكافئة في العدد والعُدَّة، ألا نذكر لهم هذا الموقف؟ ألم يقل الحق سبحانه:
{  إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ.. }
[هود: 114] ومَنِ ابتُلِي بشيء يضعف أمامه، فليكن قوياً فيما يقدر عليه، وإنْ غلبك الشيطان في باب من أبواب الشر فشمِّر له أنت في أبواب الخير، فإن هذا يُعوِّض ذاك.

ثم يقول الحق سبحانه: { ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ.. }

.


www.alro7.net