سورة
اية:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى ممتناً على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم‏:‏ ‏ { ‏يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم‏} ‏ أي زاجر عن الفواحش، ‏ { ‏وشفاء لما في الصدور‏} ‏ أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ‏ { ‏وهدى ورحمة‏} ‏ أي يحصل به الهداية والرحمة من اللّه تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه كقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏وننزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا‏} ‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏ { ‏قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء‏} ‏ الآية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏قل بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا‏} ‏ أي بهذا الذي جاءهم من اللّه من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به، ‏ { ‏هو خير مما يجمعون‏} ‏ أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة‏.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الناس } أي أهل مكة { قد جاءتكم موعظة من ربكم } كتاب فيه ما لكم وما عليكم وهو القرآن { وشفاء } دواء { لما في الصدور } من العقائد الفاسدة والشكوك { وهدى } من الضلال { ورحمة للمؤمنين } به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِخَلْقِهِ : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ } يَعْنِي ذِكْرَى تُذَكِّركُمْ عَذَابَ اللَّه وَتُخَوِّفكُمْ وَعِيدَهُ مِنْ رَبّكُمْ . يَقُول : مِنْ عِنْد رَبّكُمْ لَمْ يَخْتَلِقهَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَفْتَعِلهَا أَحَد , فَتَقُولُوا : لَا نَأْمَن أَنْ تَكُونَ لَا صِحَّةَ لَهَا . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقُرْآنَ , وَهُوَ الْمَوْعِظَة مِنْ اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِخَلْقِهِ : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبّكُمْ } يَعْنِي ذِكْرَى تُذَكِّركُمْ عَذَابَ اللَّه وَتُخَوِّفكُمْ وَعِيدَهُ مِنْ رَبّكُمْ . يَقُول : مِنْ عِنْد رَبّكُمْ لَمْ يَخْتَلِقهَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَفْتَعِلهَا أَحَد , فَتَقُولُوا : لَا نَأْمَن أَنْ تَكُونَ لَا صِحَّةَ لَهَا . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقُرْآنَ , وَهُوَ الْمَوْعِظَة مِنْ اللَّه .' وَقَوْله : { وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور } يَقُول : وَدَوَاء لِمَا فِي الصُّدُور مِنْ الْجَهْل , يَشْفِي بِهِ اللَّه جَهْل الْجُهَّال , فَيُبَرِّئ بِهِ دَاءَهُمْ وَيَهْدِي بِهِ مِنْ خَلْقه مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ بِهِ .وَقَوْله : { وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور } يَقُول : وَدَوَاء لِمَا فِي الصُّدُور مِنْ الْجَهْل , يَشْفِي بِهِ اللَّه جَهْل الْجُهَّال , فَيُبَرِّئ بِهِ دَاءَهُمْ وَيَهْدِي بِهِ مِنْ خَلْقه مَنْ أَرَادَ هِدَايَتَهُ بِهِ .' { وَهُدًى } يَقُول : وَهُوَ بَيَان لِحَلَالِ اللَّه وَحَرَامه , وَدَلِيل عَلَى طَاعَته وَمَعْصِيَته . { وَهُدًى } يَقُول : وَهُوَ بَيَان لِحَلَالِ اللَّه وَحَرَامه , وَدَلِيل عَلَى طَاعَته وَمَعْصِيَته .' { وَرَحْمَة } يَرْحَم بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه , فَيُنْقِذهُ بِهِ مِنْ الضَّلَالَة إِلَى الْهُدَى , وَيُنْجِيه بِهِ مِنْ الْهَلَاك وَالرَّدَى . وَجَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ دُون الْكَافِرِينَ بِهِ ; لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ عَمًى , وَفِي الْآخِرَة جَزَاؤُهُ عَلَى الْكُفْر بِهِ الْخُلُود فِي لَظًى . { وَرَحْمَة } يَرْحَم بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه , فَيُنْقِذهُ بِهِ مِنْ الضَّلَالَة إِلَى الْهُدَى , وَيُنْجِيه بِهِ مِنْ الْهَلَاك وَالرَّدَى . وَجَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ دُون الْكَافِرِينَ بِهِ ; لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ عَمًى , وَفِي الْآخِرَة جَزَاؤُهُ عَلَى الْكُفْر بِهِ الْخُلُود فِي لَظًى .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { يا أيها الناس} يعني قريشا. { قد جاءتكم موعظة} أي وعظ. { من ربكم} بعني القرآن، فيه مواعظ وحكم. { وشفاء لما في الصدور} أي من الشك والنفاق والخلاف، والشقاق. { وهدى} أي ورشدا لمن اتبعه. { ورحمة} أي نعمة. { للمؤمنين} خصهم لأنهم المنتفعون بالإيمان؛ والكل صفات القرآن، والعطف لتأكيد المدح. قال الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام ** وليث الكتيبة في المزدحم

