سورة
اية:

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل: { ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} . قال ابن عباس أي يضحكون أعجبوا بذلك، وقال قتادة: يجزعون ويضحكون، وقال النخعي: يعرضون، وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما بلغني يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: { إنكم وما تعبدون من دون اللّه حصب جهنم أنتم لها واردون} الآيات؛ ثم قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأقبل عبد اللّه بن الزبعري حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة له: واللّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب، وما قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد اللّه بن الزبعري: أما واللّه لو وجدته لخصمته، سلوا محمداً أكل ما يعبد من دون اللّه في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد المسيح بن مريم؛ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد اللّه بن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (كل من أحب أن يعبد من دون اللّه فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته) فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} أي عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة اللّه عزَّ وجلَّ، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون اللّه، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وأنه يعبد من دون اللّه { ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} أي يصدون عن أمرك بذلك من قوله، ثم ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل . ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون . وإنه لعلم للساعة} أي ما وضع على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام فكفى به دليلاً على علم الساعة يقول: { فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم} ""ذكره ابن أبي إسحاق في السيرة، ورواه ابن جرير بنحوه"". عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون اللّه فيه خير) فقالوا له: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد اللّه صالحاً فقد كان يعبد من دون اللّه؟ فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} ""أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما""، وقال مجاهد في قوله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} ، قالت قريش: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى عليه السلام، وقوله: { وقالوا أآلهتنا خير أم هو} ؟ قال قتادة: يقولون آلهتنا خير منه، وقال قتادة: قرأ ابن مسعود رضي اللّه عنه: { وقالوا أآلهتنا خير أم هذا} ؟ يعنون محمداً صلى اللّه عليه وسلم. وقوله تبارك وتعالى: { ما ضربوه لك إلا جدلاً} أي مِراءً وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية لأنها لما لا يعقل مراده أن (ما) في اللغة العربية لما لا يعقل، وقد قال تعالى: { إنكم وما تعبدون} ولم يقل: ومن تعبدون وهي قوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون اللّه حصب جهنم} ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يورده فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلاً منهم ليسوا يعتقدون صحتها، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل) ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: { ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون} ""أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح"". وروى ابن جرير، عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضباً شديداً حتى كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم: (لا تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض، فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل)، ثم تلا صلى اللّه عليه وسلم: (ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم خصمون} ، وقوله تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} يعني عيسى عليه الصلاة والسلام ما هو إلا عبد من عباد اللّه عزَّ وجلَّ أنعم اللّه عليه بالنبوة والرسالة { وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} أي دلالة وحجة وبرهاناً على قدرتنا على ما نشاء، وقوله عزَّ وجلَّ: { ولو نشاء لجعلنا منكم} أي بدلكم { ملائكة في الأرض يخلفون} ، وقال السدي: يخلفونكم فيها، وقال ابن عباس وقتادة: يخلف بعضهم بعضاً كما يخلف بعضكم بعضاً، وهذا القول يستلزم الأول، وقال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم. وقوله سبحانه وتعالى: { وإنه لعلم للساعة} تقدم تفسير ابن إسحاق أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى عليه الصلاة والسلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمه وغير ذلك من الأسقام وفيه نظر. والصحيح أنه عائد على عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال تبارك وتعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} أي قبل موت عيسى عليه الصلاة والسلام، { ثم يوم القيامة يكون عليهم شهيداً} ويؤيد هذا المعنى القراءة الأُخْرى { وإنه لعَلَمٌ للساعة} أي أمارة ودليل على وقوع الساعة، قال مجاهد: { وإنه لعلم الساعة} أي آية للساعة خروج عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وعكرمة والحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم ، وقد تواترت الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً، وقوله تعالى: { فلا تمترن بها} أي لا تشكوا فيها إنها واقعة وكائنة لا محالة، { واتبعونِ} أي فيما أخبركم به { هذا صراط مستقيم . ولا يصدنكم الشيطان} أي عن اتباع الحق، { إنه لكم عدو مبين . ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة} أي بالنبوة، { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية، وهذا الذي قاله حسن جيد، وقوله عزَّ وجلَّ { فاتقوا اللّه} أي فيما أمركم به { وأطيعونِ} فيما جئتكم به، { إن اللّه هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} أي وأنا وأنتم عبيد له فقراء إليه مشتركون في عبادته وحده لا شريك له، { هذا صراط مستقيم} أي هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم وهو عبادة الرب جلَّ وعلا وحده، وقوله سبحانه وتعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم} أي اختلف الفرق وصاروا شيعاً فيه، منهم من يقر بأنه عبد اللّه ورسوله وهو الحق، ومنهم من يدعي أنه ولد اللّه، ومنهم من يقول إنه اللّه، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً، ولهذا قال تعالى: { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم} .

