سورة
اية:

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { متكئين} ، يعني أهل الجنة، والمراد بالاتكاء ههنا الاضجاع، ويقال: الجلوس على صفة التربيع { على فرش بطائنها من استبرق} وهو ما غلظ من الديباج، وقيل: هو الديباج المزيّن بالذهب، فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، قال ابن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر؟ قال مالك بن دنيار: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور، وقال الثوري: بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور جامد، وقال القاسم ابن محمد: بطائنها من إستبرق وظواهرها من الرحمة { وجنى الجنتين دان} أي ثمرهما قريب إليهم متى شاءوا تناولوه، على أي صفة كانوا كما قال تعالى: { قطوفها دانية} ، وقال: { ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً} أي لا تمتنع ممن تناولها بل تنحط إليه من أغصانها { فبأي آلاء ربكما تكذبان} ولما ذكر الفرش وعظمتها قال بعد ذلك { فيهن} أي في الفرش { قاصرات الطرف} أي غضيضات عن غير أزواجهن، فلا يرين شيئاً في الجنة أحسن من أزواجهن، وقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها: واللّه ما أرى في الجنة شيئاً أحسن منك، ولا في الجنة شيئاً أحب إليّ منك، فالحمد للّه الذي جعلك لي وجعلني لك، { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان} أي بل هن أبكار عرب أتراب، لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس والجن، وهذه أيضاً من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة، سئل ضمرة بن حبيب هل يدخل الجن الجنة؟ قال: نعم، وينكحون، للجن جنيات وللإنس إنسيات، وذلك قوله: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان} ، ثم قال ينعتهن للخطاب { كأنهن الياقوت والمرجان} قال مجاهد والحسن: في صفاء الياقوت وبياض المرجان، فجعلوا المرجان ههنا اللؤلؤ، عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن المرأة من نساء الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير حتى يرى مخها) وذلك قوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان} فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصفيته لرأيته من ورائه) ""رواه الترمذي مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصح"". وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين، على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب) ""تفرد به الإمام أحمد""وعن محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء، فقال أبو هريرة: أولم يقل أبو القاسم صلى اللّه عليه وسلم: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على ضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم وما في الجنة أعزب؟) ""الحديث مخرج في الصحيحين"". وروى الإمام أحمد، عن أنَس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: ) لغدوة في سبيل اللّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدهم أو موضع قده - يعني سوطه - من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً ولطاب ما بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) ""أخرجه أحمد ورواه البخاري بنحوه"". وقوله تعالى: { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} أي ليس لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة كما قال تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} . روى البغوي، عن أنَس بن مالك قال، قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} وقال: (هل تدرون ما قال ربكم؟) قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: (يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة)؟ ""ذكره البغوي من حديث أنَس بن مالك""ولما كان في الذي ذكر نعم عظيمة لا يقاومها عمل، بل مجرد تفضل وامتنان قال بعد ذلك كله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان} ؟

تفسير الجلالين

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس مِنْ هَذِهِ النِّعَم الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَى أَهْل طَاعَته تُكَذِّبَانِ .وَقَوْله : { فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا مَعْشَر الْجِنّ وَالْإِنْس مِنْ هَذِهِ النِّعَم الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَى أَهْل طَاعَته تُكَذِّبَانِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى ‏ { ‏فيهن قاصرات الطرف‏} ‏ قيل‏:‏ في الجنتين المذكورتين‏.‏ قال الزجاج‏:‏ وإنما قال‏ { ‏فيهن‏} ‏ ولم يقل فيهما، لأنه عنى الجنتين وما أعد لصاحبهما من النعيم‏.‏ وقيل‏ { ‏فيهن‏} ‏ يعود على الفرش التي بطائنها من إستبرق، أي في هذه الفرش ‏ { ‏قاصرات الطرف‏} ‏ أي نساء قاصرات الطرف، قصرن أعينهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم‏.‏ وقد مضى في والصافات ووحد الطرف مع الإضافة إلى الجمع لأنه في معنى المصدر، من طرفت عينه تطرف طرفا، ثم سميت العين بذلك فأدى عن الواحد والجمع، كقولهم‏:‏ قوم عدل وصوم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان‏} ‏ أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن هؤلاء أحد الفراء‏:‏ والطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية، طمثها يطمثها ويطمثها طمثا إذا افتضها‏.‏ ومنه قيل‏:‏ امرأة طامث أي حائض‏.‏ وغير الفراء يخالفه في هذا ويقول‏:‏ طمثها بمعنى وطئها على أي الوجوه كان‏.‏ إلا أن قول الفراء أعرف وأشهر‏.‏ وقرأ الكسائي ‏ { ‏لم يطمثهن‏} ‏ بضم الميم، يقال‏:‏ طمثت المرأة تطمث بالضم حاضت‏.‏ وطمثت بالكسر لغة فهي طامث، وقال الفرزدق‏:‏ وقعن إلي لم يُطْمَثن قبلي ** وهن أصح من بيض النعام وقيل‏ { ‏لم يطمثهن‏} ‏ لم يمسهن، قال أبو عمرو‏:‏ والطمث المس وذلك في كل شيء يمس ويقال للمرتع‏:‏ ما طمث ذلك المرتع قبلنا أحد، وما طمث هذه الناقة حبل، أي ما مسها عقال‏.‏ وقال المبرد‏:‏ أي لم يذللهن إنس قبلهم ولا جان، والطمث التذليل‏.‏ وقرأ الحسن ‏ { ‏جأن‏} ‏ بالهمزة‏.‏ في هذه الآية دليل على أن الجن تغشى كالإنس، وتدخل الجنة ويكون لهم فيها جنيات‏.‏ قال ضمرة‏:‏ للمؤمنين منهم أزواج من الحور العين، فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن‏.‏ وقيل‏:‏ أي لم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الجن في الجنة من الحور العين من الجنايات جن، ولم يطمث ما وهب الله للمؤمنين من الإنس في الجنة من الإنس في الجنة من الحور العين من الإنسيات إنس، وذلك لأن الجن لا تطأ بنات آدم في الدنيا‏.‏ ذكره القشيري‏.‏ قلت‏:‏ قد مضى في النمل القول في هذا وفي الإسراء أيضا، وأنه جائز أن تطأ بنات آدم‏.‏ وقد قال مجاهد‏:‏ إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه فذلك قوله تعالى‏ { ‏لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان‏} ‏ وذلك بأن الله تبارك وتعالى وصف الحور العين بأنه لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان‏.‏ يعلمك أن نساء الآدميات قد يطمثهن الجان، وأن الحور العين قد برئن من هذا العيب ونزهن، والطمث الجماع‏.‏ ذكره بكماله الترمذي الحكيم، وذكره المهدوي أيضا والثعلبي وغيرهما والله أعلم‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الرحمن الايات 24 - 78


www.alro7.net