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 55 - 61

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والخطاب هنا للناس جميعاً؛ لأن الحق سبحانه حين يخاطب المؤمنين بقوله تعالى:


{  يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }
[البقرة: 104].

فهذا خطاب لمن آمن بالمنهج.

والحق سبحانه وتعالى يخاطب الناس كافّةً بأصول العقائد، مثل قول الحق سبحانه:


{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ }
[النساء: 1].

أما المؤمنون فسبحانه يكلّفهم بخطابه إليهم، من مثل قول الحق سبحانه:


{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ }
[البقرة: 183].

ومثل قول الحق:


{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى }
[البقرة: 178].

أي: أن خطابه سبحانه للمؤمنين يكون دائماً في الأحكام التي يخطاب بها المؤمنين، أما في أصول العقائد والإيمان الأعلى بالواجد الموجِد، فهذا يكون خطاباً للناس كافة.

والحق سبحانه يقول هنا:

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ } [يونس: 57].

والأية هنا تصوِّر الموعظة وكأنها قد تجسَّدت وصار لها مجيء، رغم أن الموعظة هي كلمات، وأراد الله تعالى بذلك أن يعطى للموعظة صورة الحركة التي تؤثِّر وتحضُّ على الإيمان.

والموعظة هي الوصية بالخير والبعد عن الشر بلَفْظ ٍمؤثِّر، ويقال: فلان واعظ متميز، أي: أن كلامه مستميل وأسلوبه مؤثر وجميل، والموعوظ دائماً أضعف من الواعظ، وتكون نفس الموعوظ ثقيلة، فلا تتقبل الموعظة بيسر إلا ممن يجيد التأثير بجمال الكلمة وصدق الأداء؛ لأن الموعوظ قد يقول في نفسه: لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ترفعني، وأنت أعلى مني. فإذا قدَّر الواعظ هذ الظرف في الموعوظ فهو يستميل نفسه.

ولنتذكر الحكمة التي تقول: " النصح ثقيل، فلا تجعلوه جَدَلاً، ولا ترسلوه جَبَلاً، واستعيروا له خِفَّةالبيان "؛ وذلك لتستميل أذن السامع إليك فتأتي له بالأسلوب الجميلَ المقنع الممتع الذي يعجبه، وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه.

والموعظة تختلف عن الوصية؛ لأن الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء، وهَبْ أن إنساناً مريضاً وله أولاد، وحضرته الوفاة، فيقولم بكتابة وَصِيَّته، ويوصيهم بعيون المسائل.

والحق سبحانه يقول هنا:

{ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ } [يونس: 57].

والموعظة إما أن تسمعها أو تفرضها، ولأنها موعظة قادمة { مِّن رَّبِّكُمْ } فلا بد من الالتفات والانتباه، وملاحظة أن الحق سبحانه قد اختص الموعظة بأنها من الرب، لا من الإله؛ لأن الإله يريدك عابداً، لكن الرب هو المربِّي والكفيل، وإن كفرت به.

وهذه الموعظة قادمة من الرب، أي: أنها من كمالات التربية، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع مابين قسمين: القسم الأول هو مقوِّمات الحياة التي يعطيها الحق سبحانه من قُوت ورزق ـ وهذه المقومات للمؤمن، وللكافر ـ والقسم الآخر هو مقومات القيم التي ترسم منهج حركة الحياة، وهذه للمؤمن فقط.