تفسير الجلالين

( ولما ضرب ) جعل ( ابن مريم مثلا ) حين نزل قوله تعالى "" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم "" فقال المشركون : رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد من دون الله ( إذا قومك ) أي المشركون ( منه ) من المثل ( يصدون ) يضحكون فرحاً بما سمعوا .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْن مَرْيَم مَثَلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا شَبَّهَ اللَّه عِيسَى فِي إِحْدَاثه وَإِنْشَائِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْر فَحْل بِآدَم , فَمَثَّلَهُ بِهِ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب مِنْ غَيْر فَحْل , إِذَا قَوْمك يَا مُحَمَّد مِنْ ذَلِكَ يَضِجُّونَ وَيَقُولُونَ : مَا يُرِيد مُحَمَّد مِنَّا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذهُ إِلَهًا نَعْبُدهُ , كَمَا عَبَدَتْ النَّصَارَى الْمَسِيح . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23917 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّون } قَالَ : يَضِجُّونَ ; قَالَ : قَالَتْ قُرَيْش : إِنَّمَا يُرِيد مُحَمَّد أَنْ نَعْبُدهُ كَمَا عَبَدَ قَوْم عِيسَى عِيسَى . 23918 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا ذُكِرَ عِيسَى ابْن مَرْيَم جَزِعَتْ قُرَيْش مِنْ ذَلِكَ , وَقَالُوا : يَا مُحَمَّد مَا ذَكَرْت عِيسَى ابْن مَرْيَم , وَقَالُوا : مَا يُرِيد مُحَمَّد إِلَّا أَنْ نَصْنَع بِهِ كَمَا صَنَعَتْ النَّصَارَى بِعِيسَى ابْن مَرْيَم , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا ضَرَبُوهُ لَك إِلَّا جَدَلًا } 43 58 * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا ذُكِرَ عِيسَى فِي الْقُرْآن قَالَ مُشْرِكُو قُرَيْش : يَا مُحَمَّد مَا أَرَدْت إِلَى ذِكْر عِيسَى ؟ قَالَ : وَقَالُوا : إِنَّمَا يُرِيد أَنْ نُحِبّهُ كَمَا أَحَبَّتْ النَّصَارَى عِيسَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } 21 89 قِيلَ الْمُشْرِكِينَ عِنْد نُزُولهَا : قَدْ رَضِينَا بِأَنْ تَكُون آلِهَتنَا مَعَ عِيسَى وَعُزَيْر وَالْمَلَائِكَة ; لِأَنَّ كُلّ هَؤُلَاءِ مِمَّا يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْن مَرْيَم مَثَلًا إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } وَقَالُوا : أَآلِهَتنَا خَيْر أَمْ هُوَ ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23919 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , ثنا أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْن مَرْيَم مَثَلًا إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَعْنِي قُرَيْشًا لَمَّا قِيلَ لَهُمْ { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } 21 89 فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْش : فَمَا ابْن مَرْيَم ؟ قَالَ : ذَاكَ عَبْد اللَّه وَرَسُوله , فَقَالُوا : وَاللَّه مَا يُرِيد هَذَا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذهُ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم رَبًّا , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا ضَرَبُوهُ لَك إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْم خَصِمُونَ } . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { يَصُدُّونَ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة , وَجَمَاعَة مِنْ قُرَّاء الْكُوفَة : " يَصُدُّونَ " بِضَمِّ الصَّاد . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة { يَصِدُّونَ } بِكَسْرِ الصَّاد . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب فِي فَرْق مَا بَيْن ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِضَمِّ الصَّاد , وَإِذَا قُرِئَ بِكَسْرِهَا , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة , وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْض الْكُوفِيِّينَ : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , مِثْل يَشُدّ وَيَشِدّ , وَيَنُمّ وَيَنِمّ مِنَ النَّمِيمَة , وَقَالَ آخَر : مِنْهُمْ مَنْ كَسَرَ الصَّاد فَمَجَازهَا يَضِجُّونَ , وَمَنْ ضَمَّهَا فَمَجَازهَا يَعْدِلُونَ , وَقَالَ بَعْض مَنْ كَسَرَهَا : فَإِنَّهُ أَرَادَ يَضِجُّونَ , وَمَنْ ضَمَّهَا فَإِنَّهُ أَرَادَ الصُّدُود عَنِ الْحَقّ . 23920 - وَحُدِّثْت عَنِ الْفَرَّاء قَالَ : ثني أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , أَنَّ عَاصِمًا تَرَكَ يَصِدُّونَ مِنْ قِرَاءَة أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , وَقَرَأَ يَصُدُّونَ , قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْر . حَدَّثَنِي عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , عَنْ أَبِي يَحْيَى , أَنَّ ابْن عَبَّاس لَقِيَ ابْن أَخِي عُبَيْد بْن عُمَيْر , فَقَالَ : إِنَّ عَمّك لَعَرَبِيّ , فَمَا لَهُ يُلْحِن فِي قَوْله : " إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصُدُّونَ " , وَإِنَّمَا هِيَ { يَصِدُّونَ } . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , وَلُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , وَلَمْ نَجِد أَهْل التَّأْوِيل فَرَّقُوا بَيْن مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْر , وَلَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا مَعْنَاهُ , لَقَدْ كَانَ الِاخْتِلَاف فِي تَأْوِيله بَيْن أَهْله مَوْجُودًا وُجُود اخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِيهِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَتَيْنِ , وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِف الْمَعْنَى لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ تَأْوِيله : يَضِجُّونَ وَيَجْزَعُونَ , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب. ذِكْر مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : 23921 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } يَقُول : يَضِجُّونَ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا أَبُو حَمْزَة , عَنْ الْمُغِيرَة الضَّبِّيّ , عَنْ الصَّعْب بْن عُثْمَان قَالَ : كَانَ ابْن عَبَّاس يَقْرَأ { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } , وَكَانَ يُفَسِّرهَا يَقُول : يَضِجُّونَ . * - ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ. * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي رَزِين , عَنِ ابْن عَبَّاس بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ. 23922 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } : أَيْ يَجْزَعُونَ وَيَضِجُّونَ . - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنِ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَهَا { يَصِدُّونَ } : أَيْ يَضِجُّونَ , وَقَرَأَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ { يَصِدُّونَ } . 23923 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ. 23924 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ . وَقَوْله : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْن مَرْيَم مَثَلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَمَّا شَبَّهَ اللَّه عِيسَى فِي إِحْدَاثه وَإِنْشَائِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْر فَحْل بِآدَم , فَمَثَّلَهُ بِهِ بِأَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب مِنْ غَيْر فَحْل , إِذَا قَوْمك يَا مُحَمَّد مِنْ ذَلِكَ يَضِجُّونَ وَيَقُولُونَ : مَا يُرِيد مُحَمَّد مِنَّا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذهُ إِلَهًا نَعْبُدهُ , كَمَا عَبَدَتْ النَّصَارَى الْمَسِيح . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23917 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّون } قَالَ : يَضِجُّونَ ; قَالَ : قَالَتْ قُرَيْش : إِنَّمَا يُرِيد مُحَمَّد أَنْ نَعْبُدهُ كَمَا عَبَدَ قَوْم عِيسَى عِيسَى . 23918 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا ذُكِرَ عِيسَى ابْن مَرْيَم جَزِعَتْ قُرَيْش مِنْ ذَلِكَ , وَقَالُوا : يَا مُحَمَّد مَا ذَكَرْت عِيسَى ابْن مَرْيَم , وَقَالُوا : مَا يُرِيد مُحَمَّد إِلَّا أَنْ نَصْنَع بِهِ كَمَا صَنَعَتْ النَّصَارَى بِعِيسَى ابْن مَرْيَم , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا ضَرَبُوهُ لَك إِلَّا جَدَلًا } 43 58 * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا ذُكِرَ عِيسَى فِي الْقُرْآن قَالَ مُشْرِكُو قُرَيْش : يَا مُحَمَّد مَا أَرَدْت إِلَى ذِكْر عِيسَى ؟ قَالَ : وَقَالُوا : إِنَّمَا يُرِيد أَنْ نُحِبّهُ كَمَا أَحَبَّتْ النَّصَارَى عِيسَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } 21 89 قِيلَ الْمُشْرِكِينَ عِنْد نُزُولهَا : قَدْ رَضِينَا بِأَنْ تَكُون آلِهَتنَا مَعَ عِيسَى وَعُزَيْر وَالْمَلَائِكَة ; لِأَنَّ كُلّ هَؤُلَاءِ مِمَّا يُعْبَد مِنْ دُون اللَّه , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْن مَرْيَم مَثَلًا إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } وَقَالُوا : أَآلِهَتنَا خَيْر أَمْ هُوَ ؟ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23919 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , ثنا أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْن مَرْيَم مَثَلًا إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَعْنِي قُرَيْشًا لَمَّا قِيلَ لَهُمْ { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } 21 89 فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْش : فَمَا ابْن مَرْيَم ؟ قَالَ : ذَاكَ عَبْد اللَّه وَرَسُوله , فَقَالُوا : وَاللَّه مَا يُرِيد هَذَا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذهُ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم رَبًّا , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { مَا ضَرَبُوهُ لَك إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْم خَصِمُونَ } . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { يَصُدُّونَ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة , وَجَمَاعَة مِنْ قُرَّاء الْكُوفَة : " يَصُدُّونَ " بِضَمِّ الصَّاد . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة { يَصِدُّونَ } بِكَسْرِ الصَّاد . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب فِي فَرْق مَا بَيْن ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِضَمِّ الصَّاد , وَإِذَا قُرِئَ بِكَسْرِهَا , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة , وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ بَعْض الْكُوفِيِّينَ : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , مِثْل يَشُدّ وَيَشِدّ , وَيَنُمّ وَيَنِمّ مِنَ النَّمِيمَة , وَقَالَ آخَر : مِنْهُمْ مَنْ كَسَرَ الصَّاد فَمَجَازهَا يَضِجُّونَ , وَمَنْ ضَمَّهَا فَمَجَازهَا يَعْدِلُونَ , وَقَالَ بَعْض مَنْ كَسَرَهَا : فَإِنَّهُ أَرَادَ يَضِجُّونَ , وَمَنْ ضَمَّهَا فَإِنَّهُ أَرَادَ الصُّدُود عَنِ الْحَقّ . 23920 - وَحُدِّثْت عَنِ الْفَرَّاء قَالَ : ثني أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , أَنَّ عَاصِمًا تَرَكَ يَصِدُّونَ مِنْ قِرَاءَة أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , وَقَرَأَ يَصُدُّونَ , قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْر . حَدَّثَنِي عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , عَنْ أَبِي يَحْيَى , أَنَّ ابْن عَبَّاس لَقِيَ ابْن أَخِي عُبَيْد بْن عُمَيْر , فَقَالَ : إِنَّ عَمّك لَعَرَبِيّ , فَمَا لَهُ يُلْحِن فِي قَوْله : " إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصُدُّونَ " , وَإِنَّمَا هِيَ { يَصِدُّونَ } . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , وَلُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , وَلَمْ نَجِد أَهْل التَّأْوِيل فَرَّقُوا بَيْن مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْر , وَلَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا مَعْنَاهُ , لَقَدْ كَانَ الِاخْتِلَاف فِي تَأْوِيله بَيْن أَهْله مَوْجُودًا وُجُود اخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِيهِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَتَيْنِ , وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِف الْمَعْنَى لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ تَأْوِيله : يَضِجُّونَ وَيَجْزَعُونَ , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب. ذِكْر مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : 23921 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } يَقُول : يَضِجُّونَ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا أَبُو حَمْزَة , عَنْ الْمُغِيرَة الضَّبِّيّ , عَنْ الصَّعْب بْن عُثْمَان قَالَ : كَانَ ابْن عَبَّاس يَقْرَأ { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } , وَكَانَ يُفَسِّرهَا يَقُول : يَضِجُّونَ . * - ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ أَبِي رَزِين , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ. * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي رَزِين , عَنِ ابْن عَبَّاس بِمِثْلِهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ. 23922 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } : أَيْ يَجْزَعُونَ وَيَضِجُّونَ . - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ عَاصِم بْن أَبِي النَّجُود , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنِ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَهَا { يَصِدُّونَ } : أَيْ يَضِجُّونَ , وَقَرَأَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ { يَصِدُّونَ } . 23923 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ. 23924 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { إِذَا قَوْمك مِنْهُ يَصِدُّونَ } قَالَ : يَضِجُّونَ . '

