سورة
اية:

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع اللّه غيره من الأصنام والأوثان والأنداد بغير علم وجعلوا للأوثان نصيبا مما رزقهم اللّه، فقالوا: { هذا للّه بزعمهم وهذا لشركائنا} أي جعلوا لآلهتم نصيبا مع اللّه وفضلوها على جانبه، فأقسم اللّه تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه ائتفكوه، وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم فقال: { تاللّه لتسألن عما كنتم تفترون} ، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة إناثا وجعلوها بنات اللّه، فعبدوها معه، فنسبوا إليه تعالى الولد ولا ولد له، ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: { ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذا قسمة ضيزى} ، وقوله هاهنا: { ويجعلون لله البنات سبحانه} أي عن قولهم وإفكهم، { ألا إنهم ليقولن ولد اللّه وإنهم لكاذبون. أصطفى البنات على البنين؟ ما لكم كيف تحكمون} ، وقوله: { ولهم ما يشتهون} أي يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى اللّه، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيرا. فإنه { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} أي كئيبا من الهم { وهو كظيم} ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، { يتوارى من القوم} أي يكره أن يراه الناس، { من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} أي إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، { أم يدسه في التراب} أي يئدها وهو أن يدفنها فيه حية كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه للّه؟ { ألا ساء ما يحكمون} أي بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوه إليه، كقوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} ، وقوله ههنا: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي النقص إنما ينسب إليهم { وللّه المثل الأعلى} أي الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه { وهو العزيز الحكيم} .

تفسير الجلالين

{ وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى } تولد له { ظل } صار { وجهه مسوداً } متغيراً تغير مغتَمّ { وهو كظيم } ممتلئ غمًّا فكيف تنسب البنات إليه تعالى .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا } يَقُول : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ الْبَنَات بِوِلَادَةِ مَا يُضِيفهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَهُ , ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا مِنْ كَرَاهَته لَهُ { وَهُوَ كَظِيم } يَقُول قَدْ كَظَمَ الْحُزْن , وَامْتَلَأَ غَمًّا بِوِلَادَتِهِ لَهُ , فَهُوَ لَا يُظْهِر ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16365 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات سُبْحَانه وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } ثُمَّ قَالَ : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم } إِلَى آخِر الْآيَة , يَقُول : يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات تَرْضَوْنَهُنَّ لِي وَلَا تَرْضَوْنَهُنَّ لِأَنْفُسِكُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا وُلِدَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ جَارِيَة أَمْسَكَهَا عَلَى هُون , أَوْ دَسَّهَا فِي التُّرَاب وَهِيَ حَيَّة . 16366 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم } وَهَذَا صَنِيع مُشْرِكِي الْعَرَب , أَخْبَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِخُبْثِ صَنِيعهمْ فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَهُوَ حَقِيق أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّه لَهُ , وَقَضَاء اللَّه خَيْر مِنْ قَضَاء الْمَرْء لِنَفْسِهِ , وَلَعَمْرِي مَا يَدْرِي أَنَّهُ خَيْر , لَرُبَّ جَارِيَة خَيْر لِأَهْلِهَا مِنْ غُلَام . وَإِنَّمَا أَخْبَرَكُمْ اللَّه بِصَنِيعِهِمْ لِتَجْتَنِبُوهُ وَتَنْتَهُوا عَنْهُ , وَكَانَ أَحَدهمْ يَغْذُو كَلْبه وَيَئِد اِبْنَته . 16367 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَهُوَ كَظِيم } قَالَ : حَزِين . 16368 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { وَهُوَ كَظِيم } قَالَ : الْكَظِيم : الْكَمِيد . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع .وَقَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا } يَقُول : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ الْبَنَات بِوِلَادَةِ مَا يُضِيفهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَهُ , ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا مِنْ كَرَاهَته لَهُ { وَهُوَ كَظِيم } يَقُول قَدْ كَظَمَ الْحُزْن , وَامْتَلَأَ غَمًّا بِوِلَادَتِهِ لَهُ , فَهُوَ لَا يُظْهِر ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16365 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات سُبْحَانه وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } ثُمَّ قَالَ : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم } إِلَى آخِر الْآيَة , يَقُول : يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات تَرْضَوْنَهُنَّ لِي وَلَا تَرْضَوْنَهُنَّ لِأَنْفُسِكُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا وُلِدَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ جَارِيَة أَمْسَكَهَا عَلَى هُون , أَوْ دَسَّهَا فِي التُّرَاب وَهِيَ حَيَّة . 16366 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم } وَهَذَا صَنِيع مُشْرِكِي الْعَرَب , أَخْبَرَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِخُبْثِ صَنِيعهمْ فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَهُوَ حَقِيق أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّه لَهُ , وَقَضَاء اللَّه خَيْر مِنْ قَضَاء الْمَرْء لِنَفْسِهِ , وَلَعَمْرِي مَا يَدْرِي أَنَّهُ خَيْر , لَرُبَّ جَارِيَة خَيْر لِأَهْلِهَا مِنْ غُلَام . وَإِنَّمَا أَخْبَرَكُمْ اللَّه بِصَنِيعِهِمْ لِتَجْتَنِبُوهُ وَتَنْتَهُوا عَنْهُ , وَكَانَ أَحَدهمْ يَغْذُو كَلْبه وَيَئِد اِبْنَته . 16367 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَهُوَ كَظِيم } قَالَ : حَزِين . 16368 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { وَهُوَ كَظِيم } قَالَ : الْكَظِيم : الْكَمِيد . وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذا بشر أحدهم بالأنثى} أي أخبر أحدهم بولادة بنت. { ظل وجهه مسودا} أي متغيرا، وليس يريد السواد الذي هو ضد البياض، وإنما هو كناية عن غمه بالبنت. والعرب تقول لكل من لقي مكروها : قد اسود وجهه غما وحزنا؛ قال الزجاج. وحكى الماوردي أن المراد سواد اللون قال : وهو قول الجمهور. { وهو كظيم} أي ممتلئ من الغم. وقال ابن عباس : حزين. وقال الأخفش : هو الذي يكظم غيظه فلا يظهره. وقيل : إنه المغموم الذي يطبق فاه فلا يتكلم من الغم؛ مأخوذ من الكظامة وهو شد فم القربة؛ قاله علي بن عيسى. وقد تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 53 - 62

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعرف أن البشارة تكون بخير، فكان يجب عليهم أن يستقبلوها استقبالَ البشارة، ولكنهم استقبلوها استقبال الناقمين الكارهين لما بُشّروا به، فتجد وجه الواحد منهم.

{ مُسْوَدّاً... } [النحل: 58].

ومعنى اسوداد الوجه انقباضه من الغيظ؛ لذلك يقول تعالى:

{ وَهُوَ كَظِيمٌ... } [النحل: 58].

الكظم هو كَتْم الشيء.

ولذلك يقول تعالى في آية أخرى:
{  وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ.. }
[آل عمران: 134].

وهو مأخوذ من كَظْم القِرْبة حين تمتليء بالماء، ثم يكظمها أي: يربطها، فتراها ممتلئة كأنها ستنفجر.. هكذا الغضبان تنتفخ عروقه، ويتوارد الدم في وجهه، ويحدث له احتقان، فهو مكظوم ممنوع أنْ ينفجر.

ثم يقول الحق سبحانه واصفاً حاله: { يَتَوَارَىٰ مِنَ.. }.


www.alro7.net