إذن: فالموعظة هي نوع من التربية جاءت من ربكم المأمون عليكم؛ لأنه هو الذي خَلَق من عَدَم وأمَدّ من عُدْم، ولم يختص بنعمة الربوبية المؤمنين فقط، بل شملت نعمته كل الخلق.إذن: فالموعظة تجيء ممن يُعطي ولا ينتظر منك شيئاً، فهو سبحانه مُنزَّه عن الغرض؛ لأنه لن ينال شَيئاً منك فأنت لا تقدر على شيء مع قدرته سبحانه.

والموعظة القادمة بالمنهج تخصُّ العقلاء الراشدين؛ لأن حركة العاقل الراشد تمر على عقله أولاً، ويختار بين البدائل، أما حركة المجنون فهي غير مرتَّبة ولا منسَّقة، ولا تمر على عقله؛ لأن عقله مختل الإدراك وفاقد للقدرة على الاختيار بين البدائل.

ولكن لماذا يُفسِد العاقل الاختيار بين البدائل؟

إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى، والهوى إنما ينشأ مما في النفس والقلب؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ } [يونس: 57].

أي: أنه سبحانه قد أنزل عليكم ما يشفي صدوركم من غِلّ يؤثر في أحكامكم، وحقد، وحسد، ومكر، ويُنقِّي باطن الإنسان؛ لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني، ولا بد أن يُشفى النبع الوجداني؛ ليصحَّ؛ حتى تخرج الحركات من الجوارج وهي نابعة من وجدان طاهر مُصفّى وسليم؛ وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان سليمة.

ولذلك قال الحق سبحانه:

{ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } [يونس: 57].

وجاءت كلمة " الشفاء " أولاً، لتبيِّن أن الهداية الحقَّة إلى الطريق المستقيم تقتضي أن تُخْرِج ما في قلبه من أهواء، ثم تدلَّه إلى المنهج المستقيم.

وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة؟ نجيب: إن الشفاء هو إخراج لما يُمْرِض الصدور، أما الرحمة فهي اتْباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى، وأقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:


{  وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }
[الإسراء: 82].

وهكذا يتبيَّن لنا أثر الموعظة: شفاء، وهدى، ورحمة، إنها تعالج ليس ظواهر المرض فقط، ولكن تعالج جذور المرض.

إذن: فشفاء الصدور يجب أن يتم أولاً؛ لذلك نجد الطبيب الماهر هو من لا ينظر إلى ظواهر المرض فقط ليعالجها، ولكنه يبحث عما خلف تلك الظواهر، على عكس الطبيب غير المدرَّب العَجُول الذي يعالج الظاهر دون علاج جذور المرض.

ومثال ذلك: طبيب الأمراض الجلدية غير الماهر حين يرى بثوراً؛ فهو يعالجها بما يطمسها ويزيلها مؤقَّتاً، لكنها تعود بعد قليل، أما الطبيب المدرَّب الفاهم فهو يعالج الأسباب التي تُنتج البثور، ويزيلها بالعلاج الفعَّال؛ فيقضي على أسباب ظهورها.

وفي القرآن الكريم نجد قصة ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام، فقد قال له الحق سبحانه:


{  ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ }
[ص: 42].

أي: اضربْ برجلك ذلك المكان يخرجْ لك منه ماء بارد، تغتسل منه؛ فيزيل الأعراض الظاهرة، وتشرب منه ليعالج أصل الداء.

إذن: فالموعظة وكأنها تجسَّدت، فجاءت من ربكم ـ المأمون علكيم ـ شفاءً حتى تعالج المواجيد التي تصدر عنها الأفعال، وتصبح مواجيد سليمة مستقيمة، لا تحلُّل فيها، وهدى إلى الطريق الموصِّل إلى الغاية الحقَّة، ورحمة إن اتبعها الإنسان لا يُصَابُ بأيِّ داءٍ، وهذه الموعظة تؤدي إلى العمل المقبول عند الله سبحانه.

ولكن إنْ صحَّتْ لك الأربعة النابعة من الموعظة: الشفاء، والهدى، والرحمة والعمل الصالح، فإيّاك أن تفرح بذلك؛ ففوق كل ذلك فضل الله عليك؛ ولذلك يقول الحق سبحانه: { قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ }


www.alro7.net