تفسير القرطبي

لما قال تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف : 45] تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا : ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلها كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم إلها؛ قال قتادة. ونحوه عن مجاهد قال : إن قريشا قالت إن محمدا يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى؛ فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس : أراد به مناظرة عبدالله بن الزِّبَعْرَى مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى، وأن الضارب لهذا المثل هو عبدالله بن الزبعرى السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمدا يتلو { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء : 98] الآية، فقال : لو حضرته لرددت عليه؛ قالوا : وما كنت تقول له ؟ قال : كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرا، أفهما من حصب جهنم ؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم؛ وذلك معنى قوله: { يصدون} فأنزل الله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء : 101]. ولو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها؛ لأنه قال: { وما تعبدون} ولم يقل ومن تعبدون وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإن كانوا معبودين. وقد مضى هذا في آخر سورة { الأنبياء} . وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش : [يا معشر قريش لا خير في أحد يعبد من دون الله]. قالوا : أليس تزعم أن عيسى كان عبدا نبيا وعبدا صالحا، فإن كان كما تزعم فقد كان يعبد من دون الله !. فأنزل الله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك يصدون} أي يضجون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي { يصُدون} بضم الصاد ومعناه يعرضون؛ قاله النخعي، وكسر الباقون. قال الكسائي : هما لغتان؛ مثل يعرُشون ويعرِشون ويَنِمُّون ويَنُمُّون، ومعناه يضجون. قال الجوهري : وصد يصد صديدا؛ أي ضج. وقيل : إنه بالضم من الصدود وهو الإعراض، وبالكسر من الضجيج؛ قال قطرب. قال أبو عبيد : لو كانت من الصدود عن الحق لكانت : إذا قومك عنه يصدون. الفراء : هما سواء؛ منه وعنه. ابن المسيب : يصدون يضجون. الضحاك يعجون. ابن عباس : يضحكون. أبو عبيدة : من ضم فمعناه يعدلون؛ فيكون المعنى : من أجل الميل يعدلون. ولا يعدى { يصدون} بمن، ومن كسر فمعناه يضجون؛ فـ { من} متصلة بـ { يصدون} والمعنى يضجون منه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 51 - 59

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا الفعل (ضُرِب) مبني لمت لم يُسَمَّ فاعله، فمَنِ الذي ضرب ابن مريم مثلاً؟ الحق سبحانه وتعالى هو الذي جعل ابن مريم مثلاً، لأنه وُلِد لأم بلا أب، وجاء من نفخة الحق سبحانه في مريم، فنسبوه إلى الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فردَّ الله عليهم بأن عيسى في الخَلْق مثل آدم.
{  إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
[آل عمران: 59] فإذا كان عيسى بلا أب، فآدم بلا أب وبلا أم، والذي يقدر على الأعلى يقدر على الأدنى من باب أَوْلَى، فلا تُفتنوا فيه.

وبعد أن نزل قوله تعالى:
{  إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }
[الأنبياء: 98] تبيَّن أنه الضّال بعبادة غير الله هو ومعبوده في جهنم معاً
{  حَصَبُ جَهَنَّمَ }
[الأنبياء: 98] يعني: وقودها.

" وجاء رجل اسمه عبد الله بن الزبعري قبل أنْ يسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد أهذه الآية لنا أم لجميع الخَلْق؟ قال صلى الله عليه وسلم: لجميع الخَلْق، فقال له: كيف وعيسى عُبد من دون الله، والعُزير عُبد من دون الله، والملائكة عُبدوا من دون الله، أيذهب هؤلاء مع عابديهم إلى النار؟

فلم يُجبْه رسولُ الله إلى أنْ نزل قول الله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [الأنبياء: 101] ".

ولما بلغتْ هذه المسألة سيدنا علياً رضي الله عنه قال: (ما) هنا لغير العاقل، فلا يدخل في هذا الحكم عيسى ولا العُزير ولا الملائكة، وهذه من حكمة الإمام على الذي تربَّى في حضن النبي وتعلَّم في مدرسته منذ صِغَره، وجاءت ثقافته من نور النبوة.

لذلك ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها ".

وكان من الفقهاء أصحاب الاستنباط الواعي حتى إمام كبار الصحابة، حتى إن عمر بن الخطاب الذي كان ينزل القرآن وِفْق رأيه يقف في مسألة لا يحلُّها إلا على، حيث عُرضَتْ عليه مسألة المرأة التي ولدتْ لستة أشهر فقال بإقامة الحدِّ عليها، لأن المشهور في أشهر الحمل تسعة أشهر.

فقال: يا أمير المؤمنين لا شيء عليها لأن الله يقول:
{  وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً }
[الأحقاف: 15] ويقول:
{  وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ }
[البقرة: 223] إذن: مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر.

ومرة دخل على سيدنا عمر ومعه درّة، يريد أن يضرب بها سيدنا حذيفة فقال له: ما لي أراكَ مُغضباً يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.فقال علي: صدق والله يا أمير المؤمنين.

فقال عمر: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: أما الفتنة فقال تعالى:
{  وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ }
[الأنفال: 28] والحق الذي يكرهه هو الموت، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغير وضوء، وله في الأرض زوجة وولد وليس لله زوجة ولا ولد.

عندها قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن.

ومن لطائف ما رُوِي عنه رضي الله عنه أمر مرّ بجماعة اختلفوا في أيِّ مخلوقات الله أشد وأكثر قوة، فسألوه: ما أشدَّ جنود الله يا أبا الحسن؟ فكأنه كان على علم مُسْبق بهذه المسألة، وأنه سيُسال عنها، لذلك قال - وحصر العدد قبل المعدود: وأشار بيده أنها عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار بيده تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يحمل السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب ويمضي إلى حاجته، والسُّكْر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السُّكْر، والهم يغلب النوم، فأشدُّ جنود الله الهَمَّ.

وفي بعض أحاديثنا مع الإخوان طلبوا مني أنْ أذكر لهم خطبة الإمام على التي قالها لما ماتتْ فاطمة بنت محمد، وكنتُ كلما ذكرتها لهم قالوا أعِدْ مرة أخرى، قلتُ: لما ماتت فاطمة دُفنَتْ بجوار رسول الله والصحابة.

وبعد أن دُفنَت قالوا له: يا علي لو أننا أبحنا لكل أولاد الرسول أنْ يُدفنوا إلى جواره لضاقَ المسجد بالناس، فقال: ضعوها نهارنا وسوف أنقلها لكي لا تحدث فتنة، وبالليل نقلها إلى البقيع.

وكان مما قاله الإمام علي وهو يدفن فاطمة إلى جوار أبيها، قال: السلام عليك يا رسول الله، مني ومن ابنتك النازلة في جوارك السريعة اللحاق بك، قَلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورَقَّ عنها تجلُّدي، إلا أن لي في التعزِّي بمصيبتك موضعَ سَلْوى.

فقد وسَّدتُك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضتْ بني سَحْري ونحري نفسُك، أما ليلي فمسهَّد، وأما حزني فسَرْمد إلى أنْ يختار الله لي داره التي أنت فيها مقيم، وستخبرك ابنتك عن حال أُمتك فأصْفِها السؤال، واستخبرها الحال - هذا ولم يطل منك العهد، ولم يخل منك الذكر.

فلما أراد أنْ ينصرف قال: والسَّلام عليكما سلامَ مُودّع لا قالٍ ولا سَئم، فإنْ أنصرف فلا عن ملالة، وإنْ نُقِم فلا عن سوء ظن بما وعد الله به عباده الصابرين.

ومعنى { يَصِدُّونَ } [الزخرف: 57] أي: يرفعون أصواتهم بالضحك والسخرية من رسول الله.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً...} الآية. [57].
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم النَّصْرَابَاذي، قال: أخبرنا إسماعيل بن نجيد، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن الخليل، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين عن أبي يحيى، مولى ابن عفراء، عن ابن عباس:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقريش: يا معشر قريش لا خير في أحد يُعْبَدُ من دون الله. قالوا: أليس تزعم أن عيسى كان عبداً نبياً وعبداً صالحاً؟ فإن كان كما تزعم فهو كآلهتهم. فأنزل الله تعالى: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} الآية.
وذكرنا هذه القصة ومناظرة ابن الزِّبَعْرَى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سورة الأنبياء عند قوله تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} .


www.alro7.net